الزهراني: التطرف فكر متوحش.. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى

المدير الجديد لمعهد العالم العربي في باريس انفرد بشغفه بالثقافة الفرنسية

معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
TT

الزهراني: التطرف فكر متوحش.. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى

معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي

في عام 1979 اختار معجب الزهراني فرنسا وجامعة السوربون خصوصًا لدراسته العليا، رغم أنه حصل على فرصة للتوجه لجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، أسوة بآلاف السعوديين الذين اختاروا الدراسة هناك، لكن الزهراني انفرد منذ ذلك الوقت بشغفه بالثقافة الفرنسية. واحتضنته باريس عشر سنوات (حتى منتصف 1989)، حيث حصل على شهادة «الدرجة العليا في اللغة الفرنسية»، من جامعة السوربون الرابعة، عام 1982، ودبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي الحديث، من جامعة السوربون الجديدة، عام 1984، وشهادة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن، من جامعة السوربون، سنة 1989. عن أطروحة بعنوان: «صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة». وها هو يعود إليها مجددًا مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي ، مديرًا لمعهد العالم العربي في باريس بعد أن اختاره مجلس السفراء العرب نهاية مايو (أيار) الماضي. وكان عمل قبل ذلك، أستاذا لعلم الجمال والأدب الحديث، بجامعة الملك سعود، ومشرفا على كرسي غازي القصيبي بجامعة اليمامة، كما أنه كاتب ومؤلف الكثير من الدراسات، ومشرف على الكثير من الرسائل العلمية، وناقد في مجال الشعر والأدب والنقد، وهو أيضًا روائي صدرت له مؤخرا رواية «رقص».
أما معهد العالم العربي، فقد تأسس في العام 1980 بمبادرة من 18 دولة عربية، وهو يسعى لأن يكون جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي، عبر تشجيع المبادلات الثقافية والمعرفية، خصوصا في مجالات العلوم والتقنيات. وهو يُدار مناصفة بين الدولة الفرنسية والدول العربية عبر مجلس السفراء العرب، ويخضع للقانون الفرنسي، ويقوم المعهد، منذ تأسيسه، على رئيس ومدير. الأول فرنسي يرشحه رئيس الجمهورية الفرنسية، والثاني عربي يختاره مجلس السفراء العرب المؤلّف من 22 دولة. هنا حوار مع الدكتور معجب الزهراني بعد توليه مسؤوليته الجديدة:
> مع تسلمك رئاسة معهد العالم العربي في باريس، ما أولى مهامك في هذا الوقت الحرج الذي يشهد «انعدام الثقة» بين الثقافات؟
- لا علاقة لمهمتي بالظروف العابرة بكل تأكيد. المعهد مؤسسة عريقة عمرها ثلاثة عقود، وهناك أنظمة ولوائح تحدد الصلاحيات النظامية لكل موظف، بغض النظر عن موقعه. نعم ربما يكون للأحداث المؤسفة التي تشير إليها دور المحفز على ضرورة بذل المزيد من الجهد الفاعل للتواصل والتبادل لتعريف الآخرين بثقافة عريقة يمثلها المبدعون المنتجون في كل المجالات، وليس هؤلاء القتلة المنحرفون الذين يعيثون فسادًا في كل مكان.
> هل يمكن لمعهد العالم العربي أن يكون جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي يتعالى على عناصر التوتر القائمة؟
- المعهد ليس جسر عبور محايدا، بل هو فضاء تواصل وتفاعل، يلعب دوره ويؤدي وظيفته بكفاءة عالية، كغيره من المؤسسات الثقافية الجادة في كل مكان. ولأنه كسب ثقة كبيرة ومصداقية عالية لدى جمهور متنوع الاتجاهات والاهتمامات بفضل منتجاته الخلاقة خلال عقود فقد زاد عدد زواره حتى تجاوزوا المليونين الآن. وكل من يطلع على برامجه وأنشطته سيدرك أن القائمين عليه يحرصون كل الحرص على التنويع والابتكار لتلبية الحاجات، وإرضاء كافة التطلعات المتوقعة لجمهور باريسي هجين يبحث عن المتعة والفائدة في مدينة جذابة غنية كريمة مع كل مقيم وعابر.
> ماذا يلزمه لتحقيق هذا الهدف؟
