مصادر دبلوماسية في باريس لـ«الشرق الأوسط»: محادثات جنيف غرضها «ملء الوقت»

وزير خارجية فرنسا يتهم موسكو وطهران بتشجيع النظام السوري على التمسك بخيار الحرب

رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين  (أ.ف.ب)
رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين (أ.ف.ب)
TT

مصادر دبلوماسية في باريس لـ«الشرق الأوسط»: محادثات جنيف غرضها «ملء الوقت»

رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين  (أ.ف.ب)
رجل حاملا ابنه المعاق يخرج من بلدة داريا المحاصرة أمس بريف دمشق بعد الاتفاق الذي ابرم بين قوات النظام والمسلحين (أ.ف.ب)

بينما تتواصل المباحثات المكثفة بين الخبراء الأميركيين والروس في جنيف للتوصل إلى اتفاق صلب لوقف الأعمال العدائية في سوريا، وإيصال المساعدات الإنسانية والتعاون المشترك في الحرب على «داعش» سبيلا لمعاودة البحث في العملية السلمية من خلال وساطة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، أبدت مصادر فرنسية رسمية «تشككها» إزاء ما يجري في المدينة السويسرية، وإزاء ما يمكن أن ينتج من هذه المحادثات التي تأتي استكمالا للاجتماع الماراثوني الجمعة الماضي بين وزيري الخارجية جون كيري وسيرغي لافروف.
بيد أن تصريحات الرئيس الروسي، أمس، لوكالة «بلومبيرغ» التي تحدث فيها عن إمكانية التوصل «قريبا» إلى اتفاق روسي ــ أميركي، وعن إحراز تقدم «شيئا فشيئا» في هذه المباحثات الثنائية جاءت لتعطي صورة مغايرة عن الصورة السلبية المتكوّنة لدى الجانب الفرنسي، الذي أشار إلى أن الطرفين الروسي والأميركي أعلنا مرارا في السابق عن التوصل إلى تفاهمات وهدنات «إما لم تتحقق أو تهاوت». وتضيف المصادر الفرنسية، أن بوتين نفسه قال: إنه «من المبكر» الحديث عن التوصل إلى اتفاق، رغم أن الطرفين «يتقدمان في الاتجاه المطلوب». وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت خبرا الأربعاء الماضي، نقلا عن مصادر أميركية، جاء فيه أن «اتفاقا سيتم التوصل إليه بحر الأسبوع المنتهي».
هذه الرؤية الفرنسية وعنوانها «التشكيك» جاءت خلاصة مجموعة من اللقاءات مع دبلوماسيين فرنسيين رفيعي المستوى معنيين بالشأن السوري أجرتها «الشرق الأوسط» في الأيام الثلاثة الأخيرة على هامش مؤتمر «السفراء الفرنسيين عبر العالم»، وهي تصب كلها في خانة اعتبار أن المباحثات الثنائية «أقرب إلى طبخة بحص» لا طائل منها، لسبب أساسي هو أن النظام وخصوصا داعميه الروسي والإيراني «لم يتخليا بعد عن الخيار العسكري»، وأن جنيف غرضها «ملء الوقت بانتظار أن يبان مصير المعارك الرئيسية الجارية حاليا في سوريا، وأولها مصير حلب ومنطقتها».
وتشير هذه المصادر بداية إلى أن البحث في تفاصيل الاتفاق بين خبراء الطرفين بدأ مباشرة عقب زيارة كيري إلى موسكو في 14 يوليو (تموز) الماضي، وأن الموضوعات التي أعيد البحث فيها في لقاء جنيف «لا تختلف عما سبق بحثه». وبالتالي، فإن الطرفين «يدوران في حلقة مفرغة» هي أقرب إلى «إدارة الوقت أكثر مما هي السعي لإيجاد مخرج من الحرب المستعرة».
