صَبا محمود.. نحو أنثروبولوجيا الإسلام

معها تولَّد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات

صبا محمود
صبا محمود
TT

صَبا محمود.. نحو أنثروبولوجيا الإسلام

صبا محمود
صبا محمود

صبا محمود (مواليد 1962)، أنثروبولوجيَّة أميركيَّة (باكستانيَّة الأصل)، باحثة نقديَّة مُعاصِرة، تنتمي إلى الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت، وتهتم بقضايا كثيرة حول النظريَّة السياسيَّة والأنثروبولوجيا في منطقة الشرق الأوسط (عضو مركز الشرق الأوسط للدراسات) وجنوب آسيا (عضو معهد الدراسات حول جنوب آسيا). تركزت أعمالها حول مجتمعات ذات غالبيَّة مُسلمة، ولها مساهمات عِدة حول الأخلاق والسياسة، والعلاقة بين الدِّين والعلمانيَّة، ومكانة النِّساء ودورهِنَّ في تلك المجتمعات.
تشغل صبا حاليًا، منصب مُدرِّسة مُساعدة في جامعة كاليفورنيا – ولاية بيركلي، وقبلها عملت مهندسة معماريَّة لمدة أربع سنوات. غير أن شغفها بالبحث الأنثروبولوجي، وخصوصًا أنثروبولوجيا الإسلام، بدأ لما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة ستانفورد، على يد أستاذها طلال الأسد، الذي لعب دورًا هامًا في مسارها الجامعي والأكاديمي. في حوار لها مع ناثان شنايدر، تقول صبا حول ذلك: «كُنت مهندسةً معماريَّة لأربع سنوات، وعزمتُ على العودة إلى الدراسات العليا، من أجل التفكير في التحولات التي حدثت جراء الصعود الذي عرفه المشهد الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الإسلاميَّة. لم أكن أعرف حقًا كثيرًا عن الأنثروبولوجيا في ذلك الوقت، ولذا التحقت ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسيَّة، الذي وجدته ذا توجه مركزي أوروبي للغاية، فأدركت أنَّ هذا التخصص لن يساعدني في استكشاف نوعيَّة الأسئلة التي كُنت مهتمةً بها. كُنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت، لألِج حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة تخصصي الأصلي». وكانت تعتقد، في حينه، أن أي تخصص آخر كان سيستوعب نشاطها، و«لكن الأنثروبولوجيا مكنتني من متابعة مسألة الاختلاف بطريقة جديَّة»، ذلك أن الكتابات الأنثربولوجيَّة المبكرة عن مجتمعات المسلمين، كانت قد أغفَلت دور النِّساء، وتركَّزت حول «دراسة الآخر البِدائي من أجل تأكيد خصوصيَّة القيم الثقافيَّة والاجتماعيَّة الغربيَّة». وقد اتجه علماء الإناسة، فيما بعد، مع تيار ما بعد الحداثيين، للاشتغال بطريقة نقديَّة حول مسألة اختلاف الثقافات، والتاريخ، والتقاليد، وتجدد معه البحث فيما يعرف، حاليًا، بالتنوع الثقافي.
وقد مكَّنها تعاملها مع الفقراء والمحتاجين في الأحياء الهامشيَّة في أميركا وباكستان، من أجل مساعدتهم على تصميم المساكن وتمويلها وبنائِها، من إدراك قيمة الحياة الاجتماعيَّة التي يحاول فيها سكان هذه الأحياء «أن يفهموا عالمًا ألغى إلغاء كاملاً إمكانيَّة وجود حياة هانِئة. وعلى الرغم من هذا، ما زال الناس يحاولون إعادة بناء هذه الإمكانية، من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات».
