ليبيا.. العودة إلى «المربع صفر»

البحث عن حكومة جديدة لتوحيد المؤسسات المنقسمة على نفسها

ليبيا.. العودة إلى «المربع صفر»
TT

ليبيا.. العودة إلى «المربع صفر»

ليبيا.. العودة إلى «المربع صفر»

عادت محاولات التوصل إلى توافق بين الليبيين إلى «المربع صفر». ويجري حاليا البحث عن حكومة جديدة لتوحيد المؤسسات المنقسمة على نفسها. وتشهد العاصمة طرابلس استنفارا بين الميليشيات بعد نحو أسبوع على إعلان «حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل العودة للعمل، في أقوى تحدٍ للمجلس الرئاسي وحكومته برئاسة فايز السراج المدعوم من الأمم المتحدة. ويبدو مستقبل طرابلس غامضا مع توجه عدة ميليشيات موالية للسراج لمواجهة الميليشيات التي وقفت وراء الغويل معتبرة ما قام به هذا الأخير «انقلابا». لكن مجموعة الغويل بدأت هي الأخرى في اتخاذ إجراءات لترسيخ سياسة الأمر الواقع، فقد دعت البرلمان للحوار ودعت الحكومة المنبثقة عنه، المعروفة باسم الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، للتوافق.
من خلال اللقاءات التي أجريت على عجل في المنطقة الشرقية من ليبيا والبرلمان الذي يعقد فيها، بدا أنه لا توجد بعد تلك الثقة الكاملة في قدرة خليفة الغويل، رئيس ما يسمى «حكومة الإنقاذ»، على بسط سلطانه على العاصمة طرابلس، خصوصا بعد أن قام فايز السراج، رئيس حكومة المجلس الرئاسي المدعومة دوليًا، خلال اليومين الماضيين بجولة في طرابلس التقى خلالها شخصيات أمنية وعسكرية. ومن ثم حصوله على دعم دولي جديد، حتى لو كان من خلال التصريحات التي أطلقها بعض زعماء الدول خصوصا «مجموعة دول جوار ليبيا» في اجتماعها الأخير في مدينة نيامي عاصمة النيجر.
مع ذلك، يبقى الشأن الليبي في أيدي الليبيين أنفسهم رغم أي طموحات دولية. ويقول نائب رئيس الوزراء الليبي الأسبق، الطيب الصافي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه ينبغي على رئيس مجلس النواب (البرلمان) عقيلة صالح، التدخل بشكل عاجل لتوحيد المؤسسات الليبية من الحكومة إلى مؤسسات النفط والبنك المركزي. ومن جانبه، يتحدث لـ«الشرق الأوسط»، إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة في البرلمان الذي يضطر لعقد جلساته في طبرق منذ عام 2014، بثقة كبيرة عن أن المرحلة الجديدة في ليبيا ستكون في أيدي الليبيين، وليس المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر. وكان كوبلر يشرف على الحوار بين عدد من الأطراف الليبية، وتمكن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من إعلان توافق بين هذه الأطراف في مفاوضات احتضنتها مدينة الصخيرات المغربية. ونتج عن الصخيرات مجلس السراج الرئاسي وحكومته التي ما زالت تراوح مكانها بسبب رفض برلمان صالح منحها الثقة.

