اتحاد الكرة بين وهم الهويات وإغفال الكفاءات

الواقع يخبرنا أن قائمة المدربين الإنجليز المرشحين لتدريب المنتخب لا تبشر بالخير

ساوثغيت يقود المنتخب الإنجليزي للمرة الأولى.. وأقر بأنه لا يملك الخبرة المناسبة (رويترز)
ساوثغيت يقود المنتخب الإنجليزي للمرة الأولى.. وأقر بأنه لا يملك الخبرة المناسبة (رويترز)
TT

اتحاد الكرة بين وهم الهويات وإغفال الكفاءات

ساوثغيت يقود المنتخب الإنجليزي للمرة الأولى.. وأقر بأنه لا يملك الخبرة المناسبة (رويترز)
ساوثغيت يقود المنتخب الإنجليزي للمرة الأولى.. وأقر بأنه لا يملك الخبرة المناسبة (رويترز)

يا ترى من يشعر بالحماس إزاء المرشحين الإنجليز لخلافة سام ألاردايس في تدريب المنتخب الإنجليزي؟ لقد مرت 16 عامًا الآن منذ أن أقدم اتحاد الكرة على مجازفة تعيين أول مدرب أجنبي للمنتخب الإنجليزي، تحديدًا سفين غوران إريكسون. وربما يكون من المفيد الآن أن نلقي نظرة على تلك الفترة ونذكر أنفسنا كيف أن الكثيرين نظروا لهذا القرار باعتباره نهاية العالم.
تمثل صحيفة «ذي ديلي ميل» نقطة بداية جيدة فيما يخص موجة الغضب التي قوبل بها المدرب السويدي. وعلقت الصحيفة على خبر تعيين المدرب السويدي بقولها: «الإذلال الذي تعرضت له إنجلترا لا نهاية له. وفي خضم سعيه وراء تعيين مدرب جديد، ألم يتأن اتحاد الكرة ولو للحظة واحدة للتفكير في مدى عمق هذه الإهانة لكبريائنا الوطني؟ لقد بعنا حقنا الطبيعي إلى دولة لا يتجاوز تعداد سكانها 7 ملايين يقضون جل وقتهم في التزلج على الجليد ورمي المطرقة ويعيشون نصف العام في ظلام دامس».
بعد ذلك، نقف أمام جوردون تايلور الذي كتب بلسان واحدة من معاقل الفكر التقدمي - «رابطة اللاعبين المحترفين في إنجلترا» التي يترأسها، موجهًا الاتهام إلى اتحاد الكرة بأنه «يخون تراثنا»، بينما وصف جون بارنويل، من «رابطة مدربي الدوري الإنجليزي»، قرار تعيين إريكسون بأنه «إهانة» لأعضاء الاتحاد. أما صحيفة «الصن» فتحسرت قائلة إن: «الأمة التي قدمت للعالم لعبة كرة القدم أجبرت على تعيين مدرب أجنبي على رأس منتخبها الوطني للمرة الأولى بتاريخها. يا له من سقوط! يا لها من مذلة! يا له من عذاب فظيع ومهين نلحقه بأنفسنا! يا لها من فوضى عارمة!».
خلال يومه الأول في عمله الجديد كمدرب للمنتخب، وصل إريكسون مقر اتحاد الكرة بمنطقة سوهو بوسط لندن، حيث قابله رجل شرطة سابق يحمل لافتة كتب عليها: «عليك أن تشعر بالخجل، فقد أردنا جميعًا تيري فينابلز». أما الأمر الذي لن تجد له ذكرًا على ألسنة الغالبية فهو أنه عندما استعانت السويد بمدرب إنجليزي، جورج راينور، نجح في قيادة منتخبها إلى نهائي بطولة كأس العالم لعام 1958، وكان راينور على رأس المنتخب كذلك عندما فازت السويد بميدالية ذهبية في إطار دورة الألعاب الأوليمبية لعام 1948، ونالت أخرى برونزية بعد ذلك بأربعة سنوات بعد حصولها على المركز الثالث في بطولة العالم لعام 1950، وانتهى الحال براينور إلى حصوله على درجة فارس من ملك السويد. ولم يكن راينور لينال هذا المنصب قط لو أن اتحاد الكرة السويدي التزم المعايير ذاتها التي اتبعها نظيره الإنجليزي في إطار أخرى محاولاته البحث عن مدرب للمنتخب، ذلك أن راينور لم يكن قد سبق له تدريب أي فريق سويدي من قبل، بجانب عدم معرفته باللاعبين. وحال تطبيق هذه المعايير في إطار البحث عن خليفة لسام ألاردايس، فإن المؤكد أن سيرته الذاتية ستجد طريقها إلى أقرب سلة مهملات!
الحقيقة أن هذه المعايير تنبئ عن قصر نظر شديد، ومن المأمول أن يكون المسؤولون المعنيون على قدر أكبر من الدراية والخبرة بالنظر إلى أنه منذ أربع سنوات جرى إخطار اتحاد الكرة بأن جوسيب غوارديولا ربما يبدي تقبلاً لفكرة تولي مسؤولية تدريب المنتخب الإنجليزي وقيادته إلى البطولة الأوروبية المقرر إقامتها ذلك الصيف، وأنه ربما لا يكون قد استنزف بسبب تجربته مع برشلونة مثلما ادعى البعض. وبالفعل، قرر غوارديولا الرحيل عن الفريق الكتالوني، ومع ذلك فضل اتحاد الكرة السعي وراء إنجليزي بدلاً من الرجل الذي ينسب له إنجاز تجميع عناصر أفضل فريق لناد ربما في تاريخ كرة القدم.
