التنظير وضرورته لخلق الانسجام بين المتناقضات

لماذا نكتفي بما أبدعته المنظومة القديمة أو أنجبته المنظومة الغربية؟

غاليليو
غاليليو
TT

التنظير وضرورته لخلق الانسجام بين المتناقضات

غاليليو
غاليليو

لقد مر على الشعوب العربية الإسلامية مدة طويلة، وهي تعتبر التنظير ترفا فكريا، وتعتبر كل دعواتنا هي للعمل، وكأن العمل يتم من دون سند نظري. لقد فاتنا أن كل سلوك في الحياة وكل تصرف، سواء أكان فرديا أو جماعيا، لا يتم أبدا إلا بإيعاز نظري مسبق واع أو غير واع. فهناك دوما، بنية ذهنية خفية بمبادئ وأوليات مضمرة أو معلنة، واضحة أو معتمة، تكون بمثابة الإطار المرجعي أو النموذج الموجه للقرارات، الذي لا نستطيع النظر للواقع من دونه. بل حتى مسألة طرح الإشكالات وطرق حلها، مرهونة بهذا السقف النظري. فلماذا إهمال التنظير على أهميته؟ ولماذا تهميشه والاعتقاد في أنه أمر غير مجد؟ بل لماذا يدعي البعض أن لدينا ما يكفي من التنظير؟ هل حقا نحن ننظر؟ أم نحن مجرد مستهلكين سواء لإبداعات القدماء أو إبداعات الآخر الغربي المتفوق؟ بعبارة أخرى، لماذا نكتفي بالتقليد النظري سواء الذي أبدعته المنظومة القديمة، أو الذي أنجبنه المنظومة الغربية الحديثة، فلا نبدع لأنفسنا نظريات جديدة، أو على الأقل، نحسم أمرنا ونشتغل بواحدة فقط عوضا عن أن نظل نتأرجح بين القديم والحديث دونما ضوابط إلى حد الانفصام الثقافي؟ لماذا هذا العجز النظري؟ ولكن قبل كل ذلك ما معنى نظرية بداية؟
معنى النظرية؟
لن نجد لفهم النظرية أحسن من أخذ النموذج من العلم الدقيق؛ فنحن نسمع مثلا عن نظرية النسبية لأينشتاين، ونظرية التطور لداروين، ونظرية الانفجار العظيم، ونظرية التجاذب الكوني لنيوتن وغيرها، فما الذي يسمح بإطلاق لقب نظرية على منجز علمي؟ على ماذا تتوفر النظرية لتكون نظرية؟
إن النظرية هي بمثابة افتراض أو إنشاء عقلي مفاهيمي، الغرض منه إيجاد حل لمعضلة علمية معينة. ولكي تصبح النظرية حلا ناجعا للمعضلات التي يواجهها العلماء، فإنها ينبغي أن تكون قادرة على جمع شمل شتات القوانين المكتشفة، وجعلها تكتسي طابع النظام والمعقولية والتناغم والانسجام. وكمثال نوضح به الأمر، سنأخذ نظرية التجاذب الكوني. فهي استحقت أن تصنف كنظرية علمية، لأنها جاءت لتحل المشكلة التالية: لماذا هناك سقوط في الأرض ودوران في السماء؟ بعبارة أخرى، لماذا تسقط التفاحة ولا يسقط القمر؟ فكان الجواب هو الجاذبية، باعتبارها محاولة للتوفيق بين قوانين سقوط الأجسام، التي وضعها غاليليو، وقوانين دوران الأجسام التي اكتشفها العالم الفلكي «كبلر»، في توليفة متناغمة، حيث لم يعد هناك تناقض بين السقوط والدوران. فيكفي مراعاة المسافة والكتلة. فإذا ما غيرنا للقمر كتلته ليصبح مثلا أثقل، لسقط عوضا عن أن يدور. الشيء نفسه نقوله عن القمر الاصطناعي. فحين نرسله إلى الفضاء تصبح حركته دورانية وهكذا. فأين تتجلى قوة التنظير هنا؟ إنها استطاعت أن تدمج السماء بالأرض، وتوحد القوانين في قالب رياضي جامع. وبهذا فالنظرية تكون قد حلت مشكلة. وإذا ما طرأت مشاكل جديدة، تطلب ذلك عدم التشبت بالنظرية القديمة، والاتجاه نحو تنظير جديد.
إن العلم لا يتحرك إلا بالمشكلات. والمشكلة العلميّة، عبارة عن تناقض مزعج ومربك ومحرج، ما بين النماذج الذهنية المقترحة: «أي الباراديغم»، والمكذبات الواقعية التي تحرج هذا الباراديغم، ومن ثم ينبغي البحث عن حل يعيد خلق الانسجام من جديد. فالمتأمل في تاريخ العلم، يكتشف دائما، أن العلم يتحرك بقوة حينما تكون هناك توترات وتناقضات جادة بين النماذج المعتمدة، والوقائع المشاهدة المكذبة لها. فمثلا عندما دارت الأرض مع كوبيرنيكوس لم تعد الفيزياء الأرسطية القائمة على أساس أن السكون هو الأصل، نموذجا صالحا. لأن المكذبات طغت، وأصبح ضروريا وملحا البحث عن نموذج جديد. وهذا ما بلوره «غاليليو» انطلاقا من مبدأ العطالة، أو القصور الذاتي الشهير. وكمثال آخر نذكره، وهو أنه في القرن التاسع عشر، وقع تناقض بين حكاية الخلق، كما وردت في سفر التكوين، والمعارف البيولوجية والجيولوجية الحديثة. والشيء نفسه يقال عن التناقض الذي طرحناه أعلاه مع نيوتن والمتمثل في: لماذا التفاحة تسقط والقمر لا يسقط؟ بعبارة أخرى، هل قوانين السماء هي نفسها قوانين الأرض؟ بالطبع وجد الحل التوليفي في الجاذبية. فالتناقض والأزمات والرجات العقلية، بين النماذج المقترحة ومكذباتها، هي محرك العلم ومهمازه. وهو الأمر الذي تؤكد عليه الابستمولوجيا المعاصرة، وخاصة مع «توماس كون»، بمفهوم الباراديغم، وكارل بوبر بمفهوم القابلية للتكذيب.
