تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم

فكرة دورانها كانت المسمار الذي دق في نعش نموذجه وأدى إلى مراجعات شاملة

تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم
TT

تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم

تصور الأرض في عصر النهضة وأزمة النموذج الأرسطي للعالم

كان أفول العلم خلال العصور الوسطى المبكرة نتيجة مباشرة لأفول كل حياة ثقافية تقريبا. وجاء نتيجة لانهيار الحضارة الرومانية في الغرب. وبدوره كان إحياء العلم، نحو القرن الثاني عشر، مرتبطا بإحياء ثقافي عام، أدى في خط صاعد ومستمر إلى الازدهار الثقافي العظيم لعصر النهضة.
ويبدو أن الانقلابات الكبرى في تاريخ العلم، حسب توماس غولدشتاين صعودا وهبوطا: «لا تحدث على الإطلاق على مستوى معزول، بل تعكس الحركات الأساسية في المسار الواسع للتاريخ الثقافي، وكذلك تفعل بعض اتجاهاته واستبصاراته الكبرى. كانت الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الكون والكيفية التي يدركون بها أرضهم مشروطة بشكل وثيق، بوضعهم الثقافي الذي كانت تحتمه هو ذاته، منظومات السببية التي تحكم التحقق الواسع للأحداث التاريخية».
في قراءة متميزة لتوماس غولدشتاين، لا نجد قراءة لتاريخ العلم والحداثة الغربية مستغرقة في الفكر العلمي النظري الخالص، بل نجد قراءة نسقية تستفيد من كل خلاصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والمعرفية، لتعيد قراءة تاريخ العلم وتطور العلوم، في ارتباط بالشروط الثقافية والاجتماعية والسياسية في حقبة تاريخية ما. وكأنه هنا، لا يفاضل بينه وبين ميشال فوكو، سوى أن الثاني جعل من الإبستيمية لحظة حفرية لقراءة علاقات السلطة. وغولدشتاين يبحث عن الفكرة العلمية الجديدة، وكيف تنبثق من روح الصراع الضاري داخل المجتمع، بين طبقات وفئات كثيرة لديها مصالحها ورهاناتها. لذلك كان إحياء التراث اليوناني والروماني، يخدم غايتين أساسيتين حسب غولدشتاين: فالكنيسة تراهن عليه لتعضيد سلطتها، ورجال النهضة يراهنون عليه لجعل العالم أكثر حرية وأكثر اتساعا للإنسان منه للرب.
هذا الإحياء العظيم الذي عرفه العلم، سيسهم في الكشف عن مجموعة من الحقائق المغلوطة التي قبلت بوصفها مسلمات، بتبرير سلطة الرب وتعاليمه السمحة، وسيتم توجيه مجموعة من الضربات العنيفة للذات الغربية في صميم اعتقاداتها ومعرفتها الراسخة، التي حرصت الكنيسة على مر عقود على حمايتها. وكانت أولى الضربات قد بدأت تحت مطرقتها القوية، ضمن علم الجغرافيا مع توسكانيللي في فلورنسا. وسيتم التعبير عن هذه الفكرة في شكلها الرياضي المجرد مع كوبرنيكوس، وشباب العلماء الفلكيين الذين جاءوا من بعده: كبلر، غاليلو وغيرهما، ما انعكس إيجابا على الحداثة الغربية، التي كان أساسها يقظة تقنية، بتعبير سالم يفوت للغرب، في لحظة أصبح فيها مفهوم الحركة ذا أهمية على مفهوم السكون، الذي تشبثت به الكنيسة لدواع سياسية وآيديولوجية يطول شرحها.
في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 1474، كان رجل عجوز وواحد من أشهر علماء عصره، جالسا في حجرة مكتبه بفلورنسا، يكتب خطابا إلى صديق: «كان يقدم بملاحظات عن مسار الشمس، مستخدما أداة قياس بدائية صممها بنفسه - أداة قياس توسكانيللي - وقد شغلته الأسئلة الحاسمة الآتية: (ما بالضبط العلاقة بين الأرض والشمس؟ كيف تبدو تحركات الشمس حين تقاس بدقة رياضية؟ وما هي على وجه الدقة تغييرات المجموعة الشمسية؟).
