صَبا محمود.. نحو أنثروبولوجيا الإسلام

معها تولَّد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات

صبا محمود
صبا محمود
TT

صَبا محمود.. نحو أنثروبولوجيا الإسلام

صبا محمود
صبا محمود

صبا محمود (مواليد 1962)، أنثروبولوجيَّة أميركيَّة (باكستانيَّة الأصل)، باحثة نقديَّة مُعاصِرة، تنتمي إلى الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت، وتهتم بقضايا كثيرة حول النظريَّة السياسيَّة والأنثروبولوجيا في منطقة الشرق الأوسط (عضو مركز الشرق الأوسط للدراسات) وجنوب آسيا (عضو معهد الدراسات حول جنوب آسيا). تركزت أعمالها حول مجتمعات ذات غالبيَّة مُسلمة، ولها مساهمات عِدة حول الأخلاق والسياسة، والعلاقة بين الدِّين والعلمانيَّة، ومكانة النِّساء ودورهِنَّ في تلك المجتمعات.
تشغل صبا حاليًا، منصب مُدرِّسة مُساعدة في جامعة كاليفورنيا – ولاية بيركلي، وقبلها عملت مهندسة معماريَّة لمدة أربع سنوات. غير أن شغفها بالبحث الأنثروبولوجي، وخصوصًا أنثروبولوجيا الإسلام، بدأ لما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة ستانفورد، على يد أستاذها طلال الأسد، الذي لعب دورًا هامًا في مسارها الجامعي والأكاديمي. في حوار لها مع ناثان شنايدر، تقول صبا حول ذلك: «كُنت مهندسةً معماريَّة لأربع سنوات، وعزمتُ على العودة إلى الدراسات العليا، من أجل التفكير في التحولات التي حدثت جراء الصعود الذي عرفه المشهد الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الإسلاميَّة. لم أكن أعرف حقًا كثيرًا عن الأنثروبولوجيا في ذلك الوقت، ولذا التحقت ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسيَّة، الذي وجدته ذا توجه مركزي أوروبي للغاية، فأدركت أنَّ هذا التخصص لن يساعدني في استكشاف نوعيَّة الأسئلة التي كُنت مهتمةً بها. كُنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت، لألِج حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة تخصصي الأصلي». وكانت تعتقد، في حينه، أن أي تخصص آخر كان سيستوعب نشاطها، و«لكن الأنثروبولوجيا مكنتني من متابعة مسألة الاختلاف بطريقة جديَّة»، ذلك أن الكتابات الأنثربولوجيَّة المبكرة عن مجتمعات المسلمين، كانت قد أغفَلت دور النِّساء، وتركَّزت حول «دراسة الآخر البِدائي من أجل تأكيد خصوصيَّة القيم الثقافيَّة والاجتماعيَّة الغربيَّة». وقد اتجه علماء الإناسة، فيما بعد، مع تيار ما بعد الحداثيين، للاشتغال بطريقة نقديَّة حول مسألة اختلاف الثقافات، والتاريخ، والتقاليد، وتجدد معه البحث فيما يعرف، حاليًا، بالتنوع الثقافي.
وقد مكَّنها تعاملها مع الفقراء والمحتاجين في الأحياء الهامشيَّة في أميركا وباكستان، من أجل مساعدتهم على تصميم المساكن وتمويلها وبنائِها، من إدراك قيمة الحياة الاجتماعيَّة التي يحاول فيها سكان هذه الأحياء «أن يفهموا عالمًا ألغى إلغاء كاملاً إمكانيَّة وجود حياة هانِئة. وعلى الرغم من هذا، ما زال الناس يحاولون إعادة بناء هذه الإمكانية، من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات».
