حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية

اختفى حليفها الإخواني الكبير.. والبديل الإيراني يفرض شروطا معقدة

حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية
TT

حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية

حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية

* ما رفضه مبارك من اقتطاع لأراض في سيناء قبله مرسي سرا ووجدت فيه حماس حلا مثاليا يقود إلى دويلة مستقلة تعيش في ظل رعاية إخوانية
* لم تكن المقاومة عند حماس سوى بقاء في السلطة وتفاهم مع إسرائيل على عدم إطلاق الصواريخ. ومع وصول مرسي إلى الرئاسة باتت حماس ترى الأمور بعيون الطرف المنتصر بلا حدود
* في ظل «الإخوان» ضمنت مصر وقف حماس إطلاق الصواريخ مما اعتبر تغيرا جوهريا في سياستها تجاه غزة واقترابا من مسؤوليتها عن شؤون القطاع كبديل لإسرائيل
* سهلت الأنفاق السرية التواصل الدائم بين الجماعات التكفيرية والسلفية الجهادية وحماس في قطاع غزة والتعاون على مستوى التدريب وتهريب الأسلحة والذخائر

لم تكن العلاقة بين مصر وحركة حماس في قطاع غزة، قبل سقوط مبارك أو بعده، ودية إلا نادرا. والاستثناء كان عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي استغرق عاما، منذ تنصيبه رئيسا في 30 يونيو (حزيران) 2012 حتى عزله في 3 يوليو (تموز) 2013. عام يحلو لمراقبين وصفه بعام حماس الذهبي. فأنفاق التهريب تعمل بكفاءة نادرة في تهريب كل السلع المصرية المدعومة، والمسروقات من السيارات الحديثة التي يملكها مصريون، إلى قطاع غزة. ومن الأنفاق، يأتي إلى مصر جهاديون تكفيريون، وأسلحة مختلفة الأشكال والأنواع، وخبرات في تصنيع المتفجرات عن بعد، وسيارات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة، وغيرها مما يدخل في باب تهديد الأمن القومي لأي دولة.
بينما كانت حكومة حماس التي تسيطر على غزة تحصل الأموال تحت صفة جمارك على المهربات من مصر، وأموال أخرى مقابل التصريح بحفر نفق وعمله وخدمته، مما كان يدر عليها ما يقرب من 400 مليون دولار سنويا - كانت مصر تتلقى التهديدات وتواجه الإرهاب والترويع، بل والتدخل في شؤونها الداخلية.
بالقطع، لدى حماس تفسير ودافع لبقاء هذه الأنفاق بخيرها وشرها، وحتى زيادة أعدادها؛ فهي النافذة الكبرى المتاحة لمواجهة الحصار الإسرائيلي، المتمثل في غلق المعابر الستة التي تربط القطاع بإسرائيل، التي يفترض القانون الدولي أنها دولة احتلال مسؤولة عن توفير أسباب الحياة للقطاع المحتل.
وكما هو معروف، فإن الأمور، خاصة ما يتعلق منها بإسرائيل، لا تسير أبدا وفق القانون الدولي، بل وفق الأهواء الدولية، والمتغيرات والمعادلات على الأرض. ساعدت على ذلك، رغبة تل أبيب، ومن خلفها واشنطن، في التخلص النهائي من عبء الاحتلال، من خلال إلقاء عبء توفير الاحتياجات المعيشية على مصر، في مرحلة أولى. ثم في مرحلة ثانية طرح تصور يقضي باقتطاع جزء من الأراضي المصرية في شمال سيناء الملاصقة للحدود الجنوبية لقطاع غزة، ومبادلته بجزء أقل من أراض تخضع لإسرائيل في صحراء النقب يضم إلى الأراضي المصرية، على أن يتحول القطاع بعد إلحاق الأراضي المصرية به، إلى دويلة فلسطين، وينتهي بذلك الصراع التاريخي!
وهنا، تتعدد التقارير والدراسات التي تشير إلى أن الرئيس الأسبق، حسني مبارك، رفض هذا الطرح الاستعماري بشدة وأغلق أي حديث حوله. لكن هذا الطرح، قبل بشكل سري، من قبل الرئيس الإخواني وجماعته، وبدعم أميركي كبير. ولما كانت حماس جزءا من جماعة الإخوان الكبرى، فالمرجح أنها وجدت في هذا التصور حلا مثاليا، أو لنقل مناسبا، للتحول إلى دويلة مستقلة تعيش في رعاية مصر الإخوانية.
