رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق: نفوذ إيران وتغولها أديا إلى انتشار الإرهاب

مثنى الضاري اتهم الحشد الشعبي بالطائفية.. وأكد لـ «الشرق الأوسط» أنه اضطر لمغادرة البلاد وأن نشاط هيئة سنة العراق موجود

مثنى الضاري
مثنى الضاري
TT

رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق: نفوذ إيران وتغولها أديا إلى انتشار الإرهاب

مثنى الضاري
مثنى الضاري

بدت اللغة المدافعة حاضرة في ثنايا إجابات الدكتور مثنى الضاري، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، خلال حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، وأرسل عدة رسائل مفادها أن الهيئة لا تزال تمارس عملها، رغم أنه يقيم خارج العراق.
كان من المهم أن يكون صوت مثنى الضاري حاضرًا، فهو الرجل الذي أكمل مسيرة أبيه الشيخ حارث الضاري، كأمين عام لهيئة علماء المسلمين، وفي الوقت ذاته أدرج اسمه في قوائم الإرهاب عام 2010، وهو الأمر الذي يقول عنه إنه قرار سياسي، وأتى بناء على معلومات كاذبة وملفقة.
وتطرق الضاري إلى تصرفات إيران وما تقوم به في العراق، مشددًا على أن النفوذ الإيراني تغول وتحول لاحتلال غير معلن، مما أدى إلى انتشار الإرهاب، مبينًا أن هناك سيناريو مستمرًا لإبادة المنتمين إلى السنة في العراق منذ سنوات. ووصف جرائم ميليشيات الحشد الشعبي بالطائفية، إذ تستهدف قوات الحشد الشعبي الرافضين للاحتلال والهيمنة الإيرانية. مقابل ذلك، يبدو الضاري متفائلاً بمستقبل العراق من خلال الدعوة التي أطلقها في يونيو (حزيران) الماضي، وأكد فيها استعداد الهيئة لتوفير كل الظروف المناسبة للقوى العراقية للتعبير عن رأيها ومناقشة الرؤى، للوصول إلى نقطة الاتفاق. وفيما يلي نص الحوار:
* لماذا لم ينتج عن الاجتماع السني في العراق بروز أي شخصية أو حزب أو مكون سني يستطيع أن يكون موازيًا للحراك على الطرف الآخر، المكون الشيعي، في العراق؟
- الاجتماع السني أنتج في مراحل متقدمة أسماء وشخصيات وقوى وفصائل مقاومة، تسيدت المشهد وملأت الأعين والأنفس، وأدت ما عليها من واجبات للدين والوطن والمواطن، ولكن للأسف تم التخلي عنها، لضرورات سياسية وقراءات قاصرة للمشهد العراقي بعد الاحتلال، فضلاً عن الإرادات المهيمنة على القرار العربي الرسمي. ولا يمكن الآن إعادة رسم المشهد كما نريد أو نتمنى لأسباب عدة من أبرزها: محددات العملية السياسية التي شطرت العراقيين وقسمتهم إلى قسمين كبيرين؛ عربي وكردي، على أساس عرقي أولاً، ثم قسمت المكون العربي إلى قسمين؛ سنة وشيعة، على أساس مذهبي، وهكذا تم شطر «المكون السني» مرتين، بخلاف غيره من المكونات، فضلاً عن انقسامه ثالثة بسبب الموقف من الاحتلال، حيث رفضه أكثرهم وقبل به قليل منهم وتم اعتماد هذا القليل ممثلين عن المكون بأجمعه، وهو أمر لم يشهده المكونان الآخران في العراق، بحسب تقسيمات الاحتلال في العراق، وهما «المكون الشيعي» و«المكون الكردي».
وأخيرًا عدم وجود الظهير الثابت والواحد الداعم، بخلاف الآخرين، فالمكون الكردي حظي بدعم دولي لأسباب معروفة وظروف خاصة، وكذلك المكون الشيعي في إطار دعم ما يسمى المعارضة العراقية قبل الاحتلال، مع زيادة وجود حليف قوي متمثل في دولة واحدة هي إيران ذات قيادة واحدة وأهداف توسعية في المنطقة، مندمجة مع أهداف ثقافية ذات بعد طائفي متدرج حسب الظروف، من الخفي إلى الظاهر إلى الصارخ إلى المستعلي والمفاخر حاليًا، بينما يعاني المكون السني غياب هذا الرديف، وتشتت القرار العربي بين دول كثيرة، بينها ما صنعه الحداد بل والنجار أيضًا. وليس الحال هذا في العراق فقط، وإنما هو مثال متكرر في بلدان أخرى ابتليت بالغزو الإيراني الخفي منه والمعلن، وأمثلة سوريا واليمن وقبلهما لبنان ليست ببعيدة عنا.