نالت صبا محمود شهرةً واسعة بفضل أبحاثها القيِّمة حول مكانة النساء في المجتمعات ذات الغالبيَّة المسلمة، إذ أنجزت بحثها الميداني الأول (سياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية)، ما بين 1995 و1977، حول المُرشدات الدينيات في القاهرة، بعد أن فشلت في إنجازه بفاس والدار البيضاء والجزائر، ونالت بموجبه شهادة الدكتوراه، ومنحتها الجمعيَّة الأميركيَّة للعلوم السياسيَّة، جائزة فيكتوريا شوك سنة 2005. فإلى جانب مقالاتِها النَّقديَّة ودراساتِها العلميَّة، نشرت مجموعة من العناوين الهامَّة، منها: «هل النَّقد علماني؟» (2009) بمعيَّة طلال أسد، وجوديثبتلر، وويندي براون. وهو مؤلف نقدي يُعيد النَّظر في الجدل الذي أثارته الرسوم الدنماركيَّة، الذي صُوّر بأنه صراع بين التَّجدِيف وحريَّة التَّعبِير، بين الرؤيَّة العَلمانيَّة والرؤيَّة الدِّينيَّة للعَالم. ومن عناوينها «سياسات الحريَّة الدِّينيَّة» (2015)، و«الاختلاف الدِّيني في عصر العَلمنة: تقرير حول الأقليَّات الدِّينيَّة» (2015)، الذي ناقشت فيه التَّعدُد والتَّنوع الذي ميَّز منطقة الشرق الأوسط وبلدان آسيا الجنوبيَّة (سواء في البلدان المستقرة سياسيَّا واجتماعيَّا أو في البلدان التي تعيش اضطرابات جراء الحرب والصراعات الأهليَّة).
حظي كتابها «سياسة التَّقوى» بشهرة واسعة، بالنَّظر إلى تحليله للحركات الإسلاميَّة في مصر، التي غيَّرت الحياة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، والتي شجَّعت النِّساء على المُواظبة على الدروس الدينيَّة في المساجد التي تقدمها المرأة «الدَاعية» حول الدِّين، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، في مختلف مساجد القاهرة. وهي دروس هامَّة جدًا - في نظر صَبا - بالنظر إلى ما تثيره من نقاشات عميقة، أعادت الاعتبار للنِّساء المُسلِمات في الحياة الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، بعد التهميش الذي طالها بسبب تأويلات مغرضة في حق النساء، حيث دافعت بقوة عن خروج النِّساء إلى المجال العمومي لمناقشة مواضيع كانت، إلى عهد قريب، حكرًا على الرجال، ويتعلق الأمر بشؤون العقيدة والإيمان. فبرامج الوعظ والإرشاد التي اجتاحت بعض البلدان المسلمة (مصر، باكستان، المغرب...)، ستلعب دورًا هامًا في مجال التأويليَّات، وستُغذي كثيرًا من الأفعال والسلوكيات الإنسانيَّة.
تناولت صبا في هذا الكتاب، موضوعات هامَّة من قبيل: الحريَّة، وخريطة الحركة التَّقويَّة، والحِجاج أو فن الإقناع، والأخلاق العمليَّة والتقاليد، ودور الشعائريَّة... وقد قادتها هذه الدراسة إلى سؤال العلمانيَّة، معتبرة أن قضايا الإجهاض، وترسيم البابوات والأئمة الشواذ، وارتداء الحجاب، وإعلان الدِّين أو الآيديولوجيا، والنزاعات حول الإجهاض، وزواج المثليين... لا تهم مجتمعات ذات غالبيَّة مسلمة وحدها، بقدر ما تهم أيضًا العالم العلمانِي الذي جرَّب العلمنَة لقرون. فبعد أن فرض المسلمون أنفسهم في الغرب، عاد النِّقاش إلى المجال العام حول دور الدِّين في الحياة المعاصرة، حيث تقول: «إن تداخل الدِّين مع الحُكم المعاصر، لا يطغى فقط على المجتمعات غير الغربيَّة، إنما أيضًا على تلك الدول التي تُعد نماذج مثاليَّة لما ينبغي أن تكون عليه الدولة العلمانيَّة.
وهذا يتضح في التنظيم القضائي والتشريعي القائم لبعض جوانب الحياة الدينيَّة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا» (العلمانيَّة والاختلاف الجنسي والحريَّة الدِّينيَّة، ترجمة: نورة آل طالب). فاهتمامها بالحياة الاجتماعيَّة للقانون، خصوصًا أن كثيرًا من القضايا المعروضة على المحاكم عن حق الحريَّة الدِّينيَّة في الشرق الأوسط، تُخاض، ليس في المحاكم وحسب، ولكن من خلال الحملات الشعبيَّة التي تُطلق في المجالات الثقافيَّة والسياسيَّة. إذ يتشكل شعور الناس عما تعنيه الحريَّة الدِّينيَّة، من الجدل القائم بين منظمات حقوق الإنسان والحقوق المدنيَّة وحقوق الأقليَّات. لذلك، تركز بحثها، في مصر، حول العمل مع ممارسي النشاط الحقوقي، ولا سيما أولئك الذين يستخدمون البروتوكولات الدوليَّة لحقوق الإنسان في استراتيجيَّاتِهم القانونيَّة وحملاتِهم الشَّعبيَّة.
