الجاسر والعثيمين يُحلّقان في تاريخ تأسيس السعودية

عن بعثة فيلبي الأولى إلى نجد 1917

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الجاسر والعثيمين يُحلّقان في تاريخ تأسيس السعودية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

مع اقتراب يومها الوطني الرابع والثمانين الميلادي (السادس والثمانين الهجري) في الثالث والعشرين من هذا الشهر، وضمن شغفٍ بتتبّع تاريخ السعودية وملحمة تأسيسها وتوحيدها، وقفت على بحث من تسع عشرة مقالة متسلسلة معمّقة، نشرها عام 1997 العلامة حمد الجاسر (المتوفى عام 2000) وضمّنها قراءته لدراسة الدكتور عبد الله العثيمين (المتوفّى هذا العام) لتقرير «بعثة إلى نجد» لفيلبي (المتوفى عام 1960) وكان فيلبي كتب التقرير عام 1918 وترجمه العثيمين عام 1997.
وقد حلّقت القامتان العلميّتان (المترجم العثيمين، والمعلّق الجاسر) - عن علم وتخصّص - في سبر أغوار تاريخ الحقبة المبكّرة لتأسيس السعودية عند تناول ذلك التقرير الذي وثّق فيه فيلبي رحلته الأولى إلى الجزيرة العربية (عامي 1917 و1918) ولقاءه الأول بالسلطان عبد العزيز آل سعود (قبل أن يحمل لقب الملك) فجاء التقرير - الذي بلغت صفحاته قرابة المائتين، مطبوعًا في مطابع الحكومة ببغداد في العام نفسه (1918) - رواية تسجيليّة دوّنت مجريات الأحداث السياسية في الجزيرة تلك الفترة.
اعتنى الدكتور العثيمين بترجمة التقرير، والتعليق عليه، والتقديم له بلمحة تاريخية من 60 صفحة، ونشرت التقرير والتقديم والتعليق مكتبة العبيكان بالرياض عام 1997 في كتاب واحد بعنوان «بعثة إلى نجد»، وفي العام نفسه، تناول الشيخ الجاسر تقرير فيلبي ومقدمة العثيمين وتعليقاته، في قراءة مطوّلة بلغت 150 صفحة، في سلسلة متتالية من 19 مقالة نشرها في صحيفة «الرياض» اليومية كما سلف، ويُعدّ الكتاب وتلك المقالات على الرغم من مضي نحو عشرين عامًا على نشرهما، من أوفى ما كُتب في السعودية عن فيلبي، حيث ساعدت معرفة الجاسر الشخصية بفيلبي - في أثناء إقامة الأخير بالسعودية واجتماعهما مرارًا - على أن يلم الجاسر بتراثه، ويكتب هو والدكتور العثيمين بالتفصيل عن مؤلفاته، وقد اتفقا على أن فيلبي كان أكثر الغربيّين في القرن الماضي اهتماما بالجزيرة العربية، بحثًا ودرسًا ونشْرًا، خصوصًا في المجالات التاريخية والجغرافية.
يستعيد الجاسر بالتفصيل في مدخل مقالاته، جهود الدكتور العثيمين في ترجمة تقرير فيلبي، والإضافات التي زادها، والتعليقات التي أدخلها عليه، ثم يدلي بمعلوماته الشخصية الإضافية عن مصير وثائق فيلبي في السعودية، وتعرُّض بعضها للاندثار، والبعض الآخر للبيع، واستقرار جزء منها (عبر «أرامكو») في مكتبة «سانت أنتوني» في جامعة أكسفورد البريطانية.
يعرض تقرير فيلبي - المشار إليه لبدايات الاتصالات بين بريطانيا والدولة السعودية الناشئة، فيشير إلى زيارتين قديمتين لم تحققا غرضهما قام بهما العقيد الرحّالة سادلر، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، والعقيد الرحّالة لويس بيلي بعدها بنحو نصف قرن، ثم يشير إلى أن بريطانيا أهملت وسط الجزيرة العربية (إمارة نجد) رغم أهميته حتى عام 1911 عندما بعثت الكابتن شكسبير الذي دوّن مذكّرات حول اتصالاته، وقتل عام 1915 في معركة جراب الشهيرة - بين ابن سعود وابن رشيد - وسط نجد، وقد أثنى فيلبي كثيرًا على كفاءة شكسبير، وأضاف د. العثيمين أن شكسبير كان التقى السلطان عبد العزيز في الكويت عام 1910، والتقط صورة معه والشيخ مبارك، معتقدًا أنها أول صورة فوتوغرافية للإمام عبد العزيز.
إن أهمية تقرير فيلبي - موضوع هذا المقال - تكمن في كونه أسّس لبدء العلاقات الرسمية بين بريطانيا والسلطان عبد العزيز، مع صعود نجمه بُعيد انضمام إقليمي الأحساء والقطيف إلى إمارة نجد، وفي اعترافها به حاكمًا، وقد كتبه فيلبي في أعقاب معركة جراب كما عرض للخلاف السعودي - الهاشمي ومحاولته الوساطة فيه، وإلى النزاع البريطاني - التركي على مشيخات الخليج، كما تطرّق لترتيبات الجوار في المثلث السعودي - الكويتي - العراقي، وتحرّكات القبائل (خصوصًا العوازم والعجمان ومُرّة) في تلك الأنحاء، ونزعة ملك الحجاز (الشريف حسين)، إلى زعامة العالم العربي وحلمه في الخلافة الإسلامية، مما يمكن الرجوع بشأنها إلى كتاب الدكتور العثيمين ومقالات الشيخ الجاسر، وقد تزامنت إقامة فيلبي في هذه البعثة مع التحضير للاستيلاء على حائل، ومع بدء المناوشات مع الأشراف في المدن الحدودية الحجازية النجدية (الخرمة وتربة)، في ضوء اعتراف الإنجليز بالسلطان عبد العزيز حاكمًا على نجد، وقد أقام فيلبي في هذه الرحلة بضعة أشهر في الجزيرة العربية (بين عامي 1917 و1918) استثمر بعضها في التجوال والبحث الجغرافي والأثري، في أول ملامسة له لهذه الجوانب العلمية الصرفة التي شكّلت جزءًا معتبرًا من مؤلفاته القيّمة فيما بعد.
