الإرهاب وخراب المعنى

داء البشرية الذي لم نستطع معالجته على الرغم من دعوات التسامح والتنوير الفلسفي

الإرهاب وخراب المعنى
TT

الإرهاب وخراب المعنى

الإرهاب وخراب المعنى

يعتبر العنف ظاهرة ملازمة للإنسان وللتاريخ، ويتطور بتطور الإنسان. وقد يتخذ أشكالا متعددة، ترتبط بطبيعة المناخ البشري، وبعلاقات القوى والسيطرة في العالم. فالمعنى ظاهرة إشكالية بامتياز. إذ بقدر ما هو مدمر للإنسان، بقدر ما يلعب دورا أساسيا في صنع التاريخ البشري، بقدر ما يشكل تهديدا حقيقيا لمصير الإنسانية. وبقدر ما يعتبر أساسا لتثبيت السلطة السياسية بقدر ما يمكن أن ينقلب ضدها.
إن العنف، هو داء البشرية الذي لم تستطع الحد من انتشاره، على الرغم من دعوات التسامح الديني ومن التنوير الفلسفي، وعلى الرغم من تناسل الخطابات، وتناسل المنظمات الداعية إلى احترام حقوق الإنسان.
ويشكل الإرهاب ذروة العنف. فهو رعب ضد رعب، ينتشر في كل مكان، حيث بات الهاجس المقلق والمربك لكل المجتمعات والدول. إنه الظل المرافق لكل نسق من الهيمنة. وليس ثمة خط فاصل يسمح بمحاصرته. والإرهاب شكل من أشكال العنف، أو لنقل، عنف فاحش، لأنه يهدف إلى إحداث أكبر قدر من الخسائر في الأرواح والممتلكات، وبأفظع الوسائل، لكي يترك الأثر الأقوى والأبلغ في النفوس، وليس من رادع له، لا في الزمان ولا في المكان، فالكل مستباح. هذا يعني أنه عنف أعمى لأنه لا يميز، فالكل في سلة واحدة، ولا وجود لأبرياء في نظر الإرهابي، إذ يعتبر كل الناس مسؤولين عن مأزقه أو بؤسه أو فشله. وفي هذه الحالة، يصبح الكل رهائن له ولخططه. وهذا ما يلاحظ من خلال عمليات خطف الطائرات، أو التفجيرات التي تشهدها المقرات الرسمية والأماكن العامة، التي يستخدم فيها الإرهابي، جسده وأجساد الآخرين كأدوات للتفجير، أو الترويح، أو التعذيب، أو التصفية. بهذا المعنى، فهو عنف فائق، عنف شرس. إنه عنف فيروسي يحدث عن طريق العدوى، ويعمل شيئا فشيئا على تدمير مناعتها. ومن الخطأ أن نعتقد أن الإرهاب هو سلاح الضعفاء. فمثل باقي الأسلحة الفتاكة، يعتبر الإرهاب سلاح الأقوياء على الخصوص. وعندما ندعي عكس ذلك، فلأن الأقوياء يراقبون الأجهزة الآيديولوجية والثقافية التي تجعل إرهابهم يتخذ شكلا غير شكل الإرهاب. بهذا المعنى، فالإرهاب تعبير عن انفجار المنظومة الغربية، من خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ومختلف ردود فعلها. فشعار الحرب على الإرهاب: عنف يولد عنفا. بمعنى أنه لم يتم الخروج من المنطق المأزوم نفسه. فنجد بن لادن وبوش يتحدثان اللغة نفسها، أي لغة القوة وليس لغة الحوار. وعدوانية الإرهابي، لا يمكن فهمها كحركة ممانعة ومدافعة عن الهوية الإسلامية، بقدر ما تعبر عن أزمة الثقافة الإسلامية وردتها عن قيمها.
أزمة الثقافة العربية الإسلامية
للإرهاب الممارس اليوم من طرف الحركات الأصولية، جذر ثقافي يرتبط ببنية الثقافة وثوابتها ومعتقداتها ونماذجها، وكل أشكال الوعي المرتبطة بروافدها. يحدده سؤال الهوية، وما ينتجه من أوهام تتعلق بالميولات المرجعية، والنماذج البائدة، التي تحرك اختياراته وقناعاته في نظرته إلى ذاته وإلى الغير. بهذا المعنى، فالهوية في نظر الإرهابي، تعتبر جوهرا متعاليا، ومبدأ حصريا أحاديا، وأصلا ثابتا يختم، بصورة نهائية، على العقول والأجساد والأسماء. حيث يجري قذف الآخر خارج دائرة الإيمان والإنسانية، ويعتبره جرثومة يجب استئصالها والقضاء عليها. فكل من يدعي أنه الأحق والأشرف والأفضل والأرقى، من حيث المعتقد أو الثقافة، فهو مشروع إرهابي، لأنه ينطلق من عقلية اصطفائية إقصائية. حيث تناسى، وهذا ما يثبته الدرس الحضاري، بأن الهوية مركبة ومتحركة ومفتوحة ونسبية. فهي مجمل علاقاتنا وتبادلاتنا مع الآخر والزمن والعالم. على هذا النحو، يجب على المجتمعات الإسلامية، أن تتعامل سواء مع نفسها أو مع غيرها، بحيث تكون مهمتها المشاركة في صناعة الحضارة بصورة وسطية تداولية، بعيدة عن منطق الثنائيات: الخير-الشر، البربرية -الحضارة.
