مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

أكدوا أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب هي الثقافة

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
TT

مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن

بين الأمس واليوم، تحولات كثيرة همت الوضع الثقافي العربي، ومن خلالها قيمة التفاعل بين المثقفين، في المغرب والمشرق. وما بين زمن «الرسالة» و«الآداب» و«الأديب» و«الشعر»، وغيرها من المجلات التي مكنت العرب من التعرف على تجارب بعضهم البعض، خالقة تفاعلاً حقيقيًا بين المثقفين، وصولاً إلى زمن التواصل التكنولوجي، ترتفع أصوات، هنا أو هناك، لتقارن بين زمن مثمر بين المثقفين، من خلال مجلاته ومهرجاناته، وحاضر مأخوذ بسرعة التكنولوجيا و«جنون» العولمة، غارق في «الاستعراضات والبهرجة والوجاهات الاجتماعية».
لا شك أننا نعيش راهنًا ثقافيًا عربيًا مختلفًا عن سابقه، يعكس مستوى التحول الذي طال العقليات، بعد أن تراجعت هواجس وأحلام الماضي، على وقع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها العالم، منذ تسعينيات القرن الماضي بشكل خاص. في المغرب لا يمكن لرصد حاضر الممارسة الثقافية، بين أطراف العالم العربي، خاصة على مستوى التفاعل والتواصل بين المثقفين، وبالتالي الحصيلة العامة للمنجز الثقافي، إلا أن ذلك يستحضر نقاشًا تواصل منذ عقود، بل منذ قرون، بصدد تفاعل المثقفين العرب فيما بينهم، تم اختصاره، بشكل خاص، في ثنائية «المشرق والمغرب» أو «المركز والهامش».
* العلام: تواصل المثقفين العرب شهد تطور كثيرًا
يقول عبد الرحيم، الناقد ورئيس اتحاد كتاب المغرب، إن سؤال التواصل والتفاعل بين المثقفين، في المشرق والمغرب العربيين: «سؤال قديم جدًا، لكنه ما فتئ يتجدد باستمرار، رغم أن تلك الشكوى القديمة من انقطاع التواصل، بين الطرفين، لم تعد قائمة بمثل حدتها الأولى، إذ كثر، في وقت سابق، وبشكل مبالغ فيه، عتاب المغاربة للمشارقة، لتجاهلهم لهم ولإنتاجهم الثقافي والأدبي والفني، بما هو عتاب يعكس، في أحد تجلياته، جانبا من أزمة الثقافة العربية، بشكل عام، في صورها ومكوناتها المختلفة». لكن، رغم ذلك، يضيف العلام، ففي اعتقادي، وحسب ما تكشف عنه تمظهرات التواصل الثقافي، اليوم، بين المشرق والمغرب، أن هذا السؤال، لم يعد يطرح بالحدة نفسها والأهمية السابقة، فالحوار والتواصل الثقافيان بين المثقفين والكتاب في المغرب والمشرق العربيين، ظلا قائمين ومفتوحين، بل يمكن القول إنهما قد تطورا بشكل لافت، في ضوء المتغيرات والتحولات المتسارعة التي يعرفها عالم اليوم، والتي أسهمت فيها الثورة التكنولوجية بنصيب كبير، دون أن نلغي الأخذ بعين الاعتبار، أيضًا، غياب التكافؤ الجغرافي بين أقطار المشرق العربي ومغربه، واختلاف طبيعة النسيج الاجتماعي، موازاة مع تبدد جانب كبير من تلك العوائق التقليدية والادعاءات الوهمية التي كانت تحول دون تحقيق حوار وتواصل مخصب بين الطرفين، في إطار مفهوم الوحدة عبر التعدد والتنوع. فما تعيشه مجتمعاتنا العربية اليوم، وهي تواجه أخطر ما يهدد كيانها، ألا وهو التطرف والإرهاب، أصبح يستلزم منا أن نوسع، بشكل أكبر، مجال حوارنا، حتى لا يبقى داخليا فقط، فالحرب اليوم، هي حرب ثقافية، بالأساس، ما يلزمنا، أكثر من أي وقت مضى، أن نعمل على توحيد المواقف، وتشكيل جبهات ثقافية، وتعميق حوارنا مع محيطنا ومع الآخر من حولنا، على أساس مبادئ التواصل والاستمرار والتعايش، بعيدًا عن أي قطيعة كأداء يرتضيها الفكر المتطرف. ومع ذلك، فقد كان الحوار مثمرًا بين المشارقة والمغاربة، بما يوازيه من نفي لأي قول بـ«القطيعة» و«الانفصال»، دون أن ننسى، هنا، ما تثيره قضية «مشرق ومغرب» لدى البعض من التباس وسوء فهم أحيانا. وكلنا، هنا، يتذكر ذلك الحوار المخصب والمثير بين المفكر محمد عابد الجابري والمفكر حسن حنفي، في موضوع «حوار المشرق والمغرب»، بما أعقبه من ردود ومناقشات أغنته، بما هو حوار يعكس صورة لقاء المشرق والمغرب في أبهى تجلياته، بمثل ما يعكس حلما دائما، لم يبدده لا الزمن ولا تغير السياسات والقناعات والحساسيات والآيديولوجيات، ما يدفعنا اليوم إلى تغيير نظرتنا إلى هذا المفهوم الضيق الذي يؤطر العلاقة بين المشرق والمغرب، لأجل تجاوزه».