داخل إنجلترا، كان روي هودجسون في المركز الـ10 في الدوري الممتاز مع ويست بروميتش ألبيون، وبالنظر إلى ما نعرفه الآن نجد من الصادم حقًا عدم سعي اتحاد الكرة للاستعانة بالمدرب الإسباني. في ظل ظروف مثالية، كان من المفترض أن ينتقي اتحاد الكرة المدرب الجديد للمنتخب من عدة مرشحين إنجليز، أو حال إخفاقه في ذلك يحول أنظاره إلى المدربين الذين يعتبرون «حاصلين ضمنيًا على المواطنة الإنجليزية»، مثل أرسين فينغر وبريندان رودجرز، بالنظر إلى الفترة الطويلة التي قضوها في التدريب داخل إنجلترا.
إلا أن الفكرة الرئيسة هنا تتمثل في ضرورة ألا يقيد اتحاد الكرة نفسه في بحثه عن مدرب جديد. من جانبه، قال غريغ كلارك، رئيس الاتحاد: «نرغب في شخص يفهم الكرة الإنجليزية. وإذا لم تكن قد مارست التدريب في الدوري الممتاز، فهذا يعني أنك لا تعرف لاعبينا حق المعرفة». لكن ماذا سيحدث لو أن اتحاد الكرة اكتشف، مثلاً، أن هذا سيكون الموسم الأخير لدييغو سيميوني مع أتلتيكو مدريد، وأن هناك إمكانية للتعاقد معه في الصيف؟ في الواقع، كان لسان حال المسؤولين عن الكرة الإنجليزية يقول: «لا داعي للعجلة، وسيكون من الأسهل بكثير التعاقد مع مدرب جديد نهاية الموسم».
وعليه، فإن التساؤل الآن هو: ألا ينبغي أن يوسع اتحاد الكرة دائرة المعايير التي يلتزمها في بحثه عن مدرب للمنتخب؟ جدير بالذكر أن لويس إنريكي الذي حصد ثلاث بطولات مع برشلونة، سينتهي تعاقده الصيف القادم (وإن كان ناديه ينوي التعامل مع هذا الأمر مطلع العام المقبل). وهل توماس توشيل، خليفة يورغين كلوب في بوروسيا دورتموند، غير جدير بتوجيه أنظارنا نحوه؟ لماذا نفرض على أنفسنا ونحن في عام 2016 تقييد خياراتنا باستثنائنا المدربين الأجانب، في وقت لا يعلم أحد على وجه اليقين من سيكون متاحًا خلال الشهور المقبلة؟
ورغم أن البعض قد يشعر بالاستياء مما سأقوله، لكن الحقيقة أن قائمة المرشحين الإنجليز تبدو رتيبة، وفيما يخص فينغر فإنه ربما يكون من الحكمة أن نضع نصب أعيننا أن السيرة الذاتية التي وضعها جون كروس لمدرب آرسنال تضمنت فصلاً بعنوان «التودد»، وذلك لما اعتاد عليه المدرب من التودد إلى جهات التوظيف المحتملة. واللافت أن هذه الجهود عادة ما كانت تذهب هباءً.
في المقابل، فإن إيدي هوي، الذي ربما يمثل أفضل الخيارات الإنجليزية المتاحة، يملك بالفعل الكثير من السمات الجيدة، لكن تعيينه مدربًا للمنتخب سيكون قفزة هائلة بالنسبة له، خاصة أن فريقه الحالي، بورنموث، من المحتمل أن يسقط في هوة الهبوط خلال الشهور المقبلة. أما غاريث ساوثغيت فتولى مسؤولية القائم بأعمال المدرب في المنتخب على مدار أربعة مباريات، لكن هل هو حقًا الشخص القادر على القضاء على المخاوف القائمة في صفوف المنتخب ووضع نهاية للمظهر المرتعش الذي يبدو عليه اللاعبون خلال مشاركتهم في كأس العالم أو البطولات الأوروبية وكأنهم سائق يقود سيارة للمرة الأولى على طريق جبلي؟
من جانبه، أقر ساوثغيت بنفسه منذ ثلاثة أسابيع أنه: «لا أملك الخبرة المناسبة لتولي هذه المسؤولية». أما ستيف بروس، المدرب الآخر الوحيد الذي عقد اتحاد الكرة مقابلة معه قبل تعيين سام ألاردايس، فإنه لو بدا مقنعًا لكان قد نال المنصب بالفعل الآن. باختصار، ليس هناك مرشح إنجليزي متميز للمنصب. وحقيقة الأمر، أنه لو كان هناك مثل هذا المرشح، لما كان ألاردايس نال المنصب من الأساس.
وكان الفرنسي أرسن فينغر، المدير الفني لنادي آرسنال، ترك الباب مفتوحا أمام احتمالات توليه القيادة الفنية للمنتخب الإنجليزي في الموسم المقبل. وقال فينغر: «الأولوية للنادي وسأظل هنا حتى نهاية الموسم». وأمام إصرار الصحافيين، تحدث فينغر عن عدة احتمالات ولكنه لم يحدد ما سيحدث بدء من نصف العام القادم، عندما ينتهي تعاقده مع النادي الإنجليزي: «لم أقرر بعد، يجب أن أقيم الأمور في نهاية الموسم». واعتبرت الصحافة الإنجليزية أرسن فينغر أحد المرشحين البارزين لتولي المسؤولية الفنية للمنتخب الوطني، بعد رحيل سام ألاردايس، حيث قالت إن المدرب الفرنسي هو المفضل بالنسبة للمسؤولين في الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم.