بعد نصف قرن من ذلك الحين، كان لهذه الأسئلة أن تؤدي إلى مراجعات شاملة لمجمل الكون بنظرية كوبرنيكوس عن الكون المتمركز حول الشمس». غير أن هذا لا يعني أن كوبرنيكوس كان أول من فكر على هذا الشكل. بل سبقه إلى ذلك، توسكانيللي وأرسطارخوس، والفيلسوفة التي أعدمت قبل ذلك في الإسكندرية هباتيا. وقد «شهد القرن الخامس عشر الاكتمال المظفر لهذه العملية. وإذا كانت لمحات البيئة الإنسانية والطبيعية، حتى ذلك الحين، لا تعدو أن تكون متقطعة، وعودة العقل إلى الأرض بطيئة وناضرة في مجملها، فقد اكتسب عصر النهضة دلالته الكاملة، مع الاكتمال السعيد لاكتشاف الأرض. ولم يكن الاستكشاف المتأني للبيئة اليومية الذي ألهم مصوري عقد 1470 في حقيقته، على الرغم من غزارته الساذجة، سوى ثمرة توافق طويل ومعقد للعقل الغربي. كان قد جرى قبول الأرض المتحركة في النهاية، وجرى فعليا استيعاب تلك التقاليد الأخروية العميقة الجذور، داخل الرؤية الإيجابية الجديدة للحياة. لقد أشرقت الأرض على فلورنسا عصر النهضة، في التفاصيل الدقيقة للملاحظة الفنية، التي فتحت آفاقها قوانين المنظور والتشريح. وظهرت الأرض أمام باولو توسكانيللي وأصدقائه، بتفصيل علمي، بوصفها رؤية جغرافية وجزءا من عملية الاسكتشاف».
كانت مساهمة باولو توسكانيللي في الجغرافيا الحديثة تتكون من مأثرتين حاسمتين بالقدر نفسه. فقد أعلنت - أي مساهمته - قابلية المحيط للإبحار. لذلك جزم بأن الأرض برمتها، هي منطقة نفوذ للإنسان. ومن خلال هذا الإنجاز النظري، فتح المحيط أمام اكتشاف العالم الجديد. وقد كان ثمة شعراء ضمن تلك التقاليد التأملية الطويلة، توقعوا، سلفا، فكرة الأرض الكروية الحديثة. وكان الشاعر الروماني سينكا، قد تنبأ بعصر تتحطم فيه أغلال المحيط وتتمدد الأرض - يقول سينكا في أحد المقاطع التي تؤكد تفوق الفكر الجغرافي الكلاسيكي وعمقه في الرؤية: سيأتي عصر في مستقبل بعيد، يفك فيه المحيط أصفاده وتتمدد الأرض مفتوحة على مصراعيها، ويكتشف بحار مستكشف عالما جديدا، ولن يعود ثمة نهاية للأرض». نقلا عن كتاب توماس غولدشتاين، ص39 - أخيرا، مفتوحة على مصراعيها أمام الاستكشاف الإنساني.
«وإذا كان الاختراق الفعلي قد تحقق بواسطة الاكتشافات الكبرى، ابتداء مع البرتغاليين الأوائل، من قبيل كولومبس وفسبوتشي وماجلان، فإن الفضل في المأثرة العقلية التي جعلت ذلك التحرر ممكنا، ترجع إلى توسكانيللي إلى حد كبير، إذ إنه بقوة فكر مدقق ومتوقد، توصل إلى مفهوم مقنع للأرض، يكون فيه المحيط بأسره في متناول الناس وسفنهم، وتكون فيه أجزاء الأرض الصلبة كلها قابلة للسكنى شرقا وغربا في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي». وقد كان لدى بطليموس كثير من الأشياء المهمة التي يمكن أن يتعلمها منه قراء القرن الخامس عشر. فمن ناحية، لقنهم درسا في المقاربة التجريبية المباشرة للمعلومات الجغرافية. وكان ضباب الأساطير ينقشع أمام عقله الهيلنستي البارد. كذلك علمهم كيف يرون الأرض في كل جزيئة من جزيئياتها على أسس رياضية صعبة. ولا بد أن عصرا مثل النهضة الباكر، ذي التوجه البصري، قد أذهلته الفصول التي وضعها بطليموس حول طرق الإسقاط الكروي. وفي الحقيقة، فإن علم رسم الخرائط الحديث والأطلس الحديث، قد وجدا فاتحتهما نتيجة النقاشات حول الجغرافيا. وهو ما سيكون له انعكاس كبير على علم الفلك، على الأقل من ناحية الرؤية وتغيير المنظار والتفكير بشكل جدي، في السؤال - الإشكال الذي يقول عنه لويس التوسير، إنه أحد جراحات الذات الغربية: ما الذي قد يحدث لو كانت هذه الأرض الثابتة هي التي تدور حول الشمس؟