* نجمي: لقاءاتنا الثقافية العربية هشة
من جهته، يرى حسن نجمي، الشاعر والروائي والرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب، أن «الثنائية القائمة بين المشرق والمغرب، على المستوى الثقافي والأدبي، أصبحت تتقادم تدريجيًا، ولم تعد تحظى بالأولوية التي كانت لها في الماضي على مستوى التواصل بين المبدعين والأدباء والفاعلين في الحقل الثقافي، وإن كانت لا تزال أكثر إلحاحًا على المستوى السياسي والدبلوماسي».
وقال نجمي إن «إشكالية التواصل بين مثقفي المشرق والمغرب كانت تلقي بظلالها في نقاشاتنا العربية - العربية، في مختلف المحافل والمؤتمرات الأدبية، فكنا دائما نجهر بمظلمتنا كمغاربيين، كلما أحسسنا بأن أشقاءنا العرب في المشرق يعاملون إنتاجاتنا كما لو كانت إبداعًا من درجة ثانية. كما شعرنا بأن هناك نوعا من (المركزية المشرقية)، كانت تظل كامنة خلف الخطابات والإشارات والتلميحات المختلفة. وبالتأكيد لا يزال قدر بسيط من ذلك، حتى اليوم، لدى عدد قليل من الأسماء المشرقية، ومن ذلك، مثلا، أن الشاعر عبد المعطي حجازي يبقى نموذجًا لافتًا للانتباه في هذا الاتجاه، خاصة في بعض حواراته التي ينتقص فيها من الشعرية المغاربية، لكن ذلك يتضاءل باستمرار أمام الوعي المتبصر لدى الأسماء الأدبية والفكرية المرجعية والمؤثرة في صياغة المشهد الثقافي والأدبي والإعلامي في مشرقنا العربي. وهناك عدد من العقلاء يدركون حجم التحولات الهائلة في الساحة الأدبية العربية في المغرب والجزائر وتونس بالخصوص، ويتفاعلون مع مختلف التجارب والأصوات والأجيال المختلفة، ويتبادلون الإشارات تلو الإشارات، ولهم شعور حقيقي بأن التجربة الأدبية العربية واحدة وموحدة، رغم الاختلافات والتباينات القائمة مقارنة مع المنجز الأدبي والمعرفي والفكري في العالم اليوم».
ولاحظ نجمي أن المثقفين المغاربة «أخذوا يضعون هذه الثنائية خلف ظهورهم ويعتبرونها جزءا من الماضي»، قبل أن يستدرك، قائلا: «ثمة إحساس ملموس بأن علينا أن نقود تجربتنا الأدبية في اتجاه أفقها الكوني».
