أميركا تبحث خيارات وبدائل حول سوريا.. وموسكو تتحسب لوقف التعاون مع واشنطن

محادثات كيري ولافروف شابها التوتر والاستياء في ظل تبادل الاتهامات

مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)
مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)
TT

أميركا تبحث خيارات وبدائل حول سوريا.. وموسكو تتحسب لوقف التعاون مع واشنطن

مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)
مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)

أشارت مصادر أميركية إلى أن المحادثة الهاتفية بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف صباح الجمعة شابها الكثير من التوتر والاستياء، في ظل تبادل الاتهامات ما بين واشنطن وموسكو على خلفية تكثيف القصف على مدينة حلب بشمال سوريا، واحتجاز مدنيين وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية. وأوضحت المصادر أن المحادثة الهاتفية استغرقت نحو الساعة وتطرقت إلى إمكانيات إحياء اتفاق وقف الأعمال العدائية، وأكد الطرفان خلالها «أهمية الحفاظ على المؤسسات» السورية و«إتاحة الفرصة للجهود الدبلوماسية» للتفاوض بشأن جميع القضايا الرئيسية لتحقيق تسوية سياسية في سوريا.
الجانب الروسي عبر عن الاستياء من تلميحات جون كيربي، الناطق باسم الخارجية الأميركية، بأن «المدن الروسية يمكن أن تتعرض لهجمات إرهابية»، و«إمكانية أن تخسر موسكو مزيدا من الأرواح والطائرات» في سوريا. وكان كيربي (وهو ضابط برتبة جنرال) قد قال خلال مؤتمر صحافي مساء الخميس «إننا ندرس خطوات قد نضطر للإقدام عليها لتعليق تعاوننا مع روسيا بشأن سوريا، وعلى الجانب الروسي القيام بخطوات فعالة بشكل سريع من أجل وقف العنف واستئناف العملية السياسية».
أيضًا، شدد كيربي على أن «التلويح بقطع التعاون مع روسيا ليس تهديدًا أجوف»، وأشار إلى أنه لا يريد أن يستبق الحديث عن أي قرارات، ورفض إعطاء توقيت لتنفيذ قرار وقف التعاون، واكتفى بالقول: «كل ما أستطيع قوله هو أننا جادون حول ما يحدث في حلب وحول إمكانية تعليق المحادثات الثنائية مع روسيا». وفي الوقت نفسه، قال كيربي إن واشنطن «ما زالت مستعدة لمواصلة الجهود الدبلوماسية في محاولة لإيجاد حل دبلوماسي للنزاع وإن وزير الخارجية الأميركي مستعد للسير ميلاً إضافيًا ليتحقق ذلك» (في إشارة إلى بذل مجهود مضاعف).
من ناحية أخرى، أعلن نائب وزير الخارجية أنتوني بلينكين أن الرئيس (باراك) أوباما «طلب من المسؤولين في إدارته النظر في بدائل وخيارات للرد على الهجمات التي يشنها النظام السوري مدعوما بالدعم الروسي»، ولكن دون توضيح ما هي الخيارات المتاحة والبدائل على مائدة الرئيس.
ويقول المحللون إنه لا يبدو على الأفق خيارات كثيرة على طاولة الإدارة الأميركية للتعامل مع الأزمة السورية والتحدّي الروسي سوى الإصرار على المفاوضات، وإدانة أعمال القصف المتواصلة على حلب، وإصدار تصريحات بمطالبة روسيا بالالتزام بتعهداتها والتلويح والتهديد بتعليق المحادثات مع موسكو. وهذا، بينما يشهد اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في أوائل سبتمبر (أيلول) انهيارا كاملا وتتضاءل الآمال في إعادة إحياء الاتفاق.
