تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم

فكرة دورانها كانت المسمار الذي دق في نعش نموذجه وأدى إلى مراجعات شاملة

تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم
TT

تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم

تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم

كان أفول العلم خلال العصور الوسطى المبكرة نتيجة مباشرة لأفول كل حياة ثقافية تقريبا. وجاء نتيجة لانهيار الحضارة الرومانية في الغرب. وبدوره كان إحياء العلم، نحو القرن الثاني عشر، مرتبطا بإحياء ثقافي عام، أدى في خط صاعد ومستمر إلى الازدهار الثقافي العظيم لعصر النهضة.
ويبدو أن الانقلابات الكبرى في تاريخ العلم، حسب توماس غولدشتاين صعودا وهبوطا: «لا تحدث على الإطلاق على مستوى معزول، بل تعكس الحركات الأساسية في المسار الواسع للتاريخ الثقافي، وكذلك تفعل بعض اتجاهاته واستبصاراته الكبرى. كانت الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الكون والكيفية التي يدركون بها أرضهم مشروطة بشكل وثيق، بوضعهم الثقافي الذي كانت تحتمه هو ذاته، منظومات السببية التي تحكم التحقق الواسع للأحداث التاريخية».
في قراءة متميزة لتوماس غولدشتاين، لا نجد قراءة لتاريخ العلم والحداثة الغربية مستغرقة في الفكر العلمي النظري الخالص، بل نجد قراءة نسقية تستفيد من كل خلاصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والمعرفية، لتعيد قراءة تاريخ العلم وتطور العلوم، في ارتباط بالشروط الثقافية والاجتماعية والسياسية في حقبة تاريخية ما. وكأنه هنا، لا يفاضل بينه وبين ميشال فوكو، سوى أن الثاني جعل من الإبستيمية لحظة حفرية لقراءة علاقات السلطة. وغولدشتاين يبحث عن الفكرة العلمية الجديدة، وكيف تنبثق من روح الصراع الضاري داخل المجتمع، بين طبقات وفئات كثيرة لديها مصالحها ورهاناتها. لذلك كان إحياء التراث اليوناني والروماني، يخدم غايتين أساسيتين حسب غولدشتاين: فالكنيسة تراهن عليه لتعضيد سلطتها، ورجال النهضة يراهنون عليه لجعل العالم أكثر حرية وأكثر اتساعا للإنسان منه للرب.
هذا الإحياء العظيم الذي عرفه العلم، سيسهم في الكشف عن مجموعة من الحقائق المغلوطة التي قبلت بوصفها مسلمات، بتبرير سلطة الرب وتعاليمه السمحة، وسيتم توجيه مجموعة من الضربات العنيفة للذات الغربية في صميم اعتقاداتها ومعرفتها الراسخة، التي حرصت الكنيسة على مر عقود على حمايتها. وكانت أولى الضربات قد بدأت تحت مطرقتها القوية، ضمن علم الجغرافيا مع توسكانيللي في فلورنسا. وسيتم التعبير عن هذه الفكرة في شكلها الرياضي المجرد مع كوبرنيكوس، وشباب العلماء الفلكيين الذين جاءوا من بعده: كبلر، غاليلو وغيرهما، ما انعكس إيجابا على الحداثة الغربية، التي كان أساسها يقظة تقنية، بتعبير سالم يفوت للغرب، في لحظة أصبح فيها مفهوم الحركة ذا أهمية على مفهوم السكون، الذي تشبثت به الكنيسة لدواع سياسية وآيديولوجية يطول شرحها.
في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 1474، كان رجل عجوز وواحد من أشهر علماء عصره، جالسا في حجرة مكتبه بفلورنسا، يكتب خطابا إلى صديق: «كان يقدم بملاحظات عن مسار الشمس، مستخدما أداة قياس بدائية صممها بنفسه - أداة قياس توسكانيللي - وقد شغلته الأسئلة الحاسمة الآتية: (ما بالضبط العلاقة بين الأرض والشمس؟ كيف تبدو تحركات الشمس حين تقاس بدقة رياضية؟ وما هي على وجه الدقة تغييرات المجموعة الشمسية؟).
