التحالف ردًا على مناورة الانقلابيين: اليمن بحاجة إلى تسوية شاملة لا مجرد هدنة

الرئيس هادي يفتح النار على «الأئمة الجدد».. ويتهم صالح بتسليم البلاد إلى إيران

عبد ربه منصور هادي - احمد عسيري
عبد ربه منصور هادي - احمد عسيري
TT

التحالف ردًا على مناورة الانقلابيين: اليمن بحاجة إلى تسوية شاملة لا مجرد هدنة

عبد ربه منصور هادي - احمد عسيري
عبد ربه منصور هادي - احمد عسيري

رفض التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن أمس، «هدنة على الحدود» اليمنية -السعودية اقترحها الانقلابيون في اليمن، وشدد في المقابل على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في هذا البلد وليس مجرد هدنة.
وكان صالح الصماد، رئيس ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى» الذي شكله الانقلابيون في أغسطس (آب) الماضي، قد اقترح هدنة على الحدود مع السعودية مقابل وقف للغارات الجوية التي يشنها التحالف على المتمردين.
وقال المتحدث باسم التحالف العربي المستشار لدى وزارة الدفاع السعودية اللواء الركن أحمد عسيري: «أعتقد أن الأمر لا يتعلق بـ(اقتراح) وقف لإطلاق النار»، مضيفًا أن السبب هو أن المتمردين «يرفضون» الرد بشكل إيجابي على مبادرة السلام التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في 25 أغسطس الماضي.
وتنص المبادرة التي اقترحها كيري على مشاركة الحوثيين المتحالفين مع أنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، والمدعومين من إيران، في «حكومة وحدة وطنية» مقابل انسحابهم من العاصمة صنعاء ومناطق واسعة في شمال اليمن وتسليمهم الأسلحة الثقيلة.
وفي عرضه، طلب الصماد إيقاف الغارات بحرا وجوا وإيقاف الطلعات الجوية وما سماه «الحصار»، وذلك مقابل إيقاف العمليات القتالية على الحدود وإيقاف إطلاق الصواريخ على الحدود وإيقاف إطلاق الصواريخ داخل الأراضي السعودية. وقال اللواء عسيري: «إذا كان الحوثيون يريدون وقفا لإطلاق النار، فهم يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا»، في إشارة إلى خطة كيري للسلام. وأضاف أن التحالف العربي «يرحب بكل جهد لتسوية سياسية حقيقية» شاملة بدلا من «وقف قصير لإطلاق النار بلا مراقبة ولا مراقبين».
ودعا المسؤول الحوثي الذي لا يعترف المجتمع الدولي بمجلسه السياسي، الأمم المتحدة وكل الدول الحريصة على السلام وحقن الدماء، إلى التقاط هذه «الفرصة». واقترح الصماد أيضا «عفوا عاما» عن مقاتلي الجيش الوطني والمقاومة الشعبية الموالية للرئيس هادي.
وفي نهاية أغسطس الماضي، أكد مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد أن العودة إلى وقف إطلاق النار في اليمن «أمر مهم للغاية» لاستئناف محادثات السلام. وقال أمام مجلس الأمن إن «استئناف وقف إطلاق النار سيكون مهما جدا لتسريع المسار نحو تجديد المحادثات». وأضاف أن التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار «سيوفر على اليمن مزيدا من الخسائر في الأرواح، ويتيح زيادة تدفق المساعدات الإنسانية، ويخلق الثقة الضرورية للتفاوض على التوصل إلى حل شامل وسلمي» للأزمة.
في غضون ذلك، شن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، هجوما لاذعا على المخلوع علي عبد الله صالح واتهمه بتسليم اليمن إلى أعداء «الجمهورية»، كما هاجم الانقلابيين الحوثيين وعرابتهم الرئيسية إيران. وقال هادي، في خطاب له بمناسبة الذكرى الـ54 لثورة الـ«26 من سبتمبر» (أيلول)، التي انطلقت عام 1962، وأطاحت بنظام الإمامة المتوكلية في شمال اليمن، إن اليمنيين يحتفلون هذا العام بهذه الذكرى بزخم جماهيري غير معتاد؛ إذ أكد أنه و«منذ سنوات مضت قد تبلغ عقدين من الزمن، لم تشهد البلاد هذا الزخم الشعبي الهادر والاحتفاء الطوعي الكبير بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة».
وأضاف هادي: «إننا حين نتحدث عن التاريخ، وبعد أن شاهد شعبنا اليمني صورًا من قبح وبشاعة الإمامة في نسختها الحوثية، فإننا ندرك جيدا أنه لا خلاص لليمن إلا بالخلاص من الإمامة للأبد، وأنه لن يستقر اليمن ما دام في يد الإمامة طلقة رصاص أو تحت سطوتها شبر من تراب وطننا الغالي، وإن اليمنيين اليوم صاروا على وعي كامل بأنه لن تستقر عدن ولن تأمن المهرة ولن تعود صنعاء، ما دام هناك كهف وساطور وإمام».