نالت صبا محمود شهرةً واسعة بفضل أبحاثها القيِّمة حول مكانة النساء في المجتمعات ذات الغالبيَّة المسلمة، إذ أنجزت بحثها الميداني الأول (سياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية)، ما بين 1995 و1977، حول المُرشدات الدينيات في القاهرة، بعد أن فشلت في إنجازه بفاس والدار البيضاء والجزائر، ونالت بموجبه شهادة الدكتوراه، ومنحتها الجمعيَّة الأميركيَّة للعلوم السياسيَّة، جائزة فيكتوريا شوك سنة 2005. فإلى جانب مقالاتِها النَّقديَّة ودراساتِها العلميَّة، نشرت مجموعة من العناوين الهامَّة، منها: «هل النَّقد علماني؟» (2009) بمعيَّة طلال أسد، وجوديثبتلر، وويندي براون. وهو مؤلف نقدي يُعيد النَّظر في الجدل الذي أثارته الرسوم الدنماركيَّة، الذي صُوّر بأنه صراع بين التَّجدِيف وحريَّة التَّعبِير، بين الرؤيَّة العَلمانيَّة والرؤيَّة الدِّينيَّة للعَالم. ومن عناوينها «سياسات الحريَّة الدِّينيَّة» (2015)، و«الاختلاف الدِّيني في عصر العَلمنة: تقرير حول الأقليَّات الدِّينيَّة» (2015)، الذي ناقشت فيه التَّعدُد والتَّنوع الذي ميَّز منطقة الشرق الأوسط وبلدان آسيا الجنوبيَّة (سواء في البلدان المستقرة سياسيَّا واجتماعيَّا أو في البلدان التي تعيش اضطرابات جراء الحرب والصراعات الأهليَّة).
حظي كتابها «سياسة التَّقوى» بشهرة واسعة، بالنَّظر إلى تحليله للحركات الإسلاميَّة في مصر، التي غيَّرت الحياة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، والتي شجَّعت النِّساء على المُواظبة على الدروس الدينيَّة في المساجد التي تقدمها المرأة «الدَاعية» حول الدِّين، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، في مختلف مساجد القاهرة. وهي دروس هامَّة جدًا - في نظر صَبا - بالنظر إلى ما تثيره من نقاشات عميقة، أعادت الاعتبار للنِّساء المُسلِمات في الحياة الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، بعد التهميش الذي طالها بسبب تأويلات مغرضة في حق النساء، حيث دافعت بقوة عن خروج النِّساء إلى المجال العمومي لمناقشة مواضيع كانت، إلى عهد قريب، حكرًا على الرجال، ويتعلق الأمر بشؤون العقيدة والإيمان. فبرامج الوعظ والإرشاد التي اجتاحت بعض البلدان المسلمة (مصر، باكستان، المغرب...)، ستلعب دورًا هامًا في مجال التأويليَّات، وستُغذي كثيرًا من الأفعال والسلوكيات الإنسانيَّة.
تناولت صبا في هذا الكتاب، موضوعات هامَّة من قبيل: الحريَّة، وخريطة الحركة التَّقويَّة، والحِجاج أو فن الإقناع، والأخلاق العمليَّة والتقاليد، ودور الشعائريَّة... وقد قادتها هذه الدراسة إلى سؤال العلمانيَّة، معتبرة أن قضايا الإجهاض، وترسيم البابوات والأئمة الشواذ، وارتداء الحجاب، وإعلان الدِّين أو الآيديولوجيا، والنزاعات حول الإجهاض، وزواج المثليين... لا تهم مجتمعات ذات غالبيَّة مسلمة وحدها، بقدر ما تهم أيضًا العالم العلمانِي الذي جرَّب العلمنَة لقرون. فبعد أن فرض المسلمون أنفسهم في الغرب، عاد النِّقاش إلى المجال العام حول دور الدِّين في الحياة المعاصرة، حيث تقول: «إن تداخل الدِّين مع الحُكم المعاصر، لا يطغى فقط على المجتمعات غير الغربيَّة، إنما أيضًا على تلك الدول التي تُعد نماذج مثاليَّة لما ينبغي أن تكون عليه الدولة العلمانيَّة.
وهذا يتضح في التنظيم القضائي والتشريعي القائم لبعض جوانب الحياة الدينيَّة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا» (العلمانيَّة والاختلاف الجنسي والحريَّة الدِّينيَّة، ترجمة: نورة آل طالب). فاهتمامها بالحياة الاجتماعيَّة للقانون، خصوصًا أن كثيرًا من القضايا المعروضة على المحاكم عن حق الحريَّة الدِّينيَّة في الشرق الأوسط، تُخاض، ليس في المحاكم وحسب، ولكن من خلال الحملات الشعبيَّة التي تُطلق في المجالات الثقافيَّة والسياسيَّة. إذ يتشكل شعور الناس عما تعنيه الحريَّة الدِّينيَّة، من الجدل القائم بين منظمات حقوق الإنسان والحقوق المدنيَّة وحقوق الأقليَّات. لذلك، تركز بحثها، في مصر، حول العمل مع ممارسي النشاط الحقوقي، ولا سيما أولئك الذين يستخدمون البروتوكولات الدوليَّة لحقوق الإنسان في استراتيجيَّاتِهم القانونيَّة وحملاتِهم الشَّعبيَّة.