يذكر أن اسم فينغر قد تردد بقوة عقب انتهاء بطولة كأس أمم أوروبا الأخيرة بفرنسا لخلافة روي هودجسون، المدير الفني السابق للمنتخب الإنجليزي، بيد أن ألاردايس كان من وقع عليه الاختيار في نهاية الأمر لتولي هذه المسؤولية. وعلى خلاف فينغر، استبعد مدربون آخرون وبشكل قاطع إمكانية توليهم الإدارة الفنية لمنتخب إنجلترا، الذي يتولى تدريبه مؤقتا غاريث ساوثغيت. وكان الألماني يورغن كلينسمان، المدير الفني للمنتخب الأميركي، قد أكد عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» كذب الشائعات، التي ربطته بقيادة المنتخب الإنجليزي، وهو نفس الأمر، الذي شدد عليه الإسباني رافايل بينتيز، الذي اعتبر أن إمكانية تحقق ذلك مستبعدة تماما. وحتى يصل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لقرار نهائي بشأن المدرب الجديد، يتعين على ساوثغيت إعداد المنتخب على نحو سريع لخوض مباراته أمام مالطا السبت المقبل، في التصفيات الأوروبية المؤهلة لبطولة كأس العالم 2018 بروسيا.
ومن المقرر أن يظل ساوثغيت في منصبه خلال المباريات الأربع المقبلة لإنجلترا، رغم أن مصادر مقربة منه كشفت أن المدرب الإنجليزي يرغب في الاستمرار لوقت أطول. واضطر ألاردايس إلى ترك المنتخب الإنجليزي بعد 67 يوما فقط من توليه منصب المدير الفني، عقب تورطه في فضيحة رصدتها كاميرات غير مرئية وتمثلت في حديث المدرب الإنجليزي عن طرق الالتفاف على قواعد انتقال اللاعبين. وأظهر المقطع المصور، الذي نشرته «ذي تيليغراف» ألاردايس وهو يتحدث مع صحافيين، متنكرين في هويات رجال أعمال آسيويين، عن كيفية تجنب قواعد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الخاصة بانتقال اللاعبين.
الواضح أن اتحاد الكرة يشعر بالواجب تجاه الترويج لمدربيه، لكن الواضح أيضًا أن جهوده تلك لم تحقق نجاحًا يذكر مع ألاردايس وهودجسون. الواضح أيضا أن التجارب تقول إن الثقافة السائدة بالدوري الممتاز تعني أن لاعبي المنتخب الإنجليزي معتادين بدرجة أكبر بكثير على التعامل مع مدربين أجانب عن المدربين الإنجليز. وقد حاول الكثير من اللاعبين الإنجليز توضيح هذه الفكرة عندما جرت استشارتهم خلال عملية اختيار المدرب الأخيرة، وربما لهم العذر إذا ما اعتقدوا أن الأمر برمته كان مضيعة للوقت بالنظر إلى أن آراءهم تعرضت للتجاهل.
ورغم أنهم لم يعارضوا تعيين ألاردايس، فإنهم أوضحوا أنهم يفضلون وبقوة اختيار مدرب أجنبي، ما يمثل أكثر الطرق الممكنة أدبا وذوقًا لتوضيح أنهم لا يشعرون بالحماس إزاء أي من الأسماء الإنجليزية المطروحة. من ناحية أخرى، جرى طرح اسم مدرب آيسلندا السويدي لارس لاغرباك كأحد الخيارات المتاحة نظرًا لقدرته على القيام بأمر يتجاوز مجرد خلافة مدربي المنتخب الإنجليزي: دفع اللاعبين لإظهار أقصى طاقاتهم. ومع هذا، فإنه إذا كان اتحاد الكرة لم يعبأ بالتقاط سماعة الهاتف لمحادثة غوارديولا، فإن هذا كان يعني بالتأكيد عدم وجود أدنى فرصة لتلقي مدرب منتخب آيسلندا اتصالاً هاتفيًا من الاتحاد.
والاحتمال الأكبر أنه لن يتلقى ذلك الاتصال الآن أيضًا. وفي السياق ذاته، تبدو التقارير التي تتحدث عن إمكانية الاستعانة بالمدرب الألماني رالف رانغنيك، الذي يتولى حاليًا منصب مدير الكرة بنادي لايبتسيغ الألماني، غريبة بالنظر إلى أن كلارك أوضح عدم رغبته في الاستعانة بمدرب أجنبي إلا إذا كان يعرف بالفعل اللاعبين.
وربما ما يزال يذكر المؤتمر الصحافي الأول لإريكسون عندما سئل حول ما إذا كان بإمكانه ذكر اسم حارس مرمى ليستر سيتي أو الظهير الأيسر لسندرلاند - وفشل في الإجابة عن كلا السؤالين.
وسئل روبرتو مانشيني كذلك حول اسم الظهير الأيمن لستوك سيتي لدى توليه تدريب مانشستر سيتي، وكانت المرة الأولى التي يعمل في إنجلترا، وأخفق في الإجابة. الحقيقة أن أفضل المدربين ينجحون في التعلم بسرعة، ومثلما قال إريكسون فإنك إذا كنت مدرب المنتخب الإنجليزي ولم تفز بمباراة، سيجري سلخك حيًا بغض النظر عن البلد الذي تنتمي إليه. ويخضع غريغ كلارك رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لاستجواب من قبل أعضاء في البرلمان يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي فيما يتعلق بوجود مزاعم فساد في الدوري الإنجليزي. وسينضم كلارك، الذي ترأس الاتحاد الإنجليزي في أغسطس (آب) الماضي، لدارين بايلي رئيس لجنة الحوكمة بالاتحاد، حيث يخضع الثنائي لاستجواب من قبل لجنة برلمانية مكونة من عشرة نواب من عدة أحزاب حول هذه المسألة في وقت لاحق الشهر الحالي.



طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة
TT

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

لا ترحم ملاعب كرة القدم الكبرى عثرات البدايات، ولا تشفع السير الذاتية لأعتى المدارس التدريبية أمام هدير الغضب الجماهيري وضغوط الإدارات، إذ تظل البطولات العالمية والقارية بمثابة حقل ألغام يعجل بنهاية مغامرات فنية لم تكد تبدأ.

إن الإقالة الفورية التي تعرض لها الفرنسي التونسي صبري لموشي مع منتخب تونس في قلب المونديال الحالي، لم تكن سوى امتداد لظاهرة كروية تاريخية تُعرف بـ«الإطاحة السريعة وسط المنافسات»، حيث تصبح التضحية برأس المدير الفني الخيار الأوحد لمحاولة إنقاذ السفينة من الغرق المبكر قبل فوات الأوان.

زلزال مونديال 2026: لموشي يدفع ضريبة «خماسية السويد» ورينارد طوق النجاة

صبري لموشي (رويترز)

وقد سطر الفرنسي من أصول تونسية، صبري لموشي، اسمه باعتباره أحدث وأسرع المدربين المبعدين في تاريخ كأس العالم الحديث خلال شهر يونيو من عام 2026. وجاء هذا القرار الحاسم والدراماتيكي من قِبل الاتحاد التونسي لكرة القدم عقب انتهاء المباراة الافتتاحية لـ«نسور قرطاج» في دور المجموعات أمام منتخب السويد، حيث فجّرت الخسارة الثقيلة والمذلة بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، والأداء الدفاعي الكارثي، موجة غضب عارمة عجلت بصدور قرار الإقالة، ليسارع الاتحاد بالتعاقد مع الخبير المونديالي الفرنسي هيرفي رينارد بديلاً له، ليتولى قيادة المنتخب في المباراتين المصيريتين المتبقيتين بدور المجموعات أمام اليابان وهولندا.

هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

فرنسا 1998: بيريرا يغادر «الأخضر» بقرار في منتصف الطريق

المدرب البرازيلي كارلوس ألبرتو بيريرا (إكس)

هذا السيناريو القاسي يعيد إلى الأذهان ما حدث في يونيو من عام 1998، عندما شهد المونديال الفرنسي إقالة المدرب البرازيلي المخضرم كارلوس ألبرتو بيريرا من تدريب المنتخب السعودي. ورغم تاريخ بيريرا العريض وتتويجه باللقب العالمي مع البرازيل، فإن الصبر الإداري لم يدم طويلاً، فبعد تجرع خسارة أولى أمام الدنمارك بهدف نظيف، جاء السقوط أمام صاحب الأرض والجمهور المنتخب الفرنسي برباعية نظيفة في الجولة الثانية، ليعلن الاتحاد السعودي إقالة بيريرا فوراً وقبل خوض المباراة الثالثة والأخيرة ضد جنوب أفريقيا، معوضاً إياه بالمدرب الوطني محمد الخراشي الذي قاد المواجهة الختامية في محاولة عاجلة لترميم المعنويات المنهارة.

محمد الخراشي مدرب المنتخب السعودي في مونديال 98

مفارقة تونسية: كاسبرتشاك يذوق مرارة المقصلة مبكراً

المدرب البولندي هنري كاسبرتشاك (ويكيبيديا)

المفارقة التاريخية تكمن في أن المنتخب التونسي نفسه ذاق مرارة هذا الإجراء الاستثنائي في التوقيت ذاته وخلال مونديال فرنسا في يونيو 1998، حين أطيح بالمدرب البولندي هنري كاسبرتشاك في منتصف دور المجموعات. وجاء قرار الاستغناء عن كاسبرتشاك بعد تلقي الفريق خسارتين متتاليتين أمام إنجلترا بهدفين نظيفين ثم كولومبيا بهدف دون رد، حيث رأت الإدارة التونسية حينها أن النهج الفني للمدرب بات عقيماً ولا يلبي تطلعات الجماهير، ليتم استبعاده على الفور وتكليف مساعده المحلي علي السلمي الذي حل بديلاً عنه لتولي المهمة في المباراة الأخيرة للمجموعات أمام رومانيا.

المدرب التونسي علي السلمي (إكس)

زلزال في سيول: الإطاحة بأسطورة كوريا الجنوبية بعد خماسية الطواحين

أسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون (ويكيبيديا)

ولم تتوقف مقصلة مونديال 1998 عند حدود المنتخبات العربية، بل امتدت لتطيح بأسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون من تدريب منتخب كوريا الجنوبية. فبعد مشوار تصفيات مثالي خاضه الأخير، انهار المنتخب الكوري في النهائيات بخسارة أولى أمام المكسيك بثلاثية، ثم هزيمة كارثية بخماسية نظيفة أمام هولندا، مما دفع الاتحاد الكوري لإصدار قرار طرده فوراً في العشرين من يونيو وسط صدمة الشارع الرياضي، وتكليف مساعده كيم بيونغ-سوك بإنهاء المشوار في المباراة الختامية أمام بلجيكا.

الولايات المتحدة 1994: الصدام يطيح بهنري ميشيل من عرين الكاميرون

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

ولم تكن القارة الأفريقية بعيدة عن هذه العواصف التدريبية في المنافسات العالمية، إذ شهدت نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأميركية في يونيو من عام 1994 نهاية مأساوية لولاية الفرنسي المخضرم هنري ميشيل مع منتخب الكاميرون. ورغم الآمال العريضة التي عُقدت على «الأسود غير المروضة»، فإن الانقسامات الداخلية الحادة بين المدرب واللاعبين حول التشكيل والمكافآت، والتي تزامنت مع تعادل مخيب أمام السويد بهدفين لمثلهما وسقوط ثقيل أمام البرازيل بثلاثية نظيفة، دفعت بمسؤولي الاتحاد الكاميروني إلى الإطاحة بميشيل من منصبه بقرار صارم في أوج معمعة البطولة، وإسناد المهمة بشكل عاجل وثنائي للمدربين المحليين جان مانغا أونغوين وجول نيونغا، اللذين قادا المواجهة الأخيرة التي انتهت بخسارة تاريخية أمام روسيا.

سويسرا 1954: أندي بيتي يستقيل في المعسكر ويترك اسكوتلندا بلا قائد

أما الجذور التاريخية لهذه الإقالات الطارئة فتعود إلى مونديال سويسرا عام 1954، عندما شهدت البطولة أقرب الحالات إلى مفهوم الانتحار التدريبي مع الاسكوتلندي أندي بيتي.

بيتي، الذي وجد نفسه مقيداً بقائمة هزيلة ومقننة من 13 لاعباً فقط أرسلها اتحاد بلاده لخوض المنافسات، لم يحتمل تبعات الخسارة الافتتاحية أمام النمسا بهدف نظيف، فتقدم باستقالته على الفور في قلب البطولة وغادر المعسكر غاضباً، تاركاً لاعبي «جيش التارتان» يواجهون مصيرهم بمفردهم ليتجرعوا بعدها هزيمة تاريخية قاسية أمام أوروغواي بسبعة أهداف دون رد.


عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير
TT

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير

تحتفظ ذاكرة كأس العالم بصفحات خالدة سطّرها جيل من المهاجمين الأفذاذ، الذين لم تكن أهدافهم مجرد أرقام في لوحات الملاعب، بل تحولت إلى صكوك دخلوا بها تاريخ الساحرة المستديرة من أوسع أبوابه. وفي صراع «الأحذية الذهبية» عبر العقود، يظل السؤال الأزلي يتردد مع كل نسخة مونديالية: من يجلس على العرش العالمي؟ ومن يهدد عروش السابقين؟

ميروسلاف كلوزه (المركز الأول - 16 هدفاً)

لم يكن الألماني ميروسلاف كلوزه أكثر المهاجمين موهبة في جيله، لكنه كان الأكثر فاعلية وحسماً أمام الشباك، حيث نجح عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية (2002-2014) في اعتلاء قمة الهرم المونديالي، متوجاً مسيرته بلقب نسخة 2014 التي شهدت تحطيمه الرقم القياسي التاريخي في معقل البرازيل بالذات، مدفوعاً بذكاء تموقعه داخل منطقة الجزاء وإتقانه الأسطوري للضربات الرأسية.

مهاجم منتخب ألمانيا السابق ميروسلاف كلوزه (د.ب.أ)

ليونيل ميسي (المركز الأول مكرر - 16 هدفاً)

في مباراته الـ200 مع المنتخب الأرجنتيني، سجل ​ليونيل ميسي ثلاثية قاد بها منتخب باده للفوز (3-صفر) على الجزائر، ⁠الأربعاء، وذلك في بداية ⁠مشوار منتخب بلاده للدفاع عن لقب كأس العالم لكرة القدم، ⁠ليعادل بذلك الرقم ‌القياسي ‌لأكبر ​عدد ‌من الأهداف ‌للاعب في البطولة متساوياً مع الألماني ميروسلاف ‌كلوزه برصيد 16 هدفاً لكل ⁠منهما.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

رونالدو نازاريو (المركز الثاني - 15 هدفاً)

جسّد البرازيلي رونالدو مفهوم «المهاجم المتكامل» أو «الظاهرة» الذي يجمع بين السرعة الخارقة والمهارة الفائقة والإنهاء القاتل، وتمكّن عبر ثلاث بطولات فعلية شارك بها من كتابة التاريخ، لا سيما في مونديال 2002 عندما قاد «السامبا» لرفع الكأس الذهبية وتُوّج هدافاً للبطولة، ليبقى رقمه صامداً لسنوات بوصفه رمزاً للرعب التهديفي الذي عانت منه أعتى دفاعات العالم.

رونالدو نازاريو (أ.ف.ب)

غيرد مولر (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

عُرف الألماني غيرد مولر بلقب «المدفعجي» وكان بمثابة الثقب الأسود داخل منطقة جزاء الخصوم، إذ تميّز بقدرة خارقة على التسجيل من أشباه الفرص وبمختلف أجزاء جسده، تاركاً بصمة تاريخية لا تُمحى في نسختي 1970 و1974، حيث أحرز هدف التتويج بلقب كأس العالم الأخير في شباك هولندا، ليظل نموذجاً كلاسيكياً للمهاجم القناص الذي يطوّع المساحات الضيقة لخدمة الشباك.

غيرد مولر (1945-2021) هو أسطورة كرة قدم ألماني وأحد أعظم الهدافين في التاريخ (ويكيبيديا)

كيليان مبابي (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

مبابي يحمل كأس العالم بعد فوز منتخب فرنسا عام 2018 (أ.ف.ب)

يمثّل الفرنسي كيليان مبابي الإعصار الحديث الذي يهدد العروش المونديالية السابقة؛ إذ نجح في غضون نسختين فقط (2018) و(2022) في الوصول إلى هدفه الثاني عشر وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مستنداً إلى سرعته النفاثة وثلاثيته التاريخية «الهاتريك» في نهائي ملعب «لوسيل» بقطر، مما يجعله المرشح الأول في السنوات المقبلة للانفراد بصدارة هذا السجل التاريخي.