الأنفاق.. معضلة أمنية وهدية إخوانية
وفي الطريق إلى تحقيق هذا التصور الذي يقضي تماما على كل الأبعاد الوطنية والقومية والإسلامية للقضية الفلسطينية، لم تجد حماس أفضل من الابتعاد عن الارتباط بإسرائيل، وفي الوقت نفسه، وضع مصر أمام أمر واقع، يتمثل في توظيف الأنفاق، غير القانونية، في بناء شبكة مصالح مع قسم من أهل شمال سيناء، والالتفاف على حصار إسرائيل الاقتصادي للقطاع، ومن ثم تحميل مصر مسؤولية توفير أساسيات الحياة للفلسطينيين في غزة (ولو بطريق غير مباشر)، وجعل قرار هدم الأنفاق، حتى لو أرادت الحكومة المصرية ذلك كليا أو جزئيا، غير قابل للتنفيذ عمليا.
من جانبها، أنهت مصر في عهد الرئيس المعزول، تحفظاتها على استمرار تلك الأنفاق. وتغاضت عن كل التهديدات المحتملة التي قد تجلبها للأمن القومي المصري. وبينما كان العدد التقريبي للأنفاق في نهاية حكم الرئيس الأسبق مبارك، ما بين 500 إلى 400 نفق، وصل العدد التقريبي في زمن حكم «الإخوان»، إلى أكثر من 1200 نفق، بعضها كان مجهزا بالحوائط المسلحة وتسمح بمرور سيارات النقل متوسطة الحجم وسيارات نقل المنتجات النفطية المصرية المدعومة.
والمعروف أن القوات المسلحة المصرية بعد أن قامت جماعة تكفيرية إرهابية بقتل 16 جنديا مصريا خلال إفطار رمضاني صادف 3 أغسطس (آب) 2012، تبين لها أن الفاعلين يستغلون الأنفاق مع قطاع غزة، لجلب الأسلحة والهروب بعيدا عن الأجهزة الأمنية المصرية. وتبين أيضا، أن هناك تعاونا وثيقا بين الجماعات الإرهابية العاملة في سيناء وجماعات مشابهة لها، جرى تحت حماية حركة حماس في القطاع ورعايتها. وهو التعاون الذي أدى إلى قتل الجنود المصريين في هجوم خاطف، من دون مراعاة لأي قيم دينية أو وطنية أو قومية.
وكان قرار القوات المسلحة آنذاك، هدم الأنفاق أو بعضها، للتدليل على قدرة الدولة المصرية على السيطرة على حدودها. لكن الرئيس مرسي طلب من القوات المسلحة المصرية، آنذاك، أن توقف تلك العملية تماما، بما في ذلك عدم مواجهة الجماعات الإرهابية، ووقف البحث عن قتلة الجنود المصريين، بل فضل أن يجري التواصل مع هذه الجماعات من خلال مبعوث رئاسي ينتمي إلى الجماعة الإسلامية التي كانت مسؤولة عن عنف عقد التسعينات، للتواصل مع قيادة هذه الجماعات المسلحة لتهدئة الوضع الأمني في سيناء، باعتبار أن الحكم القائم في مصر هو إسلامي يتوافق مع المرجعيات الحاكمة لتلك الجماعات. وهذا ما ساعد بالفعل، على بناء تفاهمات سياسية كبيرة بين جماعة الإخوان وهذه الجماعات، تطورت لاحقا، إلى نوع من التحالف في مواجهة الدولة المصرية ومؤسساتها، خاصة الأمنية. وكان من نتائج هذا التحالف البغيض، أن هدأت الأعمال الإرهابية لكي تتوافر لحكومة الرئيس مرسي فرصة استكمال الهيمنة على المؤسسات المصرية، وفي المقابل، تمتعت هذه الجماعات بحرية حركة كبيرة سواء في سيناء أو في التواصل والتعاون مع نظرائها من الجماعات الأخرى في قطاع غزة.