أزمة المنظومة الأرسطية: فرضية الأرض المتحركة عند كوبرنيكوس

في محاضرات شائقة وعميقة لعبد المجيد باعكريم، حول تاريخ الأنساق النظرية، يقول: «إن المشكلة التي هزت الفلك البطليموسي هي مشكلة تحير الكواكب. إذ لوحظت نجوم تغير مواقعها أثناء الدوران سميت كواكب متميزة، لأنها تستمد نورها من ذاتها. أما الأرض فكانت تستمد نورها من الشمس. لنأخذ المريخ مثلا. إنه نقطة تدور دورة يومية من الشرق إلى الغرب، ودورة سنوية تستغرق اثنتي عشرة سنة من الغرب إلى الشرق مع أن الأرض ثابتة. لكن المشكل هو أن المريخ في حركته يتوقف مرة، ثم يتقهقر مرة أخرى، ثم يستأنف الحركة بعد ذلك. إنه حائر. ووجدت تفسيرات كثيرة، لكنها لم تكن مقنعة. وظل من غير المقبول وجود فوضى في السماء. إذن، لا بد من منح معقولية لهذه الفوضى التي ربما تكون ظاهرية، والحيرة مجرد وهم، كما قال كوبرنيكوس: «المريخ يسير عاديا والتحير وهم». ثم يقترح دوران الأرض لكي يحل المشكل. لكن أين تكمن قيمة الحل الذي قدمه كوبرنيك؟ وأين تكمن أزمة المنظومة الأرسطية التي حاول بطليموس ترميمها في كتابه المجسطي. يضيف عبد المجيد باعكريم: «إن الحل الذي أعطاه كوبرنيك، هو الذي سيستعمله الفلاسفة في حل مشكلات ميتافيزيقية. والسر هو الحديث عن حركة الملاحظ - الذات بالمفهوم الفلسفي - حيث تمت العودة إلى الذات، ولم يعد الاهتمام فقط بالموضوع. لأن الخلل في الذات وليس في الموضوع، المريخ مثلا - فحركة الشمس هي حركتي أنا، إذن فالمشكلات المطروحة آنذاك، وجدت حلها في الذات، ومشكلتها في الذات كذلك. وهكذا نلاحظ أن المعنى الفلسفي للذات، هو الملاحظ observateur، والمعنى العلمي هو الذات sujet. ومن ثم لا يمكن أن نفهم الفلسفة الحديثة، من دون فهم الكوبرنيكية، التي تمثل لحظة الانتقال من منظومة الموضوع إلى منظومة الذات، أو من منظومة الوجود إلى منظومة المعرفة. لذلك نجد كانط يقول بالثورة الكوبرنيكية في مجال الميتافيزيقا.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد. فقد ساهمت بعض المستجدات الفيزيائية، حسب الباحث محسن المحمدي، في تأزيم المنظومة الأرسطية. ففي سنة 1572، ظهر نجم جديد في السماء، لم يعثروا عليه فيما بعد، بل بحثوا عنه، لأنه بدا حينها يدب الشك في السماء. فأصبحنا أمام فرضيتين: إما أن نختار الأرسطية وإما أن ننسحب. وفي سنة 1574، لاحظ تيكوبراهي انطفاء النجم، ما يعني أن السماء مثلها مثل الأرض فيها كون وفساد. أما في سنة 1577 فقد تم اكتشاف أن المذنب ليس ظاهرة جوية، وإنما يدور في عالم ما فوق القمر، في فلك الزهرة، وهو ما لم تصمد أمامه إجابات أرسطو التي كانت ترى أن مبدأ الثقالة خاصية أرضية، والخفة خاصية لعالم ما فوق القمر».
صحيح أن فكرة الأرض الكروية ليست واحدة من المعضلات التي أدت إلى انهيار النسق الأرسطي - منذ المراجعات والاكتشافات التي بدأت في عصر النهضة - وتحريك براديغم جديد، لديه القدرة على تقديم بدائل إرشادية عامة، تستجيب إلى حاجيات المجمّعات العلمية الجديدة. لكنها كانت أحدى أكبر المسامير التي دقت في نعش الأرسطية، وأدت إلى مراجعات شاملة ستنعكس على باقي الأنساق المعرفية، ما سيسهم في تأسيس الحداثة الغربية، ويسهل ميلاد مفهوم الذات بمعناها الحداثي.

إحالات
* جورج يوليا، الطريق الرياضية في العلوم، ترجمة صالح القويز، منشورات آل سعود، جامعة الملك سعود، سنة 1986
* عبد المجيد باعكريم، محاضرات حول تاريخ الأنساق النظرية، الموسم الجامعي 2011. كلية الآداب والعلوم الإنسانية مكناس - المغرب
* الباحث محسن المحمدي، مقال حول كوبرنيك ومفهوم الذات منشور بالاقتصادية السعودية



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.