- الاستمرارية مع التطوير هو هدف كل مؤسسة ثقافية حديثة فاعلة. وتراكم التجارب والخبرات هو ذخيرة ثمينة لكل من يريد أن يجتهد ويبدع ويضيف لبنة في البناء أو شجرة في الحقل ذاته. لا مجال هنا لاستئناف البدء أو للقطيعة والتأسيس كما يتوهم كثيرون في بلداننا، حيث يحولون المؤسسات إلى حقول تجارب ينقض بعضها بعضًا، فلا خبرة تتعمق ولا عمل ينجز.
> هل نحن، بصفتنا عربا، في حاجة فعليًا إلى التواصل مع فرنسا؟ ماذا تضيف لنا الثقافة الفرنسية؟
- نحن في أمس الحاجة إلى لتواصل الثقافي الخلاق مع كل العالم. ولعل فرنسا من أكثر البلدان الأوروبية أهلية وجاذبية لتواصل كهذا، والسبب بيّن بنفسه. فالجالية العربية الأكبر والأهم في الغرب تقيم في فرنسا كما نعلم. وفرنسا الرسمية والشعبية قريبة جدًا من تطلعات شعوب المنطقة وقضاياها، وفي مقدمتها قضية فلسطين. هذا فضلاً عن تقارب نخبها السياسية المتعاقبة يسارية كانت أو يمينية مع سياسات دول المنطقة العربية، وبخاصة في شمال أفريقيا ودول الخليج. ومن ينسى أن النخب الثقافية العربية التنويرية ظلت تجد في فرنسا الحديثة النموذج الأكثر جاذبية وفتنة بعد أن توجهت أولى البعثات التعليمية إلى مدينة النور منذ بداية القرن التاسع عشر، وظلت الصيرورة متصلة حتى منتصف القرن العشرين. ولعل كبار المفكرين والمبدعين الفرانكفونيين في بلدان المغرب بالأمس واليوم أهم ثمرة للتواصل مع اللغة والثقافة الفرنسية، حيث زال الاستعمار وبقيت الغنيمة.
> ما الذي يميز الثقافة الفرنسية والفرانكفونية تحديدًا، عن الثقافات العالمية الأخرى؟
- الثقافة الفرنسية جزء من الثقافة الغربية الحديثة، وتأثيراتها الكونية لم ولن تنافس تأثيرات الثقافة الإنجليزية دون ريب. لكن المؤكد أنها طالما تميزت بأمرين لا جدال فيهما. الأول تدشينها للدولة الحديثة، حيث مثلت فرنسا ما بعد الثورة الثمرة العملية لعصر التنوير وفكر الأنوار حد أن «هيغل» عد الجمهورية الأولى النموذج العملي المتحقق للوعي أو التاريخ بالمعنى الحديث. والثاني نمط الحياة الراقي المرهف، أو ما يسمى «معرفة العيش» الذي ما زال معترفًا به شرقًا وغربا، ويشمل بالطبع فنون الأكل والشرب واللباس والتخاطب، حد أن باريس تعد عاصمة الموضات الجديدة في مختلف الفنون التي قد تبدأ من أي مكان، لكنها لا تنتشر وتكسب مشروعيتها الجمالية إلا منها. وهناك طرفة شائعة لا تخلو من دلالة بهذا الصدد مفادها أن الأفكار العظيمة تخرج من ألمانيا وتستعمل في بريطانيا وتشيع أو تشع من فرنسا. ولعل أكثر من يعرف هذه المميزات أو الخصوصيات ويعترف بها هم الأميركان الذين يرون في فرنسا النموذج الحضاري الأرقى والأكثر جاذبية رغم أنهم امتداد للثقافة الإنجليزية العريقة كما نعلم. أما من منظور عربي، فالكل يعلم أن الثقافة الفرنسية شكلت المثال أو الحلم الذي رنت إليه النخب المصرية، ثم العربية جيلاً بعد آخر منذ عهد محمد علي حتى اليوم.
> عانت فرنسا من الصدام الثقافي الذي أفرز التطرف والإرهاب وآخرها ما حدث في باريس ونيس وغيرهما.. كيف يمكن لهذا المعهد أن يعيد الثقة للثقافة العربية باعتبارها صالحة للشراكة الأممية؟
- قلت في مناسبات سابقة وأكرر أن تحولات التاريخ تخضع لمنطق أبستمولوجي عميق لا تصنعه ولا تمنعه الحوادث العابرة أيًا كانت. الإرهاب آفة كونية ضرب فرنسا كما ضرب غيرها من قبل، ولا بد أن هناك جماعات عملت وستعمل على استثمار الكارثة لصالحها كما يفعل اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى ولا ينصت طويلاً لصراع الجهالات كما يسميه إدوارد سعيد. والمعهد بدأ استجابة لشرط تاريخي عميق، وسيظل يعمل في سياقه لتحقيق أهدافه ولو كره المتطرفون من كل الأعراق والأديان والمذاهب والأحزاب.
> بالمناسبة نتحدث عن التطرف العربي الذي غزا فرنسا، لكننا نغفل أن هناك موجة تطرف مضاد تتمثل في صعود اليمين الفرنسي والأوروبي، وصعود ترامب في الولايات المتحدة.. هل هو عصر الأصوليات المتشابكة، أم هو ردود فعل متجانسة للأصولية الإسلامية؟
