مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

أكدوا أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب هي الثقافة

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
TT

مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن

بين الأمس واليوم، تحولات كثيرة همت الوضع الثقافي العربي، ومن خلالها قيمة التفاعل بين المثقفين، في المغرب والمشرق. وما بين زمن «الرسالة» و«الآداب» و«الأديب» و«الشعر»، وغيرها من المجلات التي مكنت العرب من التعرف على تجارب بعضهم البعض، خالقة تفاعلاً حقيقيًا بين المثقفين، وصولاً إلى زمن التواصل التكنولوجي، ترتفع أصوات، هنا أو هناك، لتقارن بين زمن مثمر بين المثقفين، من خلال مجلاته ومهرجاناته، وحاضر مأخوذ بسرعة التكنولوجيا و«جنون» العولمة، غارق في «الاستعراضات والبهرجة والوجاهات الاجتماعية».
لا شك أننا نعيش راهنًا ثقافيًا عربيًا مختلفًا عن سابقه، يعكس مستوى التحول الذي طال العقليات، بعد أن تراجعت هواجس وأحلام الماضي، على وقع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها العالم، منذ تسعينيات القرن الماضي بشكل خاص. في المغرب لا يمكن لرصد حاضر الممارسة الثقافية، بين أطراف العالم العربي، خاصة على مستوى التفاعل والتواصل بين المثقفين، وبالتالي الحصيلة العامة للمنجز الثقافي، إلا أن ذلك يستحضر نقاشًا تواصل منذ عقود، بل منذ قرون، بصدد تفاعل المثقفين العرب فيما بينهم، تم اختصاره، بشكل خاص، في ثنائية «المشرق والمغرب» أو «المركز والهامش».
* العلام: تواصل المثقفين العرب شهد تطور كثيرًا
يقول عبد الرحيم، الناقد ورئيس اتحاد كتاب المغرب، إن سؤال التواصل والتفاعل بين المثقفين، في المشرق والمغرب العربيين: «سؤال قديم جدًا، لكنه ما فتئ يتجدد باستمرار، رغم أن تلك الشكوى القديمة من انقطاع التواصل، بين الطرفين، لم تعد قائمة بمثل حدتها الأولى، إذ كثر، في وقت سابق، وبشكل مبالغ فيه، عتاب المغاربة للمشارقة، لتجاهلهم لهم ولإنتاجهم الثقافي والأدبي والفني، بما هو عتاب يعكس، في أحد تجلياته، جانبا من أزمة الثقافة العربية، بشكل عام، في صورها ومكوناتها المختلفة». لكن، رغم ذلك، يضيف العلام، ففي اعتقادي، وحسب ما تكشف عنه تمظهرات التواصل الثقافي، اليوم، بين المشرق والمغرب، أن هذا السؤال، لم يعد يطرح بالحدة نفسها والأهمية السابقة، فالحوار والتواصل الثقافيان بين المثقفين والكتاب في المغرب والمشرق العربيين، ظلا قائمين ومفتوحين، بل يمكن القول إنهما قد تطورا بشكل لافت، في ضوء المتغيرات والتحولات المتسارعة التي يعرفها عالم اليوم، والتي أسهمت فيها الثورة التكنولوجية بنصيب كبير، دون أن نلغي الأخذ بعين الاعتبار، أيضًا، غياب التكافؤ الجغرافي بين أقطار المشرق العربي ومغربه، واختلاف طبيعة النسيج الاجتماعي، موازاة مع تبدد جانب كبير من تلك العوائق التقليدية والادعاءات الوهمية التي كانت تحول دون تحقيق حوار وتواصل مخصب بين الطرفين، في إطار مفهوم الوحدة عبر التعدد والتنوع. فما تعيشه مجتمعاتنا العربية اليوم، وهي تواجه أخطر ما يهدد كيانها، ألا وهو التطرف والإرهاب، أصبح يستلزم منا أن نوسع، بشكل أكبر، مجال حوارنا، حتى لا يبقى داخليا فقط، فالحرب اليوم، هي حرب ثقافية، بالأساس، ما يلزمنا، أكثر من أي وقت مضى، أن نعمل على توحيد المواقف، وتشكيل جبهات ثقافية، وتعميق حوارنا مع محيطنا ومع الآخر من حولنا، على أساس مبادئ التواصل والاستمرار والتعايش، بعيدًا عن أي قطيعة كأداء يرتضيها الفكر المتطرف. ومع ذلك، فقد كان الحوار مثمرًا بين المشارقة والمغاربة، بما يوازيه من نفي لأي قول بـ«القطيعة» و«الانفصال»، دون أن ننسى، هنا، ما تثيره قضية «مشرق ومغرب» لدى البعض من التباس وسوء فهم أحيانا. وكلنا، هنا، يتذكر ذلك الحوار المخصب والمثير بين المفكر محمد عابد الجابري والمفكر حسن حنفي، في موضوع «حوار المشرق والمغرب»، بما أعقبه من ردود ومناقشات أغنته، بما هو حوار يعكس صورة لقاء المشرق والمغرب في أبهى تجلياته، بمثل ما يعكس حلما دائما، لم يبدده لا الزمن ولا تغير السياسات والقناعات والحساسيات والآيديولوجيات، ما يدفعنا اليوم إلى تغيير نظرتنا إلى هذا المفهوم الضيق الذي يؤطر العلاقة بين المشرق والمغرب، لأجل تجاوزه».
