ما تبقى من «ثورة القذافي»

أنصاره يحتفلون اليوم بمرور 47 عامًا على بداية حكمه

TT

ما تبقى من «ثورة القذافي»

في زاوية تقع في أقصى ردهة الفندق نشب جدل لافت للانتباه بين اثنين من الشبان الليبيين أحدهما طويل والثاني قصير. يقع الفندق قرب مطار القاهرة الدولي. وتجري الاستعدادات لاستقبال عدد من القادة السابقين للاحتفال بالذكري 47 لـ«ثورة معمر القذافي»، التي يحل موعدها اليوم، الأول من سبتمبر (أيلول). الشاب الطويل يريد أن يضع العلم الأخضر الذي يرمز لعقود من حكم النظام السابق، فوق الطاولة. والثاني يحاول إقناعه بوضع علم أبيض بـ«لون الحياد» إلى جواره. أما علم «ثورة 17 فبراير (شباط) 2011» الملون، ذو الهلال والنجمة، الخاص بالدولة الجديدة، فلا وجود له هنا.
تعرف «ثورة القذافي» في عام 1969 لدى أنصاره، باسم «ثورة الفاتح». وينظر إليها خصومه، حتى الآن، على أنها كانت مجرد «انقلاب عسكري من ضابط أرعن». وانطلقت حركة القذافي من مدينة بنغازي التي انتهت إلى أنقاض بعد أن خربتها الحرب الأهلية طوال السنوات الخمس الأخيرة. ومنذ بداية نظام حكمه، حتى نهايته، ظهرت نظريات للقذافي حيّرت العالم، مثل «الكتاب الأخضر» و«النظام الجماهيري» و«الشعب المسلح»، وغيرها، مع تذبذب واضطراب في العلاقات بين الدولة الليبية وباقي دول العالم.
مرت كل هذه السنوات. وفي النهاية تحولت مدينة أخرى مهمة، هي سرت، التي ولد فيها القذافي، عام 1942. ولفظ فيها أنفاسه الأخيرة في 2011 إلى ساحة لحرب ضارية تشارك فيها الولايات المتحدة الأميركية لطرد تنظيم داعش منها. ومن بيته المطل على نيل القاهرة، يقول أحمد قذاف الدم، ابن عم القذافي ومبعوثه الشخصي لعشرات السنين، لـ«الشرق الأوسط»، إن الزعيم الليبي الذي حكم طوال 42 عاما، كان يعلم أنه لن ينتصر أمام ضربات حلف الناتو الداعم لانتفاضة 17 فبراير المسلحة.
وفي ركن بيت قذاف الدم يوجد أيضا علم أبيض صغير فوق الطاولة. لقد ظهرت الفكرة قبل عدة شهور. وترمي إلى دعوة الأفرقاء الليبيين إلى نبذ خلافاتهم وحروبهم، ونسيان علم القذافي الأخضر مع طي علم فبراير الملون، والجلوس حول علم جديد محايد يلتف حوله الخصوم للبحث عن طريقة لإنقاذ الدولة من الضياع. لكن هذه الأيام، حيث استمر التحضير للاحتفال بذكرى «ثورة القذافي»، كان اللون الأخضر في عدة بيوت ليبية في القاهرة، في المقدمة. تراه يرفرف جوار أكياس الحلوى وأضواء الشموع.
«التشدد والتعصب» في موالاة القذافي ما زال السمة الغالبة على جيل مبعثر بين المنافي منذ سقوط النظام السابق، خصوصا في دول الجوار. وفي المقابل هناك جيل «فبراير» الذي يرفض معظمه أي محاولة للتفاهم مع القادة السابقين. رغم هذا انتقلت فكرة رفع العلم الأبيض إلى شوارع طرابلس، وذلك حين ظهر في أيدي عدة مئات من المتظاهرين يدعون للسلام، إلا أن زعماء الميليشيات ردوا عليهم بالرصاص.
طوال عقود من الزمن لم تكن أرفف أي مكتبة في ليبيا تخلو من نظريات القذافي. فماذا تبقى منها اليوم؟ أين الكتاب الأخضر؟ وأين الفكر الجماهيري؟ وأين الشعب المسلح؟ وأين اللجان الثورية؟ ويجيب قذاف الدم قائلا إن «ما تتحدث عنه هو فكر إنساني صاغه القذافي في كتاب يرمز إلى رؤية الإسلام في الحكم ونظام الشورى.. أي المؤتمرات التي تشمل جميع الناس منذ سن البلوغ.. ويمنع فيه الاستغلال والعسف، إلى غير ذلك».