- لا يوجد شيء اسمه التطرف العربي، بل هناك تطرف ديني مذهبي من جهة، وتطرف قومي أو وطني من جهة أخرى، والجامع بينهما ما سميته فكر التوحش الذي عادة ما يرى في الآخر المختلف خطرا يهدد وجوده أو هويته أو مصالحه. ومع وجاهة هذا الطرح إلا أنه من الضروري التفريق بين تطرف عبثي متفلت من كل منطق عقلي أو أخلاقي أو قانوني وبين تطرف يحاصره قانون الدولة ذاته ولا يستطيع ممثلوه التفوه بعبارة عنصرية عدائية دون أن يحاكموا بكل صرامة. وفي كل حال التاريخ لا يصنعه الحمقى وحروب الجهالات تزعج الأفراد والجماعات هنا وهناك، لكنها لن تجد لها أفقا مناسبا في عصر يفرض على الجميع المزيد من التواصل والتعاون لمواجهة الرهانات والتحديات المشتركة.
> هل يمكن للثقافة أن تنجح فيما أفسدته السياسة والأصوليات المتوحشة؟
- الثقافة الشاملة للفكريات والعلميات والجماليات هي ما ميز الإنسان عن غيره من الكائنات، بالأمس، وهي ما يؤنسن البشر كل يوم، في كل لحظة اليوم وغدا. السياسة يفترض أن تكون جزءا من الثقافة بهذا المعنى لأنها تعني علم أو فن إدارة الدولة وتنمية طاقاتها البشرية وثرواتها الطبيعية والصناعية بما يضمن سعادة غالبية الأفراد المواطنين. وانحراف الفعل السياسي إلى مسارات خطرة دليل خلل في فكر النخب الحاكمة، وعادة ما ينتهي بزوالها لصالح نخب جديدة تحترم منطق التاريخ ومعطيات الواقع، وتلتزم أخلاقيا وقانونيا بحقوق المجتمعات والشعوب، وهنا يعود دور الثقافة التي توجه السياسة وليس العكس.
> هل يمكن لمعهد العالم العربي أن يستفيد من الحضور الثقافي العربي المنفتح على الحداثة لتعزيز التواصل وتوسيع قاعدة التغيير الإيجابي في العالم العربي؟
- هذا ما أنشئ المعهد من أجله وما يحرص عليه دائما؛ لأن الحداثة كانت وستظل أفقا متسعا لكل فعل تواصلي يروم تعزيز علاقات التبادل والتعارف والتعاون بين الثقافات والشعوب، لكنه لا يستطيع اجتراح المعجزات، خصوصا أن عالمنا العربي مليء بمؤسسات تقليدية معتبرة تعمل ليل نهار ضد كل حداثة وتحديث، ولبعضها قدرة كبيرة على التأثير في علاقات المجتمع، بل والتحكم أحيانا في منظومات التعليم نفسها.
> هل تعول على مشاركة الدول الراعية لمعهد العالم العربي؟ هل هناك مساحة للمثقف العربي غير الرسمي لكي يسهم معكم في المعهد؟
- الدول العربية التي لعبت دورًا رياديا في تأسيس المعهد، وفي مقدمتها المملكة (العربية السعودية) حتمًا، لم تقصر في دعمه، وإن ارتبكت المسيرة في فترة معينة نتيجة اجتهادات خاطئة من إدارات سابقة، أو سوء فهم عابر من قبل حكومات معينة. هناك حاجة ماسة إلى تصحيح المسار وتجديد الثقة بين جميع الأطراف، وهذا تحديدًا ما تعمل عليه الإدارة الحالية بقيادة جاك لانج، ويسرني أن أسهم بجهدي الخاص بهذا الصدد، وكلي ثقة في حكمة المسعى ونبل الهدف المشترك.
> التواصل بين فرنسا والعالم العربي قديم، لكنه متركز في شمال أفريقيا وجزء من الشام، وأنت القادم من الخليج والشرق الأوسط، هل يمكنك أن تفتح مسارات جديدة تعزز الحضور الثقافي بين الضفتين؟
- للجغرافيا والتاريخ منطق يفرض على الجميع. الفضاءات العربية التي يشير إليها السؤال توطدت بينها وبين فرنسا علاقات تواصل وتفاعل متنوعة من بدايات الحقبة الاستعمارية دون شك. لكني واثق تماما أن المعهد اليوم يحرص كل الحرص على توسيع دائرة اهتماماته لتشمل كامل المنطقة العربية كما تدل عليه الفعاليات الكبرى الأنشطة النوعية الصغيرة التي نظمت في الماضي القريب أو البعيد. وهناك بعد آخر للقضية يجب تذكره والتذكير به دائما ويتعلق بالجالية العربية الكبيرة في باريس وفرنسا، وهي في معظمها من شمال أفريقيا والساحل الشامي، ومن حقها علينا جميعا أن نتفهم تطلعاتها وحاجاته قدر الممكن. وفي كل حال نثمن كل اقتراح مهم، وسنحاول جهدنا التفاعل معه؛ عسى أن نلبي كل الطموحات المشروعة لكل الجهات والتوجهات.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.