يتعلق الأمر إذن، بالاهتمام بمكانة الرأي العام وحيزه في النِّقاش العمومي. وهذا ما دفع الباحث جوليان بوجي، في قراءته لهذا الكتاب، إلى القول: «تجسد صَبا محمود، فكرة غاستون باشلار حول الرأي: الرأي تفكير سيئ، إنه لا يفكر بتاتًا، يترجم المعارف إلى حاجات». لأن الأطروحة اللِّيبراليَّة تعتقد أن «طرح الخطاب عن الحريَّة الدينيَّة، خصوصًا في صيغتها الفردانيَّة، سيؤدي إلى اختراق دائرة الدِّين والأسرة والاختلاف الجنسي، إذ إن القوة الحاسمة لذلك الخطاب، من شأنها أن تخلخل الدعامة الصلبة لتلك الدائرة. ولكن وكما أظهر تحليلي، فإن الخطاب الدائر حول حق الحريَّة الدِّينيَّة، عمَّق من تلك الدائرة، على عكس ما يُظن، مستثمرًا بصورة أكبر الهويات الأقليَّة والأغلبية في هذه المباحثة. وحقيقة، إن هذا الطرح، تحقق جزئيًّا عبر قوى عابرة للحدود القوميَّة، ممثلةً في السُّلطة والقانون، تُذكرنا بأن مسائل كهذه لا تُحسم ثقافيًّا فقط، بل جيوسياسيًا».
وهنا نتلمس مكمن الخلل في النَّظرة المعيَّاريَّة للدِّين. فـ«من الآثار المترتبة المُتناقضة لعلمَنة المجتمعات الإسلاميَّة، هو أنه مثلما أصبح للسُّلطة الدِّينيَّة دور هامشي في إدارة الشؤون المدنيَّة والسياسيَّة، فإنها تكتسب، في الوقت ذاته، مكانة مُميَّزة في تنظيم العلاقات الأسرية والجنسيَّة. بعبارة أخرى، نتج عن الخصخصة المتزامنة للدِّين والجنسانيَّة في العالم الإسلامي، اندماج الاثنين (الدِّين والجِنسانيَّة) اندماجًا حتميًّا، إذ إن مسائل الهويَّة الدِّينيَّة للغالبيَّة المُسلِمة والأقليَّات غير الُمسلِمة على حدٍّ سواء، غالبًا ما يستتبعها نزاعات حول الجندريَّة والزواج والأسرة. وعلى الرغم من أن بعض جوانب القصة حول خصخصة الدِّين والأسرة، يتشارك فيها الجزء الغربي وغير الغربي، فإن ما هو مميز بشأن المجتمعات ما بعد الكولونيَّاليَّة، هو أنه في أغلب الحالات، لا يزال قانون الأسرة يُدار بما يتوافق مع الإرشادات الدِّينيَّة فقط، من دون الرجوع إلى القانون المدني». فهل تستطيع قوانين الأسرة أن تحل كثيرًا من المشكلات المرتبطة بالحياة الفرديَّة الخاصة للمُسلِمات؟ وهل بإمكان النَّظرة المعياريَّة أن تذهب بعيدًا في ضمان الاستقرار والتعايش، في ظل تزايد مشكلات الاندماج الاجتماعي والتعدُّد الثقافي والإثني، جراء مشكلات الهجرة التي تسببت فيها عشرات الحروب؟ هناك بعض المميزات الخاصة ببعض الدول، كما هو حال قانون الأسرة في لبنان، الذي يعرض الخلافات الزوجيَّة على المحاكم الأهليَّة (نحو 18 قانونًا أهليًا).
استطاعت صبا محمود أن تلفت النَّظر إلى أهمية الالتزام الأنثروبولوجي من خلال حثِّها على «التفكير بطريقة نقديَّة حول اختلاف فريد من نوعه في العلوم الإنسانيَّة، يستحق الاهتمام والاستكشاف». فمعها تولَّد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات وأوضاع ستعمق نقاشات سياسيَّة وآيديولوجيَّة ضرورية للرُّقي بأوضاعنا. فالجدل الدائِر حول الحجاب، والحدود بين الحريَّة الفرديَّة والحريَّة الجماعيَّة، نابع أساسًا من تطلع أجيال اليوم، إلى الحريَّة التي لا تقبل المساومة أو المهادنة، باعتبارها أساس الوجود الإنساني. حرية لا يمكن أن يحُدَّ منها خطاب العُنف، وممارسته الفعليَّة ضد المُختلف والمُعارض والمُنتقد. لأن اللّجوء إلى العنف المادي والرمزي معًا، هو دليلٌ على قرب نهاية وأفُول آيديولوجيا وفكر دوغمائي وإقصائي، لا يريد أن يساير التحولات الحالية في كل المجالات.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».