مرحلة الصخيرات
يعلن السراج في الاجتماعات التي حضرها مع شخصيات عسكرية وأمنية في العاصمة أنه مستمر في مزاولة أعماله، وأنه سيتخذ إجراءات سريعة لإثبات وجود حكومته في العاصمة وفي عموم البلاد، والتواصل مع باقي الخصوم. لكن عميش يرد بشكل قاطع قائلا إن مرحلة اتفاق الصخيرات انتهت، وإن «الحوار الليبي - الليبي» بدأ، و«أنا مستعد للمغادرة إلى طرابلس لبحث الأمر مع المؤتمر الوطني (جماعة الغويل)».
وموقف رئيس لجنة العدل والمصالحة هذا يدعمه عدد كبير من نواب البرلمان الذين كان لهم موقف سابق من رفض حكومة السراج. وهم في الوقت الراهن يمدون خيوط التواصل بالفعل مع حكومة الغويل. لكن الأمر ربما لن يكون بتلك البساطة. فمن جانبه، بعثت أطراف في البرلمان ما يمكن تسميته «كشافين» إلى العاصمة للاطلاع على الحالة الأمنية فيها، وعلى موازين القوى التي تسيطر على الشارع، وما إذا كانت الغلبة للسراج أم للغويل.
وشعر كثير من نواب البرلمان، الذي يرأسه المستشار صالح، بارتياح ملحوظ لما قاله كوبلر قبل أيام من أنه ينبغي إيجاد حل لكيفية إنشاء جيش موحّد على أن يكون تحت إمرة قائد الجيش الوطني الجنرال خليفة حفتر، بشرط أن تكون القيادة العليا للجيش بيد المجلس الرئاسي. وفي المقابل رد قادة مقربون من السراج بغضب على ما قاله كوبلر. وقام السراج نفسه مع قيادات، مثل عبد الرحمن السويحلي رئيس مجلس الدولة، بالاجتماع مع ضباط من الجيش ليسوا ممن يأتمرون بأوامر حفتر. وشن عدد من هؤلاء الضباط هجوما لاذعا على الجنرال الذي يتخذ من منطقة الرجمة القريبة من بنغازي مقرا له.
ووفقا لمصادر حضرت اجتماع طرابلس، فقد كان هناك «ضباط من أبناء المنطقة الغربية من طرابلس وما حولها، وضباط من الشرق الليبي ممن يقيمون منذ زمن في العاصمة وفي بلدات أخرى في غرب البلاد». إلا أن مجموعة الضباط المشار إليها لا يبدو أنها تملك تلك القوة التي يمكن من خلالها تقديم أي دعم يذكر للسراج وجماعة اتفاق الصخيرات. وعموما لا تقارن إمكانيات الضباط الذين شاركوا في الاجتماع في قاعة فندق المهير بالعاصمة، مع إمكانيات الميليشيات من حيث عدد العناصر المقاتلة والتسليح.
وترفض قوى في الشرق ترك القيادة العليا للجيش للسراج، كما يريد كوبلر. وترى في المقابل أن القيادة العليا للجيش ينبغي أن تستمر في يد رئيس البرلمان المستشار صالح، وفقا لما ينص عليه الإعلان الدستوري المعمول به منذ سقوط نظام معمر القذافي. أو كما يقول عميش: «أمور الليبيين يجب أن يقررها الليبيون. يكفي ما أصابنا من عثرات بسبب مبعوث الأمم المتحدة، السيد كوبلر. اتفاق الصخيرات، بمخرجاته، أصبح من الماضي، والآن نفتح ملف الحوار مع المؤتمر الوطني ومع حكومة الغويل».

لا اتفاق مع كوبلر
مع ذلك لا يوجد اتفاق كبير بين بعض القيادات السياسية الموالية لحفتر تجاه ما قاله كوبلر عن إيجاد دور للجنرال على رأس جيش موحّد في المرحلة المقبلة. هناك من يرى أنه موقف إيجابي من كوبلر وهناك من يرى أنه «تدخل سافر من كوبلر في سلسلة تدخلاته في الشأن الليبي»، وخطوة لإرباك المشهد، أو كما يقول عميش: «حين يأتي كوبلر اليوم ليفرض ويتحدث في هذا الموضوع يمكن أن يخلق فتنة ويعقد العملية أكبر مما هي عليه». ومن جانبه، رفض مجلس السراج طرح كوبلر بشأن حفتر بطريقة غير مباشرة وذلك عن طريق اجتماعه أخيرا مع ضباط من الجيش في المنطقة الغربية، وكأنه يريد أن يقول إنه يوجد جيش هنا أيضا يمكن التعويل عليه في المعادلة.
عمومًا، تبدو حكومة السراج المقترحة وكأنها قد تعلمت الدرس مما قام به رئيس حكومة الإنقاذ. وهي تريد أن تصلح كثيرا من الملفات العالقة، وإزالة العراقيل التي تفاقم الأزمة الأمنية والاقتصادية ليس في طرابلس فقط، ولكن في عموم البلاد. ويقول الدكتور عارف الخوجة، وزير الداخلية في حكومة السراج، لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه: «فلنعمل بكل قوة، وبتعاون كل القوى الوطنية سواء من خلال قوى رسمية أو غير رسمية لحلحلة الموضوع من خلال مشروع عام لكل المؤسسات وليس فقط مؤسسة وزارة الداخلية»، في إشارة إلى ما أعلنه السراج في لقائه مع قيادات الوزارة قبل يومين، من أنه لا بد من إصلاح وزارات الحكومة.

