التفاعل الثقافي العربي في مستواه الأدنى

المكتبات العامة تجف ينابيعها.. والأولوية للترفيه

أحمد الغز - شوقي بزيع
أحمد الغز - شوقي بزيع
TT

التفاعل الثقافي العربي في مستواه الأدنى

أحمد الغز - شوقي بزيع
أحمد الغز - شوقي بزيع

الهزائم المتوالية، والنزاعات المتفاقمة، والإحباط المتواصل، كل ذلك انعكس على سلاسة التواصل بين العرب عمومًا، وأبناء البلد الواحد في بعض الأحيان. والمبدعون جزء من النسيج الاجتماعي، لا يمنحهم عملهم في مجالات فكرية (أدبية أو فنية) المناعة، بل هم ربما أكثر هشاشة في مواجهة أمراض التحاسد والتباعد من الفئات البسيطة. لا، بل إن الشاعر اللبناني شوقي بزيع يعتبر أن هناك انعداما للصلات الوثيقة بين المثقفين، بسبب «طبيعة المثقف الذي تقترب نرجسيته من البارانويا المرضية، حيث يطغى عليه شعور بالعظمة من جهة، والاضطهاد والإنكار من جهة ثانية، لذلك تسود بين المثقفين حروب صغيرة، ومكائد متصلة بالنميمة والتباغض وإلغاء الآخر. وقد ولى زمن كان فيه السجال يتخذ طابعًا فكريًا نقديًا عميقًا، كما حصل بين مدرستي (أبولو) و(الديوان) في مصر، أو بين مجلتي (الآداب) و(شعر) في خمسينات وستينات القرن الماضي».
ويضيف بزيع: «ومع ذلك، هناك كتاب وروائيون وشعراء ورسامون ومغنون وموسيقيون يقدمون ضروبًا من الإبداع في غاية الأهمية والجدة، بعيدًا عن النقابات والاتحادات الرسمية التي تحولت إلى مجرد أبواق لسلطاتها المحلية، وتخلت عن دورها في النقد والاعتراض والدفاع عن الديمقراطية».
مدير عام «المنظمة العربية للترجمة»، هيثم الناهي، يدعو إلى «ثورة ثقافية أكثر منها سياسية وتنموية ومعيشية، فحين يجد شخص ما أنه يتعذر عليه دفع ثمن كتاب قيمته 20 دولارًا، بينما هو على أتم الاستعداد لشراء جوال بقيمة 700 دولار، فهذا معناه أن المشكلة ليست في القدرة المادية قدر ما هي في تحديد الأولويات. وحين تكون الأولوية للحصول على الشهادة، لا المعرفة التي يحصدها الإنسان، فهذا معناه أن المشكلة بنيوية، وليست في الفئة المثقفة دون غيرها».
وردًا على سؤال حول سبب تراجع التفاعل بين المثقفين العرب، وسبل توطيد الأواصر، يرى الكاتب اللبناني أحمد الغز أن الحال ليست واحدة في كل الدول العربية، فبعض هذه الدول يعيش استقرارًا ثقافيًا نسبيًا، بينما انهارت القيم في دول أخرى بسبب النزاعات والحروب.
ويضيف الغز: «المواطنة، واللاعنف، وقبول الآخر، كلها مفاهيم تعبر عن ثقافة المجتمع. ونحن نخطئ حين ننسب الثقافة إلى المثقف، ونلحقها به لا بالمجتمع، والواقع غير ذلك، إذ إن الأكل ثقافة، والزي ثقافة، والغناء ثقافة، وبالتالي فإن الثقافة ليست فقط الإبداعات الفنية والأدبية التي وظيفتها الأساسية تحويل المستجد إلى بديهي. إن الفنون لها وظيفة ثقافية، لكنها ليست الثقافة بذاتها».
ويستطرد الكاتب اللبناني: «المجتمع المغربي مثلا يعيش استقرارًا ثقافيًا، وثمة نقاشات ومخاضات. أما لبنان، فيعاني من انهيار؛ هناك انقسام على كل شيء، ومقومات الثقافة انهارت، وتحول البلد إلى حديقة خلفية لنزاعات المنطقة، فنحن منذ 11 سنة بلا موازنة، ونعاني انهيارًا أخلاقيًا، وانهيارًا في منظومة القيم الثقافية».