يتعلق الأمر إذن، بالاهتمام بمكانة الرأي العام وحيزه في النِّقاش العمومي. وهذا ما دفع الباحث جوليان بوجي، في قراءته لهذا الكتاب، إلى القول: «تجسد صَبا محمود، فكرة غاستون باشلار حول الرأي: الرأي تفكير سيئ، إنه لا يفكر بتاتًا، يترجم المعارف إلى حاجات». لأن الأطروحة اللِّيبراليَّة تعتقد أن «طرح الخطاب عن الحريَّة الدينيَّة، خصوصًا في صيغتها الفردانيَّة، سيؤدي إلى اختراق دائرة الدِّين والأسرة والاختلاف الجنسي، إذ إن القوة الحاسمة لذلك الخطاب، من شأنها أن تخلخل الدعامة الصلبة لتلك الدائرة. ولكن وكما أظهر تحليلي، فإن الخطاب الدائر حول حق الحريَّة الدِّينيَّة، عمَّق من تلك الدائرة، على عكس ما يُظن، مستثمرًا بصورة أكبر الهويات الأقليَّة والأغلبية في هذه المباحثة. وحقيقة، إن هذا الطرح، تحقق جزئيًّا عبر قوى عابرة للحدود القوميَّة، ممثلةً في السُّلطة والقانون، تُذكرنا بأن مسائل كهذه لا تُحسم ثقافيًّا فقط، بل جيوسياسيًا».
وهنا نتلمس مكمن الخلل في النَّظرة المعيَّاريَّة للدِّين. فـ«من الآثار المترتبة المُتناقضة لعلمَنة المجتمعات الإسلاميَّة، هو أنه مثلما أصبح للسُّلطة الدِّينيَّة دور هامشي في إدارة الشؤون المدنيَّة والسياسيَّة، فإنها تكتسب، في الوقت ذاته، مكانة مُميَّزة في تنظيم العلاقات الأسرية والجنسيَّة. بعبارة أخرى، نتج عن الخصخصة المتزامنة للدِّين والجنسانيَّة في العالم الإسلامي، اندماج الاثنين (الدِّين والجِنسانيَّة) اندماجًا حتميًّا، إذ إن مسائل الهويَّة الدِّينيَّة للغالبيَّة المُسلِمة والأقليَّات غير الُمسلِمة على حدٍّ سواء، غالبًا ما يستتبعها نزاعات حول الجندريَّة والزواج والأسرة. وعلى الرغم من أن بعض جوانب القصة حول خصخصة الدِّين والأسرة، يتشارك فيها الجزء الغربي وغير الغربي، فإن ما هو مميز بشأن المجتمعات ما بعد الكولونيَّاليَّة، هو أنه في أغلب الحالات، لا يزال قانون الأسرة يُدار بما يتوافق مع الإرشادات الدِّينيَّة فقط، من دون الرجوع إلى القانون المدني». فهل تستطيع قوانين الأسرة أن تحل كثيرًا من المشكلات المرتبطة بالحياة الفرديَّة الخاصة للمُسلِمات؟ وهل بإمكان النَّظرة المعياريَّة أن تذهب بعيدًا في ضمان الاستقرار والتعايش، في ظل تزايد مشكلات الاندماج الاجتماعي والتعدُّد الثقافي والإثني، جراء مشكلات الهجرة التي تسببت فيها عشرات الحروب؟ هناك بعض المميزات الخاصة ببعض الدول، كما هو حال قانون الأسرة في لبنان، الذي يعرض الخلافات الزوجيَّة على المحاكم الأهليَّة (نحو 18 قانونًا أهليًا).
استطاعت صبا محمود أن تلفت النَّظر إلى أهمية الالتزام الأنثروبولوجي من خلال حثِّها على «التفكير بطريقة نقديَّة حول اختلاف فريد من نوعه في العلوم الإنسانيَّة، يستحق الاهتمام والاستكشاف». فمعها تولَّد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات وأوضاع ستعمق نقاشات سياسيَّة وآيديولوجيَّة ضرورية للرُّقي بأوضاعنا. فالجدل الدائِر حول الحجاب، والحدود بين الحريَّة الفرديَّة والحريَّة الجماعيَّة، نابع أساسًا من تطلع أجيال اليوم، إلى الحريَّة التي لا تقبل المساومة أو المهادنة، باعتبارها أساس الوجود الإنساني. حرية لا يمكن أن يحُدَّ منها خطاب العُنف، وممارسته الفعليَّة ضد المُختلف والمُعارض والمُنتقد. لأن اللّجوء إلى العنف المادي والرمزي معًا، هو دليلٌ على قرب نهاية وأفُول آيديولوجيا وفكر دوغمائي وإقصائي، لا يريد أن يساير التحولات الحالية في كل المجالات.



حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».


شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو
TT

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ اسْماً لَهُ»، تسمية المهلكةِ بالمفازة ليس تفاؤلاً عابراً تمارسه اللغة العربية، بل تجاوز بالخيال إلى واقعٍ موازٍ يبعث الأمن في محل الخوف، ويستردّ السكينة من قلب التهديد. ولأن المسافة بين الاسم والمسمّى لا تتغيّر في واقع الصحراء؛ ظلّ العربي يقاربها بالمجاز... بينما تستمر هي في فعلها الأبدي... أن تنأى.

هناك كتبٌ تفتح شهية الحوار حولها، كتبٌ تمتلك جرأة اجتراح المناطق الجديدة، حيث يقترح هذا الكتاب «مهاكاة ذي الرمة: أطروحة الهايكو العربي» لحيدر العبد الله، صيغةً عربية للهايكو، عبر بناء جسور: بين الشعرية العربية ونظيرتها اليابانية، وبين التصوف الإسلامي وتصوّف الزن. ومنذ اللحظة التي يقول فيها: «إذا كان الشعر ديوان العرب، فقد يكون الهايكو اليوم ديوان العالم»، يتّضح أن طموح الكتاب ليس استيراد نوعٍ شعري، بل توطينهِ، بعد أن يُستدعى ذو الرمة، عبقريّ الوصف وآخر حجّةٍ على اللغة، ليعبّد الطريق أمام ضيفٍ قادم من أقصى الشرق.

أبرز ما أستوقفني في الكتاب - وهو من 312 صفحة تجمع النظرية والتطبيق والتقويم الشعري -، تلك البراعة في التطويع العروضي لإيقاعات الهايكو اليابانية على البحور الخليلية. والتي تُضفي على الفكرة لبوساً جمالياً، وتؤكد قدرة الشعر العربي على توليد الموسيقى مرةً تلو مرة. وقيمتها العملية أنها قابلة للتنفيذ، حيث تمنح الهُكاة العرب – أي شعراء الهايكو العرب حسب تعبير الكتاب- إطاراً شكليًّا يتّكئون عليه، فيتفرّغون للمحتوى بدل الانشغال بالشكل. وأضيف إليها الفصل الأخير، المتعلق بالفلك ومواضع النجوم وقرائن المواسم، الذي ينمّ عن اطلاعٍ كبيرٍ ونظرٍ وتمحيص، ويفتح عمليًّا معجماً طبيعيًّا عربيًّا جاهزاً لمن أراد أن يكتب قصيدةً تنتمي للجزيرة العربية.

