تريزا ماي ما زالت تردد «بريكست يعني بريكست»

نواب بريطانيون مؤيدون لأوروبا باتوا يدعمون الانفصال

رئيسة الوزراء تريزا ماي خلال جلسة المساءلة أمس ويجلس خلفها (يمين) وزير الخزانة فيليب هاموند (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء تريزا ماي خلال جلسة المساءلة أمس ويجلس خلفها (يمين) وزير الخزانة فيليب هاموند (أ.ف.ب)
TT

تريزا ماي ما زالت تردد «بريكست يعني بريكست»

رئيسة الوزراء تريزا ماي خلال جلسة المساءلة أمس ويجلس خلفها (يمين) وزير الخزانة فيليب هاموند (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء تريزا ماي خلال جلسة المساءلة أمس ويجلس خلفها (يمين) وزير الخزانة فيليب هاموند (أ.ف.ب)

بعد تنصيبها رئيسة للوزراء بعد استقالة ديفيد كاميرون إثر الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أطلقت تريزا ماي جملتها الشهيرة لطمأنة معسكر الخروج في حزبها قائلة «بريكست يعني بريكست» (الخروج يعني الخروج) لا أكثر ولا أقل. وجاءت هذه التصريحات بعد أن طالبت مجموعات من معسكر البقاء إجراء استفتاء آخر أو التصويت في البرلمان من أجل إلغاء نتيجة الاستفتاء.
محاولات قلب النتيجة ما زالت قائمة من خلال اللجوء للقانون، أو الطعن بالنتيجة من قبل اسكوتلندا أو شمال آيرلندا. كما يعتقد بعض السياسيين أن قلب النتيجة ممكنا من خلال التصويت على الخروج في البرلمان، وأن ذلك لا يتعارض مع العملية الديمقراطية، كون البرلمان يعتبر أعلى سلطة تشريعية، ومخول أن يعكس رغبات الشعب.
وفي الأمس وصفت رئيسة الوزراء الطعون القانونية على الانفصال، مثل الطعن الذي ستنظر اليوم المحكمة العليا فيه، والطعن الذي يجري إعداده في آيرلندا الشمالية، بأنها محاولات «لتخريب» الديمقراطية وتأخير العملية بعد أن وافق البريطانيون على الانسحاب بنسبة 52 في المائة مقابل 48 في المائة.
ومن المقرر أن تبدأ المحكمة العليا في لندن يوم الخميس النظر في طعن قانوني قدمته مجموعة يتصدرها مدير صندوق استثمار مؤيد للاتحاد الأوروبي يسعى لإجبار ماي على السماح للبرلمان بتحديد متى وكيف يمكن تفعيل المادة 50 وما إذا كان يجب تفعيلها. وقالت متحدثة باسم تيريزا ماي أمس الأربعاء إنه لن يجري التصويت في البرلمان على عملية بدء محادثات الانفصال الرسمية عن الاتحاد.
وقالت ماي إنها ستفعل المادة 50 من معاهدة لشبونة - التي ستدشن فترة مبدئية مدتها عامان ستتفاوض بريطانيا خلالها على شروط خروجها - بحلول نهاية مارس (آذار) العام المقبل دون إتاحة المجال أمام المشرعين للتصويت.
الجنيه الإسترليني قلص بعض مكاسبه أمس الأربعاء بعد أن قالت متحدثة باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إن البرلمان لن يصوت على تفعيل «المادة 50» التي تبدأ بموجبها العملية الرسمية لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي وقت سابق ارتفع الجنيه الإسترليني بعد أن عرضت ماي على المشرعين بعض صلاحيات التدقيق في خطط الحكومة للانسحاب من الاتحاد الأوروبي لتوافق على مطالب فتح حوار بشأن تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة الخاصة بالاتحاد الأوروبي.
وستحتاج ماي لتحول كبير في الآراء بين المشرعين إذا وصل الأمر إلى التصويت في البرلمان. وأيد نحو ثلاثة أرباع أعضاء مجلس العموم وعددهم 650 عضوا البقاء في الاتحاد الأوروبي قبل الاستفتاء. ويقول كثير منهم الآن إنهم سيحترمون رغبة الشعب ولن يمنعوا الانسحاب، هذه التصريحات قد تثلج قلب تريزا ماي، إذا أجبرت على إجراء تصويت في البرلمان، على الاستفتاء أو حتى على البرنامج الزمني للخروج.
وكان قد أظهر استطلاع أجرته «رويترز» أن عددا من المشرعين الذين عارضوا انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي أجري في يونيو (حزيران) سيدعمون الآن بدء إجراءات الانفصال الرسمية عن التكتل بشرط أن يتخذ البرلمان قرارا في الأمر.