علاقة استراتيجية جديدة
وهكذا، تبلور أول ملامح علاقة استراتيجية جديدة بين مصر في ظل «الإخوان» وحركة حماس، ووراءها الجماعات الإسلامية المسلحة والتكفيرية والإرهابية العابرة للحدود، في الشهور الثلاثة الأولى من حكمهم. إذ تركت مصر الإخوانية لحركة حماس، الحبل على الغارب، فيما يتعلق بإنشاء المزيد من الأنفاق، وبأن تقوم أجنحة حماس المسلحة، خاصة كتائب عز الدين القسام، بنقل خبرات التدريب العسكري إلى الجماعات الإسلامية المصرية وغير المصرية التي تجمعت في سيناء. وفي السياق ذاته، اختفت تماما أي جهود مصرية لتحقيق مصالحة فلسطينية بين حكومة حماس في غزة والسلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله. كما اختفى أيضا الاهتمام المصري بملف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية. وتقلصت إلى حد كبير الاتصالات المصرية الرسمية مع السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.
في ظل هذه التطورات، أعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحت من قبل، حول طبيعة حركة حماس كحركة مقاومة، بينما هي تمارس سلطة حكومية على قسم من الشعب الفلسطيني يعيش على جزء مهم من أرض فلسطينية، خاصة منذ الاقتتال مع حركة فتح وإنهاء وجودها في القطاع صيف 2007، مما جعل القطاع خاضعا تماما لسطوة حماس وحكومتها التي لم يعترف بها أبدا.
هذه الأسئلة، كانت قد طرحت بقوة بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وفق إجراءات وآليات اتفاق أوسلو 1993 الخاص بالحكم الانتقالي والمرفوض تماما من الحركة، وقوامها هل يمكن الجمع بن السلطة الحكومية وما تعنيه من التزامات تجاه الشعب للبقاء والتطور، ومقاومة مسلحة تعمل سرا في غالب الأحوال، وذات هدف أصيل يتمثل في مواجهة الاحتلال وتحرير الأرض، ومن ثم بناء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمترابطة جغرافيا؟!
تناقضات السلطة والمقاومة
ورغم التناقض الجوهري بين التزامات الحكومة والسلطة التي تتطلب الانفتاح على العالم وتأمين الاحتياجات المعيشية للمواطنين وتطوير حياتهم، والتزامات المقاومة التي تتطلب الانخراط في أعمال عسكرية وشبه عسكرية، وبناء ظهير مجتمعي يحمي تلك الأعمال، ويتحمل التضحيات، ويمدها بالقدرات المادية والبشرية، فقد رأت حماس في نفسها القدرة على الجمع بين هذين الالتزامين، على الأقل من خلال التمسك بقدراتها العسكرية التي يمكن أن تستخدم بين الحين والآخر، في توجيه ضربات صاروخية ضد إسرائيل، التي عادة ما ترد بعمليات عسكرية كبيرة تخلف دمارا وشهداء كثيرين. وكذلك الانخراط في أعمال الدعاية ضد السلطة الوطنية ورئيسها ورفض منهج المفاوضات، مع تحمل نتائج ذلك دوليا. والنظر في الوقت ذاته، إلى فصل القطاع تماما عن الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، والسيطرة عليه بقوة، على أنه خطوة نحو تحرير فلسطين، مع تجاهل التداعيات الخطيرة لهذا النهج على القضية الفلسطينية كقضية قومية تجمع بين تحرير الأرض والشعب. وقد أتاح ذلك لإسرائيل، فرصة ذهبية للتنصل من كل التزاماتها؛ سواء ما يتعلق منها باتفاق أوسلو أو التفاهمات الأخرى التي تلته، واستمرت كل حكوماتها في محاصرة القطاع، وبناء المستوطنات في الضفة، وبناء جدار عازل التهم مساحات واسعة من الضفة وقسمها إلى كانتونات صغيرة غير مترابطة، والضرب بعرض الحائط كل الجهود الدولية للدخول في عملية تفاوض جادة تنهي الصراع، مستندة في ذلك إلى التشرذم الفلسطيني وعدم وجود قيادة تستطيع اتخاذ قرارات كبرى يؤيدها غالبية الفلسطينيين.