وعلى مدى الأيام الماضية تبادلت موسكو وواشنطن الاتهامات واتهمت موسكو الولايات المتحدة بعدم الالتزام بالتزاماتهما والضغط على قوي المعارضة السورية لفك ارتباطاتهم بجماعات إرهابية، فيما اتهمت واشنطن روسيا بمساندة النظام السوري في قصف الأهداف المدنية والقوافل الإنسانية والمستشفيات.
على صعيد آخر، أعرب وزير الخارجية الأميركي عن إحباطه خلال ندوة بالعاصمة واشنطن مساء أول من أمس، وقال: «وصلنا إلى واحدة من تلك اللحظات التي يتعين علينا فيها مناقشة بدائل أخرى لفترة من الوقت، وإعطاء مؤشرات أكثر وضوحا من خلال تحذير الأطراف المتحاربة لكي تفكر في التعامل بشكل أكثر فاعلية». ويشير محللون وخبراء إلى أن أكبر المشاكل التي تواجه الولايات المتحدة هي أنها ليس لديها خطط بديلة للعمل في السورية. ولقد بدا ذلك واضحا في شهادة نائب وزير الخارجية بلينكين في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الخميس حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية تملك خططا بديلة أو الخطة «ب»، إذ قال: «إن تكثيف القصف في سوريا سيدفع الدول الداعمة للمعارضة السورية إلى ضخ المزيد من الأسلحة إلى منطقة الصراع»، وأشار إلى أن هذا الأمر سيضع روسيا في مأزق كذلك، وأشار روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، إلى أنه «من الصعب رؤية أي خيارات جديدة لدى الإدارة للتعامل مع هذه المأساة الرهيبة أكثر من محاولة تحسين الظروف في مخيمات اللاجئين خارج سوريا وتقديم مزيد من المساعدات الإنسانية».
وفي وقت بلغت حدة التوتر بينهما مستويات غير مسبوقة استأنفت موسكو وواشنطن بحث سبل تنفيذ الاتفاق الأميركي - الروسي حول سوريا وإمكانية إدخال تعديلات على نصه بغية تنفيذه، غير أن التصريحات الرسمية الروسية يوم أمس أشارت إلى أن موسكو لا تنوي التنازل على الرغم من التهديد الأميركي بوقف التعاون معها في سوريا، ورغم الانتقادات الواسعة عالميا على خلفية دورها المباشر وغير المباشر في تعميق المأساة السورية، وفي مدينة حلب على وجه الخصوص. موسكو تقول: إنها تصر على تنفيذ الاتفاق الأميركي - الروسي حول سوريا، ولكن مع مواصلتها عملياتها العسكرية، وهو ما شدد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تصريحات دافع فيها يوم أمس عن ذلك الاتفاق. ذلك أنه بالتزامن مع كل الحراك الدبلوماسي، يبدو أن موسكو تعد لمختلف احتمالات تطور الوضع في سوريا، إذ سربت صحف روسية معلومات حول تعزيز روسيا قواتها الجوية هناك.
يوم أمس كشفت وزارة الخارجية الروسية عن بعض تفاصيل المحادثات بين لافروف ونظيره الأميركي جون كيري التي جرت خلال اتصال هاتفي بينهما مساء أول من أمس، إذ قال سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي إن الوزيرين «واصلا بحث إمكانية العمل معا لتطبيع الوضع في حلب»، موضحا أن محادثات الوزيرين استغرقت قرابة ساعة ونصف، وأكد لافروف خلالها أن «روسيا تنطلق من مصلحة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وما زالت منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة حول كل الجوانب الرئيسية للتسوية السورية». وكان لافتا أن يتصل كيري بوزير الخارجية الروسي في وقت بلغت فيه حدة التوتر بين الجانبين مستويات غير مسبوقة، إذ هدد كيري بتوقيف