وكانت نتائج الاستطلاع الذي أجري على الإنترنت أثارت احتمال أن تتمكن رئيسة الوزراء تيريزا ماي من الفوز في تصويت بالبرلمان الذي كان غالبية نوابه يؤيدون الاتحاد الأوروبي رغم أن حكومتها لا تزال عازمة على منع حدوث هذا التصويت. وكانت ماي نفسها قد صوتت في يونيو لصالح البقاء.
وفي الاستطلاع الذي أجري على الإنترنت سألت «رويترز» أعضاء مجلس العموم في البرلمان البريطاني - باستثناء نحو 100 عضو يتولون مناصب حكومية من ثم فهم ملزمون بالسير على نهج ماي - كيف سيصوتون في حالة قبول الطعن القانوني. ومن بين 57 مشرعا شاركوا في الاستطلاع قال أكثر من 60 في المائة إنهم سيدعمون بدء المفاوضات الرسمية. وقال أكثر من ثلث المشاركين الذين كانوا قد صوتوا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء 23 يونيو إنهم يدعمون الآن بدء إجراءات الانسحاب من أوروبا.
وقال أحد النواب المحافظين كان قد أيد البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء لكنه يدعم الآن تفعيل المادة 50 ردا على استطلاع «رويترز» الذي لم يذكر أسماء المشاركين فيه «كانت عواقب التصويت بالانسحاب واضحة للجميع وهي أننا سننسحب من الاتحاد الأوروبي. ولا يريد غالبية الناخبين المؤيدين للبقاء أن يلتف نواب البرلمان على العملية الديمقراطية في الاستفتاء».
وفي الاستطلاع أيد كل المشرعين الذين صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد في استفتاء يونيو وعددهم 21 تفعيل المادة 50. ومن بين 36 مشاركا من معسكر البقاء قال 14 إنهم غيروا رأيهم وباتوا يدعمون بدء مفاوضات الانسحاب.
لكن المحافظين الذين تقودهم ماي منقسمون منذ فترة طويلة بشدة بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي. ويتمتع حزب المحافظين بأغلبية صغيرة في مجلس العموم وليست له أغلبية في مجلس اللوردات، لذا فإن مشاركة البرلمان تخاطر بإطالة أمد عملية الانسحاب لشهور وربما لسنين.
ومع مواجهة الحكومة الجديدة المهمة الشائكة لتأمين اتفاقيات تجارية جديدة دعا نحو 100 من أعضاء البرلمان من الحزب المحافظين الحاكم إلى بدء تشغيل يخت ملكي جديد. وقال عضو البرلمان جيك بيري وهو يقدم اقتراحا في مجلس العموم اليوم الثلاثاء يدعو لإعادة اليخت الملكي بريتانيا: «أعتقد أنه يجب علينا أن نسأل أنفسنا ما هو الشكل الذي نريد أن نعيش عليه في بريطانيا وما يمكن أن نفعله.. حتى نجعل بريطانيا عظمى مرة أخرى.» وأضاف قائلا وسط تأييد الحضور «اعتقد ان كان الخروج يعني خروجا ناجحا فإنه يعني أيضًا عودة يختنا الملكي».
ودخل بريتانيا الخدمة في 1954 قبل أفول شمس الإمبراطورية البريطانية وأحالته حكومة حزب العمال للتقاعد في 1997 وظهرت الملكة إليزابيث وهي تزرف الدموع علنا أثناء وداعه.
وقال بيري إن بريتانيا الذي ساهم في توفير ثلاثة مليارات جنيه إسترليني (7.‏3 مليار دولار) في اتفاقات تجارية في الفترة بين عامي 1991 و1995 يمكن إعادة تشغيله بتكلفة مائة مليون جنيه إسترليني مقدمة من مساهمات من قطاع الأعمال أو مساهمات عامة لكن دون أموال دافعي الضرائب. وأضاف قائلا: «في بريطانيا ما بعد الخروج نحتاج رئيس دولتنا الآن أكثر من أي وقت مضى».
«هي يمكنها أن ترسم على نحو فريد دورا إيجابيا لبلدنا في أنحاء العالم ويخت ملكي جديد شيء حيوي لتحقيق هذا» رافضًا آراء منتقدين وصفوا اليخت بأنه صورة قديمة من الخمسينات. ورغم حصوله على تأييد الكثيرين في حزبه وغالبية الصحف القومية في بريطانيا أعرب بعض النواب عن رفضهم للفكرة.
ووصفت دياردري بروك عضو البرلمان عن الحزب القومي الاسكوتلندي اليخت بأنه «خطة بريتانيا المحزنة والمؤسفة».



ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).


روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، إن الرئيس دونالد ترمب سيحضر اجتماع ​رؤساء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، المقرر في تركيا خلال يوليو (تموز)، وهو تأكيد من شأنه أن يُثير ارتياحاً واسعاً في دول الحلف، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبينما يحرص الرؤساء الأميركيون عادة على حضور قمم الحلف نظراً لكون واشنطن قائدة الحلف، فقد أُثيرت ‌تساؤلات حول حضور ‌ترمب هذا العام، ​إذ ‌عبّر ⁠مراراً ​عن غضبه ⁠من التحالف لما وصفه بتردده في مساعدة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.

وفي جلسة استماع أمام الكونغرس، اليوم (الأربعاء)، تطرق روبيو إلى إحباطات ترمب، قائلاً إن مصدر استيائه الرئيسي هو رفض ⁠بعض الأعضاء السماح للولايات المتحدة باستخدام ‌قواعدها العسكرية في ‌تلك الدول في وقت الأزمات.

وأكد ​روبيو أن ترمب، ‌رغم خيبة أمله من الحلف، سيحضر ‌الاجتماع.

وقال وزير الخارجية: «لا تزال الولايات المتحدة عضواً في حلف الأطلسي، وسنكون حاضرين في تركيا لمناقشة جميع هذه المواضيع. سيحضر الرئيس بنفسه الاجتماع المقبل ‌لرؤساء دول الحلف، حيث سيتم توضيح جميع هذه النقاط».

وقاومت عدة دول ⁠أعضاء ⁠في الحلف دعم الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، وذلك بمنع الطائرات العسكرية الأميركية من استخدام مجالها الجوي، أو برفض إرسال قوات بحرية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف مراراً بأنه «نمر من ورق»، وهدّد بالانسحاب من التحالف المكون من 32 عضواً في الأسابيع الأخيرة، بحجة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين اعتمدوا ​على الضمانات الأمنية ​الأميركية، بينما قدّموا دعماً غير كافٍ لحملة القصف الأميركية والإسرائيلية في إيران.


حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
TT

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

يقول كثير من الخبراء الاستراتيجيّين إن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). عالم يمرّ في مرحلة انتقالية بين نظام عالميّ لم يعد ناجعاً، وعالم مُنتظر ما زال في طور التبلور؛ عالم لا مرجعيّة فيه سوى فوّهة البندقيّة. عالم تغيب فيه الدبلوماسيّة التقليديّة؛ عالم تصبح فيه الحرب الإعلاميّة تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعليّة في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقيّة؛ عالم تتبدّل فيه نظريات النصر.

ماذا يعني، مثلاً، أن تُعلن دولة ما انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ فهل يُقاس النصر استناداً إلى نسبة ما حقّق العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

لقطة من حرب أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في مثل هذا العالم أصبح «المُعطّل» (Disruptor) يتحكّم بديناميكيّة العلاقات الدوليّة وحركيتها. عالم مترابط «رقميّاً» (Digital) إلى حدّ الذوبان، لكنه مُفتّت فعلياً على مستوى العلاقة بين الدول، وعلى مستوى سلاسل التوريد. في هذا العالم، ماذا يعني ميزان القوى؟ تتمثل عناصر قوّة الدولة بـ: القوة العسكريّة، القوة الاقتصاديّة، القوة السياسيّة، وكذلك القوة التكنولوجيّة، ولكن ماذا يعني ذلك عندما تصبح تكلفة الحرب مُتدنّية جدّاً، بحيث تسمح للاعب من خارج الدولة أن يستحصل على التكنولوجيا المتطوّرة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use)، وتحويلها عند الحاجة سلاحاُ فتّاكاً؟