ويتساءل الغز في معرض كلامه: «لمن نكتب؟ وعن من نكتب؟ الكاتب الواحد يتنقل بين المنابر والمواقع الإلكترونية، والمواقف والتوجهات، ويتلون بين الطائفي والتقدمي والمتشدد حتى نكاد لا نعرف من هو، وبماذا يفكر. تكتب نصًا عميقًا، فلا تجد من يناقشك فيه، كما لو أنك تضع ماء في سلة مثقوبة. نعم، في دول الخليج توجد نقاشات وحيوية عالية، وكذلك في مصر والمغرب، وبالتالي ثمة تباين بين بلد وآخر».
ويعتقد الكاتب الغز أن النتاجات الأدبية والفنية تعاني انفصالاً عن الواقع، لذلك فإنها لا تعبر عن مجتمعها. ويتساءل: «أين كرة القدم في الدراما المصرية، مع أن المجتمع المصري مفتون بهذه اللعبة؟ في السينما الأميركية، نجد لكل فريق 30 أو 20 فيلمًا. المحاكم بكل أنماطها نجدها أيضًا، البيت الأبيض استوديو للتصوير. أين نبيل عبد الفتاح أو جابر عصفور في الدراما، بينما لا يوجد كاتب أميركي له وزن إلا وله أثر في الدراما الأميركية؟ ميزتهم أنهم احتضنوا ثقافتهم، وأوصلوها للآخرين. ومن هنا، يأتي نجاحهم. نحن لم نؤمن بثقافتنا، لذلك لم نتمكن من التعبير عنها. الرحابنة، مثلاً، يشبهون بيئتهم والمجتمع الذي خرجوا منه، وزكي ناصيف يشبه سهل البقاع، لكن فناني اليوم من يشبهون؟ وعن من يعبرون؟ هذا هو السؤال الكبير المطروح».
وبوصفه مستشارا لرئيس «مؤسسة الفكر العربي»، يتحدث أحمد الغز عن تجربته، معتبرًا أن المؤتمرات التي تنظمها المؤسسة باتت تعنى بالسؤال، وكيف تضع سؤالا لا يتضمن إجابة، وكيف أن كل إجابة صحيحة تأتي من السؤال الصحيح. ويشرح أن 130 باحثًا وكاتبًا شاركوا في الورش التحضيرية للمؤتمر الأخير، و70 في الأعمال الاستشارية، لصياغة 5 أسئلة في النهاية. ويعتبر الغز أن التحدي البعيد المدى الذي يواجه الكاتب هو كيف يصيغ أسئلة الناس والمجتمع، وكيف يعمل الجميع من أجل الوصول إلى تكامل ثقافي، مضيفا: «أسوأ ما في الوحدة العربية أنها حصلت في 24 ساعة، وانتهت في 24 ساعة».
لا داعي للخلاف حول كيف وصلنا إلى الدرك الذي نحن فيه، ولننشغل بالسؤال حول كيفية الخروج. إننا بحاجة لإعادة صنع استقرارنا. في عام 2003، اعترف العالم في اجتماعات «باريس 2» أن لبنان صار دولة. يومها، كدنا نعبر الجسر، لكننا عدنا وتراجعنا بعد 2005، ولا نزال نتراجع.
ويختم الغز كلامه، قائلا: «إن الاتحاد الأوروبي وجد في النهاية أنه أضاع الوقت في التشخيص، وأهمل نقطتين رئيسيتين: إن الرأسمال البشري وأسئلة الأجيال المقبلة هي الأساس.. ومن دروس غيرنا يجب أن نتعلم».
وبالعودة إلى الدكتور هيثم الناهي، ومن خلال تجربته في المنظمة العربية للترجمة، نستطيع أن نفهم مشكلة تدني التفاعل بين المبدعين من زاوية مختلفة، فهو يشرح أن «الكتاب يطبع منه ألفًا أو ألفا نسخة لا يباع منها سوى 200 أو 300 نسخة. ولعل السبب الأول هو الوضع المعيشي، والسبب الثاني هو الانحدار الثقافي والتربية التي لم تعط الطفل الإحساس بأن الكتاب يحمل منفعة له في الأساس، فالدول العربية تصرف ملايين من الدولارات على المشاريع الترفيهية، لكنها لا تصرف بالسخاء نفسه على مشاريع ثقافية، وهناك عدم احترام للكاتب والقارئ معًا. وفي حين أحيت شعوب أخرى لغات لها ميتة، نقتل نحن لغتنا الحية».
