قلق خارجي وغضب داخلي من تصريحات إردوغان حول «معاهدة لوزان»

في حديث مباشر عن جزر بحر إيجة والحقوق التاريخية في الموصل

الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)
الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)
TT

قلق خارجي وغضب داخلي من تصريحات إردوغان حول «معاهدة لوزان»

الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)
الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)

أثارت مطالبة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتعديل معاهدة لوزان الموقعة في 24 يوليو (تموز) عام 1923 والتي تم بمقتضاها ترسيم حدود تركيا الحديثة الجدل في الخارج فضلا عن تفجير نقاشات حادة في الداخل.
ولم تكن تصريحات إردوغان، التي أدلى بها الأربعاء الماضي، هي الأولى حول المعاهدة التي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى، وإنما تكررت تصريحاته حولها وحول مضمونها مرات عدة. وربما زاد من الجدل حول تصريحاته الظروف الراهنة في المنطقة وارتباطها بالملفين السوري والعراقي، فضلا عن حالة التوجس بين تركيا واليونان والتوتر بينهما في بحر إيجة الذي يتصاعد بين الحين والآخر.
وفي نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي انتقد إردوغان المعاهدة قائلا إن «خصوم تركيا» أجبروها على توقيع معاهدة سيفر عام 1919 وتوقيع معاهدة لوزان 1923، وبسبب ذلك تخلت تركيا لليونان عن جزر في بحر إيجة «رغم أن الصرخة من هناك تسمع على الشواطئ التركية.. هناك توجد مساجدنا ومقدساتنا. هذه المشكلة ظهرت بسبب الذين جلسوا خلف طاولة المفاوضات في لوزان ولم يتمكنوا من الدفاع عن حقوقنا»، في إشارة إلى مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك والرئيس الراحل عصمت أينونو ورفاقهما.
والأربعاء الماضي عاد إردوغان وتساءل: «في لوزان، أعطينا جزرًا قريبة إلى حد أن صوتكم هنا يمكن سماعه هناك. هل هذا نصر؟».
وأحدث تشكيك إردوغان في معاهدة لوزان، التي اعترفت بنظام مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، ردود فعل مختلفة بين أنصاره ومعارضيه.
ويعتبر مؤيدو إردوغان أن تصريحاته هي تذكير بأن تركيا الحالية ليست سوى جزء من أراض أوسع كانت في الماضي تشكّل السلطنة العثمانية، في حين رأى فيها معارضوه انحرافًا خطيرًا باتجاه فكر عثماني جديد.
وفي أوج توسّعها كانت السلطنة العثمانية تسيطر على أراض تمتد من أفريقيا إلى المشرق العربي إلى البلقان.
وكانت معاهدة لوزان، هي آخر اتفاق يوقع مع بلد هزم في الحرب العالمية الأولى. ورسمت الحدود الحالية لدول البحر المتوسط حتى إيران بعد تفكك السلطنة العثمانية.
ورغم أن المعاهدة تعد أفضل من معاهدة سيفر 1919، التي جعلت أراضي تركيا تقتصر على نواحي إسطنبول وقسم من الأناضول، فإنها كرست خسارة كامل جزر بحر إيجة، باستثناء جوسيدا (ايمروز) وبوزكادا (تينيدوس)، لمصلحة اليونان.
وعلى الفور جاء رد رئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس بقوله «إن التشكيك في معاهدة لوزان أمر خطير على العلاقات بين بلدينا، وأيضًا بشكل أوسع على المنطقة».
وقلل وزير الشؤون الأوروبية اليوناني نيكوس كسيداكيس من تأثير تصريحات إردوغان قائلا: «إن التصريحات النارية لإردوغان باتت أمرًا معتادًا». ورأى أنها قد تعود إلى أن إردوغان «يواجه ضغطا داخليًا قويا» بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو الماضي والمشاكل مع جارتيه العراق وسوريا.
والتقطت صحيفة «تريبونيه» اليونانية تصريح إردوغان في مدينة ريزه شمال شرقي تركيا الأسبوع الماضي، الذي قال فيه «إن تركيا مسؤولة بالإضافة إلى 79 مليون مواطن تركي، عن مئات المواطنين الذين لها معهم روابط تاريخية وثقافية في المنطقة الجغرافية» وفسرته بأنه يكشف عن أهداف توسعية تشمل تراقيا الغربية.
