«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

الفيتوري.. حطّابا في غابات ليبيا ومتاهاتها

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«حلمت أن أبي مات.. في ساحة السجن، بعد سنوات عشر قضيتها فيه، عند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي قد مات». بهذه المرثية الصامتة الموجعة، يبدأ أحمد الفيتوري روايته «ألف داحس وليلة غبراء»، لكن هذا الحلم للبطل السجين ظل بمثابة صرخة تترنح أصداؤها في أجواء الرواية، مقلّبة وقائعها ومفارقاتها تارة بين الموت كحقيقة مباغتة في قبضة واقع يشبه المجهول، وتارة أخرى بين الحرية كفعل هش في قبضة حلم مخاتل دائما.
عشر سنوات قضاها بطل الرواية، الكاتب نفسه في السجن محكوما عليه بالبراءة، في قسم يحمل المعنى نفسه «قسم المحكوم عليهم بالبراءة»، وفي لحظة تلمسه شمس الحرية يصطدم بموت تاريخه الشخصي، متجسدا في رحيل والده حلقة الوصل الدفيء الحنون بين فواصل حياته، وعقدها الزمنية المتشابكة، تحت سقف وطن تحول إلى غابة من الخوف والتربص.
تتكون الرواية من ثلاث روايات صغيرة، هي بمثابة ثلاث كتل نصية تربط بينها رمزية الغابة (غابة الأشجار الميتة - غابة القضبان الحية – غابة الرءوس المقطوعة)، بينما يظل خيط درامي شفيف، في حالة شد وجذب طيلة صفحات الرواية المائتين والخمسين، يتكثف في العيش تحت ظل براءة مغتالة، صارت تهمة من لا تهمة له.
يفتح موت الأب الرواية على تخوم الماضي والحاضر معا، وعبر فصولها الثلاثة تتكشف أقنعة فترة حكم القذافي لليبيا والتي امتدت لأربعين عاما، تحولت فيها البلاد إلى ما يشيه المتاهة واللغز تحت شعارات سياسية واجتماعية قشرية مخادعة هي في جوهرها غطاء لقمعية النظام ومحاولة تأبيده في السلطة. ومن أبرز الأقنعة التي تكشف عنها الرواية في طوايا فصولها، المكان الذي أخفي فيه الزعيم الشيعي المعروف موسى الصدر، والذي اختفى في أثناء زيارة رسمية له إلى ليبيا، وكذلك المعارض الليبي منصور الكيخيا الذي اختطف في القاهرة بعد أن حضر من أميركا للمشاركة في مؤتمر عن حقوق الإنسان بصفته كحقوقي.
كما تكشف الرواية عن تفاصيل حروب القذافي في الداخل والخارج لتصفية خصومه، وتتناول خرافة حكاية حصان مدينة بنغازي الجامح الذي أرق القذافي في وكر حكمه الحصين بباب العزيزية بالعاصمة طرابلس، وعششت الحكاية الهلامية في مخيلته ككابوس ورمز ارتبط بمدينة ظلت شوكة في حلقه، فتم تهميشها، حتى انفجرت منها ثورة 17 فبراير 2011 التي أطاحت بحكمه، ولقي مصرعه في غبارها على يد «الثوار».
تسيطر ثلاثة مفاتيح رئيسية على فضاء الرواية هي: المخبز، المعتقل، اللجان الثورية، ويشكل كل مفتاح كتلة نصية، ينوع من خلالها الفيتوري مساقط السرد وأزمنته ومناخاته ومقوماته فنيا ولغويا، موليا شغفا خاصا بروح البيئة وبداهتها وحكمتها التي اكتسبها عبر تراكم الخبرات في عباءة التاريخ والزمن. تعكس لغة الرواية كل هذا في بساطة سردية سلسة، فيما يبدو زمنها مفتوحا على البدايات والنهايات، متواكبا مع عمر البطل نفسه، ولحظة مخاض وضعت المجتمع على عتبة تحول فاصلة نحو المستقبل مع بداية ظهور النفط في البلاد.
تشكل بنغازي لحم الرواية وذاكرتها، فهي مسقط رأس الكاتب (البطل)، وهي صرة الحكايات، تبدأ منها وتفترق، ثم تعود إليها، وكأنها نقطة ميزان الصراع ومصفاته ومجمرته في الوقت نفسه. إنها المدينة التي جعلها الكاتب نفسه بمثابة أسطورة خاصة في كتابه المهم «سيرة بنغازي»، وعرف ترابها خطى الشهداء وأقدام المحاربين العظماء.