ويعدد الدكتور الناهي عناصر وأسبابًا مختلفة، لكنه يعتبر أن عنصر التعليم هو الأساس في إعادة الاعتبار للمعرفة في الأصل، فمرض النخبة المثقفة يبدأ من رياض الأطفال ليصل إلى الجامعة، مذكرًا أن المكتبات العامة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر شحت ميزانياتها إلى الحد الأدنى، مما يعني أنه حتى من يريد أن يكتسب المعرفة بجهده الذاتي لن يجد الأدوات متوفرة.
ولا يتردد الدكتور الناهي في أن يقول إن «المثقف العربي لا وجود له. فهناك، حسب تعريف (اليونيسكو)، أمية حضارية وأمية أبجدية، ونحن نعاني من الأميتين معًا. لا، بل إن الأمية الحضارية مكتسبة راسخة، فحين نتحدث عن عشرين مثقفًا يخرجون لنا في التلفزيونات من أصل 350 مليون عربي، فهذا لا يعني شيئًا». وكما ذهب الكاتب أحمد الغز، يقول الدكتور الناهي إن ثمة مشكلة في تعريف الثقافة التي يفترض أنها «تبدأ من الإتيكيت، وتمر باللسان والطعام واللباس، وصولا إلى الفلسفة. وبسبب قصور التعريف هذا، وحصرنا إياها في الأدب وبعض الفنون، تبقى مواضيعنا التي نعبر عنها محدودة ضيقة لا تفي بالحاجة المجتمعية».
ويعتبر الشاعر شوقي بزيع أن «الوهن بلغ العظام، وأنه شامل. فالتفكك والانحلال يحتلان كل المسارات، ومن بينها الثقافة. وذلك أن الزمن الذي كانت فيه قصيدة شعرية تهز العالم قد ولّى إلى غير رجعة، والشيء الوحيد الذي يهز العالم اليوم هو تلك الأفكار البالغة التطرف والتأثير التي تصدر عن بعض المفكرين والكتاب الكبار، خصوصا فيما يخص انتهاك الثالوث المحرم: الدين والسياسة والجنس. أما المواقف العقلانية الموضوعية، فهي لا تعني أحدًا».
ويضيف بزيع: «ما يلفت هو غياب الحال النقدي الذي كان يتصدى له المثقفون، والذي كان في القرن الـ19 والـ20 جزءًا أساسيًا من النهضة، مما يعني أن هناك ترهلاً كاملاً يمس الحياة الثقافية، والمثقفون تحول بعضهم إلى كتاب وشعراء بلاط، وبعضهم لاذ بالصمت»، مستطردا: «هناك قنوط ويأس، خصوصا أن المثقف التنويري يرى أن ما يحدث في العالم العربي هو نقيض ما دعا إليه، من ديمقراطية ومساواة وعدالة وحرية في المعتقد، وأن مصير الشعوب العربية قد بات بين استبدادين أحلاهما مر؛ استبداد الأنظمة، خصوصا الاشتراكية والتقدمية زورًا وكذبًا، التي لم تكتف بمصادرة أحلام شعوبها، بل تجاوزت ذلك لسحقها وقتل الحياة السياسية، والاستبداد التكفيري الذي أخذ معه العنف أشكالا غير مسبوقة».
وفي النهاية، يدعو شوقي بزيع إلى تأسيس روابط ونقابات وجمعيات بديلة عن تلك الرسمية، متحررة من ربقة السلطة، بحيث يصبح للشعراء اتحادهم أو رابطتهم، وكذلك الأمر بالنسبة للروائيين والرسامين وغيرهم، كما هو الحال في الغرب، مضيفا: «لا يجوز على الإطلاق أن يفوق عدد المنتسبين إلى اتحاد الكتاب اللبنانيين نظراءهم في روسيا أو الصين لأن معظمهم يحملون لواء هذا الزعيم أو ذاك، وهذا الحزب أو ذلك التنظيم، ويتم تنسيبهم على أسس سياسية وانتخابية».



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.