مصر تقنن الصحافة الرقمية

شروط إدارية ورسوم مالية لإطلاقها كمؤسسات احترافية على الإنترنت

مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)
مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)
TT

مصر تقنن الصحافة الرقمية

مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)
مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)

تسعى مصر لتقنين «الصحافة الرقمية» أو المواقع الإخبارية على الإنترنت، من خلال وضع شروط ورسوم مالية قبل إطلاقها على الشبكة العنكبوتية، والتعامل معها بعد ذلك كمؤسسات احترافية يدير الأمور فيها صحافيون أعضاء في «نقابة الصحافيين»، التي ظلت لسنوات طويلة «نقابة للصحافة الورقية». وقال يحيى قلاش، نقيب الصحافيين المصريين، لـ«الشرق الأوسط»، إن النقابة لن تظل «نقابة للصحافة الورقية فقط»، وأضاف أن «الواقع أصبح يحتم علينا أن نجاري تطور الزمن وأن نتعامل مع الصحافة الإلكترونية كجزء من نسيج العمل الصحافي المؤسسي».
وبعد إجازة استمرت نحو شهرين، يستعد البرلمان لاستئناف جلساته في غضون أسبوع. وبدأ الجدل بين مشرعين وإعلاميين، حول المشروع الذي يحمل اسم «تنظيم الصحافة والإعلام». خرجت بيانات علنية وتسريبات من تحت الطاولة أيضًا. يبدو أنها طريقة لجس نبض معارضين محتملين.
وأحالت الحكومة المشروع إلى مجلس الدولة، وهو جهة تراقب سلامة صياغة القوانين ويأخذ في الاعتبار ما يحال إليه من مقترحات بهذا الشأن. ومن المقرر أن يعيده «المجلس» للسلطة التنفيذية بتعديلات جديدة، وسط لغط عن مصير بنود قدمتها نقابة الصحافيين لـ«تلطيف بعض المواد». وتخشى مواقع إخبارية من قيود على الحريات ومن إجبارها على سداد مبالغ مالية تفوق قدرتها. لكن وزير الإعلام المصري الأسبق، أسامة هيكل، قال لـ«الشرق الأوسط» إن مشروع القانون يستهدف التنظيم وليس التقييد. ويشغل هيكل حاليًا رئاسة لجنة معنية بالإعلام في البرلمان. كما كان رئيسًا لتحرير صحيفة «الوفد» الليبرالية المعارضة.
ومثلما زاد عدد الصحف الورقية الصادرة عن مؤسسات مستقلة منذ «ثورة 2011»، أصبحت توجد أيضًا عدة مئات من المواقع الإخبارية الخاصة التي تمكنت من إيجاد موضع قدم لها في الوسط الإعلامي والصحافي في دولة يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت فيها نحو 30.8 مليون مستخدم، بنسبة نحو 33 في المائة من عدد السكان، وفقًا لموقع «internet livestats» الذي يرصد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم.
واشترط مشروع القانون الجديد ألا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن 500 ألف جنيه (السعر الرسمي للدولار يبلغ نحو 8.85 جنيها)، لإصدار موقع إلكتروني إخباري. وقال خالد البلشي، رئيس تحرير موقع «البداية» الإلكتروني: «تقدمنا، في نقابة الصحافيين، باقتراح لتخفيض هذا المبلغ إلى 150 ألف جنيه أو 200 ألف جنيه». ويتولى البلشي موقع رئيس لجنة الحريات في النقابة. وأوضح أنه يخشى أن تكون «روح الحريات» في مشروع القانون أقل مما كانت عليه في السابق.
كما اشترط التشريع الجديد على الصحف الخاصة التي يصدرها الأشخاص الاعتباريون أن تتخذ شكل تعاونيات أو شركات مملوكة للمصريين وحدهم، ولا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن ثلاثة ملايين جنيه إذا كانت الصحيفة (ورقية) يومية، ونصف مليون جنيه إذا كانت صحيفة إلكترونية.
وقال رئيس تحرير «البداية» إنه لا يعرف إن كان قد تم الأخذ باقتراح تخفيض المبلغ أم لا، أثناء عرض مشروع القانون في مجلس الدولة.. لكن في كل الأحوال سيوفق أوضاع صحيفته الإلكترونية، مثل كثير من المواقع المشابهة الأخرى، لتتماشى مع القانون. وتوجد هواجس بشأن احتمال تسرب مواد في القانون المقترح في نسخته الحكومية، تعطي للسلطة التنفيذية هيمنة، من خلال طبيعة تشكيل الهيئات التي ستكون مختصة بعالم الصحافة والإعلام، وهي «المجلس الأعلى للصحافة» و«الهيئة الوطنية للصحافة» و«الهيئة الوطنية للإعلام».