قام فيلبي بتلك البعثة خلفًا للراحل الكابتن شكسبير، ومنتدبًا من السير بيرسي كوكس المعتمد السياسي لبريطانيا في الخليج، وشاركه فيها اثنان من المسؤولين الإنجليز في العراق ومصر، وقد لخّص أهداف البعثة في نقاط، منها «تنقية الأجواء بين السعوديين والأشراف في الحجاز، والبحث في مستقبل العلاقات السعودية البريطانية، وتعيين وكيل لهم في نجد، وإصدار عملة نحاسية سعودية بطلب من ابن سعود»، ومن الواضح من لهجة هذا التقرير الأول أن فيلبي قد صاغه بميول إنجليزية، قبل أن يتشرّب الإعجاب بعبد العزيز، وبقدراته القيادية، وهو الإعجاب الذي اتّسمت به كتابات فيلبي اللاحقة، وأغراه للإقامة في مكة المكرمة والرياض فيما بعد، وللزواج من روزي العبد العزيز (سعودية من أصول بلوشية) وإنجاب ابنيهما فارس وخالد في العقود الأخيرة من حياته.
يشعر قارئ التقرير كما سلف، ببداية تحوّل ميول فيلبي نحو شخصية السلطان عبد العزيز واقتناعه بتوجّهاته السياسية، كما يكشف التقرير التعهّدات التي كان فيلبي يقدّمها له باسم حكومته، ويصف تذبذب مواقف بريطانيا تجاه تلك الالتزامات، محافظةً منها على موازين القوى في المنطقة، ودفع الأمور تجاه ما يُفضي إلى هدف إضعاف العثمانيين، ومع أن تقرير فيلبي قد تضمّن معلومات مهمة عن سير الأحداث السياسية في تلك الفترة من تأسيس السعودية، وعن بداية نشوء العلاقات بين لندن والرياض، فقد استفاد الدكتور العثيمين من معرفته الأكاديمية العميقة بالدعوة السلفية وبظهور حركة الإخوان النجديين (الوهابية كما سمّاها فيلبي)، لتوضيح بعض جوانب التقرير عن نشوئها، ولتفنيد مجمل المعلومات التي تضمّنها تقريره الذي كتبه في أول زيارة له إلى نجد، وقد يكون تقرير فيلبي هذا أقدم مصدر عن تصاعد حركة «الإخوان» في بادية نجد في تلك السنوات، وعن بروزها قوةً مساندةً لنظرائهم من الحضر، حيث شكّلوا جميعًا نواة الجيش الدائم، وهو ما يجعل تحليل فيلبي والجاسر والعثيمين في موضوع «الإخوان» مفيدًا للباحثين في هذا الشأن، وقد أضفى كل من الجاسر والعثيمين - من معرفتهما بجغرافيا الجزيرة العربية وبتاريخها - تصحيحات لبعض المفردات الواردة في تقرير البعثة البريطانية - ذي الطبيعة السياسية والعسكرية - إلى إمارة نجد نواة الدولة السعودية في عهدها الثالث، وقد وردت في التقرير إشارات متكررة للأمير تركي النجل الأكبر للسلطان عبد العزيز، الذي ساند والده في تحركاته، ثم ولّاه إمارة إقليم القصيم وتوفّي بحمّى «سنة الرحمة» عام 1918 عن 19 عامًا، وألحق فيلبي بتقريره نص معاهدة القطيف الأولية التي عقدت بين ابن سعود وبريطانيا بواسطة السير بيرسي كوكس في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1915، التي حلّت محلها معاهدة جدة 1926 ويعمل مركز حمد الجاسر الثقافي بالرياض حاليًا على إعادة نشر مقالات الجاسر التسعة عشر (المشار إليها هنا) في كتاب يضمّ أبحاثه الكثيرة المنشورة صحافيا في تاريخ الملك عبد العزيز.
من الناحية التأليفية، كان ذلك التقرير أول الأعمال التوثيقية والعلمية الرصينة التي قاربت العشرين لفيلبي، والمعروف أنه بعض مؤلفاته لا تزال مخطوطة، وقد كُتبت عن سيرته مئات المقالات وثلاثة كتب على الأقل (لخيري حمّاد 1961، وإليزابيث مونرو 1973، وصبري فالح الحمدي 2013).
وختم الشيخ حمد الجاسر قراءته لكتاب الدكتور العثيمين (بعثة إلى نجد لفيلبي) بالقول: «والواقع أن الكتاب يوضح جوانب كثيرة ذات صلة عميقة بتاريخ العرب في جزيرتهم، في ذلك العهد، كما يكشف أمثلة من ألاعيب السياسة التي تقوم بها الدول للسيطرة على العالم، والكتاب يُعدّ مصدرًا أساسيًا في تاريخ السعودية وسيرة موحَّدها».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».