«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

الفيتوري.. حطّابا في غابات ليبيا ومتاهاتها

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«حلمت أن أبي مات.. في ساحة السجن، بعد سنوات عشر قضيتها فيه، عند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي قد مات». بهذه المرثية الصامتة الموجعة، يبدأ أحمد الفيتوري روايته «ألف داحس وليلة غبراء»، لكن هذا الحلم للبطل السجين ظل بمثابة صرخة تترنح أصداؤها في أجواء الرواية، مقلّبة وقائعها ومفارقاتها تارة بين الموت كحقيقة مباغتة في قبضة واقع يشبه المجهول، وتارة أخرى بين الحرية كفعل هش في قبضة حلم مخاتل دائما.
عشر سنوات قضاها بطل الرواية، الكاتب نفسه في السجن محكوما عليه بالبراءة، في قسم يحمل المعنى نفسه «قسم المحكوم عليهم بالبراءة»، وفي لحظة تلمسه شمس الحرية يصطدم بموت تاريخه الشخصي، متجسدا في رحيل والده حلقة الوصل الدفيء الحنون بين فواصل حياته، وعقدها الزمنية المتشابكة، تحت سقف وطن تحول إلى غابة من الخوف والتربص.
تتكون الرواية من ثلاث روايات صغيرة، هي بمثابة ثلاث كتل نصية تربط بينها رمزية الغابة (غابة الأشجار الميتة - غابة القضبان الحية – غابة الرءوس المقطوعة)، بينما يظل خيط درامي شفيف، في حالة شد وجذب طيلة صفحات الرواية المائتين والخمسين، يتكثف في العيش تحت ظل براءة مغتالة، صارت تهمة من لا تهمة له.
يفتح موت الأب الرواية على تخوم الماضي والحاضر معا، وعبر فصولها الثلاثة تتكشف أقنعة فترة حكم القذافي لليبيا والتي امتدت لأربعين عاما، تحولت فيها البلاد إلى ما يشيه المتاهة واللغز تحت شعارات سياسية واجتماعية قشرية مخادعة هي في جوهرها غطاء لقمعية النظام ومحاولة تأبيده في السلطة. ومن أبرز الأقنعة التي تكشف عنها الرواية في طوايا فصولها، المكان الذي أخفي فيه الزعيم الشيعي المعروف موسى الصدر، والذي اختفى في أثناء زيارة رسمية له إلى ليبيا، وكذلك المعارض الليبي منصور الكيخيا الذي اختطف في القاهرة بعد أن حضر من أميركا للمشاركة في مؤتمر عن حقوق الإنسان بصفته كحقوقي.
كما تكشف الرواية عن تفاصيل حروب القذافي في الداخل والخارج لتصفية خصومه، وتتناول خرافة حكاية حصان مدينة بنغازي الجامح الذي أرق القذافي في وكر حكمه الحصين بباب العزيزية بالعاصمة طرابلس، وعششت الحكاية الهلامية في مخيلته ككابوس ورمز ارتبط بمدينة ظلت شوكة في حلقه، فتم تهميشها، حتى انفجرت منها ثورة 17 فبراير 2011 التي أطاحت بحكمه، ولقي مصرعه في غبارها على يد «الثوار».
تسيطر ثلاثة مفاتيح رئيسية على فضاء الرواية هي: المخبز، المعتقل، اللجان الثورية، ويشكل كل مفتاح كتلة نصية، ينوع من خلالها الفيتوري مساقط السرد وأزمنته ومناخاته ومقوماته فنيا ولغويا، موليا شغفا خاصا بروح البيئة وبداهتها وحكمتها التي اكتسبها عبر تراكم الخبرات في عباءة التاريخ والزمن. تعكس لغة الرواية كل هذا في بساطة سردية سلسة، فيما يبدو زمنها مفتوحا على البدايات والنهايات، متواكبا مع عمر البطل نفسه، ولحظة مخاض وضعت المجتمع على عتبة تحول فاصلة نحو المستقبل مع بداية ظهور النفط في البلاد.
تشكل بنغازي لحم الرواية وذاكرتها، فهي مسقط رأس الكاتب (البطل)، وهي صرة الحكايات، تبدأ منها وتفترق، ثم تعود إليها، وكأنها نقطة ميزان الصراع ومصفاته ومجمرته في الوقت نفسه. إنها المدينة التي جعلها الكاتب نفسه بمثابة أسطورة خاصة في كتابه المهم «سيرة بنغازي»، وعرف ترابها خطى الشهداء وأقدام المحاربين العظماء.