ولاحظ نجمي أن «التفاعل بين المثقفين العرب أصبح، اليوم أوضح وأسرع والانتعاش أكبر، كما صار أكثر حيوية، واتسعت مساحته أكثر من أي وقت مضى، من جهة أن وسائل التفاعل صارت لحظية وسريعة»، مشيرًا إلى أن هذا «التفاعل لا يخلو من نقاط قوة ونقاط ضعف»، مشددًا على أن «التفاعل المستمر، الإيجابي، الخلاق والبناء يحتاج إلى إيقاع خاص وإلى استغراق زمني، على عكس ردود الفعل والتفاعلات المستعجلة التي يفرضها إيقاع (فيسبوك) ومختلف شبكات الاتصال العنكبوتية». وانتقد نجمي كثيرًا اللقاءات الثقافية التي يتم تنظيمها على صعيد العالم العربي، مشيرًا إلى أن «فيها كثيرًا من الهشاشة»، مرجعًا ذلك إلى المسؤولين عنها، والذين قال عنهم إنهم، غالبًا، ما يكونون إداريين، تجدهم يحرصون أكثر على تمثيلية أكبر عدد من الدول العربية أكثر من البحث في نوعية المشاركين، الشيء الذي ينعكس على قيمة الأسماء المشاركة والمحتوى العلمي والفكري الذي يتمخض عن هذه المواعيد الثقافية. واستغرب نجمي، في هذا الإطار، لعدم توجيه كثير من المظاهرات العربية، ذات التوجه المسرحي الدعوة للدكتور حسن المنيعي، أو التي يدور موضوعها حول القصة لأحمد بوزفور، أو الشعر لمحمد بنيس أو محمد بنطلحة، مثلا.
ورأى نجمي أن طرح سؤال «من يمثلنا في التظاهرات الثقافية؟» يبقى ضروريًا، لأنه يبرر، في أكثر الأحيان، تواضع المنتوج الذي تفرزه هذه التظاهرات وضعف التفاعل بين المثقفين، منتهيًا إلى أن «هناك خللاً تنظيميًا، بالأساس، مرده إلى أن من يشرفون على التظاهرات الثقافية العربية هم، في غالب الأحيان، إداريون لا معرفة لهم بالحقل الثقافي. وهذا شيء مؤسف».
* العوفي: عكاظات ثقافية
من جهته، يرى الناقد نجيب العوفي أن التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق «قديم وموصول امتدّت وتوثّقت عُراه على امتداد التاريخ، وما يزال»، وأن «وتائره قد تنامت وتضاعفت الآن، بحُكم إمكانات التواصل المتطورة ودخول الإنترنت على خطّ هذا التواصل، حيث أجهز على خرائط العالم».
وشدد العوفي على أن «المشرق كان حاضرًا باستمرار في الذّاكرة الثقافية المغربية ورافدًا أساسيا لها»، مشيرًا إلى أن «هذا الاحتفاء الحفي والبهي بالمشرق من طرف المغرب، كان يُقابل، للأسف، بصمت ولامبالاة المشرق تجاه المغرب، وفقًا لثُنائية المركز والهامش التي كانت سائدة آنئذ؛ إن لم نقلْ، إن المشرق كان ينظر من عل إلى المغرب، معتبرًا إياه ذيلاً وتكْملة، وكأنّه يستعيد تلك المقولة المأثورة للصاحب بن عبّاد (هذه بضاعتنا رُدّت إلينا)»، الشيء الذي «أشعر المثقفين المغاربة، يضيف العوفي، بالضّيم والتبخيس، ودفع أحد روّادهم الأوائل وهو عبد الله كنون إلى كتابة سِفْره الكبير - الشهير (النبوغ المغربي في الأدب العربي)». والآن، يضيف العوفي: «لعلّ الموازين قد تبدّلت أو عَرَاها بعضُ تبدّل وتحوّل، فأصبح الهامش بدوره مركزًا، وفقد المركز الثقافي المشرقي الأثيل، بعض دالته وسلطته. وتلك الأيام نُداولها بين الناس. وهكذا، أصبحنا نُعاين الآن نوعًا من (النّدّية) الثقافية بين المغرب والمشرق، وبخاصّة لدى الأجيال الجديدة والشابّة من المثقفين.
وفي العُقود الأخيرة، لم يعد التفاعل الثقافي المغربي - العربي محصورًا في دائرة حواضر المشرق التقليدية (القاهرة - بغداد - دمشق - بيروت)، بل امتدّ وتوَاشج مع الفضاء الخليجي، وبخاصة بعد الحَراك الثقافي – الدّؤوب الذي شهدته بعض الأقطار الخليجية.
وصِرْنا نلاحظ في المدة الأخيرة (هجرة) كثير من الأقلام المغربية صوْب المنابر والمطابع الخليجية والمشرقية.. وكأنّ البيت ضاق على أهله. ولعل ازدهار اللقاءات الثقافية بين المغرب والمشرق، في السنوات الأخيرة، قرينة أخرى على حيويّة هذا التفاعل ومتانة عُرَاه».