نتائج كارثية
لم تهتم حماس، سواء قيادتها السياسية التي كانت موجودة في دمشق أو حكومة الأمر الواقع في غزة، كثيرا بالنتائج الكارثية للتشرذم الفلسطيني. وتعاملت مع جهود مصر في سنوات حكم مبارك الأخيرة، لتحقيق مصالحة مع فتح، باعتبارها فرصا لإضاعة الوقت، والحصول، من ورائها، على اعتراف دولي بأنها سلطة حكومية متكاملة الأركان، وعلى بعض تسهيلات من مصر لمرور الأفراد والبضائع والتغاضي عن أنفاق التهريب.
ورغم وضوح أن نهج الجمع بين المتناقضات لا يؤدي إلى نتائج كبرى على الأرض، بل على العكس يحمل في طياته عناصر الفشل الجسيم، فقد ساعد حماس على الاستمرار في هذا النهج ارتباطها العضوي مع دول وقوى إقليمية شكلت ما اعتبرته جبهة الممانعة والمقاومة، أي ممانعة السياسات الأميركية ومقاومة القوة الإسرائيلية، وهي سوريا التي استقرت فيها قيادة حماس السياسية لفترة طويلة، وإيران التي قدمت الأموال والأسلحة بكثافة، وحزب الله الذي قدم الخبرات القتالية. وفي فترة المد التركي الأردوغاني، نالت حماس في غزة الكثير من التأييد الدعائي وبعض المعونات.
ظنت حماس ومؤيدوها الإقليميون أن مجرد استمرار هذه الصيغة هو عين النجاح، رغم أنها صيغة تضمنت فعليا وقفا كاملا وصارما للصواريخ الفلسطينية تجاه الأراضي الإسرائيلية، لا سيما بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة المعروف بـ«الرصاص المصبوب» نهاية يناير (كانون الثاني) 2009، بعد تدخلات مصرية كبيرة لدى إسرائيل، وضغوط مارستها السعودية على الولايات المتحدة.
ومن المتناقضات الكبرى أن حماس عدت الوقف المتبادل للأعمال العسكرية مع إسرائيل، وتعهدها بالسيطرة على كل الفصائل الفلسطينية المسلحة العاملة في القطاع، وقيام الولايات المتحدة كجزء من التفاهم الكلي بما يلزم لمنع وصول الأسلحة إلى القطاع خاصة من البحر - انتصارا كبيرا، بل ودليلا على حيوية النهج المقاوم الذي تتبعه! وتناست حماس ومؤيدوها أن عملية «الرصاص المصبوب» خلفت خسائر رهيبة، كتدمير أكثر من 1500 موقع ومئات الشهداء وآلاف المصابين وتشريد ما يقرب من 40 ألف أسرة فلسطينية.
الأكثر من ذلك، فإن التفاهمات الخاصة بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، لم تتضمن أي تغييرات في طريقة عمل المعابر التي تربط بين القطاع وإسرائيل، وكذلك معبر رفح الذي أصرت مصر الإخوانية على استمرار الترتيبات التي كان معمولا بها إبان وجود السلطة الفلسطينية قبل صيف 2007 في القطاع، كأساس لعمل المعبر لعبور الأفراد وعدم السماح لتحويله إلى معبر للسلع، كما أرادت حكومة حماس.
لقد جسدت هذه التفاهمات والخسائر المادية والبشرية فشلا جسيما لنهج حكومة وحركة حماس، ومع ذلك لم تحدث أي مراجعات، بل جرى التركيز على أن مجرد استمرار حماس كحكومة في غزة، هو دليل الانتصار الناصع.
الربيع العربي وتداعياته
حين جاء الربيع العربي وما حمله من تغييرات جذرية خاصة في مصر، بدا الأمر مبشرا وحاملا لخير كثير، فقد جرى التخلص من نظام مبارك، وافتقدت السلطة الفلسطينية الداعم الأكبر لها، وصعد نجم الإخوان المسلمين مصحوبا بحركة شعبية إسلامية ومدنية أرادت أن تغير كل شيء، باعتباره من تراث حكم الرئيس المعزول. بدا الأمر في أيامه الأولى كأنه يصب في مصلحة حماس جملة وتفصيلا، إلى أن مر الربيع العربي على سوريا، أخذ يتحول تدريجيا إلى دماء غزيرة للسوريين ومعارك حربية بين النظام والمعارضة التي باتت مسلحة، وإلى أفق سياسي مسدود. وجاء زمن رد الجميل ودفع الثمن. واتخذت حماس قرارها بالتخلي عن دعم دمشق ورئيسها بشار، وتجاهلت العلاقات الاستراتيجية والمالية والتسليحية مع إيران وحزب الله، وقررت الدخول بقوة في محور جديد بدا مبشرا، تقوده مصر ما بعد مبارك، وتدعم الأمر نهائيا مع وصول «الإخوان» إلى سدة الرئاسة المصرية. بعبارة أخرى، فضلت حماس تحالفات جماعة الإخوان الدولية التي نجحت في مصر وتقاتل في سوريا، وتنشط بقوة في عدد آخر من الدول العربية.