* بعد إعادة تشكيل هيئة علماء المسلمين (2003) بعيد اجتياح العراق في 2003، ما الذي فعلته الهيئة؟
- أسست الهيئة بعد الاحتلال ولم يكن لها وجود قبله، وأوجبت الظروف الصعبة هذا التأسيس وقتها، ولم تكن هناك في العراق قبل الاحتلال مؤسسة شرعية شبيهة بالهيئة، أما ماذا فعلنا فهذا صعب شرحه في أسطر معدودة، فاختزال 13 سنة من الجهود السياسية والثقافية والإعلامية والدعوية والإغاثية والاجتماعية يصعب حصره، وقد شهدت صفحات «الشرق الأوسط» بطبعاتها الدولية وطبعة بغداد في وقتها، تسجيل كثير من هذه الجهود.
ويكفيني هنا القول إن الهيئة أخذت على عاتقها ممارسة العمل الوطني المناهض للاحتلال وعمليته السياسية على مدى سنوات، والتعريف بالقضية العراقية خارجيًا، وتأييد خيار المقاومة، والدفاع عن حقوق العراقيين ومصالحهم، وفضح انتهاكات حقوق الإنسان الكبيرة والمستمرة وتوثيقها، وتقديم الخدمات اللازمة لمحتاجيها وبحسب قدرتها وظروفها وإمكاناتها المتواضعة، وما زالت في هذا السبيل رغم كل المعوقات ورغم حجم التخذيل الكبير والصدود عن أبسط حقوقنا على إخواننا، وهو الاستماع لوجهة نظرنا في وقف ما يجري على أرضنا من مآسٍ، وما يسيل من دماء في بلادنا.
* لم نسمع عن جهود للتعاون مع هيئات علماء المسلمين في بعض الدول العربية. لماذا؟
- عدم السماع لا يدل على عدم الوجود، فالتعاون مع المنظمات والهيئات الإسلامية؛ الدينية والشرعية في الدول العربية والإسلامية، هو من مبادئ العمل الرئيسية في الهيئة من يوم تأسيسها وحتى اللحظة، فهي عضو في عدد منها وتنسق مع أخرى، ولها اتفاقات عمل وتعاون مع بعضها، ومنها: مشيخة الأزهر التي كانت للهيئة لقاءات مستمرة بها مع حضور متواصل لمؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، والهيئة كانت ممثلة بشخص أمينها العام الراحل (الشيخ حارث الضاري) في الهيئة العالمية لعلماء المسلمين التابعة لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ولدينا علاقات طيبة مع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة علماء المسلمين وتجمع علماء اليمن وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر وهيئة العلماء المسلمين في لبنان وهيئة علماء فلسطين في الخارج والهيئات والروابط العلمائية السورية ورئاسة الشؤون الدينية التركية، وغيرها.
* برأيكم، ما سبب انتشار الإرهاب في العراق تحديدًا؟
- السبب هو غزو العراق واحتلاله، ومن ثم النفوذ الإيراني وتغوله في العراق وتحوله إلى احتلال غير معلن، وفتح حدوده على مصراعيها للتدخلات الدولية والإقليمية وغيرها.
* هل نحن بحاجة ماسة إلى ثورة في بعض المفاهيم المغلوطة التي تروج للعنف باسم الدين الإسلامي؟
- نحن بحاجة لثورة على الفهم المتداول لأسباب هذه الظاهرة، ولكننا لسنا بحاجة إلى ثورة على بعض المفاهيم الفكرية التي يظن أنها سبب الإرهاب، فالبعض قليل ولا يثار عليه لهوانه وقلة خطره، فضلاً عن أن أدبيات التراث الإسلامي وجهود الكتاب والمفكرين المسلمين في هذا الموضوع كافية جدًا، ولكننا بحاجة لإعادة النظر في طريقة التعامل مع المخرجات العنفية للأفهام القاصرة، وهذا يكون من خلال فهم الظاهرة فهمًا صحيحًا ودقيقًا وعدم تسييسها، أو اتخاذها وسيلة لتصفية حسابات، في إطار تجاذبات فكرية خارجة عن الموضوع الأصيل، وعدم اتباع سياسة استهداف المناهج ومصادر الفكر، وإنما العمل على تصحيح القراءات الخاطئة لها، وتوفير البدائل المتاحة للشباب للتعبير عن أنفسهم، وسحب البساط من الجهود الدولية التي تستهدف الدين والفكر الإسلامي ومنابعهما، بحجة استهداف الإرهاب