بعد نصف قرن من ذلك الحين، كان لهذه الأسئلة أن تؤدي إلى مراجعات شاملة لمجمل الكون بنظرية كوبرنيكوس عن الكون المتمركز حول الشمس». غير أن هذا لا يعني أن كوبرنيكوس كان أول من فكر على هذا الشكل. بل سبقه إلى ذلك، توسكانيللي وأرسطارخوس، والفيلسوفة التي أعدمت قبل ذلك في الإسكندرية هباتيا. وقد «شهد القرن الخامس عشر الاكتمال المظفر لهذه العملية. وإذا كانت لمحات البيئة الإنسانية والطبيعية، حتى ذلك الحين، لا تعدو أن تكون متقطعة، وعودة العقل إلى الأرض بطيئة وناضرة في مجملها، فقد اكتسب عصر النهضة دلالته الكاملة، مع الاكتمال السعيد لاكتشاف الأرض. ولم يكن الاستكشاف المتأني للبيئة اليومية الذي ألهم مصوري عقد 1470 في حقيقته، على الرغم من غزارته الساذجة، سوى ثمرة توافق طويل ومعقد للعقل الغربي. كان قد جرى قبول الأرض المتحركة في النهاية، وجرى فعليا استيعاب تلك التقاليد الأخروية العميقة الجذور، داخل الرؤية الإيجابية الجديدة للحياة. لقد أشرقت الأرض على فلورنسا عصر النهضة، في التفاصيل الدقيقة للملاحظة الفنية، التي فتحت آفاقها قوانين المنظور والتشريح. وظهرت الأرض أمام باولو توسكانيللي وأصدقائه، بتفصيل علمي، بوصفها رؤية جغرافية وجزءا من عملية الاسكتشاف».
كانت مساهمة باولو توسكانيللي في الجغرافيا الحديثة تتكون من مأثرتين حاسمتين بالقدر نفسه. فقد أعلنت - أي مساهمته - قابلية المحيط للإبحار. لذلك جزم بأن الأرض برمتها، هي منطقة نفوذ للإنسان. ومن خلال هذا الإنجاز النظري، فتح المحيط أمام اكتشاف العالم الجديد. وقد كان ثمة شعراء ضمن تلك التقاليد التأملية الطويلة، توقعوا، سلفا، فكرة الأرض الكروية الحديثة. وكان الشاعر الروماني سينكا، قد تنبأ بعصر تتحطم فيه أغلال المحيط وتتمدد الأرض - يقول سينكا في أحد المقاطع التي تؤكد تفوق الفكر الجغرافي الكلاسيكي وعمقه في الرؤية: سيأتي عصر في مستقبل بعيد، يفك فيه المحيط أصفاده وتتمدد الأرض مفتوحة على مصراعيها، ويكتشف بحار مستكشف عالما جديدا، ولن يعود ثمة نهاية للأرض». نقلا عن كتاب توماس غولدشتاين، ص39 - أخيرا، مفتوحة على مصراعيها أمام الاستكشاف الإنساني.
«وإذا كان الاختراق الفعلي قد تحقق بواسطة الاكتشافات الكبرى، ابتداء مع البرتغاليين الأوائل، من قبيل كولومبس وفسبوتشي وماجلان، فإن الفضل في المأثرة العقلية التي جعلت ذلك التحرر ممكنا، ترجع إلى توسكانيللي إلى حد كبير، إذ إنه بقوة فكر مدقق ومتوقد، توصل إلى مفهوم مقنع للأرض، يكون فيه المحيط بأسره في متناول الناس وسفنهم، وتكون فيه أجزاء الأرض الصلبة كلها قابلة للسكنى شرقا وغربا في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي». وقد كان لدى بطليموس كثير من الأشياء المهمة التي يمكن أن يتعلمها منه قراء القرن الخامس عشر. فمن ناحية، لقنهم درسا في المقاربة التجريبية المباشرة للمعلومات الجغرافية. وكان ضباب الأساطير ينقشع أمام عقله الهيلنستي البارد. كذلك علمهم كيف يرون الأرض في كل جزيئة من جزيئياتها على أسس رياضية صعبة. ولا بد أن عصرا مثل النهضة الباكر، ذي التوجه البصري، قد أذهلته الفصول التي وضعها بطليموس حول طرق الإسقاط الكروي. وفي الحقيقة، فإن علم رسم الخرائط الحديث والأطلس الحديث، قد وجدا فاتحتهما نتيجة النقاشات حول الجغرافيا. وهو ما سيكون له انعكاس كبير على علم الفلك، على الأقل من ناحية الرؤية وتغيير المنظار والتفكير بشكل جدي، في السؤال - الإشكال الذي يقول عنه لويس التوسير، إنه أحد جراحات الذات الغربية: ما الذي قد يحدث لو كانت هذه الأرض الثابتة هي التي تدور حول الشمس؟