في ظل هذه التغيرات الإقليمية الجذرية، التي لم تتوقف بعد، لم تكن المقاومة في عرف حماس سوى البقاء في السلطة والحرص على التفاهم مع إسرائيل الخاص بمنع إطلاق الصواريخ. ومع وصول الرئيس الإخواني مرسي إلى رئاسة مصر، تدعمت ثقة حماس، وباتت ترى الأمور بعيون أخرى؛ عيون الطرف المنتصر بلا حدود.
المفارقة هنا، أن حماس، التي تعاملت مع هذه التغيرات باعتبارها انتصارا تاريخيا، واستندت إلى وحدة المرجعية الفكرية مع النظام المصري الإخواني الجديد، كانت تخسر كل يوم تعاطف الشعب المصري. ويكمن السبب الرئيس فيما عرف بدور حماس في الهجوم على عدد من السجون المصرية يومي 28 و29 يناير 2011، وما ترتب عليه من خروج قيادات جماعة الإخوان التي كانت في تلك السجون آنذاك، وآلاف عدة من السجناء الخطرين، ومقتل عدد من ضباط الشرطة والجنود. وهو الدور الذي ثبت في تحقيقات واحدة من المحاكمات الجنائية الشهيرة، التي استمرت قرابة العام، وهي محكمة جنايات مستأنف الإسماعيلية، التي طلبت الهيئة الخاصة بها قبل ما يقرب من شهرين من نهاية حكم الرئيس المعزول مرسي، من النائب العام تحريك دعوى جنائية، بحق من ثبت أنهم اتصلوا ونسقوا من جماعة الإخوان المسلمين مع حركة حماس، لاقتحام عدد من السجون المصرية لتهريب عناصر مصرية وعربية منها. وهو القرار الذي فهم كثيرون أنه يتيح محاكمة الرئيس مرسي نفسه بتهمة الخيانة، فضلا عن الهروب من السجن. وبالفعل، هناك محاكمة لعدد من قيادات الجماعة متهمة بالاتصال بالخارج والإضرار بأمن الوطن.
وبينما ينظر المصريون إلى حركة حماس باعتبارها شريكا في جريمة جنائية، وأنها وراء بعض عمليات القتل التي حدثت بعد ثورة 25 يناير، ظلت حماس تنفي دعائيا دون تقديم الدليل، وهو نفي لم يغير شيئا من القناعات الشعبية التي أخذت في الانتشار، وشكلت أحد أسباب خروج ملايين المصريين في 30 يونيو مطالبين بعزل مرسي وإنهاء حكم «الإخوان».
العدوان الإسرائيلي وتفاهم نوفمبر 2012
أدت ثقة حماس بتحالفاتها الاستراتيجية الجديدة، إلى التخفف من تفاهمات فبراير (شباط) 2009، خاصة منع إطلاق الصواريخ على إسرائيل. ومن هنا، تكررت حوادث إطلاق الصواريخ من القطاع، رغم أنها لم تكن تحقق أي نتائج ذات معنى. في الوقت نفسه، سعت إسرائيل إلى اختبار رد الفعل المصري في ظل الرئيس الجديد، واستعادة الردع تجاه حماس، إضافة إلى أجواء الانتخابات الإسرائيلية ورغبة نتنياهو في تحقيق انتصار عسكري يساعده في العودة إلى رئاسة الحكومة مرة أخرى، مما شكل بيئة داعمة لشن عدوان جديد على غزة، الأمر الذي حدث بالفعل في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. وهذا ما عد اختبارا لجماعة الإخوان ورئيسها مرسي وتحالفها مع حماس.
