بعد 15 عامًا على هجمات سبتمبر: اتساع غير مسبوق في رقعة التهديد الإرهابي

خبراء: بقايا «القاعدة» و«داعش» يحملون بداخلهم طموحات لشن هجمات إرهابية كارثية ضد الغرب

هجمات سبتمبر أكثر الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ الأميركي (واشنطن بوست)
هجمات سبتمبر أكثر الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ الأميركي (واشنطن بوست)
TT

بعد 15 عامًا على هجمات سبتمبر: اتساع غير مسبوق في رقعة التهديد الإرهابي

هجمات سبتمبر أكثر الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ الأميركي (واشنطن بوست)
هجمات سبتمبر أكثر الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ الأميركي (واشنطن بوست)

بعد تسعة أيام من وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001، وقف الرئيس جورج دبليو. بوش أمام الكونغرس لرسم ملامح استجابة من مسارين إلى أكثر الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ الأميركي: إدخال تحسينات دراماتيكية على صعيد الأمن الداخلي، وشن هجوم شامل ضد ما وصفه بـ«نمط من التطرف» يشن حربًا ضد الغرب.
وبعد 15 عامًا، يمكن القول بأن الهدف الأول تحقق بالفعل، ذلك أن الأميركيين أصبحوا اليوم أكثر أمانًا بكل المقاييس في مواجهة احتمالية التعرض لهجوم بحجم 11 سبتمبر عما كان عليه الحال عام 2001.
إلا أن النضال لإنزال الهزيمة بالشبكة العالمية من الجماعات العنيفة المناهضة للغرب سجل نجاحات أقل، بل يبدو أن المشكلة في واقع الأمر ازدادت ضخامة.
فيما يخص تنظيم «القاعدة» الذي كان يقوده في وقت ما أسامة بن لادن، فقد جرى تقويضه ولم يعد قادرًا على إدارة مخطط إرهابي معقد عابر للقارات، حسبما أشار خبراء إرهاب. كما لحق الضعف بأفرع «القاعدة» في شمال أفريقيا واليمن جراء الضربات الجوية الغربية والقتال الدائر مع فرق منافسة.
ومع هذا، فإن الفرع السوري القوي للتنظيم، والذي يطلق على نفسه اسم «جبهة فتح الشام»، فيملك جيشًا يتألف من آلاف الجنود المدربين ويعمل حاليًا كقاعدة لعملاء من «القاعدة» مخضرمين بمجال صنع المتفجرات وتنفيذ هجمات إرهابية، حسبما أفاد مسؤولون وخبراء مكافحة إرهاب أميركيون. ورغم إعلان الجماعة مؤخرًا انشقاقها عن «القاعدة» فإن مسؤولين أميركيين يرون أن هذا الإعلان غير موثوق بصحته.
في تلك الأثناء، ورغم الانتكاسات العسكرية التي مني بها تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، فإنه أبدى قدرة متزايدة على توجيه والعمل كمصدر إلهام وراء هجمات إرهابية بسيطة لكن فتاكة بمختلف أرجاء العالم.
في هذا الصدد، قال ريتشارد كلارك، المستشار البارز المعني بشؤون الإرهاب والذي عمل مع ثلاثة رؤساء، والذي اشتهر بتحذيره ضد إدارة بوش ضد الخطر المتنامي لـ«القاعدة» خلال الأسابيع السابقة لهجمات 11 سبتمبر: «في الواقع، زاد التهديد سوءً، فقد تحول وانتشر جغرافيًا. اليوم، هناك بمختلف أرجاء العالم قرابة 100.000 شخص في تنظيمات إرهابية متنوعة، وهذا العدد يفوق بكثير ما كان عليه منذ 15 عامًا».
من جانبهما، نجحت إدارتا بوش وأوباما في إحباط عدة مخططات إرهابية وحققتا نجاحات عسكرية كبيرة ضد فصائل إرهابية بعينها وقيادات بارزة بها، بما في ذلك مؤسس «القاعدة في العراق»، أبو مصعب الزرقاوي عام 2006، وبن لادن عام 2011 والقائد الثاني بـ«داعش»، أبو محمد العدناني الذي قتل في ضربة جوية أميركية الشهر الماضي.
