انقلابيو اليمن في مواجهة المجتمع الدولي بعد دعوة لهدنة فورية جديدة

أميركا وبريطانيا والأمم المتحدة طالبت بتطبيقها اليوم أو غدا * مراقبون يشككون في التزام الانقلاب بالهدن السابقة بعكس التحالف الداعم للسلام

وزيرا الخارجية الأميركي والبريطاني مع المبعوث الدولي لليمن خلال تحدثهم بمؤتمر صحافي في لندن أمس (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي والبريطاني مع المبعوث الدولي لليمن خلال تحدثهم بمؤتمر صحافي في لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

انقلابيو اليمن في مواجهة المجتمع الدولي بعد دعوة لهدنة فورية جديدة

وزيرا الخارجية الأميركي والبريطاني مع المبعوث الدولي لليمن خلال تحدثهم بمؤتمر صحافي في لندن أمس (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي والبريطاني مع المبعوث الدولي لليمن خلال تحدثهم بمؤتمر صحافي في لندن أمس (أ.ف.ب)

دعت الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة أمس (الأحد) في لندن، إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في اليمن لإنهاء القتال بين الحوثيين المدعومين من إيران والحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي.
وجاءت الدعوة عقب اجتماع حول اليمن عقد في العاصمة البريطانية للمجموعة الرباعية (السعودية والإمارات وأميركا وبريطانيا)، وأعرب فيه وزراء الخارجية للدول الأربع في بيان، عن دعمهم القوي للجهود التي يبذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة وخطته لتقديمها في أقرب وقت ممكن لكلا الطرفين مع خريطة الطريق التي توفر رؤية واضحة من الخطوات الأمنية والسياسية اللازمة للتوصل إلى حل سلمي للنزاع.
واتفق الوزراء على الحاجة الملحة إلى معالجة الأزمة الإنسانية وإنهاء القتال، كما دعا جميع الأطراف اليمنية إلى مواصلة العمل بإصرار مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة وفقا للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة (أبرزها 2216)، كما طالبوا بإبداء المرونة والاستعداد لتقديم تنازلات من كلا الطرفين.
وقال الوزراء، إن الخطوات الأحادية الجانب بما فيها تشكيل مؤسسات سياسية: «لا تتفق مع التوصل إلى حل سلمي، ولن يتم منحها الشرعية»، وأعرب الوزراء عن قلقهم إزاء الوضع الاقتصادي بما في ذلك استقلالية البنك المركزي، ودعا جميع الأطراف إلى احترام والحفاظ على سلامة المؤسسات الحكومية والمالية.
وخرج بعد اجتماع الرباعية وزير الخارجية الأميركي جون كيري ليقول «إذا قبلت الأطراف المتصارعة في اليمن الدعوة ومضت قدما في وقف إطلاق النار فسيعمل المبعوث الخاص للأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ أحمد على وضع التفاصيل والإعلان عن موعد وكيفية تطبيق وقف إطلاق النار».
وأضاف كيري بالقول «حان الوقت لتطبيق وقف غير مشروط لإطلاق النار ثم التوجه إلى طاولة المفاوضات.. نود التأكيد بشدة اليوم على الضرورة الملحة إلى إنهاء العنف في اليمن»، مضيفا أنه يدعو مع جونسون وولد الشيخ أحمد إلى تنفيذ وقف إطلاق النار بأسرع ما يمكن، وهو ما يعني الاثنين أو الثلاثاء.
مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن قال إنه على اتصال مع كبير مفاوضي حركة الحوثي وحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وأضاف أيضا أنه يأمل في «خطط أوضح» لوقف إطلاق النار في الأيام المقبلة.
بينما قال وزير الخارجية البريطاني، إن الصراع الدائر في اليمن «يتعين أن يكون هناك وقف لإطلاق النار، وأن تقود الأمم المتحدة الدعوة إليه»، وقد سبق لبريطانيا أن أعلنت من خلالها مندوبها في الأمم المتحدة قبل أيام، أنها تقدمت بمشروع قرار يرمي إلى إيقاف فوري للنار في اليمن.