حرص الرئيس مرسي آنذاك على التعامل مع العدوان الإسرائيلي باعتباره مسؤولا عن القطاع، وقام بسحب السفير المصري، واتصل مرارا بالرئيس أوباما، وبعد ما يقرب من أسبوع من العدوان الإسرائيلي تبلورت ملامح تفاهم انتهى إلى النتائج السابقة ذاتها، أي الوقف المتبادل لإطلاق النار والصواريخ، من دون أي تغيير في قضية المعابر، مع خسائر بشرية ومادية في القطاع.
لكن الأمر المهم هنا، هو أن مصر في ظل «الإخوان» أصبحت الضامن لحماس في وقف إطلاق الصواريخ، وهو ما عد تغيرا جوهريا في سياسة مصر تجاه القطاع، وحماس تحديدا، ويعني اقترابا أكثر لفكرة مسؤولية مصر عن شؤون القطاع كبديل لإسرائيل في التزاماتها القانونية والإنسانية كقوة احتلال. ومع اتضاح الحقائق لاحقا، تبين أن هذا الدور المصري الجديد لم يأت من فراغ، بل كان جزءا من التزامات إخوانية تجاه الولايات المتحدة بالتوصل إلى حل تاريخي يتضمن تغييرا في حدود مصر وخريطة قطاع غزة، وبناء دويلة تحت اسم فلسطين، مع تخفيف القيود عن حكومة حماس. وفي الآن نفسه، فتح الرئيس مرسي المجال بلا حدود أمام حماس لإنشاء المزيد من الأنفاق السرية، رغم تحفظات وتحذيرات واعتراضات الأجهزة الأمنية المسؤولة عن هذا النهج.
المصريون لا يفرطون في الأرض
من المهم هنا، تأكيد أن المصريين لديهم حساسية فائقة تجاه أي أفكار تمس الحدود المصرية من أي جهة كانت. لذا تنامى في مصر شعور بالدهشة الشديدة والغضب الجارف تجاه ما قيل عن قبول الرئيس المعزول وجماعة الإخوان التنازل عن جزء من أرض سيناء، مقابل إرضاء الأميركيين والإسرائيليين عن حكم «الإخوان»، ومنحه صك البقاء والاستمرار. وظهر غضب مصري شديد من نتائج الانفلات الأمني الذي تعانيه سيناء منذ فترة طويلة، وازداد عمقا وكثافة في فترة حكم «الإخوان»؛ فرغم قصرها الزمني، كان الثمن كبيرا، وتمثل في تحول سيناء، لا سيما منطقتي الوسط والشمال، إلى مناطق يرتع فيها التكفيريون والإرهابيون والقاعديون والسلفيون المسلحون، وكلهم ضد الدولة المصرية ومؤسساتها لا سيما الأمنية والدفاعية، وهذا ما تشهد عليه عمليات الاعتداء المتواصلة على الجنود المصريين وآلياتهم العسكرية ومعسكراتهم، إضافة إلى عصابات تهريب السلع والمخدرات والأسلحة والأفراد، سواء مع نظرائهم في القطاع أو مع المافيات الإسرائيلية.
وللتاريخ والحق، فإن جزءا كبيرا من حالة الانفلات الأمني في شمال سيناء، تعود إلى قلة أعداد القوات المصرية فيما يعرف بالمنطقة (ج) القريبة من الحدود مع إسرائيل، حيث تحظر معاهدة السلام لعام 1979 على القوات المصرية الوجود فيها إلا في شكل حرس حدود بأعداد محدودة وتسليح شخصي، إضافة إلى قوات شرطة. الأمر الذي ساعد على غياب قبضة الدولة عن مناطق كبيرة في وسط سيناء وشمالها، ومن ثم تحولت هذه المناطق، إلى جنة ذهبية لكل مهرب وخارج على القانون، ولكل تكفيري وإسلامي مسلح عنيف. وكما هو معروف، فإن ثورة 25 يناير 2011 أدت إلى انكسار جهاز الشرطة المصري، مما جعل الفراغ الأمني مسألة شائعة في أماكن كثيرة. وكانت سيناء أبرز تلك الأماكن وأكثرها معاناة من هذا الفراغ الذي استمر حتى نهاية حكم الرئيس المعزول محمد مرسي.
