الروافد الآيديولوجية غير المباشرة للأصوليات

من تحرير فلسطين إلى نقد الحداثة

مصري يحاول إطفاء النيران المشتعلة في سيارة إثر اشتباكات شهدتها منطقة المطرية شمال القاهرة بين مؤيدين لجماعة الأخوان المسلمين وقوات الأمن المصرية  العام الماضي (غيتي)
مصري يحاول إطفاء النيران المشتعلة في سيارة إثر اشتباكات شهدتها منطقة المطرية شمال القاهرة بين مؤيدين لجماعة الأخوان المسلمين وقوات الأمن المصرية العام الماضي (غيتي)
TT

الروافد الآيديولوجية غير المباشرة للأصوليات

مصري يحاول إطفاء النيران المشتعلة في سيارة إثر اشتباكات شهدتها منطقة المطرية شمال القاهرة بين مؤيدين لجماعة الأخوان المسلمين وقوات الأمن المصرية  العام الماضي (غيتي)
مصري يحاول إطفاء النيران المشتعلة في سيارة إثر اشتباكات شهدتها منطقة المطرية شمال القاهرة بين مؤيدين لجماعة الأخوان المسلمين وقوات الأمن المصرية العام الماضي (غيتي)

ما كان ممكنا للإسلام السياسي بالخصوص، مع طرحه الأول عند حسن البنا وعند أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وتقي الدين النبهاني وحتى الآن، أن يعتمد اعتمادا كليا في إعادة الخلافة على الآداب السلطانية وكتب النظر السياسي الإسلامي، عند الماوردي والجويني وابن أبي يعلى وغيرهم، التي اختلطت بكتب التوحيد وعلم الكلام في تبرير تصور الخلافة السني بموازاة مركزية الإمامة في الفكر الشيعي. بل كان لا بد له من الاتساع والاقتطاف لما يبرّر له عقديًا وواقعيًا وسياسيًا لعودتهًا، ويراها أولى الفرائض على الأمة والجماهير المسلمة، بل هوية هذا الدين، الذي اختزله وحبسه المودودي في كتابه «المصطلحات الأربعة»، وسيد قطب في «هذا الدين وغيره» في «الحكم» لغة واصطلاحًا، والشرط لاستئناف الحضور والحياة الإسلامية للمسلمين كما يقول تقي الدين النبهاني «نظام الحكم في الإسلام».
من هنا نجد استدعاء مبكرًا لدى حسن البنا في «الرسائل» لتراث عصر القومية، بما فيها النازية الألماني وغلواؤها القومية، ربما دون نسبة، أو مجرد اقتطافات ربما لم يكن يعرف مصدرها. إذ نجد تعبيرات «ألمانيا فوق الجميع»، وأن السيدة الإنجليزية تقول مؤنبة ابنها «أنت لا تستحق أن تكون إنجليزيا». ويستدعي التفاف الأمم حول هوياتها وتراثها واعتدادها بها، ووحدتها حولها في تأكيده على ضرورة الإيمان بالهوية والوحدة الدينية.
ولكن لم يقف هذا التأثير والتأثر عند مجرد الاقتطافات الشعارية والفكرية، الساكنة في بنية الخطاب والشعار والممارسة الخطابية، بين الأصوليات الدينية والآيديولوجيات العربية المعاصرة، بل حدث كثير من التحالف فيما بينها عمليا على مستوى الكيانات والنشاطات.
* تحالف الإخوان واليسار
نذكر أنه في أربعينات القرن الماضي وآخر انتخابات ديمقراطية في سوريا، قبل دخول موجة الانقلابات العسكرية مع حسني الزعيم عام 1949، تحالف الإخوان المسلمين بقيادة الدكتور مصطفى السباعي - صاحب الكتاب الشهير «الاشتراكية في الإسلام» وكان مراقب الجماعة العام منذ تأسيسها عام 1945 - مع الشيوعيين وكان الشعار «الله - الشيوعية معًا». ورغم أن السباعي كان في بداياته من أشد المناوئين للشيوعية والاشتراكية كأفكار آيديولوجية في مرحلته الأولى، فإنه مال في مرحلته الثانية للتحالف معه لموقفها من الاستعمار بعد ذلك.
