منظومة القيم في عالمنا الاستهلاكي «المعولم»

ترجمة عربية لكتاب باومان «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

منظومة القيم في عالمنا الاستهلاكي «المعولم»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدرت عن «مشروع كلمة» في أبوظبي الترجمة العربية الأولى لكتاب الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، الذي يعيش في بريطانيا منذ خمسة وأربعين عامًا، كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة» بترجمة الدكتور سعد البازعي والكاتبة بثينة الإبراهيم، وهو الكتاب الذي صدر في عام 2008 بعنوان (Does Ethics Have a Chance in a World of Consumers).
في العنوان الأصل، وكما يبدو، لا تظهر كلمة «حداثة» (Modernity)، ولا كلمة «سائلة» (Liquid)، إلا أن المترجمَين اختارا نقل العنوان إلى العربية بما يتناسب مع خطاب فلسفة باومان في نقد تمظهرات عالم ما بعد الحداثة الاستهلاكي (الحداثة السائلة). وبذلك، وبقدر ما توفق - البازعي والإبراهيم - في ذلك، نراهما يوفران للقارئ العربي تذكيرًا ضمنيًا بجوهر فلسفة باومان الذي سبق وأصدر الطبعة الأولى من كتابه «الحداثة السائلة» عام 1999. وكان ذلك الكتاب تأسيسا لجانب كبير من فلسفة باومان في نقد النمط الاستهلاكي للعالم المعاصر، وكذلك في بيان رؤيته التي وصفت مرحلة الحداثة بأنها «صلبة» (Solid)، ووصفت مرحلة ما بعد الحداثة بأنها «سائلة» (Liquid)، لينتصر بذلك إلى مفهومي «الإسالة» (Liquidizing)، و«التذويب» (liquefaction) اللذين ميزا مرحلة ما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة؛ وبروح الباحث الاجتماعي المدقق في متغيرات ما يجري بالعالم المعاصر، راح باومان يشخِّص كل مظاهر السيولة التي تسم أنماط المعاش في عالمنا، وهو ما وجد تطبيقًا مركزًا له في كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة»، بحسب هذه الترجمة، ومن قبل تناوله باومان في كتب عدَّة له، صدر منها: «الحداثة والهولوكوست» 1989. و«العولمة: الاستهلاك البشري والحياة الاستهلاكية» 2001. و«الحب السائل» 2003. وغير ذلك.
يضم الكتاب مقدِّمة وستة فصول هي: «أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟»، و«القتل الباتر أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكّره؟»، و«الحرية في حقبة الحداثة السائلة»، و«حياة عجولة: تحديات الحداثة السائلة للتعليم»، و«بين الرمضاء والنار أو الفنون بين الإدارة والأسواق»، وأخيرًا «جعل الكوكب مضيافًا لأوروبا».
أوضح المترجمان في مقدِّمتهما المشتركة طبيعة الخطاب الفكري الذي يشتغل به المؤلِّف، لكنهما أشارا إلى نمط الكتابة لدى باومان ليس سهلاً كما يُشاع عنه، لا سيما أن باومان كثير الشواهد، فهو يتناص مع مقتبسات لمفكرين وشعراء وفلاسفة وفنانين ومؤرخين وعلماء اجتماع وصحافيين من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وأميركا وبريطانيا، وكان ذلك عبئًا تجاوزته هذه الترجمة ببراعة رغم أسلوبية الكتابة لدى باومان، وهي أسلوبية غالبًا ما تلجأ إلى العبارات والجمل الطويلة، بل والاعتراضية أيضًا، لكنها أسلوبية فاتنة في كثير من المعالجات التي قدّمها المؤلِّف حتى إننا بوصفنا قراء لا نملّ منها كون الكتابة الشواهدية فيها تأخذنا إلى مضان نعيشها يوميًا حتى لتبدو جزءا مما نعيش، خصوصًا أن المؤلِّف يفتتح كتابه بمقولة توحي بذلك، فهو يقول: «هذا الكتاب تقريرٌ من أرض المعركة» (ص 17)، ولذلك يدخلنا باومان، من فوره، إلى أتون اليومي بنماذج حياتية وطبيعية بالانطلاق من اعتبار منهجي مهم مفاده «أننا نحتاج، وبشكل ملح، إلى إطار جديد يمكنه استيعاب تجربتنا وتنظيمها بطريقة تسمح لنا بإدراك المنطق الذي يحكُم تلك التجربة، ونقرأ ما فيها من رسالة ظلَّت، حتى الآن، مخفية، وغير مقروءة أو عرضة لسوء الفهم» (ص18). ولذلك يصف عمله بأنه «تقرير سيرة» (ص18) لحياة ومجتمع وإنسان صارت حياته تعج بمتغيرات جوهرية في عصر الحداثة السائلة ما انعكسَ على طبيعة القيم الأخلاقية التي أمست «تفتت مركزية المركز» (ص29)، وتفكك تقلُّبات الهوية في ظل جدلية الاتصال والانفصال، لا سيما «أن الهوية في حالة ولادة» (ص37) مستمرة، وانهيار الذات نحو تخوم جديدة، وظهور «الحشد» بديلاً عن «الجماعة»، ففي عصر الحداثة الصلبة كان للجماعة قمّة، بينما في عصر الحداثة السائلة لا قمة للحشد ولا مركز، ليس له سوى «طيرانه.. ذي الدفع الذاتي» (ص34)، وتلك ميزة ما يجري راهنا.
