الموصل.. مجتمعان مدني وحضري يجمعهما الطابع المحافظ

خريفها مثل ربيعها ولهذا تسمى «أم الربيعين».. وتضم كل المكونات العرقية والدينية والمذهبية في العراق

مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة
مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة
TT

الموصل.. مجتمعان مدني وحضري يجمعهما الطابع المحافظ

مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة
مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة

رغم أن النظام العراقي السابق، وفي إطار حملة لتغيير أسماء بعض المحافظات العراقية طبقًا لما تشتهر به عبر التاريخ، أطلق على محافظة الموصل (ثاني أكبر محافظة وأكبر مدينة بعد العاصمة بغداد) اسم نينوى لكن بقي الموصل اسمها الطاغي الأكثر شهرة. فحتى حين سقطت كل نينوى عام 2014 بيد تنظيم داعش، فإن التسمية التي شاعت في وسائل الإعلام هي «سقوط الموصل». واللجنة التي تم تشكيلها لبحث حيثيات السقوط رغم وجود نحو 5 فرق عسكرية مكلفة حمايتها أطلق عليها «لجنة سقوط الموصل».
اليوم وبينما تجري معارك طاحنة لاستعادتها من هذا التنظيم الإرهابي، فإن التسمية التي يشيعها العراقيون والأميركيون وكل التحالف الدولي هي «معركة الموصل».
تتوسد الموصل على نهر دجلة الذي شطرها إلى ساحلين دخلا تاريخ المساجلات السياسية منذ سقوطها على يد «داعش» عام 2014، وهما الساحل الأيمن والساحل الأيسر. تنوعها السكاني بين عرب وكرد وتركمان وشبك، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وسنة وشيعة، لم يلغِ ما اشتهرت به من طابع محافظ على مستوى العادات والتقاليد، وإن كانت مثلما يرى الناشط المدني الموصلي عبد الملك الطائي تنقسم إلى «مجتمع مدني داخل الموصل ومجتمع عشائري قروي في الريف لا يكاد يتميز كثيرًا لجهة الطابع المحافظ للمحافظة بشكل عام لكنه يضفي قدرًا من التنوع بين مجتمعي الريف والمدينة».
ويضيف الطائفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم وجود تجمعات عشائرية كبيرة في الموصل مثل شمر وطي والجبور واللهيب والعكيدات والبوحمدان وغيرها كثير، فإن أبناء الموصل عُرفوا عبر التاريخ بالتزام جانب النظام والدولة والانتماء إلى المواطنة، وهو ما تجلى في الروح العسكرية النظامية الصارمة لدى أهالي الموصل بالإضافة إلى الميادين الأخرى التي أدت إلى إضعاف البنية العشائرية لحساب البنية المدنية»، مشيرًا إلى أنه «في مرحلة من المراحل تراجعت العشائرية في المدن إلى حد كبير وبات الانتماء إلى المدينة أو الحي أو الحرفة أو المهنة أو ما إلى ذلك».
ويستمر الطائي في سرد رؤيته كباحث مدني مختص في هذه الشؤون قائلاً إن «المدنية في الموصل هي الأقوى، ومدينة لموصل بالذات تركت بصمتها المدنية والحضرية على كل أرجاء الموصل حتى الأرياف التي يفترض أن تكون سمتها هي التجمعات العشائرية».
ومن بين ما اشتهرت به الموصل ألقاب وتسميات عبر التاريخ كثيرة قسم منها يرتبط بما هو حضاري مثل منارة الحدباء التي تميز الجامع الكبير الذي أدى فيه أبو بكر البغدادي، زعيم «داعش»، الصلاة في أول جمعة بعد احتلاله المدينة، وكذلك تسمية «أم الربيعين» لاعتدال طقسها خلال فصلي الربيع والخريف وكان هناك على عهد النظام السابق احتفال مركزي سنوي في المدينة يطلق عليه مهرجان «أم الربيعين».
أما مفردة الموصل فهي كما تقول المعاجم من كلمة «أصل» وينشأ من ظرف مكان الفعل وصل. وكلمة «موصل» تعني مكانًا فيها يصل كل شيء، وهو ما جعلها اليوم في ظل الأطماع والطموحات الإقليمية والدولية مجالاً ليس لاختبار النيات في مرحلة ما بعد التحرير بقدر ما هي استراتيجيات متصارعة لمد خطوط نفوذها نحو أبعد نقطة ممكنة بالاستفادة من تنوعها العرقي والديني والمذهبي باتجاه نسف مبدأ التعايش التاريخي الذي عرفت عنه الموصل عن طريق خطط ومخططات ومشاريع تقسيم على أسس عرقية ودينية وطائفية، وهو ما يعني إلغاء جاذبية الموصل الحضارية والمدنية التي تعايش فيها الجميع عبر التاريخ من خلال ربيعين في السنة إلى مجرد خريف واحد يتناحر فيه القوم على مدار العام.