ومصادره، فهذه المصادر هي التي أنتجت الفكر الإسلامي الوسطي والمعتدل على مدى قرون طويلة، فالعيب ليس فيها، وإنما هناك ظروف موضوعية أدت إلى ذلك، ومنها الاستهداف الظالم للأمة جملةً وليس لشبابها فحسب، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى بروز ظاهرة الغلو التي هي ليست حكرًا علينا، فالعالم كله يشهدها ولكن بأساليب وأشكال مختلفة، فضلاً عن استغلالها في عالمنا بخلاف غيرنا من العوالم، ومن ذلك الغلو العنصري والديني الأميركي الذي يُغطى بكل الوسائل، في مقابل إبراز ما يسمى بالإرهاب الإسلامي أو ما يدعى بالإسلام السياسي.
* كيف تقرأون تصرفات إيران الأخيرة باتجاه التضييق على من ينتمون إلى السنة أو العرب الأحواز، أو حتى على الشيعة المعتدلين الذين لا يروجون وضد فكرة ثورة ولاية الفقيه؟
- هي ليست جديدة، وإنما تصرفات ذات طبيعة منهجية وسياقات متبعة، حتى قبل ما يسمى الثورة الإسلامية، ودوافع ذلك قومية عنصرية بالدرجة الأساس، وأكسبها مجيء الثورة طابعًا طائفيًا فجًا شديد التعصب والخطورة، لم يقتصر على الداخل الإيراني الذي يشهد اضطهادًا مستمرًا لمكونات وأقليات كبيرة فيه، وإنما بدأ بإطلاق شرره منذ اليوم الأول (للثورة) على جواره العربي والمسلم.
* ما أحدث أساليب التعذيب الذي يمارسه نظام ولاية الفقيه؟
- أسلوب الإعدامات الجماعية العلنية وبأعداد كبيرة، كما حصل قبل أيام في حملة الإعدامات الأخيرة للعرب والكرد والأذريين والبلوش، وأصدرنا بيانًا في الهيئة أكدنا فيه أن هذه الإعدامات تتم وفق خلفيات طائفية وعرقية، وهي من الأساليب الظالمة المعروفة النيات والأهداف، وأن منهج الظلم والإرهاب الذي تمارسه إيران، يجد صداه واضحًا فيما يجري في العراق من إعدامات مسيسة، وإن ألبست ثوب القانون زورًا.
* ما رسالتكم للشيعة الذي يتبنون نظام ولاية الفقيه؟ وأيضًا ما رسالتكم للشيعة الذين يضيق عليهم بسبب رفضهم نظام ولاية الفقيه؟
- لا رسالة للطرف الأول، لأنه لا جدوى من ذلك، فالقضية لديه اعتقادية، وهذا شأنه، ولكن رسالتنا للذين يرفضون نظام ولاية الفقيه، ونقول لهم: لا بد لهذا الرفض من مخرجات تدلل عليه، ولا بد من وقفة جادة بوجه الظلم الذي يمارسه الولي الفقيه على أبناء الأمة، ولا بد من حساب دقيق لتبعات وآثار وتداعيات زعماء إرهاب ولاية الفقيه عليكم وعلى عروبتكم وتعايشكم مع الآخرين.
* هل نحن أمام سيناريو لإبادة السنة في العراق؟
- بالطبع، والسيناريو مستمر منذ سنوات، وهو لإبادة كل خيار مناهض للواقع الحاصل في العراق الآن، واستهداف السنة تحديدًا بعد خروج الاحتلال، الذي سنّ القواعد والقوانين لاستهدافهم بحجة الإرهاب، وترك أيدي إيران وأدواتها مطلقة فيما تفعل فيه وفي غيره.
* لماذا تمارسون عملكم من خارج العراق؟
- غالبًا عملنا نمارسه في الداخل بطريقة أو أخرى، وكوادر الهيئة تبذل جهودًا مشكورة في هذا السبيل، رغم كل الصعوبات التي تفرض علينا التحرك بأسماء وعناوين أخرى، لضمان أمن وسلامة أعضاء الهيئة، أما العمل السياسي والإعلامي المعلن والعلاقات العامة والتواصل مع المجتمع الدولي، فهذا يتم من الخارج، وهو ليس خيارًا وإنما اضطرار، بعد أن أجبر عدد من أعضاء الهيئة على الخروج، وحيل بين قسم آخر وبين العودة إلى العراق بعد الخروج لعمل ما هنا أو هناك، وفرضت علينا عقوبات محلية ودولية شملت عددًا من أعضاء الهيئة، وحدت من حركتهم ونشاطهم.
* قبل أعوام، سمعنا عن أنباء تتحدث عن إدراجكم ضمن قوائم الإرهاب، ما ردكم على ذلك؟