البلشي يرى أنه يمكن التغاضي عن مسألة تخفيض مبلغ التأسيس، قائلا إنه في نهاية المطاف: «أنا أرى أن هذا كلام يمكن أن أتجاوزه رغم كل شيء، أضف إلى ذلك أن القانون يعطيني فرصة لتقنين الأوضاع لمدة سنة». وحركت عدة تسريبات الجدل، قبل الأوان، حول أحقية رئيس السلطة التنفيذية في تعيين أعضاء في الهيئات الثلاث التي ستتولى الإشراف على الإعلام والصحافة.
ومن بين ما خرج من تحت الطاولة القول بإمكانية إخراج المواد الخاصة بتلك الهيئات، من مشروع القانون المقترح، ووضعها في قانون منفصل، لتخفيف حدة أي معارضة متوقعة لمشروع القانون الأصلي عند عرضه على البرلمان.
ويضم البرلمان 12 نائبًا على الأقل قادمين من خلفيات لها علاقة بالعمل في الصحافة والتلفزيون، لكن معظمهم يؤيد عادة التوجهات الحكومية. ودعا عدد من كبار الصحافيين، نواب الكتل البرلمانية والحكومة إلى عقد لجان استماع ومناقشة لطرد الشائعات التي تتسرب بشأن بنود مفصلية في المشروع المقترح، إلا أن الحكومة لم تعلق «انتظارا لما ستنتهي إليه مراجعة مجلس الدولة».
وجاء التشريع الجديد تطبيقًا للدستور الذي وافق عليه المصريون بعد سنة من «ثورة 2013» ضد حكم جماعة الإخوان. ففي عام 2014 جرى إلغاء منصب «وزير الإعلام»، لأول مرة منذ عام 1952، مما ترك هذا الجسم «دون رأس مركزي» رغم تضخمه، خاصة مع تزايد المواقع الإخبارية الإنترنتية، وذلك انتظارًا لصدور القانون الذي يضع الإعلام الرقمي ضمن أولوياته، ويحاول وضع أسلوب عصري لإدارة الإعلام والصحافة بعيدًا عن التدخل المباشر من الحكومة.
ويُلزم مشروع القانون الدولة بضمان حرية الصحافة والإعلام والطباعة والنشر الورقي والمسموع والمرئي والإلكتروني. ويحظر «الحبس الاحتياطي» في الجرائم التي تقع بواسطة الصحافيين أو الإعلاميين المتعلقة بممارسة عملهم. كما يعاقب بالحبس والغرامة المالية، أو كليهما.. «كل من تعدى على صحافي أو إعلامي بسبب أو أثناء عمله».
ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بضرورة الانتهاء من إصدار المشروع في عدة مناسبات. وكان يفترض مناقشته وإقراره في البرلمان قبل أشهر، لكن محاولات لاسترضاء أطراف متباينة التوجهات أدت، على ما يبدو، إلى تأجيل الأمر إلى الدورة البرلمانية الجديدة.
وصحب ذلك مخاوف من ملاك مواقع إلكترونية بشأن القدرة مستقبلا على العمل دون قيود. وقال أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان: «نأمل أن يتم الانتهاء من مشروع القانون في الدورة المقبلة»، مشيرًا إلى أن المشروع يستهدف تنظيم المواقع الإلكترونية الإخبارية وليس تقييدها، و«من الطبيعي أنه ستكون هناك فترة انتقالية لتقنين اﻷوضاع. نحن في انتظار إحالة مشروع القانون إلينا من الحكومة بعد مراجعته في مجلس الدولة».
ويشغل عضوية نقابة الصحافيين المصريين التي تتخذ لها شعار «قلعة الحريات»، نحو 8500 عضو، ممن يعملون في الصحف الورقية. بينما يعمل في مئات المواقع الإلكترونية الإخبارية الخاصة أعداد غير معروفة وغير مسجلة في نقابة الصحافيين، مما يعرض محرريها ومندوبيها ومراسليها للمؤاخذات القانونية بسبب عدم حملهم بطاقات النقابة. وحاولت تجمعات لصحافيي مواقع إخبارية إلكترونية، غالبيتهم من الأجيال الجديدة، تأسيس نقابات موازية في الأعوام الخمس الأخيرة، لكنها ظلت بلا فاعلية أمام الثقل الذي تمثله النقابة الأم التي تأسست على يد كبار الصحافيين قبل 75 عامًا.
