الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها

عمل في الـ«نيوزويك» سنوات طويلة ويكتب الآن في الـ«فورن بوليسي»

الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها
TT

الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها

الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها

الصحافي الأميركي كريستيان كارل أحد كبار «نيوزويك» الأميركية التي أغلقت أبوابها هذا العام، وهو من الإعلاميين الذين ذهبوا إلى أفغانستان في سنوات الحرب بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، وقد شاهد على الأرض ماذا فعل الإخوة المجاهدون بهذا البلد الذي تحول إلى مشاهد وبانوراما من الخراب والدمار.. يقول في حواره مع «الشرق الأوسط»: «لا يمكن إغفال أن الحياة في أفغانستان توقفت في السبعينات، تطلع على بعض الكتب، وتتصفح المجلات، لتكتشف أن هذا البلد كان تقريبا مثل إيران، كان بلدا متطورا ومنطلقا، وكان وجهة سياحية يقصدها الأجانب، ولكنه أشبه بمن ارتطم بجدار وأخذ يتحرك إلى الوراء».
وجاء الحوار على النحو التالي:

* من أين أتت فكرة كتابك الأخير الذي يتحدث عن أهمية عام 1997 في التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبته؟
- بدأت فكرة الكتاب عندما كنت في أفغانستان في عام 2001، ذهبت للتغطية الصحافية بعد أسابيع قليلة من أحداث 11 سبتمبر. كانت لحظة مهمة أن تأتي لهذا البلد الذي لم يعرف أبدا الاستقرار منذ عام 1979. البلد يعيش في حرب وقلاقل مستمرة منذ ذلك الوقت. لا يمكن إغفال أن الحياة هناك توقفت في السبعينات. تطلع على بعض الكتب، وتتصفح بعض المجلات من تلك المرحلة، لتكتشف أن أفغانستان في السبعينات كانت تقريبا مثل إيران. متطورة ومنطلقة. أفغانستان كانت وجهة سياحية يقصدها الأجانب الذين ينتشرون في مدنها، وخصوصا كابل. الحياة الاجتماعية مختلفة والفتيات يلبسن التنورات القصيرة. ولكن في عام 1979 ارتطمت أفغانستان في جدار، وأخذت تتحرك إلى الوراء. ذهبت إلى العراق عام 2003 ولاحظت أيضا السيارات، والأثاث من مرحلة السبعينات. الرئيس صدام حسين تسلم الحكم عام 1979، وبعدها دخل العراق في سلسلة من الحروب والأزمات. العراق بالطبع أكثر تطورا من أفغانستان، ولكن بدا لي أن العراق ارتطم في جدار في نهاية عقد السبعينات ولم يتحرك بعدها. فكرت كثيرا بعدها في هذه المصادفة التي جعلت بلدانا في أماكن متعددة يحدث لها تقريبا ذات الشيء.

* لماذا وصفت شخصيات مثل الخميني، مارغريت ثاتشر، الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، والبابا يوحنا بولس الثاني بـ«المتمردين الغرباء» كما جاء في عنوان الكتاب؟
- السبب أن كل هذه الشخصيات التي ذكرتها في سؤالك شخصيات قامت بأعمال ثورية تحت عنوانين محافظة. المحافظة تعني إبقاء الوضع كما هو عليه، ولكن هذه الشخصيات خرجت من هذه الأفكار المحافظة لتقوم بمشاريعها الراديكالية، لذا هم غرباء بهذا المعنى. المحافظون الثوريون. تسمية غريبة ومتناقضة. هكذا رأيتهم.
هؤلاء القادة كانوا مهتمين في الأفكار ومشغولين بها. ليسوا مجرد قادة مهمتهم إنجاز برامج سياسية أو إصلاحات اقتصادية معينة، بل كانت لهم رؤية فكرية أوسع.

* هذه أحد الأسباب التي جذبتك للكتابة عنهم. أليس كذلك؟
- هذا صحيح. هم في الحقيقة قادة عمليون، ولكنهم يملكون رؤى تغييرية جذرية. ليس طموحهم أن يمرروا بعض القوانين. أوباما على سبيل المثال ليس مثلهم. لا يملك مثل هذه الرؤية الكبيرة التحويلية، بل أراه محافظا يميل للوسط. لكن هذه الشخصيات كانت تريد أن تغير الواقع وحتى معاني الكلمات. في حملة ثاتشر الانتخابية وصفت بـ«الرجعية». الوصف بالرجعية في السبعينات يعد كالشتيمة، ولكنها قالت: «بالطبع أنا رجعية. أنا سعيدة لكوني رجعية. هناك أشياء خاطئة في بلدنا وعلينا أن نرجع ونصححها». هذا كان ردا عبقريا منها ولا يصدق. إنه يكشف عن عمق وجدية نياتها الراديكالية. دينغ شياوبينغ غير معاني كلمات مثل «الماوية» و«الرأسمالية». غير بالكامل الخطاب في الصين. نعم حافظ على بعض الأشياء، ولكنه دفع برقة وهدوء السفينة الهائلة التي سماها الصين إلى مسار آخر مختلف تماما. كان استراتيجيا عبقريا.