وبقدر ما وجدت نفسي أتماهى مع الكتاب في نصف المسافة، وجدتني أتوه في نصفها الآخر؛ فالشكل يُستعار والرؤية تستعصي على الاستعارة. والعروض الذي طوَّعه الكتاب بكل إتقانٍ لتوطين الهايكو هو الأداة؛ أما النظر إلى الطبيعة فمشتقٌّ من غايةٍ، والغايةُ هي ما لا يُستورد. وسأمضي إلى هذا الحوار من طريقين (التصوف، والطبيعة) وسيفضي الطريقان إلى تصور واحد.

أولاً: الغاية تصنع الأسلوب

في الفصل الأول من الأطروحة، «مصباح التصوف»، يعقد الكتاب الروابط بين التصوف الإسلامي وفلسفة الزن. والملاحظة الجوهرية ليست في التقاء الممارسات الروحية - فهي تلتقي كثيراً في أديان متعددة- بل في افتراق الغايات: توحيدٌ وتوجّهٌ نحو خالقٍ متجاوز، مقابل ذوبانٍ طبيعيٍّ محايث خالٍ من إله. وهذا الافتراق ليس تفصيلاً عقديًّا يُترك للمتكلمين، بل هو المصنع الذي تخرج منه الأساليب.

فالتصوف الإسلامي يتمتع بـ«التوق الإلهي» ويتطلع نحو الإله المتجاوز والذي يستدعي المجاز بالضرورة، لا بالاختيار. حين تكون المسافة بين الذات وغايتها مسافةً لا تُلغى، لا يبقى أمام اللغة إلا التوسّل بالمجاز مثل (التغزّل بالأنثى، والخمر، والرمز العاطفي)؛ لبناء جسورٍ إيحائية صاعدة نحو ما لا يُدرَك. وقد لخّص عبد الوهاب المسيري هذا في «اللغة والمجاز» حين جعل المجاز وسيلتنا لإدراك الإله لا الإنسان وحده؛ إذ يربط بين ما تدركه الأسماع والأبصار وما يتجاوزها؛ ومع ذلك يظل الإطار التوحيدي حاكماً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلا تجسّد ولا حلول ولا كمون، والمسافة باقية مهما بلغ المجاز من تركيبٍ وعمقٍ وجمال.

وبإزاء هذا، يقول ماساوكا شيكي عن الهايكو ما يشبه إغلاق الباب على المجاز: «معنى هذا الهايكو هو تماماً ما يقوله، وليس هناك أي معنًى آخر».

فالمجاز عندنا ضرورةٌ لاهوتية، إن صح التعبير، وهو في الزن عائق. اللغة الكثيفة عندنا فضيلة، وهي هناك حجاب. وليس هذا اختلافاً في الذوق يُرجى ردمه بالتمرين، بل هو اختلافٌ جوهري يترك أثراً أصيلاً على البلاغة ذاتها.

ثم إن الأنا نفسها ليست واحدة في الحالين. ففي الزن تمتزج الأنا بالطبيعة وتأخذ موقع المراقبة؛ أما في التصوف الإسلامي فهي كما عند محمد إقبال (الشاعر والفيلسوف والمتصوف الإسلامي) ليست ساكنة، بل خلقٌ وحركةٌ دؤوبة. وتجربة الاتحاد عند متصوفة الإسلام، بتعبيره، ليست إذابة الهوية في اللامتناهي، بل اجتياز اللامتناهي إلى وصال المتناهي. ومن هنا تُنحت وسائل تعبدية وجمالية حية: الحركة، الصلاة، القدر، الإخلاص، الاجتهاد. الإنسان هنا ليس مصوّراً فوتوغرافياً واقفاً في كواليس الطبيعة - كما هو في الهايكو - بل فاعلٌ يشارك بحريته في تغيير العالم. ويوضّح الفيلسوف بشير سليمان ديان مقصد إقبال بجملةٍ حاسمة: الهدف الأعلى للأنا ليس أن تشاهد شيئاً، بل أن تكون شيئاً.