في شوارع بنغازي وحاراتها وبحرها وغاباتها ومقابرها وصراعات أهلها البسطاء مع الحياة، ولقمة العيش تدور أحداث الرواية الأولى «غابة الأشجار الميتة»، ويتصدر المشهد «المخبز» وصورة الأب «الرايس» الخباز، صاحبه: «فارع القامة، وببشرته النبيذية وطوله كما جن النار يقف عند الفرن، مصارع متوثب، حتى لا تأخذه غفلة فيحصد جنون النار ما زرع».. الأب الذي تشرب مهنة الخبيز من معلمه الإيطالي، يعرف حكمة النار، ويعرف أيضا أن «الخباز الجيد عليه أن يتعلم الطبخ، فكل ما علاقة له بالبطن يحتاج لبعضه». إنه لاعب النار، يعرف كيف يهدهدها، حين تنضج أرغفة الخبز كما يحب ويشتهي، وقته موزع ما بين المخبز والنار وامرأتين رهن طاعته وحزمة من الأطفال الصغار. لكنه مع ذلك ممتلئ شهوانية بالحياة، يعرف كيف يستحلبها ويلهو بها إلى أقصى درجات النزق واللذة؛ يصفه الكاتب السارد في عبارة موجزة قائلا: «جعل من النار زوجة طيعة ومن الليل النادل».
يعكس المخبز صورة مصغرة لحياة المدينة، ففيه تتضافر مجموعة من الحرف تكمل بعضها بعضا، بداية من جالب وقود الفرن، من غابة الحطب الناشف، والعجان والخباز والكريك (آلة تسحب بها أرغفة الخبز من الفرن بعد أن تستوي)، ثم موزع الخبز، كما أن ما يحدث في المخبز سر، من العيب أن يطلع عليه أحد خارجه.
في هذا الجو ينبسط السرد أفقيا في فضاء المشهد، من خلال عين طفلة، هي عين البطل في خطواتها الأولى الغضة على عتبة المدرسة والحياة، لكن بعد موت الكريك، ومقتل الحصايني، صاحب أسطبل الخيول، حيث وجد مربوطا على ظهر حصانه في السوق، وفي رقبته علق السكين الذي ذبح به، كما قطع قضيب الحصان ودس في فم القتيل. لم يعثر البوليس على الجاني، لكن سرعان ما تناثر المشهد في لطشات سردية لاهثة، وتحولت حكاية الحصان بخيطها البوليسي إلى خرافة تتسع وتتنوع مشاهدها كل يوم على ألسنة الناس، فمنهم من شاهده بالليل يركض في الشوارع والساحات مجتاحا كل شيء، ومنهم من شاهده يضرب أسطح البيوت بحوافره الحادة، محاولا التخلص من فارس يمتطيه، ممسكا سوطا ذهبيا في يده، ومنهم من شاهده عند الشاطئ يصارع أمواج البحر.
يحاول الراوي الطفل مساعدة «الرايس» والده، ويتقن مهنة الكريك، لكن أحوال المخبز تسوء، بعد أن شح وقود الحطب، وتحول الكثير من المخابز إلى الاعتماد على الغاز، على نمط المخابز الآلية الإيطالية، وشيوع البطالة بين الشباب اللاهث للعمل بحقول معسكرات النفط.
في المعتقل الذي تدور حوله الرواية الثانية «غابة القضبان الحية»، يضعنا الراوي السجين على ذمة البراءة أمام واقع عبثي، يصعب تفكيكه، والوصول لأهدافه وغاياته، حيث تطالعنا كائنات مهمشة لمجموعة ضخمة من البشر تتسع كل يوم، تقبع ككتلة صماء بين جدران وقضبان حديدية صلدة، سجناء سياسيين، خدعتهم إغراءات الحياة وشعارات كاذبة لنظام فاسد، ليكتشفوا أنهم لم يعيشوا سوى الموت، خارج وداخل السجن.. ومع ذلك يتشبثون بإرادة الحياة والأمل في لحظة حرية.
ينعكس هذا الأمل على مناخ السجن، والذي يتحول إلى كتاب مفتوح، يخط كل سجين فيه صفحته الخاصة، كما ينعكس على حركة السرد في الرواية، فيأخذ سمتا توثيقيا، للأشياء على عبلها وفطرتها كما تحدث في السجن، وينسج الكاتب الراوي من خلال ضمير الأنا الساردة شبكة متعددة الثقوب، يطل منها على ذاته الضامرة الذابلة، وعلى الذوات الأخرى للسجناء، ململما قصصهم وحكاياتهم، كأغنية حزينة، أصبحت مجهولة النسب والهوية، وسط شلال من الزيف والكذب والخنوع يضرب الوطن في مقتل.
في السجن لا أحد يجاهر بالحقيقة، فهي مهتزة ومشوشة دائما، لا يعرفها، ولا يمتلكها، وعليه أن يستلهمها من نظريات الديكتاتور الحاكم. لكن في المسافة بين قسم البراءة بالسجن الجماعي حينا وحينا آخر في الزنزانة الانفرادية، يتناثر ظل هذه الحقيقة داميا موجعا، وبحسرة قاتلة يتأمل البطل فواجع تلك الحقيقة في ملامح وجوه وحيوات كثيرة تتشابك مع حياته ومصيره، مثل الجندي الألماني والمهندس الإيطالي وأمير جماعة التحرير الإسلامي ودي دمبا زعيم حركة تحرير أفريقية ورجال مخابرات لعبوا أدوارا مهمة لتنفيذ مخططات النظام ثم أصبحوا أوراقا محروقة في نظره، وجنود وعمال وكتاب وشعراء وصحافيين وبشر عاديين، من مصر وتونس وفلسطين وجنسيات أخرى.
