الجاسر والعثيمين يُحلّقان في تاريخ تأسيس السعودية

عن بعثة فيلبي الأولى إلى نجد 1917

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الجاسر والعثيمين يُحلّقان في تاريخ تأسيس السعودية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

مع اقتراب يومها الوطني الرابع والثمانين الميلادي (السادس والثمانين الهجري) في الثالث والعشرين من هذا الشهر، وضمن شغفٍ بتتبّع تاريخ السعودية وملحمة تأسيسها وتوحيدها، وقفت على بحث من تسع عشرة مقالة متسلسلة معمّقة، نشرها عام 1997 العلامة حمد الجاسر (المتوفى عام 2000) وضمّنها قراءته لدراسة الدكتور عبد الله العثيمين (المتوفّى هذا العام) لتقرير «بعثة إلى نجد» لفيلبي (المتوفى عام 1960) وكان فيلبي كتب التقرير عام 1918 وترجمه العثيمين عام 1997.
وقد حلّقت القامتان العلميّتان (المترجم العثيمين، والمعلّق الجاسر) - عن علم وتخصّص - في سبر أغوار تاريخ الحقبة المبكّرة لتأسيس السعودية عند تناول ذلك التقرير الذي وثّق فيه فيلبي رحلته الأولى إلى الجزيرة العربية (عامي 1917 و1918) ولقاءه الأول بالسلطان عبد العزيز آل سعود (قبل أن يحمل لقب الملك) فجاء التقرير - الذي بلغت صفحاته قرابة المائتين، مطبوعًا في مطابع الحكومة ببغداد في العام نفسه (1918) - رواية تسجيليّة دوّنت مجريات الأحداث السياسية في الجزيرة تلك الفترة.
اعتنى الدكتور العثيمين بترجمة التقرير، والتعليق عليه، والتقديم له بلمحة تاريخية من 60 صفحة، ونشرت التقرير والتقديم والتعليق مكتبة العبيكان بالرياض عام 1997 في كتاب واحد بعنوان «بعثة إلى نجد»، وفي العام نفسه، تناول الشيخ الجاسر تقرير فيلبي ومقدمة العثيمين وتعليقاته، في قراءة مطوّلة بلغت 150 صفحة، في سلسلة متتالية من 19 مقالة نشرها في صحيفة «الرياض» اليومية كما سلف، ويُعدّ الكتاب وتلك المقالات على الرغم من مضي نحو عشرين عامًا على نشرهما، من أوفى ما كُتب في السعودية عن فيلبي، حيث ساعدت معرفة الجاسر الشخصية بفيلبي - في أثناء إقامة الأخير بالسعودية واجتماعهما مرارًا - على أن يلم الجاسر بتراثه، ويكتب هو والدكتور العثيمين بالتفصيل عن مؤلفاته، وقد اتفقا على أن فيلبي كان أكثر الغربيّين في القرن الماضي اهتماما بالجزيرة العربية، بحثًا ودرسًا ونشْرًا، خصوصًا في المجالات التاريخية والجغرافية.
يستعيد الجاسر بالتفصيل في مدخل مقالاته، جهود الدكتور العثيمين في ترجمة تقرير فيلبي، والإضافات التي زادها، والتعليقات التي أدخلها عليه، ثم يدلي بمعلوماته الشخصية الإضافية عن مصير وثائق فيلبي في السعودية، وتعرُّض بعضها للاندثار، والبعض الآخر للبيع، واستقرار جزء منها (عبر «أرامكو») في مكتبة «سانت أنتوني» في جامعة أكسفورد البريطانية.
يعرض تقرير فيلبي - المشار إليه لبدايات الاتصالات بين بريطانيا والدولة السعودية الناشئة، فيشير إلى زيارتين قديمتين لم تحققا غرضهما قام بهما العقيد الرحّالة سادلر، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، والعقيد الرحّالة لويس بيلي بعدها بنحو نصف قرن، ثم يشير إلى أن بريطانيا أهملت وسط الجزيرة العربية (إمارة نجد) رغم أهميته حتى عام 1911 عندما بعثت الكابتن شكسبير الذي دوّن مذكّرات حول اتصالاته، وقتل عام 1915 في معركة جراب الشهيرة - بين ابن سعود وابن رشيد - وسط نجد، وقد أثنى فيلبي كثيرًا على كفاءة شكسبير، وأضاف د. العثيمين أن شكسبير كان التقى السلطان عبد العزيز في الكويت عام 1910، والتقط صورة معه والشيخ مبارك، معتقدًا أنها أول صورة فوتوغرافية للإمام عبد العزيز.
إن أهمية تقرير فيلبي - موضوع هذا المقال - تكمن في كونه أسّس لبدء العلاقات الرسمية بين بريطانيا والسلطان عبد العزيز، مع صعود نجمه بُعيد انضمام إقليمي الأحساء والقطيف إلى إمارة نجد، وفي اعترافها به حاكمًا، وقد كتبه فيلبي في أعقاب معركة جراب كما عرض للخلاف السعودي - الهاشمي ومحاولته الوساطة فيه، وإلى النزاع البريطاني - التركي على مشيخات الخليج، كما تطرّق لترتيبات الجوار في المثلث السعودي - الكويتي - العراقي، وتحرّكات القبائل (خصوصًا العوازم والعجمان ومُرّة) في تلك الأنحاء، ونزعة ملك الحجاز (الشريف حسين)، إلى زعامة العالم العربي وحلمه في الخلافة الإسلامية، مما يمكن الرجوع بشأنها إلى كتاب الدكتور العثيمين ومقالات الشيخ الجاسر، وقد تزامنت إقامة فيلبي في هذه البعثة مع التحضير للاستيلاء على حائل، ومع بدء المناوشات مع الأشراف في المدن الحدودية الحجازية النجدية (الخرمة وتربة)، في ضوء اعتراف الإنجليز بالسلطان عبد العزيز حاكمًا على نجد، وقد أقام فيلبي في هذه الرحلة بضعة أشهر في الجزيرة العربية (بين عامي 1917 و1918) استثمر بعضها في التجوال والبحث الجغرافي والأثري، في أول ملامسة له لهذه الجوانب العلمية الصرفة التي شكّلت جزءًا معتبرًا من مؤلفاته القيّمة فيما بعد.