لقد تغيرت الهوية الثقافية التي ندافع عنها بفعل الزمن، وبفعل علاقات التأثير والتأثر بين الحضارة الإسلامية وباقي الحضارات الأخرى، من فارسية وهندية وصينية ويونانية، وكذلك باقي المذاهب الدينية الأخرى، التي وافقته أو اختلفت معه. كما أن انتماءنا إلى العالم المعاصر، اخترق وجودنا بفعل أدواته وأفكاره، وبالتالي لم نعد قادرين على الانفصال عنه. بل في دفاعنا عن أنفسنا، نلجأ إلى أسلحته ومخططاته. أمام هذا الوضع كيف يمكن تصور وجود هوية ثابتة أصلية؟ إن هويتنا متصدعة يسكنها الاختلاف. فنحن على الأقل، أوروبيون وآسيويون وأفارقة وغير ذلك.
ويعد الإرهاب نتاجا لطرق التفكير ولكيفيات استعمال العقل، بحيث ارتبط بنماذج فكرية دغدغت الحياة العامة بخطاباتها التي تدعي امتلاك الحقيقة، بل وامتلاك الأجوبة النهائية على كل قضايا ومشكلات الحياة المعاصرة. وتزعم أن كل ما أنتج من مفاهيم ونظريات وتجارب، في جميع فروع العلم والمعرفة، لم يأت بجديد. وهذا النموذج من التفكير يجهل سيرورة المفاهيم والنظريات وانتقالها عبر براديغمات (منظومة أفكار ومفاهيم مرجعية). كما يجهل تاريخ الأفكار، وأن كل فكرة تتولد عن أسئلة نظرية في سياق معين. وما يقوم به، هو السطو على المعارف المنتجة في الجامعات الغربية، لكي ينسبها إلى الإسلام. وتلك هي الفضيحة المعرفية والخلقية. لكن هناك من أغلق فكره، وسلم أوراقه إلى مرجعه الذي يختم على عقله، ويعمل على قولبته، لكي يكون على شاكلة الأوائل فيما كانوا يعتقدونه أو يفعلونه في كل أمر وشأن، أي في جميع مجالات الحياة اليومية، من أكل ولبس وزواج وعطر وغير ذلك. بمعنى أن هؤلاء قدموا استقالتهم من التفكير الحي والمثمر. ونتيجة هذه المهمات المستحيلة، هي إعادة إنتاج الماضي، عجزا وفقرا أو مسخا وتشويها. إلى جانب هذا كله، هناك من يدعي إنقاذ الأمة الإسلامية والبشرية جمعاء، عبر زرع الرعب، وسفك الدماء، وزعزعة الأمن والاستقرار، وتدمير معالم الحضارة، حيث تحول إلى مخرب أممي يدعي أنه وكيل الله وصاحب مهمة إلهية. أي أن الإرهابي يمتلك الحقيقة، وكل القيم والمعاني، من خير وحق ومدنية وحضارة، مستبعدا كل من يختلف معه ويعارضه. بهذا المعنى فإن بن لادن والزرقاوي والظواهري وغيرهم، لم يأتوا من عالم الغيب. وإنما هم ثمرة مرشدين ودعاة ووعاظ وتأويل معين للنص الديني، والحصيلة هي بناء جميل متشدد ومتطرف وعدواني وانتقامي، يفتش عن سفارة يحتلها، أو عن مقر يفجره، أو عن جسد يمزقه، أو عن كاتب يطعنه.
إن مقولة «إسلامية المعرفة»، من المقولات الرائجة لدى الكثير من الحركات الفكرية الداعية إلى أسلمة كل أشكال الحياة والمجتمع والثقافة. واللافت للنظر، أن العلماء المسلمين القدامى، لم يصنفوا العلوم على أساس ديني، بل صنفوها على أساس ثقافي، علوم أصيلة ودخيلة، مع العلم أنهم كانوا منتجين لكل أشكالها. أما اليوم، فما هو إنتاج المسلمين في مجال العلم لكي يتحدثوا عن علوم إسلامية، أو عن معرفة إسلامية. وكل مشتغل في أي فرع من فروع المعرفة، يجد نفسه في حقل له تاريخه وأعرافه. وله عدته وأدواته. كما أن له مشكلاته ورهاناته، فضلا عن مدارسه واتجاهاته. همه في عمله، تشخيص واقعة أو تحليل ظاهرة أو صوغ مشكلة أو فهم أزمة أو معالجة قضية. ومن يفعل ذلك لا يتخلى عن خصوصيته الثقافية بقدر ما يسهم في توسيع عالم المعرفة.
بهذا المعنى، فإن الدعوة إلى أسلمة المعرفة تشكل تراجعا عن عالمية الفكر الإسلامي. كما تشكل دليلا على تبعية العقل المسلم، وعدم قدرته على التحرر من تأثيرات الحداثة الغربية ومنجزاتها. فالحضارة الإسلامية تأثرت بالحضارات السابقة، وأثرت في الحضارات اللاحقة، بفعل الإبداع والإنجاز، لا بالبحث عن افتراضات واهية نابعة من تغلغل ما هو آيديولوجي في عقل المسلم على حساب ما هو ابستيمولوجي.
بشكل عام، ما يلاحظ على أزمة الثقافة الإسلامية أنها مركبة في عواملها، حيث تجمع بين موضوعات الفقر، والبطالة، والعنف الأسري والمدرسي، وغياب الديمقراطية، والفساد والجهل. والأمية كمحركات داخلية، لها دورها الفاعل كذلك، إلى جانب ما جرى الوقوف عليه من كيفيات التفكير وأنماطه لكي تشكل ظاهرة الإرهاب.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.