العجز النظري؟
تعترض طريق الإنسان العربي الكثير من المشكلات والمآزق في كل المجالات. وعندما يبحث لها عن حلول، يجد أمامه وابلا من النظريات، التي هي بمثابة مقترحات حلول، إلى درجة يقف معها عاجزا عن الاختيار والمفاضلة؟ وإذا علمنا أن الاختيار لا يكون، في غالب الأحيان، على أساس عقلي متين، بل يكون على أساس وجداني، إذ تغيب معايير الانتقاء العلمية عن العقل العربي للأسف، نختار حيثما اتفق، وربما فقط لدواعي الجذور والانتماء أو التاريخ، وليس لدواع إجرائية تنشد أكبر قدر ممكن من المردودية، وأكبر قدر ممكن من جمع التناقضات في توليفة متناغمة ومنسجمة، إذ لا قيمة لأي تنظير يترك النشاز والاضطراب، فالحلول النظرية الجبارة، هي حلول تدمج اللأمنسجم مع بعضه البعض. أما أن تجمع المتآلف فلا يعني أننا في التنظير في شيء. لكن لسوء حظنا، نجد عجزا نظريا هائلا. وهذا ليس جلدا للذات، بل هو الحقيقة التي لا يجب الهروب منها. إنها تشخيص يسمح بأن نطرح أولوياتنا من جديد، وأن نعلنها حاجة عربية إسلامية، ونبحث عن الطاقات خاصة الشابة منها، ونجمع شملها، ونطلق لها العنان للتفكير كي تحدث التراكم الذي ربما يسمح بالكيف المطلوب.
هل نفكر من خلال نظرياتنا المتوارثة، أم نفكر انطلاقا من النظريات الجديدة؟
كم هو مؤلم أن نبحث عن حلول لقضايا العصر، ونجد أن النظريات القديمة الموروثة غير مسعفة، لأنها لا تجيب عن المآزق، كما وأن المكذبات الواقعية تحرجها وتظهر تهافتها، ولا تزيد إلا في تعميق خيبة أملنا. وكم يزداد الألم عندما نقترض النظريات من الغرب، ونجد أنفسنا في وضع غير مريح، لأننا غير هاضمين لها، مع إحساس بأن لدينا الثمار بلا جذور وأصول، أو أن شروط تحقيق هذه الحلول لا تتلاءم وظروفنا التي نحن فيها، على الرغم من كل جهود التبيئة التي يمكن أن نقوم بها. أليس هذا حقا هو الشقاء عينه؟! وتزداد الأمور حدة، عندما نبدأ في الانتقاء تارة من الموروث، وتارة من المنظومة الوافدة الغربية، فتصبح الأمور كاللوحة المشوهة التي لا يحتمل النظر إليها، فلا تعطي سوى الانفصام الثقافي الذي نعاني منه كثيرا. وما الجدل حول الأصالة والمعاصرة الذي أسال المداد عند المفكرين العرب، سوى أحد تمظهرات ذلك. فالديمقراطية ليست ديمقراطية، والحرية ليست هي الحرية. فالمعاني تتضارب ما بين تصور المنظومتين، فيختلط علينا الأمر، ويسوء السلوك، فينطبق علينا مثال الغراب الذي أراد أن يقلد الحمامة في مشيتها، فلا هو أحسن مشيته ولا أحسن مشية الحمامة.
نحن أصبحنا لا نفكر بصفاء نظري. فهناك في جوف كل عربي مسلم، نسقان كبيران يوجهانه، ما يخلق له التشويش وعدم السلوك الواضح. ألم يحن بعد الأوان للتصفية والتنقية النظرية، وتحديد المنطلقات والمبادئ بوضوح، والعمل على إيجاد منظومة نظرية كبيرة بمبادئ مشتركة ومنطلقات واحدة وإشكالات حقيقية، يتجند لها الكل بأدوات وطرائق متفق عليها؟ ألم يحن بعد، الوقت لرسم خريطة الذهن العربي، والقيام بأكبر تحقيق، ورسم الحدود الواضحة التي تجعل التصور يتخذ طهره ويزال عنه تلوثه، ومن ثم نقول هيا للعمل!
ختاما، قد يسأل البعض عن المعايير التي تسمح باختيار النظرية القوية؟
نجيب بأنها تتمثل بالأساس، في كونها أولا وقبل كل شيء، تجمع شمل الشتات في توليفة متناغمة وأيضا قدرتها على إيجاد مخرج لأكبر عدد ممكن من المآزق، ناهيك عن أنه يمكن تعميمها بيسر على حالات متعددة. فالحل الذي لا يكون شاملا ليس بحل. وأقصد بذلك، أن التفسير الحقيقي أينما وضعته يؤتي أكله. أما إذا ما وجدنا مكذبات وتناقضات تمس نظريتنا المقترحة، إلى درجة عجزها على احتوائها بمعقولية كافية، فالتنازل عن الاقتراح يجب أن يكون سريعا لفتح الباب لاقتراحات أكثر قوة. فبين النظريات صراع بقاء، واللبيب هو من لا يحتضن نظريته كما يقول كارل بوبر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.