وحتى استعارة الحيوان تفضح الفرق. يتخيّل الكتاب الهايكو حيواناً فيجعله ناقةً لا تعيش دون ماءٍ وكلأ، حيواناً «لا قلب لديه لأطماع الكائن البشري ومشاعره الفجّة»، غير متجاوز، في انسجامٍ كاملٍ مع الطبيعة. أما روبرت بلاي، فيتخيّل قصيدته الغربية حيواناً يعدو، تصدر عن جريها إيقاعاتٌ ملحوظة، وطاقته النفسية حرّةٌ في التحرك هنا وهناك. حيوان الهايكو مقيمٌ راضٍ؛ والغربي راكض متحرك قلق، أما حيوان القصيدة العربية فهو كما قال شاعر العربية المتنبي: «يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ... وما تبتغي، ما أبتغي جلَّ أن يُسمى»، وشعريّتنا تستمدّ نفسها من هذا التجاوز، السعي إلى ما جلَّ أن يُسمى.

ثانياً: محراب ميّة

في فصل «مشكاة الطبيعة» يبدأ الكتاب بقصةٍ متخيَّلة تجمع ابن قتيبة وذي الرمة، ثم يقرّر أن «تفوّق ذي الرمة يكمن في قدرته على احتواء الطبيعة احتواءً موضوعياً، غير مشروط، ولا انتقائي... دون أن يضع نفسه في مركزها، أو يجعلها فرعاً عن ذاته». ولعلي أختلف هنا تحديداً؛ فطبيعة ذي الرمة ليست موضوعية، وليست بلا مركز. بل هي مأهولة تماماً. يقول شوقي ضيف إن ذا الرمة أكثر شعراء العرب وصفاً لدموعه، وإنه مضى يتعزّى عن ميّة بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعرٍ تغنّى بالصحراء العربية، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها. ويكشف الطاهر لبيب في «سيسيولوجيا الغزل العربي» عمّا هو أدقّ: أن المرأة في الكون العذري تُرفَع إلى مستوى المثال حتى تكاد تصير ميتافيزيقا؛ فيصبح الشريك بالنسبة للعذري ذاته الأخرى.

فالصحراء عند ذي الرمة ليست «ما هي عليه»؛ إنها محرابٌ واستعارةٌ كبرى لمحبوبة. والهكذائية تقتضي غياب المركز، وذو الرمة له مركزٌ اسمه ميّة، تدور حوله الرمال والأنواء والحيوان. ولا أعني أن وصفه إسقاطٌ عاطفيّ فجٌّ كما يفعل الشعراء عادة - فهو مزيجٌ فريد أخذ من أسلوب العذريين وحافظ على روح الجاهلية، حتى لا تكاد تفرّق بينه وبين محبوبه. فهو بناء خاص مركزه امرأة احتوت كل ذلك العالم الصحراوي. وهذا نقيض حياد الهايكو. والمفارقة أن الكتاب نفسه هو من نبّهَ بعبارة تحذيرية: «لن نفلح في خوض تجربة هايكو حقيقية، إذا نحن ألبسنا الهايكو ثيابنا وملامحنا، وجعلناه يتكلم عبر الأنا الخاصة بنا» والكتاب بانتباهٍ عالٍ لم يُلبِس الهايكو ثيابنا، لكنه ألبس ذا الرمة ثوب الزن.

أخيراً: الموتُ في الخلاء

ولئن كان ذو الرمة أمويًّا بانتمائه، فإن وعيه الصحراوي أقرب إلى الجاهليين منه إلى أهل عصره. ويذكر محمد إدريس قاسم في «الشاعر الجاهلي والوجود» أن الجاهلي أدرك في صحرائه أنه (وجودٌ للموت)، فقرّر مواجهته والتحدي: أخذ أناه ووجوده وجعلها في مواجهة الطبيعة/الصحراء، وقرّر بمصطلح هايدغر أن يهزم «الوجود الزائف» رغبةً في «الوجود الأصيل»، فخرج من البقاء في (حالة العالم) إلى آفاق وجوده الماهوي.