أخطاء السراج
من الأخطاء التي ارتكبها السراج وأدت إلى عودة حكومة الغويل، تركه للأمور في طرابلس بما فيها من هشاشة دون حسم الموضوع منذ البداية. فوفقًا لمصادر في المجلس الرئاسي، كان الغويل يلتقي دبلوماسيين أجانب في العاصمة باعتباره رئيس حكومة الإنقاذ على الرغم من أن العالم يعترف بحكومة السراج ويدعمها. ومن الأخطاء أيضا عدم حسم قضية الميليشيات والمجاميع المسلحة في طرابلس. ومن بينها ميليشيات ومجاميع مسلحة دعمت عودة الغويل بعد أن كان الاعتقاد يسود بأنها موالية للسراج.
ولكن رغم التربص والتحركات المريبة لكثير من الميليشيات التي تمتلئ بها طرابلس، فإن السراج يبدو متماسكا. وهو ما زال يسيطر وما زال يدير الأمور، والعاصمة تبدو هادئة. إلا أن هذا الواقع يدفع كلا من جماعة المؤتمر الوطني العام في طرابلس وجماعة البرلمان في طبرق، للضرب بقوة من أجل استثمار العاصفة التي أثارها الغويل. ويقول عميش: «يكفينا أنه أصبح يوجد تغير في السياسة الدولية فيما يتعلق بعدة ترتيبات لم تكن مطروحة من قبل».
وبينما يستمر التجاذب السياسي وتستمر محاولات التوافق مرة هنا ومرة هناك، يبدو أن البلاد تسير في حلقة مفرغة، أثرت بالسلب على الحالة الأمنية المنفلتة، وبخاصة عقب اقتحام مقر المخابرات في طرابلس على يد إحدى الميليشيات، وانتشار حالات الخطف والتصفية الجسدية في الشارع. كما أثرت هذه الأوضاع بالسلب على اقتصاد الدولة التي تعد من أغنى الدول الأفريقية بالنفط. ورغم تعدد الحكومات، فإن معظم المواطنين لا يجدون الأموال في المصارف، والرواتب تتأخر لعدة أشهر، بالإضافة إلى نقص حاد في السلع الأساسية والخدمات، مثل الكهرباء والمياه وغيرها.
وعن رؤيته للتطورات في ليبيا بعد ما قام به الغويل على الساحة السياسية والتنفيذية من خلال إعلانه الاستمرار في العمل رئيسا لحكومة الإنقاذ، يوضح الطيب الصافي: «ما أريد أن أقوله إننا في ليبيا لسنا مع تعدد الحكومات. تعدد الحكومات ظاهرة سلبية. حكومة الغويل وحكومة الثني وحكومة السراج.. أصبح لدينا مصرفان مركزيان ومؤسستان للنفط، ومؤسستان ليبيتان للاستثمار. هذه لها آثار سلبية وربما آثارها السلبية أكثر من إيجابياتها. أنا أدعو الجميع إلى أن نوحد جهودنا، وهذه الدعوة أوجهها للسيد المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب بأن يتبنى توحيد كل الإطارات الليبية من الحكومة إلى المصرف المركزي إلى المؤسسة الليبية للاستثمار إلى المؤسسة الوطنية للنفط».