وفي سياق هجومه على المخلوع صالح، الذي ظل لعقود يقدم نفسه على أنه أحد أبطال «ثورة 26 سبتمبر»، قبل أن يتحالف مع أحفاد الإماميين (الحوثيون)، قال هادي: «لقد ظل المخلوع صالح في سنوات حكمه يزايد بالحديث عن (سبتمبر) والنظام الجمهوري، لكنه حين رأى نفسه خارج المعادلة سارع لتسليم الجمهورية إلى أعداء (سبتمبر) وتحالف معهم، وسلم البلاد لأدوات إيران في اليمن ومرتزقتها، وها هو اليوم؛ مكشوفا ذليلا خائنا في نظر شعبنا، وسيضيفه التاريخ في سجلات الخائنين».
وأكد هادي استحالة عودة نظام الإمامة بأي شكل من الأشكال: «فالكهنوت لن يعود، وما بذله شعبنا الكريم من (قوافل شهداء) وما سطره من صفحات مجد وبطولة خلال عامين متتالين، هو دليل كاف على أن الإمامة وهمٌ غير قابل للتكرار، وأن الماضي لن يعود، فطبيعة الحياة وسنة الكون تأبى عودة أهل الكهف.. ليحكموا حياتنا»، مؤكدًا أن «المشروع الإيراني الطائفي لا مكان له بين اليمنيين الأحرار، بل لقد مثل نضال الأبطال اليمنيين في العاميين الماضيين انتكاسة كبيرة لذلك المشروع التآمري التخريبي الذي يستهدف المنطقة كلها، والذي اكتشفناه مبكرًا وجاهرنا العالم به في كل المحافل الدولية، وأظهرنا للعالم أجمع مستمسكاته القذرة من سفن محملة بالسلاح والبارود إلى مدربين ومصانع».
وأردف الرئيس اليمني، في خطاب قوي بذكرى الثورة: «لسوء حظهم ولغبائهم، لم يدرك الحوثيون وهم يسعون لعودة الماضي البغيض أن الفارق مختلف جدا، وأننا اليوم نعيش عصر الفضاء المفتوح والوعي، ولأنهم لم يقرأوا حركة التاريخ ومتغيراته، فقد انطلقوا من كهوف أسلافهم بنفس الأدوات والمنهج والشعارات، في واقع مختلف جدا عن واقع أسلافهم»، مشيرا إلى أن «العداء الواضح الذي يبديه الأئمة الجدد وحليفهم، للمشروع الوطني ورفضهم مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي نصت على الدولة الاتحادية، وانقلابهم على مشروع الدستور، هو ذات الموقف الذي مارسه أسلافهم من دستور 1948؛ إذ إن بين الإمامة والدولة والعدالة عداء وتنافر، فتجد نفسها غير قادرة على البقاء إلا في ظل الفوضى وغياب الدولة، وسلطة الفرد وتحكمه بالسلطات».
وتشهد الساحة اليمنية عودة قوية إلى مضامين الثورة اليمنية، حيث بات قطاع واسع من اليمنيين يعتقدون أن الثورة اليمنية جرى ابتلاعها من قبل أحفاد الإماميين، وهم الحوثيون الذين يدعون الحق الإلهي، كما كانت تفعل الإمامة وعلى مدى أكثر من ألف سنة في اليمن. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يشهد اليمن احتفالات غير معتادة بالذكرى، من خلال رفع أعلام الثورة وتمجيد أبطالها، كقائدها المشير عبد الله السلال، أول رئيس لما كانت تعرف بـ«الجمهورية العربية اليمنية».



ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.


منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة على ذلك البحر المهم لأمنها القومي، في مقابل مساع متواصلة من جانب إثيوبيا التي تُعد من دون ميناء للوصول لمنفذ على تلك السواحل.

هذه التحركات المصرية، حسب خبيرة مصرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تتفق مع القانون والأمن القومي المصري واستقرار منطقة القرن الأفريقي، فيما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، وأنها ستواصل تحركاتها بشأنه.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وأكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».

وزير الخارجية المصري يترأس مع نظيره اليمني الجولة التاسعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».

ما بين «الأمن القومي» و«القضية المصيرية»

وخلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانوناً أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصاً على أمنها ومصالحها.

في المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد يونيو (حزيران) المقبل.

وعدَّ رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

احتمالات القلاقل

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل. فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حرباً ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.

ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.


أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.