وفي مثل هذا السياق يمكن أن نفهم مشاركة كل من الإخوان والطليعة الوفدية ذات الميل اليساري والديمقراطي في مظاهرات عام 1946 ضد حكم إسماعيل صدقي في مصر. كذلك شارك الإخوان في مصر اليسار و«الوفد» في مظاهرات ضد العرش وضد الاستعمار بين عامي 1945 و1952، ودفاعا عن دستور سنة 1923م، وهي السنوات الممهدة لـ«ثورة يوليو» فيما بعد سنة 1952.
وفي السياقات نفسها من التأثر والتأثير، الإيجابي والسلبي، يمكن أن يفهم كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» أواخر الأربعينات، الذي ألفه أثناء وجوده في الولايات المتحدة، وسياقاته في هذا التاريخ نفسه. وهو عد فاتحة دخوله من أوسع الأبواب للحركة الإسلامية حينئذ، رغم كثرة ما كاله فيه من نقد إنشائي لها حينئذ، ولقد اعتبره الإخوان معبّرا عن توجههم قبل انضمامه رسميا لجماعتهم عام 1951، حين كانت تيارات اليسار ذا شعبية كبيرة حينئذ، وتؤثر الحركة العمالية في الشارع بشكل واضح.
* القضية الفلسطينية
ولكن تظل «القضية الفلسطينية» وتحرير الحرم القدسي من اليهود هدفًا مشتركًا رئيسًا وكبيرًا بين كل من التيارين الكبيرين الإسلامي والقومي، وكذلك مقولة الوحدة التي يريدها الإسلاميون إسلامية أصلا، بينما يريدها القوميون عرقية عربية وقومية لغوية ثقافية في الغالب، حسب اختلاف تصوراتهم. ولكن كان التوجه التصالحي للإسلاميين، منظرين وتنظيمات، عبر الإيمان بفكرة التدرج وعقد المؤتمرات التقريبية بين الفكر الإسلامي والعروبي، تحت لافتة المقاومة وتحرير فلسطين القضية المركزية التي تجمع بين مختلف التيارات الآيديولوجية في العالم العربي على اختلافها.
من هنا يمكننا أن نوجز أربع قضايا رئيسية ربطت بين حركات الإسلام السياسي وما يدعو نفسه «الجهادي»، والتيارين القومي واليساري على الخصوص هما:
1 - الوحدة وتحرير فلسطين: فالوحدة شعار رئيسي ومركزي يجمع بين طموح الإسلاميين للخلافة وطموح القوميين في السابق للوحدة الشاملة، فقد كانت القومية والوحدة العربية كما يصفها منيف الرزاز «نشيد إنشاد العرب»، حين صعد الإسلاميون وظلت كذلك فترة طويلة طوال العهد الناصري. ولكن بينما تمرّنت ولانت فكرة الوحدة الشاملة والاندماجية عند القوميين خصوصا بعد حرب الخليج الأولى عام 1990 وقبل صعود إيمانهم بالقطرية والعروبة الجديدة التكاملية، لم تلن فكرة الخلافة عند الإسلاميين ومَن يسمون أنفسهم «جهاديين».
لقد كان هدف الوحدة عند كليهما السبيل لتحرير فلسطين وهزيمة إسرائيل. كان هذا التقارب الرؤيوي النظري رابطا بينهما، رغم صداماتهما الواقعية، بعد تحالفات قصيرة بعد الانقلابات الثورية الناصرية والبعثية عام 1952، مثل أزمة مارس (آذار) 1954، إلا أنه استعيد تقاربًا مرجعيًا ونظريًا ساعدهم في الثمانينات والتسعينات على التقارب وعقد مؤتمرات مشتركة، فشلت فيما بعد نتيجة الاختلاف حول «تطبيق الشريعة» وكيفيته، ورفض بعض القوميين العلمانيين له، وإصرار الإسلاميين على التطبيق الكلي له. ولكن لا يمنع ذلك من وجود أصوات تمثل هذا الاتجاه الإسلامي العروبي، غير منظمين وبعض الاتجاهات المنظمة في المغرب العربي.