المؤتمر الوطني العام
وعن دعوة رئيس حكومة الإنقاذ للحوار مع حكومة عبد الله الثني، والحوار بين المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق) والبرلمان الحالي، يقول الصافي إنه عندما تتحدث عن المبادرة التي طرحها السيد الغويل، «نعتبرها شيئا من التفكير بصوت عال وتفكيرا إيجابيا، ويجب أن ينسق مع إخوته في البرلمان، وأن يحيل هذه المقترحات للمستشار عقيلة صالح وأن يكون البرلمان هو من يتبنى مثل هذه المقترحات».
ويضيف الصافي أن أي تبن لأي حكومة جديدة يجب أن يمر من خلال البرلمان.. «نحن صراحة نتطلع إلى حكومة كفاءات وليس إلى حكومة محاصصة. أنت تعلم ظروف ليبيا الآن ظروفها السياسية وظروفها الاقتصادية وظروفها التنموية. البلد الآن يحتاج إلى إنقاذ، وإلى كفاءات، وإلى أناس لديهم القدرة والكفاءة على تناول كثير من الملفات الشائكة مثل ملف الصحة وملف التعليم والنفط والإنتاج والخدمات والاستثمار وغيرها».
ومن جانبه، يجيب عميش عما إذا كان ما قام به الغويل يمكن أن يتوافق مع البرلمان ومع حكومة الثني، بقوله إن الحوار قائم بين الطرفين.. كل ما حدث هو أننا عدنا لموضع الحوار الليبي الليبي. وإلى المسودة التي جرى إعدادها مع قيادات المؤتمر الوطني، في إشارة إلى الاتفاق المبدئي الذي توصل إليه مندوب البرلمان، عميش نفسه، ومندوب المؤتمر الوطني، الدكتور عوض عبد الصادق، نائب رئيس المؤتمر، التي بدأت لأول مرة في أواخر العام الماضي، وكانت محل اعتراض من كوبلر ومن أطراف دولية.
وقبل أيام من عودة الغويل والمؤتمر الوطني للواجهة أجرت «الشرق الأوسط» مقابلة مع الدكتور عبد الصادق، تحدث فيها عن العراقيل التي تعرضت لها محاولته مع النائب عميش لبدء حوار ليبي ليبي بدلا من حوار الصخيرات. ويقول: «للأسف نحن تم التضييق علينا (في المؤتمر الوطني) من المجتمع الدولي، منذ البداية.. المجتمع الدولي اعترف بالبرلمان وأغلق الباب في وجهنا». وتطرق أيضا إلى أسباب فشل المجلس الرئاسي في حل كثير من الملفات، ويقول إن من بين هذه الأسباب أن المجلس تم تكوينه بطريقة يصعب معها العمل.. «مجلس يتكون من تسعة أشخاص هؤلاء التسعة يمثلون ربما أجندات مختلة ويمثلون أفكارا فيها عدم التجانس وعدم التطابق»، بالإضافة إلى أن المجلس الرئاسي وحكومته «لم ينتج عن توافق حقيقي على الأرض، وإلا لكان تمكن من الحصول على دعم من قبل كل الشرفاء وكل الوطنيين لإنجاحه، ولكن هذا المجلس من البداية أصبح فيه غلبة لتيار.. أو لطيف معين».
ويضيف الدكتور عبد الصادق موضحًا أن المؤتمر الوطني لم يوافق منذ البداية على اتفاق الصخيرات، وأن ما حدث هو أن «هناك تيارا يمثل (الإخوان المسلمين) هو من ادعى أنه يمثل المؤتمر الوطني وذهب إلى الصخيرات ووقع على الاتفاق، وبالتالي خلق خللا حتى داخل طرابلس العاصمة وكذلك في المنطقة الشرقية، والآن ما نراه هو أن مجلس النواب لم يوافق على حكومة هذا المجلس، ولم يوافق على أعضائه بالكامل، ويرغب في العودة إلى المسودة الرابعة ليكون المجلس الرئاسي من رئيس ونائبين».
ويلخص عبد الصادق القضية بقوله إن «الإشكالية السياسية حدثت في ليبيا ما بين المؤتمر الوطني العام وما بين مجلس النواب ومن يريد أن يقفز على الحل أطراف بعيدة عن المؤتمر الوطني وبعيدة عن مجلس النواب»، لافتا إلى أن أسباب المشكلة في ليبيا كثيرة، منها أن «الأمم المتحدة لم تجد الحل بالطريقة الصحيحة والسليمة، وأن أطرافا دولية، وربما دول إقليمية، عندها مخاوف من تيارات معينة ربما قفزت وأصبحت في هرم السلطة من جديد. لكن هذه التيارات ستُبعد عن المشهد وسيكون هناك دور للشرفاء الوطنيين الذين لا يحملون أجندات سياسية إلا أجندة ليبيا والوطن وبناء ليبيا في محيط عربي ومحيط إقليمي يعمل على أن تكون شريك خير يستفيد بوصفه بلدا وتستفيد كل الدول المحيطة به».
وفي سؤال للنائب عميش بشأن ما إذا كان يخشى أن يكون هناك عقبات جديدة في الحوار مع المؤتمر الوطني حول شخصية المشير حفتر، يجيب قائلا: «لا.. أعتقد أننا كنا قد وصلنا في السابق إلى أننا لا نتحدث عن أشخاص وشخصيات، ولكن نتحدث عن مؤسسة عسكرية لا بد أن تكون باقية. وحين تحدثنا عن هذا الموضوع (مع المؤتمر الوطني) قلنا إن القضية تتعلق بالعسكريين وبالمؤسسة العسكرية، وإن هذا الأمر ليس من اختصاصنا نحن الآن. نحن يمكن أن نتحدث عن حرب في بنغازي أو عن إرهاب في المكان الفلاني، وعن سرت.. من الممكن أن نتحدث عن هذه القضايا وعن أسرى موجودين لدى الطرفين وعن تهدئة يمكن أن تتم حتى يتم حوار صحيح».
أما الدكتور عبد الصادق فيرد قائلا عن موقف المؤتمر الوطني من الجيش الوطني الليبي وقائده المشير حفتر: «نحن نسعى إلى إقامة مؤسسات أمنية عسكرية بالطريقة الصحيحة.. نسعى إلى إقامة جيش وطني.. لا يمكن لبلد أن تستمر بهذه الطريقة. نحن نسعى إلى إقامة مؤسسة شرطة وغيرها من كل المؤسسات الأمنية التي لا تقوم أي دولة الآن في العالم إلا على هذه المؤسسات. لكن أي شخصيات جدلية أو أي شخصيات، فنحن مستعدون أن نبحث (في أمر) هذه الشخصيات».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.