في شوارع بنغازي وحاراتها وبحرها وغاباتها ومقابرها وصراعات أهلها البسطاء مع الحياة، ولقمة العيش تدور أحداث الرواية الأولى «غابة الأشجار الميتة»، ويتصدر المشهد «المخبز» وصورة الأب «الرايس» الخباز، صاحبه: «فارع القامة، وببشرته النبيذية وطوله كما جن النار يقف عند الفرن، مصارع متوثب، حتى لا تأخذه غفلة فيحصد جنون النار ما زرع».. الأب الذي تشرب مهنة الخبيز من معلمه الإيطالي، يعرف حكمة النار، ويعرف أيضا أن «الخباز الجيد عليه أن يتعلم الطبخ، فكل ما علاقة له بالبطن يحتاج لبعضه». إنه لاعب النار، يعرف كيف يهدهدها، حين تنضج أرغفة الخبز كما يحب ويشتهي، وقته موزع ما بين المخبز والنار وامرأتين رهن طاعته وحزمة من الأطفال الصغار. لكنه مع ذلك ممتلئ شهوانية بالحياة، يعرف كيف يستحلبها ويلهو بها إلى أقصى درجات النزق واللذة؛ يصفه الكاتب السارد في عبارة موجزة قائلا: «جعل من النار زوجة طيعة ومن الليل النادل».
يعكس المخبز صورة مصغرة لحياة المدينة، ففيه تتضافر مجموعة من الحرف تكمل بعضها بعضا، بداية من جالب وقود الفرن، من غابة الحطب الناشف، والعجان والخباز والكريك (آلة تسحب بها أرغفة الخبز من الفرن بعد أن تستوي)، ثم موزع الخبز، كما أن ما يحدث في المخبز سر، من العيب أن يطلع عليه أحد خارجه.
في هذا الجو ينبسط السرد أفقيا في فضاء المشهد، من خلال عين طفلة، هي عين البطل في خطواتها الأولى الغضة على عتبة المدرسة والحياة، لكن بعد موت الكريك، ومقتل الحصايني، صاحب أسطبل الخيول، حيث وجد مربوطا على ظهر حصانه في السوق، وفي رقبته علق السكين الذي ذبح به، كما قطع قضيب الحصان ودس في فم القتيل. لم يعثر البوليس على الجاني، لكن سرعان ما تناثر المشهد في لطشات سردية لاهثة، وتحولت حكاية الحصان بخيطها البوليسي إلى خرافة تتسع وتتنوع مشاهدها كل يوم على ألسنة الناس، فمنهم من شاهده بالليل يركض في الشوارع والساحات مجتاحا كل شيء، ومنهم من شاهده يضرب أسطح البيوت بحوافره الحادة، محاولا التخلص من فارس يمتطيه، ممسكا سوطا ذهبيا في يده، ومنهم من شاهده عند الشاطئ يصارع أمواج البحر.
يحاول الراوي الطفل مساعدة «الرايس» والده، ويتقن مهنة الكريك، لكن أحوال المخبز تسوء، بعد أن شح وقود الحطب، وتحول الكثير من المخابز إلى الاعتماد على الغاز، على نمط المخابز الآلية الإيطالية، وشيوع البطالة بين الشباب اللاهث للعمل بحقول معسكرات النفط.
في المعتقل الذي تدور حوله الرواية الثانية «غابة القضبان الحية»، يضعنا الراوي السجين على ذمة البراءة أمام واقع عبثي، يصعب تفكيكه، والوصول لأهدافه وغاياته، حيث تطالعنا كائنات مهمشة لمجموعة ضخمة من البشر تتسع كل يوم، تقبع ككتلة صماء بين جدران وقضبان حديدية صلدة، سجناء سياسيين، خدعتهم إغراءات الحياة وشعارات كاذبة لنظام فاسد، ليكتشفوا أنهم لم يعيشوا سوى الموت، خارج وداخل السجن.. ومع ذلك يتشبثون بإرادة الحياة والأمل في لحظة حرية.
ينعكس هذا الأمل على مناخ السجن، والذي يتحول إلى كتاب مفتوح، يخط كل سجين فيه صفحته الخاصة، كما ينعكس على حركة السرد في الرواية، فيأخذ سمتا توثيقيا، للأشياء على عبلها وفطرتها كما تحدث في السجن، وينسج الكاتب الراوي من خلال ضمير الأنا الساردة شبكة متعددة الثقوب، يطل منها على ذاته الضامرة الذابلة، وعلى الذوات الأخرى للسجناء، ململما قصصهم وحكاياتهم، كأغنية حزينة، أصبحت مجهولة النسب والهوية، وسط شلال من الزيف والكذب والخنوع يضرب الوطن في مقتل.