تعتبر باريس أن ثمة خللا في «ميزان القوى السياسي والدبلوماسي» بين طرفي المحادثات، حيث ثمة في جانب طرف «يستعجل الوصول إلى تفاهم» «الطرف الأميركي»، فيما الجانب الآخر «الروسي» يرى أن «الخيارات مفتوحة أمامه»، وأنه «قادر على إبرام تفاهم اليوم أو انتظار أشهر عدة» إضافية. وتسود في باريس قراءتان: الأولى ترى أن موسكو يمكن أن تعتبر أنها اليوم «قادرة على انتزاع أفضل اتفاق يلائم مصالحها في سوريا من إدارة أميركية ضعيفة جعلت همها الأول الحرب على (داعش)، والرغبة في تحقيق إنجاز ما قبل نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما». وبحسب هذه القراءة، فإن «التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها روسيا اليوم لن تحصل عليها غدا من الرئيس الأميركي الجديد، أكان ذلك المرشح الجمهوري أو المرشحة الديمقراطية».
أما القراءة الأخرى، فتشدد على أن «مصلحة» الرئيس الروسي الذي نجح في فرض «الثنائية» الروسية ــ الأميركية وحدها إطارا للحل، لا تكمن اليوم في تقديم تنازلات محددة لرئيس «مغادر»، بل إنه من الأجدى له أن ينتظر وصول إدارة جديدة يمكن أن يجري معها عملية «مقايضة» بين تساهل ما في سوريا مقابل تنازلات أميركية وغربية في مكان آخر «العقوبات الاقتصادية أو أوكرانيا مثلا». وفي الحالتين يستطيع الجانب الروسي أن يضمن المحافظة على مصالحه في سوريا والمنطقة الشرق أوسطية والبحر المتوسط. يضاف إلى ذلك أن الجانب الروسي قد يعتبر أن «لا فائدة» من تبديد ورقة سوريا اليوم من خلال المساعدة على التوصل إلى حل قريب؛ إذ عندها سيتراجع موقف موسكو القوي والمؤثر «لأنها تكون قد خسرت ما مكّنها من العودة بقوة» إلى الساحة الدولية ودفع الأميركيين «لاستجداء» حل ما زالت حتى اليوم تمانع في توفيره.
ثمة من يرى أن روسيا، رغم امتلاكها ناصية المبادرات ميدانيا ودبلوماسيا ومهارتها في المناورة، لا تحتكر جميع الأوراق لا سياسيا ولا ميدانيا. وهذا من شأنه أن يدخل عنصر «فقدان اليقين» في السياسية الروسية. وتعتبر المصادر الفرنسية، أن «مفتاح الوضع» العسكري والسياسي اليوم في سوريا هو معركة حلب، وأن مصير عاصمة الشمال السوري هو الذي سيدفع بتوجهات موسكو بهذا الاتجاه أو ذاك. وبحسب هذه المصادر، فإن نجاح النظام، بدعم روسي ــ إيراني كثيف، في وضع اليد على كامل مدينة حلب سيُفهَم على أن الحرب «يمكن أن تحسم عسكريا» وهي في طريقها لذلك. وفي هذه الحال: «لن يكون للمعارضة السورية ما تفاوض بشأنه»، وبالتالي، فإن المباحثات التي يمكن أن تحصل لاحقا في جنيف أو غيرها «ستكون فقط لترجمة النتائج العسكرية إلى قرارات سياسية». وعندها يمكن أن تعتبر موسكو أنها «ربحت الحرب».
أما إذا عجز النظام، رغم كل المساندة والدعم اللذين يتوفران له عن حسم معركة حلب، فسيكون ذلك مؤشرا لعجزه طويل المدى عن تغيير الواقع الميداني، وعندها ستضطر موسكو إلى استخلاص العبر والسعي لتلافي «الغرق» لسنوات في الحرب السورية، وهو بالطبع ما لا يريده بوتين وفريقه. وفي هذه الحال، ترجح المصادر الفرنسية أن تعمد روسيا إلى البحث جديا عن حل سياسي متوازن ومقبول من الجانبين ويكون عنوانه الأول المحافظة على مصالحها الاستراتيجية. وعندها «لن يكون لمصير الرئيس السوري وزن كبير».