التعاون مع روسيا وحملها مسؤولية التصعيد في سوريا، بينما حذر الناطق باسم الخارجية الأميركية جون كيربي روسيا من أن يساعد الوضع في سوريا الإرهابيين لتوسيع نشاطهم واستهداف المصالح وربما المدن الروسية، وهو ما رأت فيه موسكو «توجيهات مبطّنة للإرهابيين» كي ينفذوا هجمات. ويرجح مراقبون أن كيري أقدم على تلك الخطوة بعد تأكيد موسكو يوم أول من أمس أن «هدنة الـ48 ساعة في حلب ما زالت مطروحة على الطاولة»، الأمر الذي رأى فيه كيري على ما يبدو «رسالة إيجابية في الحد الأدنى» دفعته للتواصل مجددا مع لافروف.
في هذه الأثناء كشف ألكسندر كيشينياك، سفير روسيا في دمشق، عن بحث الجانبين الأميركي والروسي لتعديلات سيجري إدخالها على نص الاتفاق الموقع يوم التاسع من سبتمبر (أيلول)، وصرح كيشينياك في حديث يوم أمس لوكالة «ريا نوفوستي» قائلا: «يجري الآن نقاش حول صيغ ما لتعديل الصيغة التي تم الاتفاق عليها في جنيف (يقصد آليات التنفيذ في الاتفاق الأميركي – الروسي) بغية أن يصبح الاتفاق مع تلك التغيرات الطفيفة قابلا للتنفيذ». وأوضح أنه على أساس تلك التعديلات «سيصبح ممكنا إعادة إطلاق العمل بنظام وقف إطلاق النار، والانتقال بعد ذلك إلى الجهود المشتركة ضد الإرهاب»، حسب قول السفير، الذي أكد أن «المحادثات مع الأميركيين مستمرة بهذا الصدد»، معربا عن أمله في «التوصل لنتائج إيجابية»، ولافتا إلى أنه على يقين «بأنه هناك فرصة لإنعاش الاتفاق، ولا بديل عنه».
من جانبه، عاد وزير الخارجية لافروف وأكد في تصريحات صحافية يوم أمس على أهمية تنفيذ الاتفاق الأميركي - الروسي حول سوريا، معربا عن «إيمانه» بإمكانية تنفيذ ذلك الاتفاق من جانب موسكو وواشنطن، ولافتا إلى ذات العقبة التي ما انفكت موسكو تشير إليها في الأيام الأخيرة وهي «ضرورة الفصل بين جبهة النصرة ومجموعات المعارضة المعتدلة»، وأوضح لافروف أن الاتفاق لم ينص أبدا على وقف العمليات القتالية ضد «داعش» و«جبهة النصرة». وفي الوقت نفسه كرر لافروف دفاعه عن موقف بلاده الداعم لرأس النظام السوري زاعما أن كل الوثائق حول تسوية الأزمة السورية، منذ وثيقة بيان جنيف - 1 لم تشترط رحيل بشار الأسد عن السلطة. كما نفى في السياق ذاته أن تكون القوات الروسية قد استخدمت أسلحة محظورة دوليا في قصف حلب.
على صعيد آخر، بموازاة المحادثات الدبلوماسية برزت معطيات تشير إلى أن روسيا تستعد للاحتمالات الأسوأ، أو أنها على الأقل تحاول دعم انتقاداتها الدبلوماسية حادة اللهجة نحو واشنطن بخطوات «تحذيرية» عسكرية، من مغبة الصدام في سوريا بحال لجأت واشنطن إلى «الخطة ب» الذائعة الصيت. وكانت صحيفة «إزفستيا» الروسية قد نقلت في عددها يوم أمس عن مصدر عسكري تأكيداته أن روسيا أرسلت عددا إضافيا من قاذفاتها السوخوي من طرازي «سو - 24» و«سو - 34» إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا، بينما أعدت مجموعة أخرى من القاذفات المقاتلة من طراز سوخوي «سو - 25» «إلا أن الأوامر لإرسالها إلى سوريا لم تصدر بعد» وفق ما قال المصدر العسكري الروسي للصحيفة، مؤكدا أنه «عند الضرورة يمكن تعزيز وضع القوات الجوية الروسية في سوريا خلال يومين إلى ثلاثة أيام».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.