- نعم صدر بحقي قرار عن إحدى لجان مجلس الأمن عام (2010)، بتهمة الدعم المالي واللوجيستي لتنظيمات إرهابية، وذلك بتحريض من الحكومة في بغداد، وبناءً على معلومات كاذبة وملفقة، ورددنا عليه في وقتها وأبطلنا حججه، ولكن ما زال مفعوله ساريًا، فهو قرار سياسي بالدرجة الأساس، وما زال يحقق لمتخذيه ما يريدونه، فهو يحول بيننا وبين الحركة الحرة حتى في البلاد العربية.
* لماذا صوتكم غير مسموع وغير قوي في الداخل العراقي وكذلك في الخارج؟
- الصوت موجود وهو أعلى من قبل وأكثر نشاطًا، ولكن يراد لهذا الصوت ألا يعلو، لأمور عدة من أبرزها: أن صوتنا هو خلاف المألوف والنمط السائد الذي يراد له أن يعم وينتشر على حساب الأصوات التي تطرح المشكلة بصراحة وتشير إلى العلاج المناسب، الذي يبدو أن كثيرين لا يريدون أن يسمعوه، ولعل إجابة السؤالين السابقين تلقيان الضوء على الصعوبات الجمة التي نعانيها في سبيل التحرك النشط من أجل قضيتنا، فإذا كانت ساحتنا العربية غير مفتوحة لنا، فمن يفتح لنا ساحات أخرى، ومن يسمع صوتنا إذا ما أغلقت بوجهنا وسائل الإعلام العربية.
* كيف تقرأ المشهد السياسي العراقي؟
- مشهد مركّب وبسيط في الوقت عينه، فهو مركّب من حيث كثرة العناوين وتداخلها والصراعات الناشبة بينها وتداخل السياسي بالعسكري، والوطني بالطائفي والعرقي، والمحلي بالإقليمي والدولي، وبسيط من حيث كونه حراكًا يستهدف إنهاء مقومات الرفض والصمود والمقاومة في جزء عزيز من الأمة، وصولاً إلى أجزاء أخرى، وفرض المشروع الإيراني الطائفي المدعوم دوليًا على المنطقة، خدمة لمشروع صهيوني يحرّك خيوط اللعبة ويستثمر تداعيات ما يجري هنا وهناك لصالح أمنه واستقراره.
* ما أسباب وجود تنظيم داعش الإرهابي على الأراضي العراقية بحسب رأيكم؟
- أهم سبب هو الاحتلال الأميركي الذي أوجد الظروف المناسبة لذلك، وأعقبه الاحتلال الإيراني الذي أفاد كثيرًا من موضوع محاربة الإرهاب، في تبرير وتغطية ما يقوم به في العراق والمنطقة.
* انتهاكات ميليشيات الحشد الشعبي إلى ماذا تعزونها؟ وهل أنتم مع مشاركتهم في عمليات التحرير؟
- تعزى جرائم الحشد الطائفي إلى أسباب عدة في مقدمتها استهداف الرافضين للاحتلال والهيمنة الإيرانية، ومعززة بعوامل سياسية وطائفية بحتة لدى هذه الميليشيات والجهات المشرعة والداعمة لها، التي ترى معركتها معركة وجود مع مكوّن آخر في البلد وليست معركة مع الإرهاب الذي تمثل هي إحدى صفحاته الكبيرة في العراق، ومشاركتهم في معارك الاسترداد للمدن ذات خطر كبير، لأنهم يقومون بتنفيذ قناعاتهم وأهدافهم الخاصة بعيدًا عن واقع ما يجري وشعارات محاربة الإرهاب المرفوعة، فهم يقومون باستهداف المدن لمقاومتها وسنيتها ورفضها لواقع الاحتلال الإيراني، وليس لكونها إرهابية، وشعاراتهم وأهدافهم وأقوالهم وخططهم في هذا الأمر معلنة ولا يستحون منها أو يخشون أحدًا، وما جرى في جرف الصخر وحزام بغداد وديالى وبيجي وتكريت والرمادي والفلوجة خير دليل على ذلك، والمقبل خطير في الشرقاط والقيارة والموصل وغيرها.
* دعوتم أخيرًا القوى العراقية لكتابة ميثاق وطني، ما دلالات هذه الخطوة؟
- نعم دعت الهيئة في رسالتها في الذكرى السادسة والتسعين لثورة العشرين في 30 يونيو الماضي العراقيين جميعًا، أحزابًا وقوى وتكتلات وتجمعات وشخصيات مستقلة إلى الشروع في صياغة ميثاق وطني يعبّر عن تطلعات العراقيين، ويكون دليل عمل هاديًا لهم في ظلمات المرحلة المقبلة، وهو الهدف المنشود من مبادرة العراق الجامع التي أطلقتها الهيئة قبل سنة، وأعلنا في 15 أغسطس (آب) الماضي عن استعدادنا التام لتوفير كل الظروف المناسبة لهذه القوى للتعبير عن رأيها ومناقشة الرؤى والمشاريع، للوصول إلى نقاط للاتفاق والبناء عليها، مع التأكيد على أن الهيئة ستبقى جزءًا من العمل الوطني، وتسعى لأن تكون عنصرًا فاعلاً فيه، وليست راعية له بالمعنى المتبادر للذهن.



وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.


بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
TT

بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)

شهد يوم الخميس 15 يناير (كانون الثاني) 2026، تحولات يمنية بالغة الأهمية، حيث اتخذ مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرارات مصيرية طالت عضويته وتكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة، في مسعى إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعزيز وحدة القرار السيادي تحت مظلة الدعم السعودي المعلن.

ففي سلسلة متلاحقة من القرارات، أسقط المجلس عضوية فرج سالمين البحسني، وملأ الشواغر بتعيين الفريق الركن محمود الصبيحي والدكتور سالم الخنبشي، وقبل استقالة حكومة رئيس الوزراء سالم بن بريك، وكلف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة.

هذه الخطوات، التي جاءت مدعومة بتأكيدات على الدور «الحاسم» للسعودية، تهدف إلى تطبيع الأوضاع في المحافظات الجنوبية، لا سيما حضرموت، وتمهيد الطريق أمام «حوار جنوبي - جنوبي» شامل تستضيفه الرياض.

ولم يكن قرار إسقاط عضوية فرج البحسني من مجلس القيادة الرئاسي اليمني، مجرد تغيير في التركيبة الشخصية؛ بل كان رسالة سياسية وقانونية حادة بالنظر إلى حيثيات القرار التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية، اتهمت البحسني بـ«الإخلال بمبدأ المسؤولية الجماعية» و«تحدي القرارات السيادية».

وجاء في القرار أن البحسني «استغل موقعه الدستوري لإضفاء غطاء سياسي وشرعي على تحركات عسكرية غير قانونية»، نفذها ما يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، مشيراً إلى تبريره حشد قوات من خارج محافظة حضرموت للهجوم عليها.

كما وجهت له تهمة «تأييد الإجراءات الأحادية التي قادها المتهم عيدروس الزبيدي»، المحال إلى النائب العام بتهم الخيانة العظمى، مما «أسهم في تقويض وحدة الصف الوطني».