ورغم أن محافظها السابق وأحد أبرز القيادات السياسية فيها أثيل النجيفي يرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو ترك لأهالي الموصل حرية ترتيب أوضاعهم على أسس صحيحة من خلال لا مركزية إدارية أو حتى استحداث محافظات جديدة مثل تلعفر وسنجار وسهل نينوى، مما يجعل الأقليات العرقية والدينية تطمئن على مستقبلها، فإن ذلك يمكن أن يكون مفتاحا لاستقرار الموصل في المستقبل»، فإن الشيخ أحمد مدلول الجربا، وهو عضو في البرلمان العراقي، وأحد شيوخ قبيلة شمر ذات النفوذ الواسع في نينوى، يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مخاوف من أن تكون مثل هذه الدعوات مقدمة للتقسيم، لأن نينوى تعاني من مشكلات كثيرة لا يمكن حلها إلا عبر مائدة حوار حقيقية بين أهالي المحافظة من كل الأطياف، وليس عبر آراء ومقترحات مسبقة يمكن أن تعبث بخريطة نينوى التي نريد بقاءها حاليا على ما هي عليه قبل عام 2003 وليس بعد عام 2014، ومن ثم ننظر في الكيفية التي ينبغي من خلالها حل الإشكالات القائمة بين المكونات بالإضافة إلى طبيعة العلاقة الملتبسة مع إقليم كردستان عبر ما يسمى المناطق المتنازع عليها».
وبالعودة إلى ما يشاع عن دعم أهالي نينوى لتنظيم داعش، وهو ما سهّل بقاءه في الموصل وتمدده، يقول الجربا إن «القول إن هناك دعمًا من قبل العشائر في عموم محافظة نينوى لتنظيم داعش قول عارٍ عن الصحة تمامًا، لكنّ هناك أفرادًا من كل عشيرة من عشائر الموصل، مثلما هي عشائر المنطقة الغربية، يدعمون (داعش)».
ويعزو الشيخ الجربا اهتمام «داعش» بالموصل وتهويله الأنباء الخاصة بدعم عشائرها له إلى «رغبة هذا التنظيم في أن يعطي للموصل أهمية رمزية بحيث يجعل الموصل المعقل الثاني له بعد الرقة السورية». ويشير الجربا إلى «أننا لو أجرينا حسابا لأعداد تنظيم داعش الذين تقدرهم المصادر الاستخباراتية العالمية بنحو 35 ألف مقاتل وهم من جنسيات مختلفة ومن مناطق مختلفة، وحتى لو فرضنا أنهم كلهم من أبناء الموصل فإن نسبتهم إلى سكان الموصل لا تتعدى 1 في المائة، وحتى لو ضاعفنا العدد إلى 70 ألف مقاتل، فإن نسبتهم إلى سكان عموم محافظة نينوى لا تتعدى 2 في المائة، ومن هنا يتبين لنا مدى التزييف الإعلامي على صعيد هذه القصة».
وبشأن دور قبيلة شمر بوصفها من كبريات القبائل في الموصل، قال الجربا إن «تمدد شمر بين عدة أقطار عربية فضلا عن امتدادها من شمال العراق حتى جنوبه جعل رؤيتها للأمور وسطية ودائمًا تميل إلى الاعتدال والأهم من ذلك أن شمر في الماضي والحاضر لم تكن يومًا أداة بيد الدولة للبطش بالمدنيين».
وبينما يبدو أن أحلام أبو بكر البغدادي في بناء دولته المزعومة لـ«الخلافة الإسلامية» في الموصل التي راهن عليها بوصفها المعقل الأهم بعد الفلوجة والرقة ستتحطم، فإن الخشية لا تزال قائمة من مرحلة ما بعد «داعش» لكن ليس على المستوى السياسي فقط بل على المستوى الاجتماعي أيضًا.
وفي هذا السياق تقول عضو البرلمان العراقي عن محافظة نينوى انتصار الجبوري إن «من انتمى من أهالي الموصل إلى (داعش) قسم كبير منهم متزوجون، وبالتالي فإن زواجهم قديم ولا علاقة له بما جرى الحديث عنه عن (جهاد النكاح) الذي جرى تهويله لأسباب معروفة الهدف منها الإساءة لأهالي الموصل وتصويرهم على أنهم مع (داعش) وموالون له، وهذا غير صحيح، لأن أهالي الموصل ربما أكثر من أي مدينة عراقية أخرى احتلت من قبل التنظيم حصلت فيها عمليات مقاومة وغضب شعبي لأن الموصل تجمع خصلتين وهما المحافظة والمجتمع المدني».
وأوضحت النائبة أن «أهالي المكونات الأخرى من ديانات لا سيما الإيزيديين حصل لهم جرائم لا يمكن السكوت عنها، وهي ترقى في بعضها إلى جرائم الإبادة». وهذا بالفعل ما أكدته النائبة الإيزيدية عن الموصل فيان دخيل التي تقول إن «النساء الإيزيديات تعرضن للاغتصاب وتم بيعهن في أسواق النخاسة، وهو ما يجعلنا نشعر بغصة مما جرى لنا من بعض أهالي الموصل، لكن هذا لن يمنعنا من العودة إلى مناطقنا والعيش بها مهما كان الثمن لكننا في الوقت نفسه نطالب بحماية دولية لنا وأن يأخذ القانون مجراه بحق من ارتكب جرائم بحقنا».
وفيما رأت فيان دخيل أن «هناك حاجة ماسة للتسامح المجتمعي على أن نتفاهم على ذلك وأن تتبرأ كل عشيرة من المجرمين داخلها»، فإن المسألة الأهم المطروحة للنقاش وعلى شكل سؤال مفتوح على كل الاحتمالات هو: ماذا بعد «داعش»؟!



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.