وقد شهدت افتتاحية مباريات «الديوك» الفرنسية في مونديال (2026) حدثاً تاريخياً غير مسبوق، عندما فجّر «الفتى الذهبي» طاقته التهديفية في شباك السنغال، فبعد أن هز الشباك في الدقيقة (66) ليفك الشراكة مع «الملك» بيليه ويرتقي مؤقتاً إلى المركز الرابع مكرر برصيد (13) هدفاً واضعاً نفسه على مسافة واحدة مع مواطنه الأسطوري جاست فونتين، عاد مبابي ليرفض البقاء في تلك المرتبة طويلاً بتسجيله الهدف الثاني له في المباراة، وهدفه الـ14 تاريخياً ليتجاوز فونتين، ويقتحم منصة التتويج التاريخية بالصعود إلى المركز الثالث مكرر، ليتساوى مع «المدفعجي» مولر، ليصبح على بُعد هدفين فقط من معادلة «الظاهرة» رونالدو (15) هدفاً، و3 أهداف من الصدارة.

القفز من الثالث إلى الخامس... حجب المرتبة الرابعة

ومن عتبة المركز الثالث المشترك حالياً بين غيرد مولر وكيليان مبابي برصيد 14 هدفاً، تقفز الحسابات الرياضية التراكمية مباشرة إلى المركز الخامس لتلغي المرتبة الرابعة تماماً لعدم وجود أحد فيها، إذ إن المركز الثالث مشغول بـ«اسمين»، فقد استهلكا الخانتَين الحسابيتَين (3 و4)، ليحل من يليه في الرصيد وهو فونتين بـ13 هدفاً في المركز الخامس.

جاست فونتين نجم كرة القدم الفرنسي الراحل (ويكيبيديا)

جاست فونتين (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

حقق الفرنسي الراحل جاست فونتين إعجازاً كروياً عصياً على التكرار في تاريخ المستديرة، عندما سجل جميع أهدافه الثلاثة عشر في نسخة واحدة فقط وهي بطولة السويد 1958، ليمنح بلاده مركزاً متقدماً ويعلن عن نفسه بوصفه صاحب أعلى معدل تهديفي في بطولة منفردة، في محطة تاريخية تقف شاهدة على عبقرية هجومية سبقت عصرها بكثير.

وبالصرامة الحسابية ذاتها، يتحرك قطار التوثيق من عتبة المركز الخامس المشترك مع فونتين (13 هدفاً)، ليتجاوز الترتيب المرتبة السادسة المحجوبة تماماً ويحط الرحال عند المركز السابع، حيث يبرز اسم «الملك» البرازيلي الراحل بيليه وحيداً برصيد 12 هدفاً.

بيليه (أ.ف.ب)

بيليه (المركز السابع - 12 هدفاً)

بينما يظل بيليه «الملك» واللاعب الوحيد المُتوّج بثلاثة ألقاب لكأس العالم، فإن أهدافه الاثني عشر كانت بمثابة اللوحات الفنية التي صاغت أمجاد البرازيل الكروية، حيث بدأ مسيرته مراهقاً مذهلاً في 1958 وختمها بعبقرية مطلقة في 1970، مسجلاً في المباريات النهائية الكبرى، ومثبتاً أن النجومية ترتبط بالحضور الحاسم في المواعيد التي تصنع التاريخ.

تستمر قائمة العظماء بأسماء حفرت مكانتها بمداد من ذهب:

ساندور كوتشيس (المركز الثامن- 11 هدفاً)

يُعد المجري ساندور كوتشيس صاحب الومضة الهجومية الأكثر رعباً في خمسينات القرن الماضي، حيث سجل أهدافه الأحد عشر في نسخة واحدة فقط (سويسرا 1954) وخلال خمس مباريات، بفضل ارتقاءاته الخيالية التي منحت لقب «الرأس الذهبي»، ليدون أول ثنائية «هاتريك» في تاريخ البطولة،ت قبل أن تنهي الظروف السياسية مسيرة جيله الذهبي مبكراً.

لاعب منتخب المجر السابق ساندور كوتشيس (ويكيبيديا)

يورغن كلينسمان (المركز الثامن مكرر - 11 هدفاً)

سطر الألماني يورغن كلينسمان قصة نجاح ممتدة على مدار عقد كامل في الملاعب المونديالية، نجح خلالها في توزيع أهدافه الأحد عشر على ثلاث نسخ متتالية بدأها في إيطاليا 1990 بثلاثة أهداف أسهمت في قيادة الماكينات لرفع الكأس العالمية، ثم بلغ ذروة توهجه في أميركا 1994 محرزاً خمسة أهداف، من بينها مقصيته الشهيرة في شباك كوريا الجنوبية، قبل أن يختتم مشواره في فرنسا 1998 بثلاثة أهداف أخرى. وقد تميز كلينسمان بأدائه بوصفه مهاجماً شاملاً يجمع بين السرعة والذكاء التكتيكي العالي والقدرة على حسم الهجمات من مختلف الوضعيات، فضلاً عن احتفاليته الأيقونية بالارتماء على العشب، ليظل واحداً من الرموز الخالدة التي صاغت أمجاد الهجوم الألماني في العصر الحديث.