هذه اللغة القانونية الصارمة، التي تصف الأفعال بأنها «تمرد مسلح خارج إطار الدولة»، تُحوّل الصراع الداخلي بين فصائل الجنوب من خلاف سياسي إلى قضية ولاء للدولة ومؤسساتها الشرعية.

القرار يمثل ضربة موجعة لتيار «الانتقالي» المنحلّ وأتباع الزبيدي، ويعيد التأكيد على أن طريق المطالبة الجنوبية يجب أن يمر عبر القنوات الدستورية والقانونية وعبر التفاوض برعاية السعودية، وليس عبر الفعل العسكري المنفرد.

هندسة توازنات

جاء تعيين الدكتور سالم الخنبشي، محافظ حضرموت، عضواً في المجلس الرئاسي اليمني مع الاحتفاظ بمنصبه المحلي، ليعكس أولوية استقرار المحافظة الغنية بالنفط والحيوية. وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد الخنبشي أن «الموقف السعودي كان حاسماً» في إخراج قوات «الانتقالي» من حضرموت خلال وقت قياسي.

ويعدّ تعيينه في عضوية مجلس القيادة الرئاسي تتويجاً لجهوده في الأسابيع الماضية، حيث من المتوقع أن يشكل حضوره رافداً قوياً في معسكر الشرعية لضبط المشهد السياسي والأمني في حضرموت خاصة، وفي جنوب اليمن بشكل عام.

رئيس الوزراء اليمني الجديد شائع الزنداني المكلف بتشكيل الحكومة (رويترز)

أما تعيين الفريق الركن محمود الصبيحي، القائد العسكري المخضرم، فيعدّ تعزيزاً لتمثيل المؤسسة العسكرية المخضرمة في المجلس، حيث يرسل هذا التعيين رسالة تطمين للقوات التي تقاتل على الجبهات ضد الحوثيين، ويُفهم على أنه خطوة نحو توحيد التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع، وهو مطلب سعودي ودولي رئيسي.

وفيما يخص قبول استقالة حكومة سالم بن بريك، وتكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن ذلك يهدف إلى تجديد الأداء الحكومي لمواكبة المرحلة الجديدة، حيث إن المهمة لم تعد مجرد «إدارة أزمة»؛ بل الانتقال إلى مرحلة إعادة إعمار المؤسسات وتحسين الخدمات، خصوصاً مع إعلان السعودية تقديم دعم مالي لصرف الرواتب بقيمة 90 مليون دولار، إضافة إلى تكفلها بدفع رواتب العسكريين ابتداء من يوم الأحد.

المشهد الأوسع

لا يمكن فهم هذه التحركات اليمنية بمعزل عن الحاضنة الإقليمية التي تتمثل في السعودية، فبالتوازي مع هذه القرارات الداخلية، كانت الرياض تعلن عن حزمة مشاريع تنموية جديدة في اليمن بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (500 مليون دولار)، وتستعد لاستضافة «مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي» إلى جانب سعيها لإعادة توحيد القوات العسكرية.

وكما يظهر، فإن الاستراتيجية السعودية تقوم على دعم السلطة الشرعية لفرض سيطرتها وتوحيد قواتها، وإنهاء «المظاهر المسلحة» خارج الدولة، وتسهيل حوار شامل بين المكونات الجنوبية تحت رعايتها، للتوافق على رؤية موحدة تنزع الفتيل المستمر لـ«القضية الجنوبية» بناء على أسس راسخة تمثل صوت المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية.

كما تواصل السعودية جهودها التنموية والإنسانية، إذ تربط الاستقرار السياسي في اليمن بتحسين الخدمات وتوفير فرص العيش، لاستعادة ثقة اليمنيين في مؤسسات الدولة.

هذه التطورات تأتي في وقت يحذر فيه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من هشاشة الهدنة، مؤكداً أن «مستقبل الجنوب لا يمكن فرضه بالقوة».

ويبدو أن هذه التغييرات الكبيرة تهدف إلى خلق قيادة يمنية في الجنوب أكثر تماسكاً وتوحداً، وقادرة على الدخول في مفاوضات مصيرية بشأن شكل الدولة اليمنية المقبلة، ومن ثم الالتفات للحسم المؤجل في الشمال، حيث لا يزال الحوثيون يعرقلون كل المساعي الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الانقلاب والانخراط في مسار سلمي يعيد الاستقرار إلى اليمن الكبير.