في كتابه هذا لا يقدِّم باومان رؤية أكاديمية تقليدية عن القيم، فكتابه لا يعرض ذلك بقدر ما يتابع التحولات المجتمعية في الواقع الجاري، وما تعكسه كل السُّلوكيات من قيم أخلاقية، ولكن ليس بعيدًا عن مباحث القيم التي تناولها فلاسفة وعُلماء نفس واجتماع وأنثروبولوجيا مثل توماس هوبز، وماكس شلر، وميشيل أغيير، وفيرغسون، وجورج زيمل، ولوغستروب، وبرودسكي، وفرويد، ونيتشه، وهيدغر، ولفيناس وبورديو، وغيرهم، ولذلك جاء الفصل الأول «أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟»، هذا التساؤل الذي بدت معالجته لذيذة من الناحية المعرفية كونه يربط «الأخلاق» و«الاستهلاك» و«العولمة» في سياق واحد، بين قيم تتغير ورؤى فلسفية واجتماعية تصف بقدر ما ترفض وتقبل تحوّلات ما يجري اليوم في عصر نفر فيه من ثوابت الماضي نحو مستجدات الحاضر السريعة والعابرة بلا هوادة.
سيشعر أحدنا بالمرارة عندما يقرأ الفصل الثاني «القتل الباتر أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكّره؟»، فباومان يعود بنا إلى مآس حزينة عاشها إنسان القرن الماضي، ابتداء من محارق اليهود إلى صور الإبادة الشاملة للجماعات العرقية، ومنها ما جرى لأكراد العراق، وغير ذلك من مناطق العالم، وكلها «تكرس دروس نتجت عن الابتذال والتقديس، وتدفع إلى مزيد من الانفصال والشك والكراهية والعداء، وبهذا تزيد من احتمال حدوث كارثة جديدة أكبر مما كان سيحدُث من دونها» (ص138). ومهما يكن ما سيحدُث، وهذا ما يختم به باومان فصله الثاني، فإنِّ «المشكلات الإنسانية على كوكب معولم يمكن مقاربتها وحلها فقط على يد إنسانية متضامنة» (ص150)، ويبدو ذلك أملاً لا غير.
هذه الرؤية ستجد صداها في الفصل التالي «الحرية في حقبة الحداثة السائلة»، الذي خاض فيه المؤلِّف مناقشات مركَّزة لآراء فلاسفة التنوير بشأن الحرية في ضوء الفكرة القائلة إن «الإنسان المثالي هو ذلك الذي يجرؤ أن يفكِّر لنفسه ساحقًا تحت قدميه التعصُّب والتقاليد والماضي والمعتقدات الشعبية» (ص157). لكن ذلك لم يعد يكفي، «فما زال العالم الذي نعيشُ فيه أبعد ما يكون عن الشفافية وقابلية التنبؤ، كما أنه ليس وطنًا آمنًا للجنس البشري» (ص158)، هكذا يقول باومان، الأمر الذي يعني أن حرية الإنسان ما زالت مسلوبة فيه، وما زالت حياتنا عرضة للنزعة الاستهلاكية المريرة، ما يعني ضرورة «إنقاذ التضامن الإنساني من التآكل، والحفاظ على مشاعر المسؤولية الأخلاقية من الاضمحلال» (ص192)، وتلك مهمة صعبة لكنها غير مستحيلة.