ويضيف الرجل الذي يوصف بأنه كان من أهم المقربين من ابن عمه، إن القذافي رحل لكن «فكره يبقى لدى أتباعه ومريديه يكبر كل يوم». ومثلما كان يفعل القذافي تقريبا، يصف قذاف الدم «الديمقراطية الغربية» بأنها مسرحية، مشيرا إلى «عزوف الناس (في الغرب) عن المشاركة فيها، و(انتشار) التزوير والبازارات الاستعراضية (للانتخابات) في أميركا»، ويقول إن حكام الغرب «تأتي بهم الشركات وأصحاب المصالح والحكومات الخفية والماسونية العالمية.. وتلك الأزمة الحقيقية».
يعتقد قادة سابقون في نظام القذافي أن الرجل تعرض طوال فترة حكمه لحرب نفسية لتشويه صورته بوصفه زعيما في شمال أفريقيا، منذ ظهوره في أواخر ستينات القرن الماضي. وحين تجلس وسط تجمعات لليبيين اللاجئين في مصر، على سبيل المثال، وتفتح باب الحديث عن الحرب على «داعش» في سرت الجارية الآن، تجد ردودا تعود بك إلى خمسين سنة ماضية عن «المؤامرة الدولية على ليبيا»، وعن ألوف القتلى الذين سقطوا من أبناء هذا البلد منذ الانتفاضة ضد حكم القذافي. أما «الثورة» التي قام بها القذافي نفسه ضد نظام الحكم السابق عليه: «فلم يسقط فيها قتيل واحد»، كما يتذكر قذاف الدم.
ويزيد موضحا: «لقد قام القذافي بواجبه في قيادة ثورة للشعب الليبي. لم يسقط فيها قتيل واحد.. طردت الثورة القواعد الأميركية والإنجليزية وبقايا الطليان الفاشست. ولو لم يفعل القذافي غير ذلك، لكان دَينًا في أعناق الليبيين الأحرار، ولن تستطيع هذه الآلة الإعلامية الأجنبية والحرب النفسية أن تسقط صورة الزعيم في أعين الليبيين الأحرار أو العرب والمسلمين والأفارقة».
لكن البعض يرى أن 42 عاما من حكمه، وما شهدته هذه الفترة الطويلة من تجارب سياسية مع العرب ثم مع الأفارقة، ودول أخرى، أنهكت ليبيا وجنت على فرص أخرى للإصلاح السياسي والاقتصادي في الداخل. بيد أن قذاف الدم يرد قائلا إن القذافي كان «صاحب قضية»، وكان يريد «وحدة الأمة». ويضيف أنه عندما أصاب اليأس القذافي من الموقف العربي «اتجه لمحيطنا الأفريقي الذي ساهم في معركة تحريره. وقاد معركة الوحدة (الأفريقية) لنقارع جيراننا في الشمال (الاتحاد الأوروبي)».
لكن الأمور بدأت تتغير في سنوات حكم القذافي الأخيرة. فقد ظهر على المسرح السياسي الليبي، لأول مرة، وجه جديد، هو نجله، سيف الإسلام، من خلال مشروعه الإصلاحي المعروف باسم «ليبيا الغد». هنا بدأ بعض المحيطين بالقذافي ممن يطلق عليهم «الحرس القديم» يحاولون كبح جماح الشاب ذي النظارات الطبية والرأس الحليق. إلا أن تحركات سيف الإسلام كانت سريعة، ودخل في مصالحات مع جماعة الإخوان، ومع الجماعة الليبية المقاتلة. وأخرج قادة تيارات دينية متشددة من السجون وجلب منفيين ومطاردين من الخارج. وأشرف على «مراجعات فقهية» للبدء في مرحلة جديدة لما بعد «جيل ثورة الفاتح».
ومع ذلك يقول بعض قادة أنصار النظام السابق، إن ليبيا كانت، رغم كل شيء، دولة آمنة مطمئنة، مقارنة بما يحدث هذه الأيام. ويقر أحد هؤلاء القادة بأن المتغير الذي حدث في السنوات الأخيرة من حكم القذافي يتعلق بظهور جيل ليبي تعلم في الغرب، ولا يحلم أحلام «جيل ثورة الفاتح». الجيل الجديد «كان منبهرا بتجربة الغرب وهو شكل لا ينطبق علينا». ومن جانبه يقول قذاف الدم: «نعم.. لنا خصوصية اجتماعية، ودين مختلف، وعادات وأعراف، والكل كان يطمح للأفضل. وإنما بإيقاع مختلف». وهو يرى أن سقوط نظام القذافي ما كان ليحدث لولا تدخل حلف الأطلسي (الناتو).
يقول أحد شعراء ليبيا الشعبيين، وهو نصيب السكوري، في قصيدة يتغنى بها في احتفالات القبائل، ما معناه أن ما حدث لليبيا جاء ضمن عاصفة ضربت العراق في 2003، ثم اتجهت إلى تونس ومصر في 2011، وبعد ذلك بأيام هبت على ليبيا «ونحن لا جهد.. لا حيل». أي من دون أي استعداد أو قدرة على استقبال هذه المتغيرات الصعبة. ويقول شاعر آخر عن حال البلاد اليوم مقارنة بما كان عليه في عهد القذافي، ما معناه أن البلاد «ابتليت بذئاب أكثر ضراوة من الذئب السابق».