* نجمي: لقاءاتنا الثقافية العربية هشة
من جهته، يرى حسن نجمي، الشاعر والروائي والرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب، أن «الثنائية القائمة بين المشرق والمغرب، على المستوى الثقافي والأدبي، أصبحت تتقادم تدريجيًا، ولم تعد تحظى بالأولوية التي كانت لها في الماضي على مستوى التواصل بين المبدعين والأدباء والفاعلين في الحقل الثقافي، وإن كانت لا تزال أكثر إلحاحًا على المستوى السياسي والدبلوماسي».
وقال نجمي إن «إشكالية التواصل بين مثقفي المشرق والمغرب كانت تلقي بظلالها في نقاشاتنا العربية - العربية، في مختلف المحافل والمؤتمرات الأدبية، فكنا دائما نجهر بمظلمتنا كمغاربيين، كلما أحسسنا بأن أشقاءنا العرب في المشرق يعاملون إنتاجاتنا كما لو كانت إبداعًا من درجة ثانية. كما شعرنا بأن هناك نوعا من (المركزية المشرقية)، كانت تظل كامنة خلف الخطابات والإشارات والتلميحات المختلفة. وبالتأكيد لا يزال قدر بسيط من ذلك، حتى اليوم، لدى عدد قليل من الأسماء المشرقية، ومن ذلك، مثلا، أن الشاعر عبد المعطي حجازي يبقى نموذجًا لافتًا للانتباه في هذا الاتجاه، خاصة في بعض حواراته التي ينتقص فيها من الشعرية المغاربية، لكن ذلك يتضاءل باستمرار أمام الوعي المتبصر لدى الأسماء الأدبية والفكرية المرجعية والمؤثرة في صياغة المشهد الثقافي والأدبي والإعلامي في مشرقنا العربي. وهناك عدد من العقلاء يدركون حجم التحولات الهائلة في الساحة الأدبية العربية في المغرب والجزائر وتونس بالخصوص، ويتفاعلون مع مختلف التجارب والأصوات والأجيال المختلفة، ويتبادلون الإشارات تلو الإشارات، ولهم شعور حقيقي بأن التجربة الأدبية العربية واحدة وموحدة، رغم الاختلافات والتباينات القائمة مقارنة مع المنجز الأدبي والمعرفي والفكري في العالم اليوم».
ولاحظ نجمي أن المثقفين المغاربة «أخذوا يضعون هذه الثنائية خلف ظهورهم ويعتبرونها جزءا من الماضي»، قبل أن يستدرك، قائلا: «ثمة إحساس ملموس بأن علينا أن نقود تجربتنا الأدبية في اتجاه أفقها الكوني».