انطلاقاً من ذلك، بات يُطرح سؤال عما هو فنّ الحرب في عالم اليوم، وكيف يتم تطبيقه. يقول المفّكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد»، إن العالم الغربي أصبح في حاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المُستعمَر) أسرار هذا الفنّ ووسائله. فبدل النصر المُطلق الذي كان ولا يزال يعتمده الغرب، أصبح فن الحرب الجديد لا يقوم على تدمير الخصم فقط، بل على تعطيل نظامه، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة ولا متماثلة. تنطبق أكثر ما تنطبق هذه المعادلة على الفريق الأضعف في الحرب. أما الأقوى، فلا يزال يعتمد على استعمال القوّة المفرطة، حتى تصل إلى حدّها الأقصى، لتنتقل الحرب بعدها، وفي حال صمود الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة، لا يمكن للأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

في هذا الإطار، كتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، في «فاينانشال تايمز» مقالاً تحت عنوان «قرن الانسداد»، قال فيه إن الانسداد هو سيّد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا. أميركا حائرة ماذا تفعل في الخليج. وفي الوقت نفسه، تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاه تايوان. لكن الفكرة الأهم التي وردت في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين، كان الاستقرار ينتج من انتصار فريق على فريق آخر. هكذا حصل في الحرب العالميّة الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم، في القرن الـ21، قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأفرقاء بالواقع والتعايش معه، وكأنه الحالة الطبيعية. يعيد ذلك التذكير بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة؛ وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. ومن الواضح أن هناك جهوداً اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وتحديداً ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد، الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرتها عليه.

تفرض هذه الخلفية طرح تساؤلات حول كيف يُفكّر المُنظّرون الجيوسياسيّون اليوم في النظريّات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعيّة. فهل لا تزال نظريات البريطاني هالفورد ماكندر، حول أهميّة السهل الأوراسيّ (هارتلاند) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكّم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا والتي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. فأين أصبحت هذه النظريات؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتيّ كل من ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسيّ. حالياً، يعاني الريملاند، المفترض أن يُشكّل خط الاحتواء للصين بعد أن كان خطّ الاحتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان، ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطّد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدل السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدّد نحو أوروبا الشرقيّة للسيطرة على السهل الأوراسيّ. فهل بدأ التحول لتكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره هنا، أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقيّة، عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسيّة التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسعة حلف «ناتو»، أو الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ولكن ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث تصبح الطريق سالكة على مدار السنة: هل ستستمرّ النظريات الجيوسياسيّة الغربيّة القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذريّة لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسيّ؟

طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران 3 مارس 2026 (رويترز)

تماهي الخطوط في الحرب والسلم

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدّثون عن ثلاثة مستويات للحرب هي: الاستراتيجيّة، العملانيّة، والتكتيك. في هذه المعادلة، تعوّدت الجيوش على وضع الاستراتيجيّات، وتمريرها إلى المستوى التكتيكي، وعبر المستوى العملانيّ كي تُختبر ميدانيّاً. وبعد الاختبار، لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ومن ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تأخذ وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتاليّة. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال. يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المُبرمج (Coder). وبذلك تكون هذه الدورة، قد تقلّصت إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل، توماس كون، فهمنا لتاريخ العلوم. فهو كان قد نظّر حول مفهوم الثورات العلميّة، ونقد الفهم القديم التراكميّ والتدريجيّ في التطوّر العلميّ. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هي حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلميّة القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. فالعقيدة العسكريّة القتاليّة ترتكز عادة على الوسائل المتوافّرة. وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكريّة مع هذا التحوّل. ومن يُهمل هذا التحوّل العلميّ سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا هي حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركيّ. في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكريّة. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفّكر الأميركيّ، ستيفن بيتر روزن. وبذلك، تحوّل كل إنجاز إلى الاستعمال المزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفروض أن يسهِم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في المُسيّرة الانتحاريّة. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدوليّة التي من المفروض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضريّة (Urban) هي المسرح الأساسيّ للحرب. هكذا الحال في قطاع غزّة، وكذلك في لبنان. ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريّين.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهِر عنصراً منه يجهّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافيّة (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكريّة. فما ينجح في مكان مُحدّد، يأخذه مكان آخر، يُدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام، قد يمكن القول إن كل هذه التحوّلات إنما تحصل على حساب الدولة - الأمّة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسيّة، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المُعطّل» واللاعب «اللادولتيّ» إلى مجال العلاقات الدوليّة على حساب الدولة- الأمّة، أو بصفته شريكاً لها؟