الألماني يورغن كلينسمان (ويكيبيديا)

لغز الترتيب المحجوب... كيف ألغت حسابات «الفيفا» المركز التاسع؟

في عالم الأرقام والإحصاءات المونديالية، كثيراً ما تفرض «لعبة الكراسي الموسيقية» أحكاماً رقمية صارمة تلغي مراكز بأكملها من لوائح الشرف، وهو تماماً ما يتجلى في هذا المنعطف من سباق الهدافين التاريخيين لكأس العالم، حيث يختفي «المركز التاسع» تماماً من المشهد. يعود السبب في هذا التواري الإحصائي إلى القواعد الدولية المعتمدة التي تقضي بأنه في حال تعادل لاعبين في مرتبة واحدة كما هو الحال مع كلينسمان وكوتشيس اللذَيْن يتقاسمان المركز الثامن برصيد 11 هدفاً فإن المرتبة الرقمية التي تليها تُحجب تلقائياً لتكافؤ الفرص الشاغرة.

ومن هذا المنطلق الحسابي، يتجاوز قطار التاريخ محطة الرقم تسعة، ليقذف بنا مباشرة إلى «المركز العاشر»، وهو المركز الأكثر ازدحاماً وصخباً في الأرشيف المونديالي، حيث يتشارك في ثناياه ستة فرسان من أساطير اللعبة الذين اصطدمت طموحاتهم بجدار الأهداف الـ10، ليرسموا معاً لوحة كروية امتدت عبر مختلف الأجيال والمدارس الكروية.

غاري لينيكر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

النجم الإنجليزي غاري لينيكر (أ.ب)

يبرز الإنجليزي غاري لينيكر بوصفه أحد أذكى قناصي منطقة الجزاء في تاريخ الكرة البريطانية، حيث نال الحذاء الذهبي في مونديال 1986 برصيد 6 أهداف وأضاف 4 أخرى في نسخة 1990، متميزاً ببرود أعصابه أمام المرمى وسجله الأخلاقي الناصع، إذ اعتزل كرة القدم دون أن يتلقى بطاقة صفراء أو حمراء واحدة طوال مسيرته الدولية والمحلية.

توماس مولر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الألماني توماس مولر (ويكيبيديا)

أعاد الألماني توماس مولر تعريف مركز المهاجم في العصر الحديث من خلال ابتكاره لدور «صائد المساحات»، حيث فجر طاقته بخمسة أهداف في مونديال 2010 نال بها الحذاء الذهبي، ثم كرر الرقم ذاته في مونديال 2014 ليقود بلاده لمنصة التتويج، معتمداً على تحركاته الذكية الخالية من الكرة وتوقعه المثالي لأخطاء المدافعين.

غابرييل باتيستوتا (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا (ويكيبيديا)

حمل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا لقب «باتي غول» لشدة وقوة تسديداته المدمرة التي لم ترحم حراس المرمى، ودخل التاريخ كونه اللاعب الوحيد في أرشيف كأس العالم الذي نجح في تسجيل ثلاثية (هاتريك) في نسختين متتاليتين من البطولة (1994 ضد اليونان و1998 ضد جامايكا)، مجسداً بقميص «التانغو» ذروة القوة البدنية والإنهاء الشرس.

تيو فيلو كوبيلاس (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو (ويكيبيديا)

يعد تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو وأحد أعظم لاعبي خط الوسط الهجومي في تاريخ أميركا الجنوبية، حيث وزع أهدافه العشرة بالتساوي بإحرازه 5 أهداف في مونديال 1970 و5 أخرى في مونديال 1978، مبهراً العالم بمهارته الفائقة في المراوغة وتنفيذه للركلات الحرة الملتفة التي سكنت شباك كبار حراس المرمى.

غرزيغورز لاتو (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الجناح السريع لمنتخب بولندا غرزيغورز لاتو (ويكيبيديا)

قاد الجناح السريع غرزيغورز لاتو منتخب بولندا إلى عصرها الذهبي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وتوج هدافاً لمونديال 1974 برصيد 7 أهداف ليقود بلاده للمركز الثالث، قبل أن يعزز رصيده في نسختي 1978 و1982، مستغلاً سرعته النفاثة وانطلاقاته من الأطراف لضرب الدفاعات والتسجيل بكفاءة المهاجم الصريح.

هلموت ران (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

يحتل الألماني هلموت ران مكانة أسطورية مقدسة في الذاكرة الكروية لبلاده، فهو المدفعجي الذي سجل هدف الفوز التاريخي في نهائي مونديال 1954 ضد المجر في المباراة الشهيرة بـ«معجزة بيرن»، وتابع توهجه في مونديال 1958 برصيد 6 أهداف كاملة، ليؤكد إرثه كلاعب المواعيد الكبرى الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن في اللحظات القاتلة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.