ولاحظ نجمي أن «التفاعل بين المثقفين العرب أصبح، اليوم أوضح وأسرع والانتعاش أكبر، كما صار أكثر حيوية، واتسعت مساحته أكثر من أي وقت مضى، من جهة أن وسائل التفاعل صارت لحظية وسريعة»، مشيرًا إلى أن هذا «التفاعل لا يخلو من نقاط قوة ونقاط ضعف»، مشددًا على أن «التفاعل المستمر، الإيجابي، الخلاق والبناء يحتاج إلى إيقاع خاص وإلى استغراق زمني، على عكس ردود الفعل والتفاعلات المستعجلة التي يفرضها إيقاع (فيسبوك) ومختلف شبكات الاتصال العنكبوتية». وانتقد نجمي كثيرًا اللقاءات الثقافية التي يتم تنظيمها على صعيد العالم العربي، مشيرًا إلى أن «فيها كثيرًا من الهشاشة»، مرجعًا ذلك إلى المسؤولين عنها، والذين قال عنهم إنهم، غالبًا، ما يكونون إداريين، تجدهم يحرصون أكثر على تمثيلية أكبر عدد من الدول العربية أكثر من البحث في نوعية المشاركين، الشيء الذي ينعكس على قيمة الأسماء المشاركة والمحتوى العلمي والفكري الذي يتمخض عن هذه المواعيد الثقافية. واستغرب نجمي، في هذا الإطار، لعدم توجيه كثير من المظاهرات العربية، ذات التوجه المسرحي الدعوة للدكتور حسن المنيعي، أو التي يدور موضوعها حول القصة لأحمد بوزفور، أو الشعر لمحمد بنيس أو محمد بنطلحة، مثلا.
ورأى نجمي أن طرح سؤال «من يمثلنا في التظاهرات الثقافية؟» يبقى ضروريًا، لأنه يبرر، في أكثر الأحيان، تواضع المنتوج الذي تفرزه هذه التظاهرات وضعف التفاعل بين المثقفين، منتهيًا إلى أن «هناك خللاً تنظيميًا، بالأساس، مرده إلى أن من يشرفون على التظاهرات الثقافية العربية هم، في غالب الأحيان، إداريون لا معرفة لهم بالحقل الثقافي. وهذا شيء مؤسف».
* العوفي: عكاظات ثقافية
من جهته، يرى الناقد نجيب العوفي أن التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق «قديم وموصول امتدّت وتوثّقت عُراه على امتداد التاريخ، وما يزال»، وأن «وتائره قد تنامت وتضاعفت الآن، بحُكم إمكانات التواصل المتطورة ودخول الإنترنت على خطّ هذا التواصل، حيث أجهز على خرائط العالم».
وشدد العوفي على أن «المشرق كان حاضرًا باستمرار في الذّاكرة الثقافية المغربية ورافدًا أساسيا لها»، مشيرًا إلى أن «هذا الاحتفاء الحفي والبهي بالمشرق من طرف المغرب، كان يُقابل، للأسف، بصمت ولامبالاة المشرق تجاه المغرب، وفقًا لثُنائية المركز والهامش التي كانت سائدة آنئذ؛ إن لم نقلْ، إن المشرق كان ينظر من عل إلى المغرب، معتبرًا إياه ذيلاً وتكْملة، وكأنّه يستعيد تلك المقولة المأثورة للصاحب بن عبّاد (هذه بضاعتنا رُدّت إلينا)»، الشيء الذي «أشعر المثقفين المغاربة، يضيف العوفي، بالضّيم والتبخيس، ودفع أحد روّادهم الأوائل وهو عبد الله كنون إلى كتابة سِفْره الكبير - الشهير (النبوغ المغربي في الأدب العربي)». والآن، يضيف العوفي: «لعلّ الموازين قد تبدّلت أو عَرَاها بعضُ تبدّل وتحوّل، فأصبح الهامش بدوره مركزًا، وفقد المركز الثقافي المشرقي الأثيل، بعض دالته وسلطته. وتلك الأيام نُداولها بين الناس. وهكذا، أصبحنا نُعاين الآن نوعًا من (النّدّية) الثقافية بين المغرب والمشرق، وبخاصّة لدى الأجيال الجديدة والشابّة من المثقفين.
وفي العُقود الأخيرة، لم يعد التفاعل الثقافي المغربي - العربي محصورًا في دائرة حواضر المشرق التقليدية (القاهرة - بغداد - دمشق - بيروت)، بل امتدّ وتوَاشج مع الفضاء الخليجي، وبخاصة بعد الحَراك الثقافي – الدّؤوب الذي شهدته بعض الأقطار الخليجية.
وصِرْنا نلاحظ في المدة الأخيرة (هجرة) كثير من الأقلام المغربية صوْب المنابر والمطابع الخليجية والمشرقية.. وكأنّ البيت ضاق على أهله. ولعل ازدهار اللقاءات الثقافية بين المغرب والمشرق، في السنوات الأخيرة، قرينة أخرى على حيويّة هذا التفاعل ومتانة عُرَاه».
