ألمانيا تتراجع عن نظرية «المعجزة الاقتصادية الثانية»

اللاجئون يتحولون من قوة دفع إلى كبرى المشكلات

جانب من عمليات تصنيع وتجميع سيارات {بي إم دبليو} في أحد مصانع الشركة الالمانية في ميونيخ (غيتي)
جانب من عمليات تصنيع وتجميع سيارات {بي إم دبليو} في أحد مصانع الشركة الالمانية في ميونيخ (غيتي)
TT

ألمانيا تتراجع عن نظرية «المعجزة الاقتصادية الثانية»

جانب من عمليات تصنيع وتجميع سيارات {بي إم دبليو} في أحد مصانع الشركة الالمانية في ميونيخ (غيتي)
جانب من عمليات تصنيع وتجميع سيارات {بي إم دبليو} في أحد مصانع الشركة الالمانية في ميونيخ (غيتي)

في صيف عام 2014 ومع توافد مئات الآلاف من اللاجئين بالأخص من سوريا والعراق على ألمانيا، قال كثير من السياسيين، ومن بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل زعيمة الحزب المسيحي الديمقراطي، وأندريا نالس وزيرة العمل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إن لوجود هؤلاء اللاجئين انعكاسا إيجابيا على اقتصاد ألمانيا.
وكانت المستشارة ميركل متفائلة من إمكانية توفير أماكن عمل مستقبلية لهؤلاء اللاجئين، وبأنهم قوة عاملة يمكنها بسرعة الاندماج في سوق العمل الألماني، وظلت تردد منذ العام الماضي عبارتها المشهورة: «نستطيع أن ننجز ذلك..» لكن اتضح اليوم أن أمورا كثيرة لم تضعها المستشارة في الحسبان جعلتها تتراجع عن مقولتها، حتى أنها أصبحت تطالب بسرعة ترحيل من لا تتوفر لديهم شروط حق اللجوء والبقاء.
ومن أهم هذه الأمور قدرة ألمانيا على تجاوز انعكاسات التدفق البشري الضخم عليها دفعة واحدة، وأيضا مؤهلات اللاجئين الذين راهنت عليهم ميركل، وخصوصا السوريين.. لكن قبل كل شيء، يبدو العنصر الأبرز هو تفاعل الشارع الألماني مع هذا التدفق البشري، فخلال أقل من عامين تجاوز عددهم المليون حسب تقارير وزارة الداخلية، من بينهم نحو 800 ألف سوري.

تصورات المعجزة الاقتصادية
في الثاني من سبتمبر (أيلول) المنصرم، نقلت مصادر مطلعة أن المستشارة ميركل اجتمعت ببرلمانيين من حزبها، وأكدت لهم على أن أهم إجراء في الشهور المقبلة هو الترحيل، وذلك في محاولة منها لتهدئة المخاوف العامة المتنامية بشأن زيادة أعداد المهاجرين، وهذه تعتبر أول خطوة فعلية لتراجعها عن تفاؤلها السابق.
فالأمر أصبح يهدد مستقبلها ومستقبل حزبها السياسي بعد التراجع الحاد لشعبيتها، وظهر ذلك على نتائج الانتخابات الأخيرة في إقليم برلين، حيث حصل حزبها المسيحي الديمقراطي على 18 في المائة فقط من الأصوات، بعد أن كانت النسبة تتجاوز الـ24 في المائة، مقابل تقدم كبير لحزب ألمانيا البديل اليمني المتطرف.
وتراجع التفاؤل ليس فقط على صعيد السياسيين؛ بل وخبراء الاقتصاد أيضا، الذين سبق وأن رحبوا بقدوم مئات الآلاف من اللاجئين في البداية، وتوقعوا حدوث «معجزة اقتصادية ثانية» لألمانيا، على غرار «المعجزة الاقتصادية الأولى» التي شهدتها ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، معتقدين أن هذه المعجزة الاقتصادية ستحدث على يد هؤلاء، وخصوصا السوريين، الذين اعتبروا مميزين عن غيرهم من اللاجئين لأنهم يتمتعون بخبرات كبيرة.