أزمة المنظومة الأرسطية: فرضية الأرض المتحركة عند كوبرنيكوس

في محاضرات شائقة وعميقة لعبد المجيد باعكريم، حول تاريخ الأنساق النظرية، يقول: «إن المشكلة التي هزت الفلك البطليموسي هي مشكلة تحير الكواكب. إذ لوحظت نجوم تغير مواقعها أثناء الدوران سميت كواكب متميزة، لأنها تستمد نورها من ذاتها. أما الأرض فكانت تستمد نورها من الشمس. لنأخذ المريخ مثلا. إنه نقطة تدور دورة يومية من الشرق إلى الغرب، ودورة سنوية تستغرق اثنتي عشرة سنة من الغرب إلى الشرق مع أن الأرض ثابتة. لكن المشكل هو أن المريخ في حركته يتوقف مرة، ثم يتقهقر مرة أخرى، ثم يستأنف الحركة بعد ذلك. إنه حائر. ووجدت تفسيرات كثيرة، لكنها لم تكن مقنعة. وظل من غير المقبول وجود فوضى في السماء. إذن، لا بد من منح معقولية لهذه الفوضى التي ربما تكون ظاهرية، والحيرة مجرد وهم، كما قال كوبرنيكوس: «المريخ يسير عاديا والتحير وهم». ثم يقترح دوران الأرض لكي يحل المشكل. لكن أين تكمن قيمة الحل الذي قدمه كوبرنيك؟ وأين تكمن أزمة المنظومة الأرسطية التي حاول بطليموس ترميمها في كتابه المجسطي. يضيف عبد المجيد باعكريم: «إن الحل الذي أعطاه كوبرنيك، هو الذي سيستعمله الفلاسفة في حل مشكلات ميتافيزيقية. والسر هو الحديث عن حركة الملاحظ - الذات بالمفهوم الفلسفي - حيث تمت العودة إلى الذات، ولم يعد الاهتمام فقط بالموضوع. لأن الخلل في الذات وليس في الموضوع، المريخ مثلا - فحركة الشمس هي حركتي أنا، إذن فالمشكلات المطروحة آنذاك، وجدت حلها في الذات، ومشكلتها في الذات كذلك. وهكذا نلاحظ أن المعنى الفلسفي للذات، هو الملاحظ observateur، والمعنى العلمي هو الذات sujet. ومن ثم لا يمكن أن نفهم الفلسفة الحديثة، من دون فهم الكوبرنيكية، التي تمثل لحظة الانتقال من منظومة الموضوع إلى منظومة الذات، أو من منظومة الوجود إلى منظومة المعرفة. لذلك نجد كانط يقول بالثورة الكوبرنيكية في مجال الميتافيزيقا.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد. فقد ساهمت بعض المستجدات الفيزيائية، حسب الباحث محسن المحمدي، في تأزيم المنظومة الأرسطية. ففي سنة 1572، ظهر نجم جديد في السماء، لم يعثروا عليه فيما بعد، بل بحثوا عنه، لأنه بدا حينها يدب الشك في السماء. فأصبحنا أمام فرضيتين: إما أن نختار الأرسطية وإما أن ننسحب. وفي سنة 1574، لاحظ تيكوبراهي انطفاء النجم، ما يعني أن السماء مثلها مثل الأرض فيها كون وفساد. أما في سنة 1577 فقد تم اكتشاف أن المذنب ليس ظاهرة جوية، وإنما يدور في عالم ما فوق القمر، في فلك الزهرة، وهو ما لم تصمد أمامه إجابات أرسطو التي كانت ترى أن مبدأ الثقالة خاصية أرضية، والخفة خاصية لعالم ما فوق القمر».
صحيح أن فكرة الأرض الكروية ليست واحدة من المعضلات التي أدت إلى انهيار النسق الأرسطي - منذ المراجعات والاكتشافات التي بدأت في عصر النهضة - وتحريك براديغم جديد، لديه القدرة على تقديم بدائل إرشادية عامة، تستجيب إلى حاجيات المجمّعات العلمية الجديدة. لكنها كانت أحدى أكبر المسامير التي دقت في نعش الأرسطية، وأدت إلى مراجعات شاملة ستنعكس على باقي الأنساق المعرفية، ما سيسهم في تأسيس الحداثة الغربية، ويسهل ميلاد مفهوم الذات بمعناها الحداثي.

إحالات
* جورج يوليا، الطريق الرياضية في العلوم، ترجمة صالح القويز، منشورات آل سعود، جامعة الملك سعود، سنة 1986
* عبد المجيد باعكريم، محاضرات حول تاريخ الأنساق النظرية، الموسم الجامعي 2011. كلية الآداب والعلوم الإنسانية مكناس - المغرب
* الباحث محسن المحمدي، مقال حول كوبرنيك ومفهوم الذات منشور بالاقتصادية السعودية



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».