وتحدث العوفي عن مشاركاته في اللقاءات الثقافية العربية، فقال: «شخصيًّا، كان لي شرف المشاركة في أكثر من لقاء عربي، مشرقي وخليجي، وذلك منذ ثمانينات القرن الفارط إلى الآن. وكانت هذه اللقاءات بحقّ، عُكاظات ثقافية تنزع فيها العروبة عن قوس واحدة، وتغرّد بلسان واحد، وكأن لا فرق بين مغرب ومشرق، بما يؤكّد أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب، هي الثقافة».
* المودن: نحتاج خطابًا ثقافيًا جديدًا
من جهته، يفترض الناقد حسن المودن أن التفاعل بين مثقفي المشرق والمغربي «ينبغي أن يسير في اتجاه بلورة خطاب ثقافي جديد يستجيب للأسئلة والقضايا والتحديات التي تواجهها البلدان العربية، شرقًا وغربا، في الوقت الراهن». ويفترض المودن، في سبيل ذلك، «مهمتين كبريين مستعجلتين ينبغي للخطاب الثقافي أن يشتغل بهما، نظريًا وعمليًا»: المهمة الأول، تتلخص في «أن يعمل هذا الخطاب الثقافي على أن يَحلَّ التفكيرُ الحواري مَـحَــلَّ التفكير العَـقَـدِيِّ»؛ فيما تتلخص الثانية في «الاهتمام بالأسئلة العملية التي تطرحها مجتمعاتنا.
وهي أسئلة كثيرة ذات طابع إشكالي، تتطلب حلولاً عملية، ما يجعل الثقافة اليوم مسألة مستعجلة»، مشيرًا، في هذا السياق، إلى أن «الأمر يتعلق بأسئلة عملية لا يتدخل فيها الخطاب الثقافي بالشكل المطلوب، أي بالسهر على أن يتشكل حوارٌ موسَّعٌ بين جميع الأطراف المعنية، وأن يتمَّ إسماعُ كلِّ الأسئلة والأجوبة المحتملة، وأن يعمل على خلق شروط التحاجج والتفاهم بين الأطروحات المتعارضة من أجل الوصول إلى أفضل الحلول التي تُجنِّب بلداننا مصير تلك الصدامات العنيفة التي تكون عواقبها وخيمة».
* يقطين: غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية
ويرى الناقد سعيد يقطين أن «التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق قائم أبدا. فالحوار عبر المواقع التواصلية مستمر، والمساهمات في بعض الندوات التي تقام هنا وهناك متواصلة. وتبادل النقاش، والتأليف المشترك، والشراكات بين بعض الجامعات العربية، ومواكبة ما يجري على الساحة العربية لا شك فيه. غير أن التفاعل الحقيقي الذي يمكن أن يوحد الرؤى، ويدفع إلى النقاش حول الواقع العربي الحالي غائب تماما».
يرى يقطين أننا «نعيش واقعًا مختلفا عن السابق. وليس هذا الواقع سوى امتداد لذلك الماضي»، مشيرًا إلى أنه «كان من الممكن أن يأخذ هذا التطور الذي يعرفه الوطن العربي حاليا صورة أخرى من التفاعل بين المثقفين للعمل على مواجهة التحديات التي يعرفها عالمنا»، معتبرا أن «التردي الذي يعرفه الوطن العربي، بعد وقائع ما يسمى بالربيع العربي، لم يعمل فقط على تغيير العلاقات بين الأقطار العربية، ولكنه عمل أيضا على إيجاد القطائع بين مثقفي المغرب والمشرق. كانت اللقاءات الثقافية في المنتديات والمؤتمرات العربية أهم قنوات التواصل والتعارف والحوار. لكن واقع الحرب العربية حال دون استمرار مثل هذه الفعاليات. وأهم اللقاءات الحالية تستضيفها دول الخليج العربي».
وأوضح يقطين أننا «حين نتحدث عن المثقفين في الوطن العربي، نعني بصورة واضحة أفرادًا من مختلف تلك الأقطار لهم مساهمات ثقافية. وهؤلاء يتدبرون شؤون تواصلهم وتفاعلهم عبر القراءة لبعضهم، أو تبادل الرسائل، أو حضور الملتقيات. لكن المؤسسات الثقافية غائبة في هذا المشهد. كان من الممكن أن تضطلع الاتحادات والروابط بدور كبير في هذا الواقع، لكنها وليدته أيضا. غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية دال على تعثر التفاعل الثقافي العربي».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.