هذا الوعي هو ما يفسّر لماذا لا تكون القصيدة العربية تأمّلاً محضاً. فهي كما يقول فتحي المسكيني في «الشعراء يحرسون هشاشة العالم»، محاولةُ هروبٍ من سجنٍ ما؛ والشعراء يدفنون من إمكانات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وحين كتب محمود درويش «لا غدٌ في هذه الصحراء إلا ما رأينا أمس... فلأرفع معلقتي... لينكسر الزمان الدائري... ويولدَ الوقتُ الجميلُ»، كان يصوغ الموقف نفسه: رفضُ اللحظة لا الإقامة فيها.

وهنا يلتقي الطريقان. الغاية الدينية تدفع نحو التجاوز؛ والغاية الوجودية تدفع نحو التجاوز؛ والزن يدفع نحو السكون. والهموم التي يسمّيها إيرفين يالوم جوهريةً في «هبة العلاج النفسي» هي الموت والعزلة ومعنى الحياة والحرية، هي بعينها ما تشتغل عليه القصيدة العربية منذ امرئ القيس، بينما الهايكو يسكن اللحظة؛ أما الشاعر العربي فيفرّ منها إلى الوجود الأصيل. ولذلك؛ ليس المجاز عندنا زينةً يمكن خلعها، بل بنيةٌ تحمل المعنى، ولعل محمود درويش في «مأساة النرجس ملهاة الفضة» أراد أن يشير إلى رفاهيةٍ في الوصف الطبيعي، فقد يطمح لها الشاعر العربي ولكنه لا يمتلكها لأسباب عدّة، منها تلك الهموم الوجودية، حين قال بنبرة تراجيدية: «عادوا إلى المألوف فيهم وهو يمشي/ فوق الرصيف ويمضغ الكسَلَ اللذيذ ووقتَهُ من غير غاية/ ويرى الزهورَ كما ترى الناسُ الزهورَ... بلا حكاية»، وهكذا الهايكو يقتضي وقتاً بلا غاية، ونحن لا نملك وقتاً كهذا.

ختاماً، لا بد لي أن أعترف بأني لم أفارق ذلك الفتى الصغير الذي حضر درس الحِكم العطائية في جامع الإيمان بدمشق، للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حين سمع تلك العبارة التي لا تزال ترنّ في أذنه إلى الآن: «لا تنظر إلى السواقي وانظر إلى المعين»، ولا أسوق هذا دعوةً إلى الانصراف عن الهايكو، بل تحديداً لموضع المعين. فالمعين ليس التراث بوصفه ماضياً يُستعاد، ولا اليابان بوصفها نموذجاً يُستورد؛ إنه التجربة الوجودية الإنسانية نفسها، ومن ورد هذا المعين ستتطوع له كل الأشكال والنُظم اللغوية.

* شاعر سعودي


«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد
TT

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي، بالتزامن مع مرور ربع قرن من الألفية الحالية وقرن وربع القرن على بداية السينما.

يضم الكتاب دراسات ومقالات نقدية معمّقة لكثير من التجارب السينمائية في مصر والعالم العربي دون التقيد بفترة زمنية محددة، موقّعة بقلم خمسة من شباب النقاد السينمائيين في مصر، وهم: رحمة الحداد، وأحمد عزت عامر، وحسام السيد، وحسن فهمي ومحمد عوض يوسف.

ويرصد الكتاب في هذا السياق ما يقارب 60 فيلماً لم تنل حظها من التقدير الفني، رغم أن بعضها يحظى بشهرة واسعة وربما يكون حقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً، لكن يظل الشريط السينمائي نفسه في حاجة إلى إعادة قراءة ترد إليه الاعتبار وتفتح باباً للنقاش حول نقاط مدهشة فيه لم يلتف إليها كثيرون.

ويتراوح الإطار الزمني لهذه الأفلام من أعمال تم إنتاجها في حقبتي الستينات والسبعينات، مثل: «في بيتنا رجل»، و«البوسطجي»، و«السقامات» و«زوجتي والكلب»، مروراً بأعمال صدرت في حقبتي الثمانينات والتسعينات مثل: «العوامة رقم 77»، و«عرق البلح» و«هستيريا»، وصولاً إلى أعمال أحدث مثل «إبراهيم الأبيض»، و«ميكروفون»، و«ريش» و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو».