ودخل الإنترنت إلى مصر على نطاق محدود عام 1992، وتوسعت الخدمة بعد ذلك بخمس سنوات لتدخل بيوت المواطنين لكن بقدرة تحميل متواضعة لم تزد وقتها عن 256 كيلوبايت في الثانية. وظهرت الثورة الإنترنتية الحقيقية بعد عام 2004، بوصول عدد الداخلين على الشبكة إلى نحو 8.7 مليون في مصر، وذلك حينما توسعت الحكومة في مبادرة الإنترنت المجانية وزيادة سرعته، مما دفع الكثير من الصحف الورقية القائمة بالفعل لإنشاء مواقع لها، لكن الأمور كانت تتغير في جهة أخرى.
فقد بدأت صفحات المدونين المعارضين الذين يعبرون عن أنفسهم، في مزاحمة عالم الصحافة المنضبطة، خاصة بعد أن ضاعفت الحكومة سرعة التحميل على الشبكة العنكبوتية مجددًا، حيث وصلت حينها إلى 24 ميغا في الثانية. وبحلول عام 2010 كان عدد الداخلين على الإنترنت قد ارتفع إلى نحو 17.7 مليون، إلا أنه لوحظ تراجع عالم المدونين، في مقابل امتلاء الإنترنت بمواقع إخبارية بدأت تتزايد بعد ثورة 2011 على حساب مؤسسات صحافية ورقية عريقة، حيث وصل عدد مستخدمي الإنترنت في تلك السنة إلى 21.4 مليون مستخدم. ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم زاد عليهم أكثر من 9 ملايين مستخدم جديد، وبالتزامن مع هذا تشكل جيل من الصحافيين الإلكترونيين الشبان، ممن وجدوا أنفسهم دون حماية قانونية وخارج منظومة الصحافة التقليدية.
وقال قلاش، الذي جرى انتخابه نقيبًا للصحافيين العام الماضي ولديه خبرة طويلة في العمل النقابي، وقضايا الحريات وتطوير مهنة الصحافة: «نحاول أن نجعل الصحافة الإلكترونية ذات طابع مؤسسي، وخاضعة لعلاقات عمل منظمة». وأضاف: «نحن لن نظل نقابة الصحافة المكتوبة، ولن نكون فلكلورًا، وفي النهاية النقابة تستوعب أي تطور. المستقبل يسير في هذا الاتجاه. نحن نريد للصحافة الإلكترونية أن تكون جزءًا من نسيج العمل الصحافي الذي يراعي حدًا أدنى من علاقات العمل».
وعلى عكس من يستكثرون مبلغ تأسيس صحيفة إلكترونية في مشروع القانون الجديد، يرى قلاش أن المبلغ أقل من ثمن شقة تصلح كمقر للموقع والعاملين فيه.. «هناك بعض الناس استكثروا الـ500 ألف جنيه، ونحن من وجهة نظرنا نرى أنه حتى لو أردت أن تشتري شقة بهذا المبلغ، فلن تجد. فكرة أن يقوم شخص مع اثنين من أصدقائه بإدارة صفحة أو موقع على الإنترنت للتعبير عن أنفسهم.. فهذه ليست مؤسسة صحافية. يوجد فرق بين حرية التعبير والاحتراف. نحن نتحدث عن الاحتراف. يكون للموقع مقر وهيئة تحرير نقابية تتطلب مرتبات».
ومن بين المخاوف التي بثها معارضون للحكومة، القول بأن مشروع القانون الجديد سوف يعاقب من لا يلتزمون بنصوصه، من أصحاب المواقع الشخصية على الإنترنت، بما فيها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. ولا تتضمن صياغة مشروع القانون أي شيء من هذا الأمر. وقال قلاش: «من حق أي شخص أن ينشئ صفحات. لا تستطيع أن تطارد ملايين البشر على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن حق المؤسسات أيضًا أن تفعل ذلك كنوع من الدعاية والترويج والإعلان عن نفسها.. نحن نعرف كل هذا، لكن الصحافة الإلكترونية المحترفة، لا بد أن يتوفر لها الحد الأدنى من التنظيم ومن علاقات العمل.. وهذا ما نسعى إليه».
وعن تقديره لعدد المواقع الإنترنتية الإخبارية في مصر، أوضح أن عددها «كبير جدًا»، نتيجة لأنه لا توجد شروط لها. كما أصبح هناك نقابات كل منها تقول إنها نقابة للصحافة الإلكترونية.. «بينما يتم فيها استغلال شباب صغير السن يسعى للعمل في هذا المجال، لكنه يخضع للابتزاز من مثل هذه النقابات، بزعم أنها قادرة على إصدار بطاقات صحافية لهم تعطيهم الحق في العمل الصحافي، وهذا في رأيي خطر.. وخطر على المهنة نفسها».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».