ومع ذلك، واجهت الإدارتان صعوبة في الوصول لسبيل للحيلولة دون انضمام آلاف الشباب المسلم إلى حركة عالمية وقودها الكراهية، وتسعى بدأب نحو التدمير.
ويرى خبراء في مكافحة الإرهاب أن البرامج التي ترعاها الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد لنقل رسائل مضادة للتطرف لم تظهر نتائج تذكر، بجانب الصعوبة التي جابهها المسؤولون الأميركيون في إعاقة استغلال المتطرفين لشبكات التواصل الاجتماعي أو وقف قنوات التمويل والدعم الدوليين للتفسيرات المتطرف للإسلام. وفي تلك الأثناء، ساعدت السياسات الأميركية، من غزو العراق عام 2003 إلى الاستخدام المستمر للطائرات المسلحة دون طيار ضد الإرهابيين المشتبه بهم، في دفع مجندين جدد إلى أحضان «القاعدة» و«داعش»، حسبما أفاد مسؤولون ومحللون أميركيون.
في هذا الصدد، أعربت عضو الكونغرس السابقة، جين هارمان، عن اعتقادها بأنه: «نخلق أعداءً أكثر مما يمكننا التصدي له. ورغم أن قوتنا العسكرية تبقى استثنائية، فإن الفوز في هذا الصراع يتطلب تصدير خطاب عن القيم والمصالح الأميركية - الأمر الذي أخفقنا فيه». يذكر أن هارمان تولت رئاسة لجنة شؤون الاستخبارات بمجلس النواب خلال السنوات اللاحقة لهجمات 11 سبتمبر.
بداية من خريف 2001، بدأ مسؤولو الاستخبارات وفرض القانون في الاستعداد لمواجهة هجمات جديدة بحجم هجمات 11 سبتمبر أو ربما أكبر، من إسقاط طائرات ركاب إلى إرهاب بيولوجي أو ربما حتى نووي.
بدلاً عن ذلك، ورغم طموحها المعلن بالسعي لقتل أكبر عدد ممكن من الأميركيين وتعطيل عجلة الاقتصاد الأميركي، عجزت «القاعدة» منذ عام 2001 على شن هجوم آخر كبير على الأراضي الأميركية. وتضمنت الهجمات الإرهابية الكبرى على امتداد الأعوام الـ15 الماضية منفذين أفراد يعملون بمفردهم أو حالات إرهاب داخلي.
ويوعز محللون فشل «القاعدة» بدرجة كبيرة إلى الجهود المكثفة التي سعت لتعزيز الدفاعات الأميركية، وتحسين جهود جمع الاستخبارات وتشديد القيود على الانتقال جوًا، وبناء شبكة من المجسات لرصد أي تهديدات نووية أو بيولوجية.
في الوقت ذاته، لا تزال الجماعات المتشددة، من بقايا «القاعدة» إلى «داعش»، تحمل بداخلها طموحات لشن هجمات إرهابية كارثية ضد الغرب، وزادت أعداد هذه الجماعات ومواردها على نحو هائل منذ عام 2001، حسبما أفاد موات لارسين، الضابط السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه).
وقد حاول «داعش» بناء أسلحة كيماوية بدائية، وتجنيد علماء وفنيين من مختلف أنحاء العالم. وعن ذلك، قال لارسين: «ما زالوا يحاولون في هذا الاتجاه».
ورغم النجاحات على صعيد تأمين الأراضي الأميركية، أخفقت جهود محاربة الأسباب الجذرية للجهاد العنيف بدرجة كبيرة. وأشار مسؤولون حاليون وسابقون إلى أن الدرس الأهم من الأعوام الـ15 الماضية يتمثل في أن أكثر الرسائل بمجال مكافحة الفكر الراديكالي فاعلية لا تأتي سوى من المسلمين أنفسهم - القيادات والمؤسسات الدينية والحكومات، التي يتعين عليها تناول التباينات السياسية والاجتماعية التي تغذي التطرف. إلا أن المسؤولين الأميركيين أخفقوا بدرجة كبيرة في جهودهم لإقناع حلفاء مسلمين باتخاذ إجراءات أكثر قوة داخل بلدانهم.
*خدمة: «واشنطن بوست» خاص بـ {الشرق الأوسط}