انعكاس الآراء
ومن الشخصيات المعروفة التي لم تعد تنتظر حدوث هذه المعجزة الاقتصادية كليمنص فوويست رئيس مؤسسة إيفو للبحوث الاقتصادية في مدينة ميونيخ، فحسب رأيه، مقارنة مع الظروف السابقة والحالية، فإن ألمانيا لن تستفيد اقتصاديا من اللاجئين والمهاجرين الجدد كما كانت مؤسسته تتوقع، حتى أنه يميل إلى التشاؤم في تحقيقهم أدنى حد من التوقعات السابقة.
وقال فوويست في ندوة أقيمت في برلين: «لقد تم جمع كثير من البيانات والتوقعات المتفائلة من العام الماضي، واليوم أصبح من الواضح أنه لن تكون هناك معجزة اقتصادية ثانية في ألمانيا». وأضاف: «سيحصل معظم اللاجئين على مزيد من الفوائد؛ أكثر مما سيدفعونه من ضرائب حتى بعد اندماجهم في سوق العمل لتدني مستوياتهم التأهيلية، فهم سيعلمون في مهن متدينة الأجور وقد يحتاجون لتلقي مساعدات اجتماعية».
وتابع قائلا: «على المرء عدم تجميل الأمور، ففي الوقت الذي يشكل فيه الأجانب نسبة 7.3 في المائة من سكان ألمانيا، فإن نسبة المهاجرين بلغت 25 في المائة، من بينهم 18 في المائة يتلقون مساعدات اجتماعية ويدخلون خانة العاطلين عن العمل».
ولا يختلف فرنك يورغين فيزه، رئيس الوكالة الاتحادية للعمل ومدير المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، في الرأي عن فوويست؛ حيث أكد أن دمج اللاجئين من سوق العمل «عمل شاق» وسوف يستغرق وقتا طويلا بتكاليف مرتفعة جدا، موضحا أن متوسط تكلفة اللاجئ الواحد إلى حين دخوله سوق العمل تتجاوز 450 ألف يورو، ورغم أن نحو 70 في المائة من هؤلاء لديهم القدرة على العمل، إلا أنهم ولفترة قد تمتد لسنوات سيعيشون على المساعدات الاجتماعية.

عراقيل أمام السوريين والعراقيين
ومن وجهة نظر فيزه، يوجد أكاديميون وجامعيون ضمن اللاجئين العراقيين والسوريين، لكن عددهم لا يتجاوز العشرة في المائة، والحاصلون على شهادة ثانوية 35 في المائة، ومن أنهى فترة التعليم الأساسي 24 في المائة، بينما نسبة الأميين 11 في المائة.
أيضا، فإن ما يزيد على ثلث اللاجئين هم من القصر، ما دون الـ15 عاما من العمر، أو ما بين الـ18 و25 سنة ويحتاجون لسنوات من التعليم والتأهيل. كما يوجد نحو 40 في المائة منهم ليس لديه التأهيل المهني اللازم، بل خبرة بسيطة لا تتناسب ومعايير العمل الألمانية.. ومع ذلك تبذل الحكومة قصارى جهدها لدفعهم إلى مركز التوظيف في أقرب وقت ممكن.
وبالنسبة للسوريين، لا توجد حتى الآن بيانات دقيقة عن عددهم لأن نسبة كبيرة منهم لم تسجل بعد، لكن طبقا لبيانات المكتب الاتحادي للعمل فإن نسبة 71 في المائة منهم ذكور و29 في المائة من النساء، كثيرات منهن لديهن أطفال دون العاشرة، والكثيرات لا يفضلن العمل لأسباب اجتماعية حسب الحجج التي يقدمنها.
والعائق الآخر هو اللغة، فنسبة ضئيلة من السوريين يتقنون لغة أجنبية لأنها لا تدخل في مناهج كثير من المدارس والجامعات، وهذا يقلل من فرصة التحاقهم بالعمل في شركات ومصانع كبيرة، فإداراتها تفضل الملم باللغة وليست مستعدة لتعيين مترجمين؛ إذ إن اللغة شرط للتوظيف، وهذا ما يواجهه أيضا الأطباء وذوو التخصصات العالية، فكثيرون منهم يحملون شهادات ولهم خبرة علمية لكن المشكلة تكمن في عدم إتقانهم اللغة الألمانية، يضاف إلى ذلك جهلهم بقوانين ممارسة مهنة الطب. فمن يريد فتح عيادة على سبيل المثال يجب أن يكون لديه اطلاع ومعرفة بقوانين كثيرة تدخل في صميم عمله وإدارة عياداته.