* هل ذلك الوقت المتوتر، نهاية السبعينات، هو الذي أنتج هذه الأسماء أم هو عائد إلى مزاياها الشخصية؟
- أعتقد أن الشخصيات التاريخية الكبيرة تظهر عندما تكون الحاجة لها ماسة. ما حدث في نهاية السبعينات هو إعلان لموت المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فترة طويلة من السلام غير المسبوق. صعود أوروبا ونهاية الاستعمار وازدهار الاقتصاد الأميركي، ننسى أحيانا كيف كانت هذه الأحداث سائدة في ذلك الوقت. كل هذه الأشياء بدأت تفقد زخمها تدريجيا. إنه أشبه بالانهيار الحتمي لنظام جيلي، في ذلك الوقت تبرز شخصيات تقود. انتعاش الصحوات الدينية في نهاية السبعينات يعبر عن ذلك. انتشرت في العالم الإسلامي وكذلك في الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا. شيء غريب. أليس كذلك؟!

* أوباما ليس رئيسا تغييريا كما توقع الكثيرون في بداية رئاسته. هل ترى في عالمنا اليوم قادة ذوي رؤية خاصة؟
- لا يوجد في عالمنا اليوم قادة يملكون رؤى ثاقبة واسعة، وذلك يعود إلى طبيعة العالم الذي نعيش فيه. عالمنا أكثر تعقيدا. عالم كوكبي تكنوقراطي تكنولوجي أكثر من كونه آيديولوجيا. لهذا السبب باتت الحاجة أقل لقادة عظماء يحدثون إنجازات كبيرة. العالم يدفع لإنتاج قادة تكنوقراط. قادة مثل أوباما يصلحون بعض الأخطاء لجعل النظام يعمل بشكل أفضل.

* عملت في المجلة الشهيرة «نيوزويك» لفترة طويلة. كيف شعرت بعد أن سمعت خبر إغلاقها؟
- كنت حزينا ولكن لم أكن متفاجئا. عندما كنت في «نيوزويك» كنت أعرف أن المجلة متورطة ماليا وتعاني في زمن الإنترنت. قوة مجلتي الـ«نيوزويك» والـ«تايم» كانت في وقت سابق، حيث اعتبرت من المطبوعات القليلة التي تمثل مصدرا للمعلومة والمعرفة للناس الذين ليس لديهم مصادر أخرى. لكن هذه السوق بدأت في التضاؤل تدريجيا وأتى بعد ذلك الإنترنت ليخنقها. من الصعب أن تنجو المجلات في هذا الوقت. الـ«تايم» مستمرة ولكنها منغمسة بمشكلات عويصة. قلت إنني حزنت ولكن هذا أمر متوقع. للقصة جانب إيجابي هو صعود إعلام متعدد ومتنوع يغطي العالم الواسع الكثيف الذي نعيش فيه اليوم. الصحافة الكلاسيكية غير قادرة على تغطية هذا التنوع. لا أرى كيف بإمكانها أن تقوم بذلك.

* تكتب الآن لمجلة الـ«فورن بوليسي»، ولكن فقط في موقعها الإلكتروني.. ما الفرق عن تجربتك في الـ«نيوزويك»؟
- تجربة مثيرة. في الـ«نيوزويك» كنت أستقبل كل ثلاثة أو أربعة أشهر رسالة من قارئ. الرسالة تصلني حيثما كنت عبر قسم البريد في مقر المجلة في نيويورك. أنا متأكد أن هناك رسائل كثيرة لا تصلني (يضحك). أقوم بالرد عليها إذا استطعت. ولكن علي القول إنني أحب وأفضل الصحافة الإلكترونية لأن التواصل مع القراء مباشرة وأسرع. هناك تبادل واسع للأفكار. في الـ«نيوزويك» كنت أشعر بأنني أحاضر على جمهور افتراضي لا أعرفه.
ولكن الانتقادات التي توجه للصحافيين الإلكترونيين الشباب - إذا صحت التسمية - تتهمهم بعدم الالتزام بالأعراف الصحافية.

* هناك صحافيون هواة، ولكن هناك أيضا صحافيين يلتزمون بالعمل المهني، والناس تثق أكثر بإنتاجهم. عندما يحصل أحد مشاهير المدونين على عقد كتاب يشعر كأنه جرى الاعتراف بأهميته وجديته. لماذا؟
- لأن الجميع قادر على كتابة مدونة.. لكن ليس كل أحد قادرا على تأليف كتاب. لهذا يعتبر الكتاب كالشهادة بجدية الصحافي واحترافيته. الصحافة الإلكترونية الجادة المحترفة موجودة وستكون مطلوبة.

* قلت لي في محادثة سابقة قبل وقت قصير عقب عودتك من ليبيا إن شبح القذاقي ما زال يحوم فوق البلاد. كيف ذلك؟
- يؤسفني القول إن القذافي ما زال هناك.. سيطر القذاقي على حياة الليبيين عقودا، ويبدو أنه من الصعب التخلص من شبحه المرعب بسهولة.. اسمه يأتي في كل حوار، مطبوع على كل جدار.. رسوماته منتشرة في أماكن متعددة.. تشعر بحضور إرثه الذي من الصعب الهروب منه، لكن من الأشياء المثيرة في ليبيا هو كيف أن الناس تريد فعلا النظام الديمقراطي حتى بالتعريف الغربي للكلمة. لم ينتخبوا الجماعات الإسلامية، ويتظاهرون على الجماعات المتطرفة وبالتأكيد هم معارضون للآيديولوجيات التكفيرية. هذا كان واضحا بالنسبة لي، لكنها لحظة مثيرة وخطيرة في ليبيا، أتمنى أن يستطيعوا الخروج منها بوضع مستقر، وأن لا ينزلقوا إلى فترة طويلة من القلاقل يعقبها حكم تسلطي.. بالتأكيد هم لا يريدون ذلك ولا يستحقونه.



«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».


إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».