طاقم فضائي أميركي - روسي ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية

انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

طاقم فضائي أميركي - روسي ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية

انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)

انطلق طاقم فضائي أميركي - روسي بنجاح، الثلاثاء، في مهمة إلى محطة الفضاء الدولية تستغرق 8 أشهر، وفق ما أفادت به وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وانطلق رائد الفضاء في «وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)» أنيل مينون وزميلاه الروسيان بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان، على متن مركبة «سويوز إم إس29» التابعة لوكالة «روسكوزموس»؛ لقضاء 8 أشهر في المحطة المدارية.

ومن المقرر أن يلتحموا بالمحطة بعد 3 ساعات من الإطلاق.

وحضر مدير وكالة «ناسا»، جاريد إيزاكمان، عملية الإطلاق. وهذه أول زيارة من رئيس «ناسا» إلى «بايكونور» منذ 8 سنوات، وقد سلّطت الضوء على التعاون المستمر في الفضاء بين موسكو وواشنطن على الرغم من التوترات بشأن العمل العسكري الروسي في أوكرانيا.

خلال عملية الإطلاق يوم 14 يوليو 2026 نحو الفضاء من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان (أ.ب)

وفي حديثه خلال اجتماع يوم الاثنين مع الطاقم، شكر إيزاكمان شركة الفضاء الحكومية الروسية «روسكوزموس»، على جهودها في إعداد المهمة، قائلاً إن «العمل المتكامل الذي أُنجز خلال الأشهر القليلة الماضية يعكس احترافية وتفاني جميع المشاركين».

والتقى إيزاكمان أيضاً رئيس «روسكوزموس»، ديميتري باكانوف، قبل الإطلاق الثلاثاء.

وهذه المهمة أول رحلة فضائية لمينون والثانية لدوبوروف وكيكينا.

وسينضم رواد الفضاء الثلاثة إلى رواد فضاء «ناسا»: جيسيكا مير، وجاك هاثاواي، وكريس ويليامز، ورائدة الفضاء في «وكالة الفضاء الأوروبية» صوفي أدينو، ورواد فضاء «روسكوزموس» سيرغي كود سفيرشكوف وسيرغي ميكايف وآندريه فيديايف.


«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
TT

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)

أفادت تحقيقات أجريت حول الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان بأن القوات البريطانية ألقت سجناء أفغاناً من رافعة شوكية «للتسلية»، وأن هناك جندياً بريطانياً وُصف بأنه «مؤيد لحركة طالبان» فقط لأنه أبدى مخاوفه بشأن مقتل ثلاثة مزارعين في غارة نفذتها القوات الخاصة.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد تواصلت مونيكا غرينفيل، وهي صحافية سابقة كانت تتواصل مع طاقم الدعم اللوجستي للقوات الخاصة البريطانية، وكريستوفر غرين، الجندي السابق في قوات الاحتياط بالجيش البريطاني، مع لجنة التحقيق في أفغانستان للإدلاء بشهادتهما بعد أن أصدر رئيس اللجنة طلباً للحصول على معلومات.

وتُحقق اللجنة في مزاعم ارتكاب القوات الخاصة البريطانية جرائم حرب في أفغانستان بين عامي 2010 و2013، وسط مزاعم بوجود محاولات للتستر على الوقائع.