2 - قضية العدالة الاجتماعية: رغم أنها القضية التي شغلت اليساريين والماركسيين بالخصوص واشتهرت لهم وبهم، فإنه لم يستطع أي تيار آخر تجاهلها، ومثلت مبدأ رئيسيا ومحركا أساسيا عندهم، وتمت «أسلمتها» من قبل الإسلاميين، مثل ما صنعه السباعي أو قطب وأشرنا إليه سابقًا، وبعدهم كانت جهود الراحلين أحمد وعادل حسين بالخصوص، كما تمت «مركسة» الإسلام من قبل بعض الاشتراكيين، مثل جهود حسين مروة وحسن حنفي وخليل عبد الكريم وغيرهم. ولكن بينما ظل تأثير الأولين عميقا كحجة مضادة ودعوى اكتفاء نظري لم تجد جهود الأخيرين صدى ونفاذا إلا في صفوف الفكريات وبعض النخبة المثقفة فقط.
إلا أن حركات الإسلام السياسي دأبت على اقتباس والتماس كل أدبيات معاداة الفقر، ونقد النظام العالمي الرأسمالي من الأدب اليساري والماركسي، ورفعته شعارًا في فعالياتها الانتخابية دائما، وجعلتها قضية رئيسية في خطابها الشعبوي. بل إن جزءًا كبيرًا من الدعاية «الجهادية» (السنّية والشيعية على السواء) المعارضة للحكومات كان الاتهام بالفساد وحجة الدفاع عن المظلومين والطائفة المضطهدة. وهكذا أسست حركة أمل، ثم «حزب الله»، بذريعة الدفاع عن الطائفة الشيعية المضطهدة في لبنان، وهكذا كانت ترفع شعارات الإخوان والجماعات المدعية «الجهادية» في مصر وغيرها، وتصبغ منشوراتهم ونداءاتهم الحركية في كل مكان، كأنها الدعوة لإصلاح الدنيا بالدين، والثورة من أجل الفقراء والعدالة الاجتماعية. ومن ثم، اتهام الحكام والصفوة ورجال الأعمال بالفساد والإجحاف في توزيع الثروة. وحضرت هذه التهمة اليسارية لدى الإسلاميين كاتهام ثالث بعد العقدي الذي يتهم بالردة وفق الحاكمية - الخاصة بهم - وبعد العمالة للغرب الذي يرونه اصطنع حكوماتهم.