في السجن لا أحد يجاهر بالحقيقة، فهي مهتزة ومشوشة دائما، لا يعرفها، ولا يمتلكها، وعليه أن يستلهمها من نظريات الديكتاتور الحاكم. لكن في المسافة بين قسم البراءة بالسجن الجماعي حينا وحينا آخر في الزنزانة الانفرادية، يتناثر ظل هذه الحقيقة داميا موجعا، وبحسرة قاتلة يتأمل البطل فواجع تلك الحقيقة في ملامح وجوه وحيوات كثيرة تتشابك مع حياته ومصيره، مثل الجندي الألماني والمهندس الإيطالي وأمير جماعة التحرير الإسلامي ودي دمبا زعيم حركة تحرير أفريقية ورجال مخابرات لعبوا أدوارا مهمة لتنفيذ مخططات النظام ثم أصبحوا أوراقا محروقة في نظره، وجنود وعمال وكتاب وشعراء وصحافيين وبشر عاديين، من مصر وتونس وفلسطين وجنسيات أخرى.
وفي ظل كوابيس ثلاثة سجون تنقل بينها ينقسم الراوي على ذاته، فيتوهم أنه سرق روايته من راو آخر، يحمل اسمه نفسه كان رفيقه بالسجن، بل يخترع شخصية يسميها «كاتب الرواية» يستعين بها أحيانا كظله الهارب.. تكسر هذه الحيلة السردية من أحادية السرد وتنوع مساربه، ليعيد البطل استنطاق واستحضار الحكايات والأشياء كما تتراءى على مرآته وفي نفسه كذكريات سجين سياسي.. يشير الكاتب السارد إلى هذه الحيلة في بداية الرواية قائلا: «ليس مثل أن تزج في الزنازين وأنت بريء مثل أن تكون السجين الذي لم يتهم بأي جرم في الأساس».
وفي ذات السجن التقى الراوي من جعله يكتب رواية «غابة الأشجار الميتة» لكن إلى الساعة لم يعترف لأحد حتى لنفسه بأنه لم يكتبها بل سرقها، كثيرا ما يخيل إليه أنه كاتب الرواية، وليس كما يجوس في نفسه أنه سارقها.
في الجزء الثالث «غابة الرؤوس المقطوعة» تصل الرواية إلى ذروة أقنعة القذافي العبثية، فبعد خروج البطل الراوي من السجن ومكابدته العيش في حي ومدينة يرزحان تحت العنف والرعب ومطاردات اللجان الثورية، يخطف في ظروف غامضة وينقل إلى مكان مجهول لا يعلمه أحد، بل يقام له سرادق عزاء بعد اليأس من محاولات العثور عليه. لكنه يجد نفسه في جنة بلا أبواب ولا نوافذ، ويقدم له يوميا ثلاث وجبات منتظمة من ألذ وأشهى الطعام، بالغرفة مكتبة بها أحدث المؤلفات من روايات وكتب وأفلام سينمائية وشرائط موسيقى. حين طلب استخدام دورة المياه ليقضي حاجته ينفتح له باب، مطلا على حديقة غناء بها دورة مياه فخيمة.. «كنت أقضي الوقت كله كما في حكايات من ألف ليلة وليلة، ففي الصباح أفيق مبكرا لأمارس الرياضة وأتمشى في حديقة الدار، ثم أستحم وأدخل للإفطار وبعده أقرأ ما تيسر من كتب».
بعد استمالته النادل العجوز المكلف بخدمته، يكتشف أنه في وكر القذافي بباب العزيزية.. وشيئا فشيئا تنفك خيوط المكان، حيث يعرف أن جاره «الشبح الأسود» هو الإمام الشيعي موسى الصدر بعباءته المعروفة، وأن المناضل الحقوقي المعارض المختفي منصور الكيخيا يقبع بالوكر ويعاني من مرض السكري، وصحته في حالة خطرة.. وهو المرض نفسه الذي أصاب البطل في السجن، كما يشاهد القذافي وأذنابه ومدير مخابراته وحفلات اللهو والعربدة والسحر والشعوذة التي يعج بها الوكر ليلا.
تنشد خيوط السرد ببطء وثقل في منولوجات داخلية موجعة، وكأن الذات تطفو في منطقة من انعدام الجاذبية، يتساوى فيها الوعي واللاوعي، ويصبحان شيئا مبهما معلقا في سقف العدم. لكن بعد فترة يؤخذ الراوي في مكان آخر ويجلس على كرسي وثير، معصوب العينين، ثم تأتي لحظة إطلاق سراحه على يد القذافي.. يصف الراوي الكاتب هذا المشهد في آخر الرواية على هذا النحو: «لقد طلبته لساعات فيحجز هذا الوقت كله، وستقول لي إنك تخاف أن تذكرني. اذهب عني.. لا حول الله. وامتدت يده لتنزع غطاء عيني لم أر شيئا، ضوء الشمس كما غطاء بديل.. لقد استعنت بالسحرة الأفارقة وضاربات الودع، رميت النرد فحط على اسمك.. ما أربكني وكادت قواي تخور: قل ما الحصان الذي في بنغازي؟».
وهكذا تضعنا هذه الرواية الخصبة أمام حالة من حالات العود الأبدي، ليس بمفهوم نيتشه الفلسفي، وإنما بعبثية القذافي، التي لم تزل أقنعته تكبل الواقع الليبي في بحثه عن نقط ضوء لمستقبل يصنع حياة مستقرة.



عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية
TT

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة العمودية في التعاطي مع الشعر في مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الجوائز المنظمة للتشجيع على هذه القصيدة بالذات دون سواها.

وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هذا الوجود، وهذا الحضور القائم على الاستحضار بمختلف الأدوات الممكنة؛ أي أن هيمنة هذه القصيدة بالذات تسحب معها بُعداً مهماً من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر.

أما الرسالة الأشد دلالة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث للقصيدة الخليلية، إنما تستبطن مقاربتنا للشعريّ في الزمن الراهن بأدوات جمالية من الماضي، ممّا يكشف أيضاً هذا القبول - ولكنه متردد واحتجاجي - لأدوات قصيدة التفعيلة بعض الشيء، وقصيدة النثر بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يسبحون ضد التيار منذ عقود طويلة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات.

تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تجمع بين ضخ الميزانيات الضخمة وحداثة الوسائط الرقمية، مما نجح في تحويل هذا الفن التراثي النخبوي إلى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجيال الناشئة، وتتجاوز الميزانيات السنوية المرصودة لإحياء وتكريس هذا النمط حاجزَ عشرات الملايين من الدولارات في المشهد الثقافي العربي؛ وهو استثمار معلّل برغبة مؤسساتية صريحة في صون الهوية القومية التاريخية، وحمايتها من عواصف التحولات الأدبية المعاصرة، وعلى رأس هذه العواصف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنتاجات الكبرى؛ حيث تمنح بعض الجوائز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكراً على المجالس المغلقة الرافضة للأدوات الشعرية الحديثة في كتابة الشعر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الدولارات، نجحت في جذب الجمهور الناشئ وتحقيق جماهيرية للشاعر الذي يكتب الشعر العمودي ويتنافس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لتكريم البنية القديمة للقصيدة الكلاسيكية الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها.

هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تم رصد ميزانيات حكومية لتطوير تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كأدوات عروضية متطورة تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الكسر العروضي بدقة فائقة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المعقدة لعلم العروض والبيان العربي. إن هذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نجاح مجهودات إعادة إحياء الشعر العمودي، وتمكينه من الصمود والامتداد داخل الوعي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقصيدة النثر. إنّها معادلة صعبة بين قصيدة تتمتع بالاعتراف والدعم، وقصيدة تفتقد إلى الاعتراف، ومنظوراً إليها ناقصةَ الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يمكن توصيفه بديكتاتورية نظام القصيدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معاً بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجاً وتلقياً.

هنالك نزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية وما سواها من منتجات الغَيرية المهدِّدة للهوية العربية في مفهومها الواسع العام. ومن المهم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثم تعود حيث عرف الشعر العربي في العصر الحديث مدارس وتيارات واتجاهات عدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسلامي. لذلك، فإن عصر النهضة يمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ الشعر العربي ككل، وعاملاً مهماً في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصاً أنه بعد عصور ازدهار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر العباسي، شهدت الحياة الأدبية العربية نوعاً من الخمول والضعف، أصاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومسّ كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الذي مثّل بدوره سبباً أساسياً من أسباب ظهور النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مدلولياً تشير إلى حالة من التعارض مع ما سبق، وإلى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة.

وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص تلك التي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولى وتحديداً مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل في جزء من تحليلها ومن استنتاجاتها في إطار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية في أحد أهم وجوهه، وذلك من منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المهمة، ويخضع في إنتاجه وتلقيه إلى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه كما أبرز ذلك بيير ماشري (Pierre Macherey)؛ لا ينبغي التعامل مع المنتج الأدبي الإبداعي كما لو كان منغلقاً على نفسه، متمركزاً فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفق ما ذهب إليه لوسيان غولدمان، نتاج ذاتٍ جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية.

إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثم جاءت جماعة «الديوان»، وتولدت المدرسة الرومنطيقية، وذلك في بداية القرن العشرين متأثرة برموز الرومنطقية في الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبولو»، وأيضاً ما سُمي «أدب المهجر»، وصولاً إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر من السبعينات من القرن الماضي، التي انطلقت بأعلامٍ ذوي مواهب مجيدة ونظرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية.

ومن الملاحظات الخاطفة التي نسوقها بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب أظهر خصوصية البيئة العراقية الشعرية في هذا النزوع للتجديد والتجريب، الذي تواصل إلى اليوم؛ حيث نجد حالة من الانفتاح الجمالي فريدة من نوعها من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبداعي، وأيضاً التلقي.

ولعل هذا الكم من المدارس والاتجاهات الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادةٌ قوية لمكانة الشعر في الثقافة والحضارة العربيتين، واستنهاضٌ لوظيفة الشعر عند العرب وتلبيةٌ لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالاً من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحيائية تظهر ثم تخفت قليلاً ولكن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الهوية التي تمارس الانكفاء من خلال القصيدة العمودية والتي تشغل مقام مقوِّمٍ من مقومات الهوية العربية.

في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعرُ التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعاً باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقناع بالشعر الحديث، واستغلت جيداً فترة الركود «العمودي» الظرفي التي تحصل دائماً)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيراً عن حيوية الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية، فإنها لا تزال تُدفع بعيداً نحو الهامش والمبادرات الفردية. ولا يكاد يُرصد لهذا النمط التجديدي ميزانيات تُذكر، ولا توجد تطبيقات ذكية ممولة حكومياً تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الحداثي، مما يترك الموهبة الشابة المعاصرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وسائل التواصل الاجتماعي وهذا في حد ذاته موضوع جدير بالاهتمام.

ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ندرة الجوائز الكبرى المخصصة حصرياً للتجريب النثري، وحرمان الأصوات الجديدة من منصات التكريس اللائقة وتدريب الناشئة، مما يجعل طباعة الدواوين الحديثة ونشرها عبئاً مالياً يقع على كاهل الشاعر نفسه وعدد من دور النشر الطلائعية. إن هذا التفاوت الصارخ في الضخ المالي والاهتمام المؤسساتي لا يعكس قيمة الفن الحقيقية، بقدر ما يكرس قطيعة تجعل الشعر الحديث محاصراً في النطاقات النخبوية الضيقة، ومحروماً من أدوات الانتشار التي تضمن له الحضور والامتداد في الوعي الجمعي؛ ناهيك عن أن الشعر الحديث بقدرته الخاصة على تدوين الراهن وتصوير تفاصيله بحساسية جديدة مع اللغة والواقع والروح المختلفة، سينتهي بنا إلى إيقاف الزمن الشعري عند العمودي، إذ الجماليات المختلفة هي أزمنة وأمكنة مختلفة أيضاً.

من باب الموضوعية، ربما يمكن القول إنه بحكم أن الإعلام الثقافي تشرف عليه في الغالب أصوات حداثية ومتشبعة بالإبداع العالمي، وعاشت في عواصم عربية وغربية جُبلت على التجديد، فإن الصفحات الثقافية تحتفي بالتجارب الشعرية الحداثية أكثر من الأخرى الكلاسيكية.

الفكرة باختصار لا تكمن في مناصرة القصيدة العمودية وتوفير آليات دعم قوية لتأمين البقاء وتأثيرها، فذاك أمر طبيعي ويؤدي وظيفة سوسيولوجية ذات علاقة بالهوية الجمعية، إضافة إلى ما تعنيه مناصرتها من حفظ للغة العربية كمقوِّم رئيسي من مقومات البناء الرمزي للهوية العربية. فالمشكلة - كما تبدو لنا - في هيمنة العمودي وغياب ممارسة ديمقراطية تجاه التعبيرات الجمالية كافة. كما أنه ليس من صالح الشعر العربي ولا الثقافة العربية ألا يوجَّه الضوء للدعم والمناصرة لتجارب شعرية غاية في الإبداع وصنع الدهشة، فقط لأنها من خارج أوزان القصيدة الخليلية. فلتتبارَ الأشكال الشعرية كافة، والرابح دوماً هو الشعر، الذي لا يحدده شكل ولا جماليات بعينها؛ فالشعر انفتاح وانقلاب متواصل تماماً كما هو العقل النقدي الذي محركه النقد.

بيت القصيد أو الجملة الشعرية المراد تسويقها: الشعر لا يضره إحياء القديم ولكن يزهر عندما ننصت لقلبه الحيّ الذي يتجدد مع كل دورة حياة.


«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون
TT

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة نفسية، وزمن كيميا خاتون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

غير أن الرواية الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت لا تنظر إلى الزمن بوصفه خطاً يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجياً داخل وعي البطلة، لتصبح الحدود بين الذاكرة والتخييل، وبين التجربة النفسية والاستدعاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتاً غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي.

يفتح السرد أمام البطلة بوابة زمنية تستعيد عبرها حياة «كيميا القديمة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار التقمص والتزامن والذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها في حوار متصل مع جدها المنحدر من أصول صوفية.

كما يبدو اختيار الكاتبة لعمل بطلتها المعاصرة في مونتاج الأفلام الوثائقية مفتاحاً فنياً لبنية الرواية نفسها؛ إذ يتفعّل «المونتاج السردي» على امتداد العمل بين زمنين ومكانين وذاكرتين، وتدخل المشاهد المتباعدة في علاقات جديدة، بحيث تضيء كل لقطة ما يقابلها في الزمن الآخر. وتعيد الرواية تركيب شذرات سيرة كيميا داخل وعي امرأة معاصرة، فتغدو الحكاية القديمة مرآة لأزمات الحاضر. ويصبح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مع طبيعة وعيها الذي يجمع صوراً وأصواتاً وأزمنة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة.

ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألم أو الإحساس بالتخلي، بل يمتد إلى جراح الطفولة نفسها؛ فكلتاهما تواجه عالماً صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه.

تبعات الزلزال

تخلق الرواية بعض ومضاتها السردية الأبرز من خلال التقابل بين أحداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مشاهد الرواية يتزامن زلزال قونيا، الذي عدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مع توابع زلزال ضرب بيروت، وأعادت حوله بعض الأصوات المعاصرة إنتاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقاباً أو لعنة.

ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها.

تنجح الكاتبة في منح زمن قونيا كثافة محسوسة؛ فلا يظهر القرن الثالث عشر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالماً تجري معايشته عبر تفاصيل البيوت والأفنية والمدارس والأسواق والملابس والطعام ومجالس العلم والسماع. وتتيح هذه التفاصيل للقارئ أن يدخل بيت الرومي، ويرى نافورته وشجرة الدلب وحبات التفاح المتدلية من أغصانها، ويتابع التحوّلات التي أحدثها حضور شمس التبريزي في البيت والمدينة معاً. وتستعين دندشلي بالمادة التاريخية المتاحة، في مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي، أحد أبرز المراجع القديمة عن سيرة الرومي وشمس التبريزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الروائي لإعادة تركيب الحكاية من منظور الشخصية التي ظلت طويلاً على هامشها.

وفي هذا المزج بين المرجع التاريخي والتخييل، لا تبحث الرواية عن إجابة قاطعة عما وقع، بقدر ما تحاول تصور ما كان يمكن أن تشعر به طفلة وجدت نفسها داخل واحدة من أشهر العلاقات الروحية في التاريخ. ولذلك لا تصبح قونيا ديكوراً تاريخياً، بل عالماً له لغته وأسئلته وصراعاته، تخضعه الرواية في الوقت نفسه للمراجعة، خصوصاً حين تتحول لغة «الباطن» والمشيئة الروحية إلى وسيلة لتبرير قرارات إنسانية قاسية.

محاكمة الأسطورة

تقود الكاتبة قارئها إلى سرد ملغم بالمفارقات داخل عالم الصوفية؛ فهي تنجذب إلى أسئلته عن الزمن والروح والفناء، لكنها ترفض التسليم بهالة القداسة التي أحاطت بأبطاله، ومن ثم تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لنجم شمس التبريزي، لا سيما بعد الانتشار الواسع لرواية «قواعد العشق الأربعون»، كما لا تقف من جلال الدين الرومي موقف التسليم الذي يحجب تناقضاته البشرية.

لا تستهدف الرواية إنكار القيمة الروحية أو الشعرية للرومي والتبريزي، بقدر ما تسائل الثمن الإنساني الذي دفعه المحيطون بهما، وعلى رأسهم كيميا، فهي تعيد النظر في موافقة الرومي على تزويج الطفلة اليتيمة ذات الثالثة عشرة من شيخه المتقدم في العمر، في زواج بدا هدفه ضمان استقرار شمس ومنعه من مغادرة قونيا، إلى جانب إسكات الأقاويل التي لاحقت شدة تعلق الرجلين ببعضهما البعض.

هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالأسطورة التي قدمت الرومي وشمس بوصفهما رمزين للعشق المتعالي، تخفي في هامشها طفلة جرى التعامل معها كوسيلة لحماية هذا العشق وضمان استمراره. ومن خلال نقل كيميا من الهامش إلى مركز السرد، تتحول «عروس قونيا» من إعادة رواية سيرة صوفية شهيرة إلى مساءلة مَن امتلك حق كتابة تلك السيرة.

وفي مقابل هذه المراجعة التاريخية، تمضي البطلة المعاصرة في مراجعة أزماتها الشخصية؛ طفولتها، وشعورها بالتخلي، وهشاشتها النفسية، وقدرتها على التمييز بين ما عاشته بالفعل وما أعاد لا وعيها بناءه، وهكذا تتقدم المحاكمتان معاً؛ محاكمة الأسطورة في الماضي، ومحاكمة البطلة لتصوّرها عن نفسها في الحاضر.

ومع نهايتها، تكشف الرواية عن مفاجأة سردية لا تهدم ما سبق أن شيدته من أزمنة وعوالم، بقدر ما تكثف سؤالها عن العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن النفسي، وعن المسافة الملتبسة بين الذاكرة والتخييل، وهي الأسئلة التي تشير إليها الكاتبة في المراجع التاريخية والنفسية والفلسفية التي استعانت بها، من دون أن تنحاز إلى تفسير نهائي لما عاشته البطلة.


ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.