وفي ظل كوابيس ثلاثة سجون تنقل بينها ينقسم الراوي على ذاته، فيتوهم أنه سرق روايته من راو آخر، يحمل اسمه نفسه كان رفيقه بالسجن، بل يخترع شخصية يسميها «كاتب الرواية» يستعين بها أحيانا كظله الهارب.. تكسر هذه الحيلة السردية من أحادية السرد وتنوع مساربه، ليعيد البطل استنطاق واستحضار الحكايات والأشياء كما تتراءى على مرآته وفي نفسه كذكريات سجين سياسي.. يشير الكاتب السارد إلى هذه الحيلة في بداية الرواية قائلا: «ليس مثل أن تزج في الزنازين وأنت بريء مثل أن تكون السجين الذي لم يتهم بأي جرم في الأساس».
وفي ذات السجن التقى الراوي من جعله يكتب رواية «غابة الأشجار الميتة» لكن إلى الساعة لم يعترف لأحد حتى لنفسه بأنه لم يكتبها بل سرقها، كثيرا ما يخيل إليه أنه كاتب الرواية، وليس كما يجوس في نفسه أنه سارقها.
في الجزء الثالث «غابة الرؤوس المقطوعة» تصل الرواية إلى ذروة أقنعة القذافي العبثية، فبعد خروج البطل الراوي من السجن ومكابدته العيش في حي ومدينة يرزحان تحت العنف والرعب ومطاردات اللجان الثورية، يخطف في ظروف غامضة وينقل إلى مكان مجهول لا يعلمه أحد، بل يقام له سرادق عزاء بعد اليأس من محاولات العثور عليه. لكنه يجد نفسه في جنة بلا أبواب ولا نوافذ، ويقدم له يوميا ثلاث وجبات منتظمة من ألذ وأشهى الطعام، بالغرفة مكتبة بها أحدث المؤلفات من روايات وكتب وأفلام سينمائية وشرائط موسيقى. حين طلب استخدام دورة المياه ليقضي حاجته ينفتح له باب، مطلا على حديقة غناء بها دورة مياه فخيمة.. «كنت أقضي الوقت كله كما في حكايات من ألف ليلة وليلة، ففي الصباح أفيق مبكرا لأمارس الرياضة وأتمشى في حديقة الدار، ثم أستحم وأدخل للإفطار وبعده أقرأ ما تيسر من كتب».
بعد استمالته النادل العجوز المكلف بخدمته، يكتشف أنه في وكر القذافي بباب العزيزية.. وشيئا فشيئا تنفك خيوط المكان، حيث يعرف أن جاره «الشبح الأسود» هو الإمام الشيعي موسى الصدر بعباءته المعروفة، وأن المناضل الحقوقي المعارض المختفي منصور الكيخيا يقبع بالوكر ويعاني من مرض السكري، وصحته في حالة خطرة.. وهو المرض نفسه الذي أصاب البطل في السجن، كما يشاهد القذافي وأذنابه ومدير مخابراته وحفلات اللهو والعربدة والسحر والشعوذة التي يعج بها الوكر ليلا.
تنشد خيوط السرد ببطء وثقل في منولوجات داخلية موجعة، وكأن الذات تطفو في منطقة من انعدام الجاذبية، يتساوى فيها الوعي واللاوعي، ويصبحان شيئا مبهما معلقا في سقف العدم. لكن بعد فترة يؤخذ الراوي في مكان آخر ويجلس على كرسي وثير، معصوب العينين، ثم تأتي لحظة إطلاق سراحه على يد القذافي.. يصف الراوي الكاتب هذا المشهد في آخر الرواية على هذا النحو: «لقد طلبته لساعات فيحجز هذا الوقت كله، وستقول لي إنك تخاف أن تذكرني. اذهب عني.. لا حول الله. وامتدت يده لتنزع غطاء عيني لم أر شيئا، ضوء الشمس كما غطاء بديل.. لقد استعنت بالسحرة الأفارقة وضاربات الودع، رميت النرد فحط على اسمك.. ما أربكني وكادت قواي تخور: قل ما الحصان الذي في بنغازي؟».
وهكذا تضعنا هذه الرواية الخصبة أمام حالة من حالات العود الأبدي، ليس بمفهوم نيتشه الفلسفي، وإنما بعبثية القذافي، التي لم تزل أقنعته تكبل الواقع الليبي في بحثه عن نقط ضوء لمستقبل يصنع حياة مستقرة.



هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».