تكاليف عالية للاجئ
وتشير بيانات الوكالة الاتحادية للعمل إلى أن تكاليف كل لاجئ، ما بين الإيواء في مخيمات اللاجئين والطعام والرعاية الصحية والمصروف الشخصي، تصل إلى نحو ألف يورو شهريا، وعلى الدولة مواصلة مساعدته ما دام أنه لم يحصل على عمل بسرعة.
وعند حصوله على حق اللجوء والبقاء من دون شغل، فإن التعويض الشهري الذي يحصل عليه يكون كعاطل عن العمل. وتتوقع الوكالة أن يتخطى هذا العام عدد اللاجئين في ألمانيا ممن يتلقون مساعدات اجتماعية لعدم عثورهم على مكان عمل، المليون شخص. وإذا ما عملوا، فستكون أجورهم متدنية لتدني مستوياتهم المهنية، ما يعني أنهم سيواصلون الحصول على مساعدات. وبناء عليه يجب على الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم عام 2017 تخصيص مبلغ 14 مليار يورو، يضاف إليه خمسة مليارات كمصاريف لتعلّم اللغة ورفع المستوى التأهيلي.
ووفقا لدراسة حديثة أجراها صندوق النقد الدولي، فإن المهاجرين من أفغانستان وإيران والعراق وسوريا والصومال وإريتريا ويوغوسلافا سابقا، الموجودين في ألمانيا، لديهم في المتوسط تأهيل أسوأ من السكان الألمان وغيرهم من المهاجرين السابقين.
وبالنسبة للاقتصاد الألماني بالتحديد، فهو يحتاج إلى مهنيين من درجة عالية بشكل خاص، وهذه هي المشكلة. ففي العام المقبل سوف يضاف إلى 2.7 مليون عاطل عن العمل المسجلين رسميا ومن بينهم 1.2 مليون من ذوي الحرف المتدنية والبسيطة، بضعة مئات الآلاف من اللاجئين، بينما لا يتوفر في سوق العمل الألمانية سوى 110 آلاف مكان عمل لذوي التأهيل المهني المتدني.

ألمانيا تقامر بالمستقبل
والشعار المرفوع حاليا في ألمانيا بعد الخوف من استيلاء اللاجئين على أماكن عمل الألمان، حتى البسيطة منها، نظرا لقبولهم بأجور متدنية، هو «نعم، على الدولة استيعاب الناس فهذه مسؤولية إنسانية.. ولكن من وجهة نظر اقتصادية، لا توجد حجج لفتح الحدود..» وبتقديمها هذه المساعدات، تقامر ألمانيا بالمستقبل.
حتى الأشخاص الذين أشادوا بقدرات الأجانب ومدحوا بمستوى اللاجئين السوريين تراجعوا عن أقوالهم، ومنهم ديتر تساشيه مدير شركة دايملر للسيارات، الذي قال في شهر سبتمبر عام 2015: «بإمكان اللاجئين أن يكونوا أساسا لمعجزة اقتصادية ثانية في ألمانيا، وإنهم فرصة هائلة لهذا البلد لكي يكون في العقود المقبلة أقوى قوة اقتصادية عالميا وعلى الصعيد الأوروبي».
واليوم يعترف تساشيه، وكذلك آخرون من خبراء الاقتصاد ومديري الشركات، بأن التوقعات الإيجابية كانت «سريعة»، بالأخص فيما يتعلق بهجرة اليد العاملة الشابة، إذ اتضح بعد ذلك وجود نقص هائل في العمالة الماهرة التي تحتاج إلى وقت طويل لتأهيلها. وفي هذا الصدد يقول مارسل فريتشر رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادي إن «السؤال الأساسي ليس فقط ما إذا كان بإمكان اللاجئين على المدى البعيد أن يكونوا ذوي فائدة اقتصادية لألمانيا؛ بل مدى سرعتهم في التمكن من ذلك، فالأزمات الاقتصادية العالمية تتعاظم وهذا له تأثير سلبي».



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.