قام فيلبي بتلك البعثة خلفًا للراحل الكابتن شكسبير، ومنتدبًا من السير بيرسي كوكس المعتمد السياسي لبريطانيا في الخليج، وشاركه فيها اثنان من المسؤولين الإنجليز في العراق ومصر، وقد لخّص أهداف البعثة في نقاط، منها «تنقية الأجواء بين السعوديين والأشراف في الحجاز، والبحث في مستقبل العلاقات السعودية البريطانية، وتعيين وكيل لهم في نجد، وإصدار عملة نحاسية سعودية بطلب من ابن سعود»، ومن الواضح من لهجة هذا التقرير الأول أن فيلبي قد صاغه بميول إنجليزية، قبل أن يتشرّب الإعجاب بعبد العزيز، وبقدراته القيادية، وهو الإعجاب الذي اتّسمت به كتابات فيلبي اللاحقة، وأغراه للإقامة في مكة المكرمة والرياض فيما بعد، وللزواج من روزي العبد العزيز (سعودية من أصول بلوشية) وإنجاب ابنيهما فارس وخالد في العقود الأخيرة من حياته.
يشعر قارئ التقرير كما سلف، ببداية تحوّل ميول فيلبي نحو شخصية السلطان عبد العزيز واقتناعه بتوجّهاته السياسية، كما يكشف التقرير التعهّدات التي كان فيلبي يقدّمها له باسم حكومته، ويصف تذبذب مواقف بريطانيا تجاه تلك الالتزامات، محافظةً منها على موازين القوى في المنطقة، ودفع الأمور تجاه ما يُفضي إلى هدف إضعاف العثمانيين، ومع أن تقرير فيلبي قد تضمّن معلومات مهمة عن سير الأحداث السياسية في تلك الفترة من تأسيس السعودية، وعن بداية نشوء العلاقات بين لندن والرياض، فقد استفاد الدكتور العثيمين من معرفته الأكاديمية العميقة بالدعوة السلفية وبظهور حركة الإخوان النجديين (الوهابية كما سمّاها فيلبي)، لتوضيح بعض جوانب التقرير عن نشوئها، ولتفنيد مجمل المعلومات التي تضمّنها تقريره الذي كتبه في أول زيارة له إلى نجد، وقد يكون تقرير فيلبي هذا أقدم مصدر عن تصاعد حركة «الإخوان» في بادية نجد في تلك السنوات، وعن بروزها قوةً مساندةً لنظرائهم من الحضر، حيث شكّلوا جميعًا نواة الجيش الدائم، وهو ما يجعل تحليل فيلبي والجاسر والعثيمين في موضوع «الإخوان» مفيدًا للباحثين في هذا الشأن، وقد أضفى كل من الجاسر والعثيمين - من معرفتهما بجغرافيا الجزيرة العربية وبتاريخها - تصحيحات لبعض المفردات الواردة في تقرير البعثة البريطانية - ذي الطبيعة السياسية والعسكرية - إلى إمارة نجد نواة الدولة السعودية في عهدها الثالث، وقد وردت في التقرير إشارات متكررة للأمير تركي النجل الأكبر للسلطان عبد العزيز، الذي ساند والده في تحركاته، ثم ولّاه إمارة إقليم القصيم وتوفّي بحمّى «سنة الرحمة» عام 1918 عن 19 عامًا، وألحق فيلبي بتقريره نص معاهدة القطيف الأولية التي عقدت بين ابن سعود وبريطانيا بواسطة السير بيرسي كوكس في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1915، التي حلّت محلها معاهدة جدة 1926 ويعمل مركز حمد الجاسر الثقافي بالرياض حاليًا على إعادة نشر مقالات الجاسر التسعة عشر (المشار إليها هنا) في كتاب يضمّ أبحاثه الكثيرة المنشورة صحافيا في تاريخ الملك عبد العزيز.
من الناحية التأليفية، كان ذلك التقرير أول الأعمال التوثيقية والعلمية الرصينة التي قاربت العشرين لفيلبي، والمعروف أنه بعض مؤلفاته لا تزال مخطوطة، وقد كُتبت عن سيرته مئات المقالات وثلاثة كتب على الأقل (لخيري حمّاد 1961، وإليزابيث مونرو 1973، وصبري فالح الحمدي 2013).
وختم الشيخ حمد الجاسر قراءته لكتاب الدكتور العثيمين (بعثة إلى نجد لفيلبي) بالقول: «والواقع أن الكتاب يوضح جوانب كثيرة ذات صلة عميقة بتاريخ العرب في جزيرتهم، في ذلك العهد، كما يكشف أمثلة من ألاعيب السياسة التي تقوم بها الدول للسيطرة على العالم، والكتاب يُعدّ مصدرًا أساسيًا في تاريخ السعودية وسيرة موحَّدها».



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».