لا تغفل باريس أهمية العامل الإيراني ولا تطورات المواقف التركية وتأثيرها على مسار الأزمة السورية. فمن جانب، باريس تعتبر أن التوافق الإيراني ــ الروسي «يمكن أن يستمر طالما أن الطرفين يعملان على حماية النظام وتمكينه من الصمود»، لكنها ترى أن لكل وضعه «الخاص»، حيث مصالح طهران مربوطة عضويا، بحسب المصادر الفرنسية، ببقاء الأسد ونظامه، بينما وضع روسيا مختلف وهي قادرة على التأقلم وحفظ حصتها «مع الأسد أو من دونه». ونتيجة ذلك أن طهران وموسكو يمكن أن «تختلفا» غدا إذا بدت مصالحهما «متناقضة». أما بالنسبة لتركيا، فالملاحظة الفرنسية الأولى هي أن أنقرة أرادت في تدخلها، إلى جانب ما هو واضح «سعيها لمنع إيجاد تواصل جغرافي للمناطق الكردية السورية الثلاث، وضرب وحدات حماية الشعب الكردية، ولاحقا منع إقامة دولية كردية ملاصقة لمئات الكيلومترات للحدود التركية» إبراز «استقلاليتها» وقدرتها على اتباع سياسات لا تحوز سلفا على رضا الحليف الأميركي رغم إبلاغه في «آخر لحظة» بعمليتها في جرابلس ومحيطها. لكن باريس، رغم ذلك، ترى أن ثمة الكثير من الأسئلة الخاصة بالتدخل التركي التي لا تتوافر بشأنها أجوبة واضحة، مثل إمكانية تقارب أنقرة والنظام السوري، وموقف الأخيرة المستقبلي من المعارضة السورية التي دعمتها منذ البداية، ومدى اتساع تدخلها العسكري وبقاء قواتها على الأراضي السورية، وتصورها للحل بعد أن برزت «مؤشرات» أولية لتبدل في سياستها إزاء الأسد.
ثمة بعد تركي آخر للأزمة السورية - بحسب المصادر الفرنسية - التي ترى أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «لا يريد أن يرى إيران تفرض هيمنتها التامة على العراق وسوريا» بحيث يتحول هذا البلدان إلى «محميتين إيرانيتين» فيما للبلدين مصلحة مشتركة في منع تنامي قوة الأكراد في سوريا «وإيران» واستنساخ نموذج أكراد العراق الذين نجحوا في بناء كيان شبه مستقل داخل الدولة العراقية، وربما يصبح يوما ما مستقلا.
إزاء كل هذه الإشكاليات، تبدو الدبلوماسية الفرنسية «قلقة» من الغموض الأميركي. فباريس ــ وهذا ما يعترف به دبلوماسيوها ــ «لا تعرف تفاصيل ما يدور بين كيري ولافروف»، وتجهل «التنازلات» التي يمكن أن يقدم عليها الوزير الأميركي لتحقيق إنجاز دبلوماسي يحسب في خانة نجاحات الرئيس أوباما الذي جاء إلى البيت الأبيض عام 2008 لإغلاق ملفات حروب أميركا في الخارج. وتعي باريس أن «الغموض» يوفر للوزير كيري «ليونة وهامشا للمناورة»، لكنه «قد يخفي غيابا لخط سياسي مفهوم ولأهداف محددة» ما يشرع الباب لمناورات روسيا، وينعكس سلبا على شركاء واشنطن وحلفائها.
وأمس، لم يتردد وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت، في كلمته الختامية لمؤتمر السفراء في تأكيد أن أحد عوامل اختلال ميزان القوى في الشرق الأوسط سببه «تراجع الولايات المتحدة الأميركية». واتهم إيرولت روسيا وإيران بتشجيع خيارات النظام السوري باعتماد العنف «أي الحرب» الذي لا يقود سوى إلى «طريق مسدود»، منبها إلى أن «لا أحد» قادر على الانتصار فيها، وأن النظام السوري «لن يستطيع البقاء «في مكانه» بعد هذه المأساة «الحرب»». ورغم انتقاده الواضح لدور روسيا، فإن الوزير الفرنسي حرص على تأكيد أن موسكو «شريك» ولها «الحق» في أن تلعب دورها على المسرح الدولي.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.