وأيا ما كان الحال فإن الحقيقة التي تتجلى على أرض الواقع تبدو شديدة المرارة. فمنذ 2011 حتى اليوم لم يتوقف صوت إطلاق الرصاص في شوارع المدن الليبية. وما زال الشبان صغار السن يسقطون في مواجهات دامية. ويقول قذاف الدم إن المجتمع الدولي أخطأ بشأن ليبيا والعرب عموما.. «حلف الناتو جند نفسه، ليس من أجل الحرية والديمقراطية، وإنما استخدم ظرفًا تم إعداد ساحته من بغداد إلى طنجة ونفذه تحت غطاء الربيع العربي الذي دمر 4 جيوش عربية؛ العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا.. وشرد أكثر من 14 مليون مواطن عربي وقتل 3 ملايين ومع خسائر أكثر من 900 مليار دولار. وأعاد هذه الدول للعصر الجاهلي».
في مناقشات حامية على هامش الاستعداد للاحتفال بذكرى «ثورة القذافي»، طرح أحد القيادات السابقة سؤالا عما إذا كان يمكن تجنب التداعيات التي أدت في النهاية إلى إشعال بعض المجاميع المسلحة للشارع الليبي في 17 فبراير، ومن ثمَّ تدخل «الناتو» لضرب أسس الدولة خصوصا الجيش. وهل كانت هناك مبادرات للحل لم يكشف عنها من قبل؟ لكن يبدو أن الإجابة المعتمدة هنا هي تلك التي جاءت أخيرا على لسان الرئيس الأميركي بارك أوباما، حين صرح منذ نحو شهرين بما معناه أن أحد الأخطاء هو إسقاط النظام في ليبيا دون إيجاد بديل.
ويتذكر قذاف الدم تلك الأيام الصعبة في تاريخ ليبيا، قائلا إن الدول الغربية رفضت كل الحلول الإيجابية، وأصرت على رحيل القذافي «بما يريد وبكل الضمانات وبمن يريد». ويضيف أن القذافي أصر على البقاء، وأنه قال إنه يعرف أنه لن ينتصر على هذه الدول، و«إنما علينا أن نقوم بواجبنا وألا نورث العار للأجيال القادمة». وينفي ابن عم القذافي ومبعوثه الشخصي ما يردده بعض القادة الليبيين هنا عن أن «العقيد الراحل تعرض للخيانة من بعض المحيطين به أثناء أحداث فبراير». ويوضح قائلا: «لو كانت هناك خيانة لسقط النظام من الأسبوع الأول».
ويضيف أن «المعركة كانت طويلة، وعزائم الرجال ليست على المستوى نفسه. ولم يعد هناك إمداد وذخائر أمام 40 ألف غارة و17 قمرا صناعيا و4 أساطيل لدول عظمى مع حدود مستباحة من مصر حتى تونس، حيث كان النظام في هاتين الدولتين قد تعرض للانهيار، وأصبح المرتزقة يتدفقون مع السلاح ومع الحرب النفسية».
ويتابع قائلا: «لعل الحقائق التي تظهر كل يوم تثبت أن نسبة الفاقد في ليبيا لا تقارن بما تحقق بعد 2011، فعندما يغادر الوطن ثلث السكان، أي 2 مليون من أنصار القذافي، وعندما يتم أسر 40 ألف مقاتل، وسقوط 30 ألف شهيد. وعندما يتم عزل نصف مليون مسؤول ستعرف الحقيقة. هذا لا ينفي أن هناك عملاء تم تجنيدهم على مدى سنوات شكلوا طابورًا خامسا ويعرفهم الليبيون وجميعهم اليوم خارج الوطن بعد أن اكتشف الشعب حقيقة مهمة هؤلاء».
ولم تخرج أي إحصاءات رسمية من جانب أي جهة عن الخسائر الاقتصادية الحقيقة التي تكبدتها هذه الدولة النفطية نتيجة إسقاط نظام القذافي. لكن قذاف الدم يقول إن «بلاده خسرت أيضا مئات المليارات من الدولارات.. وجرى نهب أطنان من الذهب، وإهدار ثروات نفطية، وتدمير البنية التحتية، وتخريب مصانع ومشاريع، وقتل عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال.. وأسوأ من كل ذلك هو هدم النسيج الاجتماعي والإهانة التي لحقت بليبيا».