تتوزع تلك القراءات النقدية عبر عشرة فصول، يشتغل كل فصل على ثيمة بعينها مثل «الضحك: صورة مشوشة للواقع» و«يقظة كافكاوية» و«صورة بديلة للذكورة» و«تحديقة نسائية» و«تأملات في العنف» و«رسائل بين الحياة والموت». وفي تقديمه للكتاب، يتوقف أحمد عزت عامر عند لحظة فارقة تهدّد مصير النقد السينمائي برمته حين نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية مقالاً بهذا العنوان الصادم «مَن يحتاج اليوم إلى النقاد السينمائيين؟»، وهو ما يطرح تحديات حول فهم مهمة ودور ناقد الأفلام وكيف تبدو مهنته حالياً محاصرة داخل الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.

يريد ناقد اليوم أن يستعيد ثقة القارئ في النقد وأن يمنح هذا القارئ زاوية جديدة لمشاهدة الفيلم وربما رؤية العالم، فأجمل ما يمكن أن يحدث له هو أن يسمع أو يقرأ مثل هذا التعليق: «أرغب الآن في مشاهدة الفيلم مرة ثانية بعد أن قرأت مقالك».

من هنا، وفي الجلسات التحضيرية لهذا الكتاب كان الشاغل الأهم بالنسبة لمؤلفيه هو أي أفلام سيختارون، وقرارهم أن يكتبوا عن أفلام رغم جمالها وتميزها فإنها غير مُقدّرة بما يكفي أو ربما مُقدّرة للأسباب غير الصحيحة، وجاء مقترح العنوان «أفلام غير مشاهدة بدقة» نوعاً من المشاغبة مع كتاب الناقدة الأميركية البارزة مارلين فيب «أفلام مشاهدة بدقة - مدخل إلى تقنية وفن السرد السينمائي».

كان هذا هو المقصد حين وقع الاختيار على سبيل المثال على فيلم «في بيتنا رجل» للمخرج هنري بركات، إنتاج 1961 وبطولة عمر الشريف، ورشدي أباظة وزبيدة ثروت، فهو رغم حضوره في قائمة أفضل 100 فيلم عربي الشهيرة، نال تقديراً أقل من أفلام أخرى مثل «الحرام»، إنتاج 1965، و«دعاء الكراون»، 1959، أو حتى «الباب المفتوح»، 1963. وحين يشاد به يأتي ذلك دون أي اشتباك حقيقي مع جمالياته الخاصة، وبذلك فإن إبداع بركات هنا في السرد والأداء الإخراجي ظل بعيداً عن التحليل النقدي المتعمق.

وحين يُذكر محمد خان بصفته مخرجاً، فإن الأفلام التي ستتداعى إلى الذهن هي «الحريف»، و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا»، أو أفلام أكثر جماهيرية مثل «مستر كاراتيه» أو «في شقة مصر الجديدة»، في حين يركز الكتاب على تجربة أكثر أهمية لم تنل حظها من التقدير هي «مشوار عمر» بصفته أحد أفلام الظل غير المقدرة بما يكفي.

ويسعى الكتاب إلى اكتشاف زوايا جديدة للقراءة والتحليل حتى مع الأعمال الشهيرة، كما هو الحال مع فيلم «إسكندرية ليه» ليوسف شاهين الذي تتم قراءته هنا بصفته نوعاً من الاستكشاف المختلف وغير المسبوق لتمثلات الذكورة على شاشة السينما العربية، وهي الفكرة نفسها التي يتم النظر من خلالها إلى التجربة الإخراجية الأولى للمخرج عادل أديب في فيلم «هيستريا»، 1996، الذي هو - حسب الكتاب - حالة شديدة الخصوصية في تاريخ السينما المصرية.

تمتد فصول الكتاب لتشمل تجارب مميزة غير مصرية من السعودية، والسودان، وفلسطين، وتونس، ولبنان، وسوريا وتونس والأردن، مثل «وجدة» للمخرجة هيفاء المنصور و«بيروت الغربية» لزياد دويري و«نحبك هادي» لمحمد بن عطية و«وداعا جوليا» لمحمد كردفاني و«ذيب» لناجي أبو نوار.