وقالت الصحيفة إن القصد من كلمة إردوغان هو الحديث عن تراقيا الغربية، لافتة الانتباه إلى جديّة تركيا إلى حد كبير في هذا الصدد.
وأوضحت الصحيفة أن تركيا تجهّز لهذا المناخ، إذ قالت: «سواء أعجبكم الأمر أم لم يعجبكم إلا أن تركيا تجهّز لهذا المناخ».
وشاركت الصحيفة خريطة تدّعي من خلالها أن الأهداف التوسعية لتركيا تشمل بالإضافة إلى تراقيا الغربية، مدنا من سوريا والعراق، كالموصل وحلب.
وتراقيا الغربية هي المنطقة الجغرافية والتاريخية في اليونان، التي تقع بين نهري نيستوس وماريتسا في شمال شرقي البلاد، جنبا إلى جنب مع إقليمي مقدونيا، إبيروس، ويُشار إليها بشكل غير رسمي باسم «شمال اليونان».
لكن إردوغان أكد مرارا عدم وجود أي أهداف توسعية لبلاده في العمليات التي تقوم بها خارج الحدود بغرض مواجهة الإرهاب، لافتا إلى أن الهدف من العمليات التي تقوم بها القوات التركية هو الحفاظ على أمن حدود البلاد مع كل من سوريا والعراق، قائلا: إن الموصل سكانها عرب، وستبقى عربية، وكذلك جرابلس السورية، مؤكدا أن سبب رفض بعض الجهات للوجود التركي في الموصل يعود لكون تركيا ترغب في عدم حدوث صراع مذهبي هناك.
وقال أرشد هورموزلو كبير مستشاري الرئيس التركي السابق عبد الله غل لشؤون الشرق الأوسط إن وحدة الأراضي العراقية مهمة لتركيا، وتركيا ليس لها أطماع في أراضي أي دولة لكنها تمتلك الحق في القضاء على التهديدات الإرهابية الموجهة ضدها، بموجب الاتفاقيات الدولية.
واعتبر في تعليق لـ«الشرق الأوسط» أن رد فعل السلطات العراقية حول وجود قوات تركية في معسكر بعشيقة «ليس في محله». ويقول خبراء إنه من المنظور التركي تبدو الموصل ضمانة لمواجهة الطموحات الكردية.
ويبدو أن محافظة نينوى، بمساحتها ومواردها وتركيبتها الديموغرافية هي السد الذي يمكن أن يمنع الاتصال الفعال بين كردستان العراق والمواقع الكردية في سوريا التي تخوض تركيا عملية عسكرية فيها لإبعادهم عن حدودها.
ويعتقد الخبراء أن الوجود العسكري الإيراني الصريح في تكريت هو أحد العوامل التي تقلق تركيا وتدفعها للمطالبة بالوجود في عملية تحرير الموصل مع الأخذ في الاعتبار أن تركيا لا تفكر على الإطلاق في اقتطاع أراض من العراق أو سوريا وإنما تريد تأمين بقاء سكان هذه المناطق بتركيبتهم الديموغرافية دون تغيير ولذلك قامت بتدريب عناصر من العرب السنة وأصرت على مشاركتهم في معركة الموصل.
وكانت تركيا اتخذت قرارا بالقيام بعملية درع الفرات في مدينة جرابلس السورية، التي انطلقت في 24 أغسطس (آب) الماضي بعد تعرض حدودها لقصف من الجانب السوري قام به تنظيم داعش الإرهابي لأكثر من مرة، وكذلك أرسلت جنودها إلى الموصل فيما تقول إنه بطلب من رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي كما ظهر في تسجيل مصور، وذلك بهدف تدريب المتطوعين ضد تنظيم داعش.
وجاءت تصريحات إردوغان الأخيرة معاكسة لما كان صرّح به في 24 يوليو الماضي، خلال الاحتفال بالذكرى 93 لمعاهدة لوزان، حين أشاد بـ«وثيقة مؤسسة للجمهورية» ووصف إبرامها بـ«نصر الشعب بفضل إيمانه وشجاعته وتضحيته».
لكن بعد شهرين تغيرت اللهجة، وبلغ الأمر بإردوغان حدًا قال معه إن «من جلسوا على طاولة المفاوضات في لوزان لم يبرموا أفضل الاتفاقيات».
وكان إردوغان يستهدف بذلك عصمت أينونو أبرز مساعدي أتاتورك وخليفته في رئاسة الجمهورية، الذي يجله العلمانيون الأتراك إلى اليوم.
وأضاف إردوغان بتأثر: «واليوم نحن نعاني» آثار ذلك.
واعتبر ايكان أردمير، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرّها واشنطن، أن هذا «الانقلاب» في موقف الرئيس التركي يشير إلى تفتّت شعار الوحدة الوطنية الذي رفعه إردوغان إثر الانقلاب الفاشل منتصف يوليو الماضي، خصوصًا مع المعسكر العلماني.