رحل القذافي. وحتى الآن لا يُعرف مكان لقبره. فقد جرى دفنه بشكل سري. رحل وترك وراءه أسئلة عن مصير أنصاره ومستقبل بلاده. أسئلة تكبر يوما بعد يوم في عيون من لديهم مقدرة على التكفل بالعيش في المهجر، وفي عيون مئات الآلاف المبعثرين بلا سند مالي في دول مثل مصر وتونس. فأين تقيم قيادات النظام السابق في الوقت الراهن؟ وما عدد الموجودين في السجون داخل ليبيا من هذه القيادات حتى الآن؟ وما عدد من هم في الخارج؟ وهل شارك أي من قيادات النظام السابق في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة وأنتج المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج؟
لقد قتل عشرات من القادة الكبار مع القذافي في طرابلس وسرت وغيرهما، ومن أشهرهم رفيقه القديم وقائد الجيش، الفريق أبو بكر يونس. ويضيف قذاف الدم قائلا: «لدينا الآلاف في السجون حتى هذه الساعة، وهناك قيادات في الداخل (الليبي) في مواقع آمنة، وكذلك في مصر وتونس وبعض الدول الأفريقية». وعن مشاركة أي من أنصار النظام السابق في حوار الأمم المتحدة بشأن المصالحة في ليبيا، يوضح: «لم نُدعَ لحوار الأمم المتحدة، لأن وجودنا سيقلب الموازين.. نحن الرقم الصعب في المعادلة السياسية، ونحن الأغلبية، وهذا سيحرج الدول الاستعمارية التي تريد أن تصنع من فبراير مبررا لاستمرار تدخلها في ليبيا».
وفي المقابل يشارك كثير من أنصار النظام السابق في جولات للحوار مع خصوم ليبيين آخرين بعيدا عما تقوم به الأمم المتحدة. تجري بعض هذه اللقاءات في الداخل الليبي والبعض الآخر في بلدان مجاورة. ويقول قذاف الدم: «توجد حوارات ليبية أخرى نحن ندعى إليها، ونشارك فيها بفاعلية، ونعمل على حقن الدماء وندعو لحراك جديد تحت راية بيضاء للسلام، وقيام دولة جديدة دون إقصاء أو تهميش لأحد وتجاوز كل هذه الآلام والجراحات وتقديم التنازلات لأن الوطن يضيع. وسوف ننجح في صنع فجر جديد للوطن».
اهتمام أنصار النظام السابق بالتطورات الجارية في مدينة سرت ليست من فراغ. فهي مسقط رأس القذافي، ومكان مقتله. وتشهد المدينة منذ نحو ثلاثة أشهر قتالا شرسا لطرد تنظيم داعش منها على يد قوات «عملية البنيان المرصوص»، التي ينتمي غالبية عناصرها لمدينة مصراتة المجاورة، لكن أين أبناء سرت أنفسهم من هذه الحرب؟ يقول قذاف الدم: «عندما دكت غارات الحلف الأطلسي سرت في 2011 وفتحت الأساطيل حممها عليها، استشهد كثير من أبنائها وبناتها وتم أسر من بقي من الشباب، وهاجر منها أهلها، فاستغلت مجموعات المرتزقة (يقصد داعش) هذا الفراغ وسيطرت عليها. واليوم تقوم حكومة الميناء (يقصد حكومة السراج) المدعومة من الغرب، بحرب وقودها أبناء الليبيين بحجة تحرير سرت، ولعلك تندهش عندما تعرف أن طيران الغرب قتل من أبناء مصراتة أكثر مما قتل من (الدواعش)».
وما بين الماضي والحاضر تثور أسئلة قديمة عن أخطاء القذافي، وأسئلة جديدة عن مستقبل المصالحة والتوحد ضد الجماعات المتطرفة. ويسود اعتقاد أن هزيمة «داعش» في سرت لا تعني نهاية وجود التنظيم في عموم البلاد. ويقول قذاف الدم إن «(داعش) فيروس أطلقه الغرب، وروج له، ودعمه. التنظيم يقوم بحرب بالنيابة لتدمير الدول الإسلامية». وعن أبرز أخطاء العقيد الراحل يوضح: «القذافي كان قائدًا عظيمًا وأخطاؤه أيضًا».
وفي الجانب الآخر من العاصمة المصرية كان عدد من الشبان الليبيين يواصلون الجدل في ردهة الاحتفال حول جدوى وضع «علم أبيض» بجوار العلم الأخضر. ومع غياب علم الدولة الملون، يبدو أن طريق المصالحة، في مرحلة ما بعد القذافي، ما زال طويلا.



الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.


خلية الإعلام الأمني العراقية تتسلم 2250 «إرهابياً» من سوريا

لوغو خلية الإعلام الأمني العراقي (حسابها على «إكس»)
لوغو خلية الإعلام الأمني العراقي (حسابها على «إكس»)
TT

خلية الإعلام الأمني العراقية تتسلم 2250 «إرهابياً» من سوريا

لوغو خلية الإعلام الأمني العراقي (حسابها على «إكس»)
لوغو خلية الإعلام الأمني العراقي (حسابها على «إكس»)

نقلت وكالة الأنباء العراقية، اليوم (السبت)، عن رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن قوله إن العراق تسلَّم 2250 «إرهابياً» من سوريا براً وجواً، بالتنسيق مع التحالف الدولي.

وأكد معن أن العراق بدأ احتجاز «الإرهابيين» في مراكز نظامية مشددة، مؤكداً أن الحكومة العراقية وقوات الأمن مستعدة تماماً لهذه الأعداد لدرء الخطر ليس فقط عن العراق، بل على مستوى العالم كله.

وأكد رئيس خلية الإعلام الأمني أن «الفِرق المختصة باشرت عمليات التحقيق الأولي وتصنيف هؤلاء العناصر وفقاً لدرجة خطورتهم، فضلاً عن تدوين اعترافاتهم تحت إشراف قضائي مباشر»، مبيناً أن «المبدأ الثابت هو محاكمة جميع المتورطين بارتكاب جرائم بحق العراقيين، والمنتمين لتنظيم (داعش) الإرهابي، أمام المحاكم العراقية المختصة».

وأوضح معن أن «وزارة الخارجية تجري اتصالات مستمرة مع دول عدة فيما يخص بقية الجنسيات»، لافتاً إلى أن «عملية تسليم الإرهابيين إلى بلدانهم ستبدأ حال استكمال المتطلبات القانونية، مع استمرار الأجهزة الأمنية في أداء واجباتها الميدانية والتحقيقية بهذا الملف».


«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جرّاء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، واستُهدفت في أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، مما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، بالإضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة نقصاً حاداً في الإمكانات الطبية، مما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.

وحثّت الشبكة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان على «اتخاذ إجراء فوري لحماية المدنيين، ومحاسبة قيادة (قوات الدعم السريع) بشكل مباشر عن تلك الانتهاكات».

ولم يصدر أي تعليق فوري من «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني، من أجل السيطرة على البلاد منذ نحو ثلاث سنوات.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن هجوماً وقع، أمس (الجمعة)، على قافلة مساعدات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية شمال كردفان، أسفر عن مقتل شخص واحد وإصابة آخرين.

وأضافت دينيس براون أن القافلة كانت متجهة لتوصيل «مساعدات غذائية منقذة للحياة» إلى النازحين في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، عندما تعرضت لهجوم. وتسبب الهجوم في «احتراق الشاحنات وتدمير المساعدات».

وتابعت دينيس براون أن غارة جوية بطائرة مسيّرة الأسبوع الماضي، وقعت بالقرب من منشأة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية النيل الأزرق، مما أدى إلى إصابة أحد العاملين في البرنامج.

وحمّلت منظمة «محامو الطوارئ» -وهي منظمة مستقلة توثق الفظائع في السودان- «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم، في حين وصفته شبكة «أطباء السودان» بأنه «انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي، ويرقى إلى مستوى جريمة حرب كاملة».

وأدان أحد المستشارين الأميركيين للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، الهجوم على منصة «إكس»، داعياً إلى محاسبة المسؤولين عنه. وأضاف أن «تدمير الغذاء المفترض نقله إلى المحتاجين وقتل عمال الإغاثة الإنسانية أمر يثير الاشمئزاز. إن إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب لا تتساهل مطلقاً مع هذا القتل وتخريب المساعدة الممولة من الولايات المتحدة. إننا نطالب بمحاسبة (الجناة)».

ووصفت الوزيرة البريطانية للتعاون الدولي، جيني تشابمان، الهجوم على قافلة برنامج الأغذية العالمي بأنه «مخزٍ».