«قتلنا الأبرياء»

قال غرين، الذي خدم بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2012، إنه حاول إثارة المخاوف بشأن مقتل ثلاثة أشقاء كانوا مزارعين في قرية رحيم.

ولفت إلى أنه تم إطلاق النار عليهم خلال عملية اعتقال، قال غرين إنها «سارت على نحو خاطئ» حيث قامت القوات الخاصة بإطلاق النار على المزارعين بزعم «الدفاع عن النفس».

وأضاف أن فريق الاستخبارات في وحدته كان «واضحاً تماماً في أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الأشقاء كانوا سوى مزارعين، فضلاً عن عدم وجود ما يثبت أنهم كانوا قادة في (طالبان)».

وأشار إلى أنه عندما أثار تساؤلات حول الواقعة، واجه رفضاً شديداً، موضحاً أن أحد الضباط وصفه بأنه «مؤيد لـ(طالبان)» بسبب تشكيكه في تصرفات القوات الخاصة.

وقال غرين إنه طلب مشاهدة لقطات فيديو لعمليات القتل، والتي أُطلق عليها اسم «تسجيلات إطلاق النار»، لمساعدته على فهم الحادث و«التواصل مع السكان المحليين لمحاولة تهدئة الوضع».

ومع ذلك، وعلى الرغم من حصوله على التصريح اللازم لمشاهدة الفيديو، فقد مُنع من ذلك، حسبما أفاد التحقيق.

استمعت لجنة التحقيق إلى شهادة تفيد بأن والدة الأشقاء، بيبي هازراتا، قد تلقت مبلغاً نقدياً يعادل 3634 جنيهاً إسترلينياً من الحكومة البريطانية بعد وفاة أبنائها، ووُصف هذا المبلغ بأنه «مساعدة مالية».

وأبلغ غرين رئيس لجنة التحقيق، اللورد هادون-كيف، أن هذه «سياسة غير مألوفة» وأنه اعتبرها «اعترافاً ضمنياً بقتل الأبرياء».

وقال: «لا يسعني إلا أن أعرب لكم عن أسفي لعدم إدلائي بهذا التصريح في وقت سابق».

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»

قالت غرينفيل إن أحد الجنود أخبرها بأن بعض أفراد القوات الخاصة كانوا يسيئون معاملة المعتقلين، مضيفة: «أتذكر تحديداً أنه أخبرني بأنه كان يضع السجناء على رافعة شوكية، ثم يرفعهم ويقود بسرعة كبيرة حتى يسقطوا منها».

وأضافت: «لم أرَ أي مكان أسوأ من ذلك، وكان لدي شعور بأن الأشخاص أُطلق لهم العنان ليفعلوا ما يريدون»، مؤكدة: «كنت أشعر بأنه لا أحد يراقبهم».

ويبحث التحقيق أيضاً في مزاعم التستر على أنشطة غير قانونية، ومدى كفاية التحقيقات التي أجرتها الشرطة العسكرية الملكية.

وكانت تحقيقات سابقة قد أُجريت بشأن مزاعم إعدامات نفذتها القوات الخاصة البريطانية، من بينها مزاعم تتعلق بمقتل أطفال، إلا أنها انتهت دون توجيه اتهامات أو ملاحقات قضائية.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع البريطانية، في بيان، أن «الحكومة ملتزمة بالكامل بدعم التحقيق المستقل بشأن أفغانستان، وتقدر جميع العاملين الحاليين والسابقين في قطاع الدفاع الذين أدلوا بشهاداتهم»، مضيفة أنها «ستواصل تقديم الدعم الذي تستحقه القوات الخاصة، مع الحفاظ على الشفافية والمساءلة التي يتوقعها الشعب البريطاني من قواته المسلحة».

وأشارت إلى أنه «من الصواب السماح للتحقيق باستكمال عمله المهم قبل الرد بصورة كاملة».


الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.