من الحرية إلى إشكالية التعليم ننتقل مع باومان عبر الفصل الرابع «حياة عجولة: تحديات الحداثة السائلة للتعليم»، حيث كل شيء يمضي بوتيرة عجول، ومنه التعليم الذي تسمه الحياة الاستهلاكية بالسرعة والنسيان، وهي الملاحظة التي ينطلق منها الباحث في معاينة منظومات التعليم الدائرة في عصرنا في ضوء حراك السيولة الذي يبدو هوية لكل شيء في هذا العالم، فمثلما يعيش الاقتصاد الاستهلاكي على تقليب البضائع كذلك هو التعامل مع التعليم، وتلك طامة كبرى.
ومن التعليم إلى الثقافة والفنون في عصر الحداثة السائلة، وهو موضوع الفصل الخامس «بين الرمضاء والنار أو الفنون بين الإدارة والأسواق»، وفيه يستعرض باومان شتى سبل الفنون والثقافات الاستهلاكية ذات الطابع الاستهلاكي العابر في ظل ضياع «الصدفة» بوصفها موئلاً للإبداع وحتمية وجود «العتمة» التي لا تنتج سوى العابر والجاري بمعايير دخيلة عليه، حتى أصبح الفنانون والكتاب مجرد وسطاء يرضخون لقوى السوق، ما يعني أن «إخضاع الإبداع الثقافي لمعايير السوق الاستهلاكية ومقاييسها المطالبة بقبول هذا الإبداع لشروط المنتجات الاستهلاكية» (ص270)، حيث أصبحت شهرة «الفنان» تساوي شهرة «العلامة التجارية»، وأصبح للمبدع تاريخ إنتاج وصلاحية، ما ينذر بولادة ونشوء «ثقافة الهدر» (ص275) الدائر عبثها المدمر في عصر الحداثة السائلة.
ينهي باومان كتابه بالحديث الحزين عن أوروبا «جعل الكوكب مضيافًا أوروبيًا»، فالعالم من حول هذه القارة يبدو ضاجًا بالعنف والسيطرة الاستعمارية الجديدة (أميركا) التي يشي نمطها باستهلاك سريع وتصفية للتقاليد وظهور جديد للفوضى والإرهاب العالمي، وما فكرة الحرب على الإرهاب سوى «ضرب من التناقض» (ص302)، حيث «الحصون المحاصرة التي تتحوّل إليها المدن المتعددة الإثنيات والثقافات يتقاسمها الآن الإرهابيون وضحاياهم» (ص305) (العراق أنموذجًا) في ظل ظهور أنماط من «الحشود الإرهابية» العابرة للحدود، وهي «حشود منزلية» بلا ثكنات تشتغل في «ساحات معركة سريعة الحركة» (ص306)، وتلك تبعات تتحمَّلها الولايات المتحدة الأميركية في سياساتها التي تعتمد القوة العنيفة لا العلاقات الإنسانية، ولذلك يدعو باومان إلى جعل «الكوكب مضيافًا لقيم وأساليب أخرى من الوجود أكثر من تلك التي تمثلها القوة العسكرية الأميركية العظمى وتروِّج لها»، يدعو إلى «القيم والأساليب التي تعد أوروبا أكثر من أي جزء بالعالم مستعدّة لتقديمها، الذي يحتاج أكثر من أي شيء آخر أن يصمم الطريق المؤدي إلى الوحدة الشاملة للجنس البشري» (ص 311)
لقد أبدى البازعي والإبراهيم جهدًا ترجميًا تنويريًا عندما أقبلا على نقل متن هذا الكتاب إلى العربية، لا سيما هوامش المؤلِّف الأساسية، فضلاً عن الإضاءات الخاصة بترجمة الأسماء الواردة في المتن والتعريف بها في مواضع كثيرة خدمة للقارئ العربي، وتلك أمانة علمية حرصا على تفعيلها في صنيعهما الترجمي هذا.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».