3 - بين الإيمان بالديمقراطية وتكفيرها: بينما ظل الإسلاميون ردحًا طويلاً من الزمن يرفضون الديمقراطية والحزبية. بل أعلن حسن البنا أن هدف جماعته الأول «القضاء على الحزبية»، ولم تكن رؤاه تجاه التعددية الحزبية قبل العهد الملكي إيجابيًا، ورغم أن سيد قطب وعمر التلمساني وغيرهما كانت بداياتهم السياسية مع حزب الوفد الأكثر شعبية بعد ثورة 1919، فإن مواقف الجماعة من الحزبية كانت متناقضة أحيانا كثيرة. أما الديمقراطية التي تمثل جوهر العلمانية والمدنية فظلت متهمة، ومقصاة من الدفاع عنها، وظلت مقيدة لأنها تعادي الحاكمية ظاهريًا، حيث إنها حكم الشعب وفق اختياره، وظلت مقيدة بمرجعية الشريعة، وهو ما قبلته الدساتير العربية والإسلامية منذ دستور عام 1923، حين أصر المفتي - حينئذ - الشيخ محمد بخيت المطيعي بقوة على ذلك أثناء لجانه التحضيرية. ولكن، وفق براغماتية الإسلام السياسي، الذي وجد نفسه قد أحسن استثمارا في الحامل الشعبي، ونجح في انتخابات شعبية متعددة، ولم يكن يقبل أو يرحب بفكرة الصدام أو الثورة علنا حينها. وفي 22 يناير (كانون الثاني) 2011 أصدر الإخوان المسلمون بيانا أكدوا فيه رفض مشاركتهم في ثورة 25 يناير على نظام مبارك حينئذ. وعلى عكس حزب التحرير لم يكن الإخوان يرحبون بفكرته علنًا عن السعي للانقلاب على الأنظمة من داخلها. كان التحول للقبول النظري بالديمقراطية والقبول بها، لكنهم كانوا يأتون بها ثم ينقلبون عليها إقصاء للآخرين. لقد كان الإسلام السياسي العربي - ربما باستثناء المغاربي منه - أقرب إلى التجربة الإيرانية ونموذجها المرشدي الوصائي والمرجعي من التجربة التركية. ومن هنا كانت استعانة الرئيس المعزول في مصر عام 2013 بمستشارة له - اشتهرت بعد إذاعة حديثه مع القوى السياسية حول بناء سد النهضة - وهي باحثة متخصصة في الثورة الخمينية، وكيف نجح الإسلاميون فيها في سرقة الثورة وإقصاء حلفائهم فيها، ولم يعرف لها غير أطروحتها تلك، وهو ما حاوله الإخوان بعد توليهم الحكم تمامًا. كذلك لم يقبل إخوان ليبيا بنتائج الديمقراطية حين خسروا الانتخابات وانتصرت القوى المدنية في يونيو (حزيران) 2014، وأنشأوا ميليشيات تدافع عن بقائهم، تدعى «فجر ليبيا» فحل ظلامها، ثم دولة «داعش» فيها، بعد أن حاربتهم وأجلتهم عن سرت وهاجمتهم في مصراتة، واستمرت سيطرتها على درنة منذ سقوط نظام القذافي ربما حتى الآن. واستمر التطرف العنيف ممثلا في «القاعدة» و«داعش» وفروعهما أكثر صلابة في رفض الفكرة الديمقراطية وتكفيرها واعتبارها دينا يخالف دين الإسلام، ولا يجوز الأخذ أو الاقتباس عنه، متلاقيا مع حزب التحرير في ذلك، ولكن زاد بأن اعتبرها دليلا على الكفر بالحاكمية ومبررًا للخروج على الأنظمة.
4 - الحداثة الغربية ونقادها: استفادت الحركات الأصولية من مختلف منتوجات الحداثة الغربية أو التحديث، فسعت لتوظيف الإنترنت، وافتخر الظواهري يوما بأنهم صاروا يسيطرون عليه. ونجحت «القاعدة» عام 2005 في إنشاء خمسة آلاف موقع موال لها، واستفاد «داعش» من المواقع التواصلية وأنشأ أكثر من نصف مليون حساب يعبر عن أفكاره بمختلف اللغات، وما زالت «الساحة الإلكترونية ما بعد الحداثية»، رغم الحظر والتقييد، فضاء ممكنًا لتحميلها منشورات التنظيم وبياناته وأخباره المختلفة لعناصره ومتابعيه من كل اتجاه. ولكن على المستوى النظري يمكننا القول بأن مختلف الأصوليات، من الإسلام السياسي إلى ما يسمى «الجهادي»، ومن الأفراد إلى التنظيمات، تستفيد من أدبيات نقد الحداثة الغربية وما بعدها، عند أمثال نعوم تشومسكي وهوارد زين وغيرهما.
هذه بعض الروافد الآيديولوجية غير المباشرة التي يكتظ بها الخطاب الأصولي المعاصر، التي تثبت أن روافده ليست دينية تراثية فقط، بل إنه جزء أيضا من أزمة السياسة والحداثة عربيًا وعالميًا.



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».