ومنذ أسابيع، أكدت الحكومة اليمنية قبولها هدنة كيري التي طرحها في أواخر أغسطس (آب) الماضي، بيد أن الحوثيين وصالح لم يردوا على المبعوث الأممي حول الهدنة إلا في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ويرتقب أن تعلن الهدنة منذ أن عاد المبعوث الأمي إلى المنطقة قبل أسبوعين، وعقد اجتماعاته ورحلاته التي يفضل تسميتها «المكوكية».
ويترقب المجتمع الدولي تطبيق الهدنة التي يشكك مراقبون أن يلتزم بها الحوثيون وصالح بها، خصوصا أنهم لم يلتزموا بأكثر من هدنة لوقف النار، بل على النقيض أخذوا يحشدون ويعيدون ترتيباتهم العسكرية وتموقعهم لكسب الوقت وضبط الصفوف.
وكان وزير الخارجية السعودي صرح في مايو (أيار) 2015 تعليقا على اختراق الحوثيين وصالح للهدنة، بالقول إنهم منعوا إيصال المساعدات إلى اليمنيين٬ وإنه جرى رصد عشرات الخروقات والاعتداءات على الحدود السعودية، وأوضح أن الانقلابيين استولوا على المواد الغذائية والدوائية والوقود ومنعوا إيصالها للشعب اليمني، إلى جانب قيام جماعة الحوثي بتحريك منصات صواريخ على الحدود السعودية لتهديد الأراضي السعودية والمدن المتاخمة لها.
وأشار وزير الخارجية السعودي إلى أن انتهاكات ميليشيات الحوثي وأعوانهم امتدت لتشمل الاستمرار في عملياتهم العسكرية وإعادة انتشار قواتهم والاعتداء على المحافظات والمدن اليمنية٬ بما في ذلك تعز والضالع وغيرها من المدن اليمنية. في المقابل أكد الجبير أن التزام دول التحالف بالهدنة مرهون بعدم انتهاكها من قبل الطرف الآخر٬ وأن التحالف سوف يرد وبكل قوة وحزم في حالة استمرار انتهاك الهدنة. واعتبر نائب رئيس الأركان اليمني اللواء الدكتور عبد الرب الطاهري لـ«الشرق الأوسط» الدعوات لهدنة وقف إطلاق النار بأنها «محاولة لإعطاء الفرصة للحوثيين لالتقاط أنفاسهم وترتيب صفوف قواتهم وتعزيزها بالمتطلبات والدعم»، مؤكدا أنه «من الناحية الإنسانية، فإن الانقلابيين لن يسمحوا بمرور المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصرين في محافظة تعز وغيرها من المناطق».
وتعليقا على الهدنة السابقة التي اخترقها، كان اللواء أحمد عسيري٬ المستشار بمكتب وزير الدفاع السعودي٬ المتحدث باسم قوات تحالف إعادة الشرعية لليمن، قال في وقت سابق إن «قيادة التحالف التزمت بوعودها للمجتمع الدولي بالتزام الهدنة المعلنة التي لم تتوقف الاختراقات فيها يوما واحدا»٬ وأضاف أن «التحالف التزم بأن تكون عملياته ردود أفعال حيال الاعتداءات التي تحصل؛ سعيا إلى إنجاح مهام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي حتى الوصول إلى اتفاق يحقن دماء المجتمع الدولي».
ونوه عسيري إلى أن «الميليشيات تثبت يوما بعد يوم أنها لا تملك هدفا واضحا٬ فتارة يفاوضون القوات المسلحة السعودية٬ وتارة يفاوضون الجانب اليمني٬ وتارة ينضمون للمخلوع صالح٬ ومرة أخرى ينفذون أجندات خارجية٬ وفجأة يعلنون قبولهم ثم يعودون عن حديثهم»٬ معلقا إن «هذه دلائل واضحة للمجتمع الدولي٬ بأن المساعي التي بذلت الفترة الماضية لم تأت بنتيجة».
ومارس الحوثيون وصالح جرائم شتى في اليمن وقت تنفيذ الهدن السابقة. ويستدل مراقبون بخروقاتهم التي لم تقف عند حد إطلاق النار وحسب، بل امتدت لإعاقة فرق الإغاثة الإنسانية.
حيال ذلك، يقول المحلل السياسي نجيب غلاب لـ«الشرق الأوسط» «فيما يخص الالتزام بالمواثيق والعهود ومنها الهدن هناك تاريخ طويل من الخداع والمراوغة والكذب والدجل عاشتها اليمن مع الحركة الحوثية منذ 2004».