من جانب آخر، أسهم الحكم الإخواني في زيادة الطين بلة، نتيجة سعي جماعة الإخوان إلى بناء تحالفات قوية مع الجماعات الإسلامية بكل توجهاتها، وذلك على حساب مؤسسات الدولة المصرية ذاتها. وكانت قرارات العفو التي اتخذها الرئيس مرسي لكل عناصر الجماعات الإسلامية، بمن فيهم المتورطون المباشرون في عمليات إرهابية وقتل واستحلال دماء وأموال للمسلمين والأقباط في عقد التسعينات من القرن الماضي، الباب الواسع لخروج مئات من الإسلاميين ذوي الآيديولوجيات العنيفة، الذين وجدوا في شمال سيناء المأوى المثالي للبقاء وإعادة التنظيم والتجمع والاتصال بنظرائهم داخل غزة وخارجها، وهنا لعبت الأنفاق السرية مع القطاع الدور الأكبر في تسهيل التواصل الدائم وبناء تحالفات بين هؤلاء والجماعات ذات التوجه التكفيري والسلفي الجهادي في قطاع غزة، ونسج علاقات تكاملية في التدريب وتهريب الأسلحة والذخائر بين الجهاديين والتكفيريين المصريين و«كتائب القسام» التابعة لحماس.
وأسهمت وحدة الفكر والانتماء الآيديولوجي في تقوية هذه العلاقات ذات الطبيعة العسكرية، التي تصور الرئيس مرسي، في لحظة معينة، أن هذه التحالفات العضوية المسلحة، ستكون السند لحكمه في مواجهة مؤسسات الدولة المصرية، خاصة الأمنية. وهذا ما عبر عنه صراحة في آخر خطابين له، نهاية يونيو الماضي، حين قال بأن البديل لحكمه هو العنف والفوضى وسفك الدماء، وكذلك تصريح القيادي الإخواني محمد البلتاجي الشهير في منطقة «رابعة العدوية»، حين كانت خاضعة لسيطرة ميليشيات الجماعة، يوم إعلان عزل مرسي، بأن العنف في سيناء، الذي بدأ في اليوم ذاته بعد فترة سكون طالت طوال فترة حكم «الإخوان»، لن يتوقف إلا بعودة مرسي إلى كرسي الرئاسة.
تحولات حماس مرة أخرى
جاء عزل مرسي ونهاية حكم «الإخوان» لمصر، بمثابة كابوس ثقيل بالنسبة لحماس. فقد اختفى الحليف الكبير، وفشلت الخطط الخاصة بتغيير طبيعة القضية الفلسطينية، وأصبحت حماس وحيدة في مهب الريح. وبحكم قسوة الصدمة، تصورت حماس أنها عبر المواقف الدعائية الفجة ضد السلطة السياسية الجديدة في مصر، يمكنها أن تغير واقع الحال. لكن حماس، فشلت مرة أخرى في إدراك طبيعة التحول السياسي والشعبي في مصر، بما في ذلك عدم إدراكها معنى الإجراءات الأمنية والعسكرية التي تقررت فعلا، من أجل السيطرة الكاملة على الحدود مع غزة، وإغلاق الأنفاق تماما، وأبرزها دخول آليات عسكرية وأعداد كبيرة من الجنود وطائرات هليكوبتر، رغم القيود التي تضمنتها معاهدة السلام مع الجار الشمالي.
كان رد فعل حماس غريبا ويعبر عن غياب الرؤية. فقد هددت الجيش المصري، وبثت دعايات سوداء ضده، لم تبث إسرائيل مثلها، ولوحت بتحركات عسكرية نحو الحدود مع مصر، وأنكرت التضحيات المصرية التاريخية للقضية الفلسطينية، ورفضت المصالحة مع السلطة الوطنية. كما رفضت أي جهد يبذل من أجل استعادة المفاوضات. وأخيرا، قررت إعادة فتح قنوات الاتصال مع إيران وحزب الله، لعل ذلك يعيد الأموال والأسلحة الإيرانية إلى سابق عهدها.
لكن الرد الإيراني الأولي لم يحقق المطلوب. فقد طلبت طهران اعتذار حماس عن تقاعسها في دعم نظام بشار الأسد، كشرط لاستعادة العلاقة معها. كما طالبتها بإعلان وقوفها ضد ثورة الشعب السوري. الغريب أن تحرك حماس جاء في ظل دعاية تقول إنها ما زالت في معسكر المقاومة الذي لم يعد موجودا أصلا.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.