وقال أردمير للوكالة الفرنسية للأنباء: «الآن وقد استعاد الرئيس التركي سيطرته التامة على البلاد بأسرها، شعر أنه في وضع مريح يمكنه من العودة إلى خطابه (المعادي) للجمهورية».
ولدت هذه التصريحات غضبا داخليا عبر عنه بلهجة أشد كمال كيليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك وهو أكبر أحزاب المعارضة في تركيا الآن، قائلا: «إن تصريحات إردوغان تعتبر خيانة للتاريخ». وقال مخاطبا الرئيس التركي: «لا تنس أنك تجلس على هذا الكرسي (كرسي رئاسة الجمهورية) بفضل لوزان».
واعتبر خيري أينونو، حفيد عصمت أينونو، ورئيس بلدية أحد أحياء إسطنبول، أن وجود «الجمهورية التركية» دليل بحدّ ذاته على أن معاهدة لوزان كانت نجاحًا، «وما عدا ذلك ليس سوى لغو».
بينما اعتبر الكتاب الموالون لإردوغان ومنهم يوسف قبلان، الكاتب بصحيفة «يني شفق» المقربة من الحكومة وإردوغان، أن معاهدة لوزان وقعت «صك وفاة» تركيا.
وفي رأي خبراء أن كلام إردوغان عن جزر بحر إيجة قصد به تصويب الوجهة نحو الموصل. مستندين في ذلك إلى تصريحات المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم إردوغان، التي تتابعت في الفترة الأخيرة عن الحق التاريخي لتركيا في الموصل، ومن ضمنها كركوك.
ويستدل المسؤولون الأتراك ومعهم بعض المؤرخين في تركيا على ذلك بالقول إن اتفاقية 1926 بين تركيا وبريطانيا والعراق جعلت تركيا تتخلى عن ولاية الموصل في مقابل بقاء العراق دولة موحدة، وإن لتركيا حقوقا في الموصل ونفط شمال العراق وإنها حصلت على بعض هذه الحقوق في عهد الرئيس الراحل تورجوت أوزال بموجب معاهدة 1926 لكنها لم تواصل المطالبة بحقوقها.
وعشية حرب الخليج الثانية في عام 1991، كان الرئيس التركي تورجوت أوزال يقول إنه إذا كان صدام حسين يقول إن الكويت محافظة عراقية، فإن العراق كله كان تابعًا لتركيا. وطالب رئيس حكومته يلديريم أكبولوت ورئيس أركان الجيش نجيب تورومتاي بتجهيز الجيش التركي لدخول شمال العراق واحتلاله وإقامة فيدرالية تركية مع شمال العراق. لكنّهما عارضا الفكرة.
وفي عام 1994 تحدث الرئيس التركي سليمان ديميريل عن ضرورة تعديل خط الحدود التركية العراقية لأسباب أمنية، وأشار إلى الموصل على أنها «تابعة لتركيا»، كما قال وزير الخارجية التركي في عام 2004 (رئيس الجمهورية السابق عبد الله غل) إنه إذا تقسّم العراق، فإن لتركيا حقوقًا تنجم عن ذلك، في إشارة إلى الموصل.
وعندما أقر النظام الفيدرالي في العراق، قال غل: «لقد سلّمنا الموصل إلى عراق موحد»، ما يعني أنه بما أن العراق لم يعد موحدا، فإن لتركيا الحق في استعادة الموصل.
ويفسر محللون إصرار تركيا على المشاركة في عملية الموصل بعد أن دخلت شمال سوريا لمحاربة تنظيم داعش ووقف تمدد حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي على حدودها، بأنه يرجع إلى سعيها لمنع مقاتلين أكراد من حزب العمال الكردستاني في عملية الموصل ومنع نشوء نقطة تمركز لهم في سنجار كما حدث في جبال قنديل شمال العراق وحتى لا يؤسس ممرا بريا بين العراق وسوريا لعناصره.
ويعتقد المحللون أن رهان أنقرة على أن المتغيرات الكبرى، ومنها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية أو حدود مناطق النفوذ في الشرق الأوسط والعالم، لا تأتي إلا بعد حروب كبرى وانهيار الدول المركزية. ومنطقة الشرق الأوسط تشهد اليوم، ومنذ سنوات، حالة شبيهة بذلك مفتوحة على كل الاحتمالات وأنه من هنا يأتي إصرار بغداد على عدم مشاركة تركيا في عملية الموصل ضد «داعش» لأن الحكومة العراقية استشفت من تصريحات إردوغان أن تركيا ربما لا تحترم الاتفاقيات التي تُوقّعها ولا تعترف بما رُسم من حدود، وهي تنظر إليها على أنها غير ثابتة وغير نهائية وتنتظر الفرص دائمًا لتغييرها من سوريا إلى الموصل وصولاً إلى بحر إيجة، بدليل أنها تسعى إلى التخلص من معاهدة لوزان.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.