ويسرد غلاب الذي ألف كتابا عن الحركة الحوثية والإسلاميين في اليمن: «اعتمدت الحوثية على خطة ثابتة لم تتغير، وهي تفجير المشكلات والأزمات والحروب ثم إدارتها حتى تصل إلى وضع الضعف والإنهاك فتوقع على كل ما يطرح عليها وتبدي التزامها الكامل مع وضع شروط تمكن لها وتنجز لها بعض الأهداف ثم تعيد ترتيب أوراقها وبناء قوتها واستغلال كل اتفاق لصالح ثم تقوم بالتمدد واختراع النزاع ثم الحرب... ست حروب متناسلة قامت بإنهاك الدولة والقبائل المعادية لها؛ ونظرًا لاختراقها للمنظومة السياسية الرسمية وغير الرسمية فإن جناحها العسكري الذي انطلق من صعدة تمكن من بناء خلايا في أكثر من محافظة في فترات الهدن».
وأضاف: «اتفق مع الجميع ضد الجميع عبر تحالفات غير معلنة وقاد حروب متلاحقة، وكلما عقد عهدا وتحالف مع طرف ضد آخر نقض العهود والتحالفات السابقة وعمل على بناء عهود واتفاقيات وتحالفات جديدة لا وظيفة لها إلا تجذير قوته وإنهاك خصومة وحلفائه في الوقت نفسه، وما زالت هذه الآلية مستمرة مدعومة بضخ إعلامي مضلل وبشبكة واسعة مرئية وغير مرئية تقوم بالتضليل وإعادة بناء الذهنيات لصالح استمرار بناء القوة وفرض السطوة وتحقيق مشروعها الأصولي الكهنوتي المرتبط بمنظومات مافوية فاسدة وبإشراف إيراني مباشر عبر وكلائها في المنطقة وأجهزتها الرسمية، كالاستخبارات ومنظومات ولي الفقيه الباطنية التي تتحكم بها زكاة الخمس ومنظومتها الغنية بالمال والغارقة بالمؤامرة والأوهام وتحكمها فلسفة الكراهية والأحقاد؛ لذا فهي مترسنة بالعنف وتبرير كل وسيلة لتحقيق الغايات الكهنوتية للخمينية».
ويلفت المحلل السياسي إلى أن مئات من العهود والاتفاقيات والتحالفات مع الدولة والأحزاب والقبائل قبل الانقلاب لم تلتزم بها الحوثية وتحالفت مع أعدائها ضد كل حلفائها، وستنقلب على حلفائها الحاليين بمجرد امتلاكها القدرة على ذلك.
وبعد انقلابها أصبحت الحركة أكثر قوة في التحكم بالاتفاقيات وبناء العهود بما يخدم أهدافها وتعتمد في بنائها على سطوة القهر والعنف وصناعة الحروب. وأكد أن قوات الانقلاب خلال فترة تحرير اليمن لم تلتزم بأي عهد قطعته على نفسها، وقال «إنها مستمرة في التضليل الداخلي والخارجي تُمارس ظلما وقهرا لم يخبرهما اليمن عبر تاريخه، ثم تشتكي وتبكي وتنسج مظلوميات تمكنها من توظيف الآخر لصالحها».
وتستخدم الحركة الابتزاز والقتل والنهب واللصوصية وتضلل، ثم تقول إنها مستهدفة، وإنها مستعدة لتقديم أي تنازل منها، لكنها لا تتنازل في الواقع، بل تستغل أي اتفاق لتجذير وجودها وبناء قوتها، وفقا لغلاب، الذي أضاف «هي منظومة استخباراتية تديرها خلية أمنية إيرانية وتمتلك شبكات مافوية محمية بأقنعة متعددة ومتنوعة؛ لذا لا يمكن أن تلتزم إلا بأهدافها مهما كانت النتائج على الشعب والدولة اليمنية، فقد تمكنت من بناء أجهزتها الخاصة وتدير نفسها بصفتها جهازا أمنيا وشركة تمتلك المال والميليشيا؛ فهي أشبه بالسرطان الحي الذي يأكل اليمن ويبحث عن علاج يقويه وينهك اليمن شعبا ودولة، لن تلتزم الحوثية بأي اتفاق حتى لو بصمت عليه بالعشر ستكمن لفترة لمواجهة الضغوط الداخلية والخارجية ثم تنتفض، وهي تخطط من خلال الهدن والاتفاقيات والتحالفات في هذه المرحلة لمعالجة الكوارث التي أنتجتها والتنصل منها ثم ترتيب أوراقها للانقضاض مرة أخرى.. لا يوجد حل مع الحوثية إلا بإعلانها منظومة إرهابية تديرها إيران والعمل على مواجهتها يمنيا وإقليميا ودوليا».
الاستئصال من خلال تفكيك الميليشيا وتجفيف المنابع التي تمدها بالحياة وتجريم الكهنوت الأصولي المنتج للقهر والعنف والمناقض جذريا لجمهورية الشعب، ثم وضع خطة شاملة لإنقاذ اليمن وتأهيل من انخرط بالحركة الحوثية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.