وتحدث العوفي عن مشاركاته في اللقاءات الثقافية العربية، فقال: «شخصيًّا، كان لي شرف المشاركة في أكثر من لقاء عربي، مشرقي وخليجي، وذلك منذ ثمانينات القرن الفارط إلى الآن. وكانت هذه اللقاءات بحقّ، عُكاظات ثقافية تنزع فيها العروبة عن قوس واحدة، وتغرّد بلسان واحد، وكأن لا فرق بين مغرب ومشرق، بما يؤكّد أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب، هي الثقافة».
* المودن: نحتاج خطابًا ثقافيًا جديدًا
من جهته، يفترض الناقد حسن المودن أن التفاعل بين مثقفي المشرق والمغربي «ينبغي أن يسير في اتجاه بلورة خطاب ثقافي جديد يستجيب للأسئلة والقضايا والتحديات التي تواجهها البلدان العربية، شرقًا وغربا، في الوقت الراهن». ويفترض المودن، في سبيل ذلك، «مهمتين كبريين مستعجلتين ينبغي للخطاب الثقافي أن يشتغل بهما، نظريًا وعمليًا»: المهمة الأول، تتلخص في «أن يعمل هذا الخطاب الثقافي على أن يَحلَّ التفكيرُ الحواري مَـحَــلَّ التفكير العَـقَـدِيِّ»؛ فيما تتلخص الثانية في «الاهتمام بالأسئلة العملية التي تطرحها مجتمعاتنا.
وهي أسئلة كثيرة ذات طابع إشكالي، تتطلب حلولاً عملية، ما يجعل الثقافة اليوم مسألة مستعجلة»، مشيرًا، في هذا السياق، إلى أن «الأمر يتعلق بأسئلة عملية لا يتدخل فيها الخطاب الثقافي بالشكل المطلوب، أي بالسهر على أن يتشكل حوارٌ موسَّعٌ بين جميع الأطراف المعنية، وأن يتمَّ إسماعُ كلِّ الأسئلة والأجوبة المحتملة، وأن يعمل على خلق شروط التحاجج والتفاهم بين الأطروحات المتعارضة من أجل الوصول إلى أفضل الحلول التي تُجنِّب بلداننا مصير تلك الصدامات العنيفة التي تكون عواقبها وخيمة».
* يقطين: غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية
ويرى الناقد سعيد يقطين أن «التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق قائم أبدا. فالحوار عبر المواقع التواصلية مستمر، والمساهمات في بعض الندوات التي تقام هنا وهناك متواصلة. وتبادل النقاش، والتأليف المشترك، والشراكات بين بعض الجامعات العربية، ومواكبة ما يجري على الساحة العربية لا شك فيه. غير أن التفاعل الحقيقي الذي يمكن أن يوحد الرؤى، ويدفع إلى النقاش حول الواقع العربي الحالي غائب تماما».
يرى يقطين أننا «نعيش واقعًا مختلفا عن السابق. وليس هذا الواقع سوى امتداد لذلك الماضي»، مشيرًا إلى أنه «كان من الممكن أن يأخذ هذا التطور الذي يعرفه الوطن العربي حاليا صورة أخرى من التفاعل بين المثقفين للعمل على مواجهة التحديات التي يعرفها عالمنا»، معتبرا أن «التردي الذي يعرفه الوطن العربي، بعد وقائع ما يسمى بالربيع العربي، لم يعمل فقط على تغيير العلاقات بين الأقطار العربية، ولكنه عمل أيضا على إيجاد القطائع بين مثقفي المغرب والمشرق. كانت اللقاءات الثقافية في المنتديات والمؤتمرات العربية أهم قنوات التواصل والتعارف والحوار. لكن واقع الحرب العربية حال دون استمرار مثل هذه الفعاليات. وأهم اللقاءات الحالية تستضيفها دول الخليج العربي».
وأوضح يقطين أننا «حين نتحدث عن المثقفين في الوطن العربي، نعني بصورة واضحة أفرادًا من مختلف تلك الأقطار لهم مساهمات ثقافية. وهؤلاء يتدبرون شؤون تواصلهم وتفاعلهم عبر القراءة لبعضهم، أو تبادل الرسائل، أو حضور الملتقيات. لكن المؤسسات الثقافية غائبة في هذا المشهد. كان من الممكن أن تضطلع الاتحادات والروابط بدور كبير في هذا الواقع، لكنها وليدته أيضا. غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية دال على تعثر التفاعل الثقافي العربي».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».