مواجهات الفكر الأوروبي.. أنطونيو غرامشي

رسائله من السجن من أهم الشواهد على المواجهة بين المفكر والرقيب

غلاف «رسائل السجن»  -  نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون
غلاف «رسائل السجن» - نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون
TT

مواجهات الفكر الأوروبي.. أنطونيو غرامشي

غلاف «رسائل السجن»  -  نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون
غلاف «رسائل السجن» - نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون

أعود بعد جولة المقالات التي تناولت السينما إلى سلسلة المقالات التي سبق أن نشرتها في هذا الموضع حول الفكر الأوروبي، وتناولت فيها مفكرين مثل الفرنسيَّيْن فوكو وباديو. أعود إلى تلك المواجهات مع السلطة بأنواعها لأتناول مفكرين آخرين شغلوا بالقضية ذاتها، ويأتي في طليعة من يصعب تجاهلهم في هذا السياق ودون أدنى شك الإيطالي أنطونيو غرامشي Gramsci، الذي يعد أيضًا أحد أبرز مفكري القرن العشرين، وإن تركزت شهرته في كونه أحد أشهر سجناء ذلك القرن على المستويين الثقافي العام والفكري الخاص. وربما كانت المذكرات التي كتبها أثناء فترة سجنه التي امتدت لما يقارب الأحد عشر عامًا أشهر وأكثر المذكرات الشبيهة عمقًا واتساعًا في الرؤية والطرح، إلى جانب تأثيرها الواسع الممتد إلى يومنا هذا. ومع أن مذكرات غرامشي، وكذلك رسائله من السجن، تركزت على الموضوعات التاريخية والفكرية والاجتماعية والثقافية العامة، متفادية السياسي منها، فإنها من أهم الشواهد على المواجهة بين المفكر والرقيب، بين الرؤية المعمقة والشاملة للعالم والسلطة القمعية التي تأبى لتلك الرؤية أن تتطور لتنتشر وتقلقها.
سيقفز إلى ذهن البعض، عند ذكر اسم غرامشي، مفهومان شهيران: المثقف العضوي، والهيجيموني hegemony أو الهيمنة. ولا شك أن المفهومين وما يتصل بهما من تفاصيل في غاية الأهمية، وأن تأثيرهما كان واسعًا وملموسًا في تطور الفكر المعاصر، لا سيما المتصل منه بالعلاقة بين الثقافة والمجتمع، أو بالتغيير الثقافي ودور المثقف على مختلف المستويات. فمن الصعب اليوم أن يتحدث أحد عن مفهوم المثقف والثقافة ودورهما في التغير الاجتماعي والسياسي الاقتصادي دون أن يشير إلى غرامشي، حتى إن لم يكن قرأ له شيئًا. غير أن أهمية غرامشي تتمثل أيضًا في الكيفية التي استطاع من خلالها إنتاج ليس المفهومين المشار إليهما فحسب، وإنما ما تزخر به الدفاتر الثلاثة والثلاثون التي دوّنها في السجن، وتجاوزت صفحات بعضها المائة صفحة، شاملة للكثير من التأملات والملاحظات والمعلومات والتحليلات في مجالات كثيرة تمتد من النحو إلى الفلسفة، ومن الاقتصاد والتاريخ إلى الفن والأدب. هذا إلى جانب رسائله الكثيرة التي تزخر هي الأخرى بالكثير من المسائل والآراء. ومما يسترعي الانتباه هنا الظروف القمعية والصعوبات الشخصية المهولة التي أحاطت بالكاتب ومذكراته، والتي كانت كافية لإسكاته، ولكنه تمكن على الرغم منها أن يقرأ ويكتب ويمرر.
ولد غرامشي عام 1891 لعائلة متواضعة الدخل، واضطر في فترة مبكرة لقطع تعليمه سدًا لاحتياج والدته وإخوته، بعد أن دخل والده السجن لأسباب مالية. لكنه عاد ليواصل تعليمه، فقطع بعض المرحلة الجامعية ليتوقف من جديد ويمارس الكتابة في الصحف. وكان قد تعرف على الفكر الماركسي نتيجة قراءاته الواسعة، الأمر الذي دفعه إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإيطالي ليبرز فيه بذكائه وقدراته على التخطيط الاستراتيجي والحركي. كان ذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولى حين بدأت تظهر حركات يمينية متطرفة في مقابل الحركات اليسارية. وكان في مقدمة الحركات اليمينية الحركة الفاشية بقيادة موسوليني الذي فرض بعد توليه السلطة، ما بين عامي 1922 و1923، ديكتاتورية حزبية تضمنت إلغاء ما عداها من أحزاب وآيديولوجيات كان الشيوعي منها.
في عام 1924 تولى غرامشي رئاسة الحزب الشيوعي الذي كان قد شارك في تأسيسه بعد اعتقال رئيسه الأسبق، وكان المفكر الإيطالي في الوقت نفسه قد انتخب عضوًا في البرلمان. لكن لم يكد يمضي عامان حتى اعتقل غرامشي نفسه على الرغم من حصانته البرلمانية وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام في جزيرة أوستيكا، وفي العام التالي تضاعف الحكم إلى عشرين عامًا. ذلك الحكم الأخير جاء مصداقًا لما طالب به المدعي العام الإيطالي عند محاكمته، حين قال عبارته الشهيرة: «علينا أن نوقف هذا العقل عن العمل لعشرين عامًا». ومع أن العشرين عامًا لم تكتمل، لأن غرامشي توفي في منتصفها تقريبًا، ومع أن مطالبة المدعي لم تتحقق، لأن عقل غرامشي لم يتوقف عن العمل، فإن مواجهة السجن تركت أثرها العميق.
ما تحقق هو إنتاج فكري دؤوب على مدى عقد كامل تمخضت عنه إضافات مهمة، ليس إلى الفكر الماركسي فحسب، وإنما إلى فهمنا لأمور كثيرة خارج إطار ذلك الفكر، على الرغم من كونه الإطار الرئيس أو المهيمن على انشغال المفكر الإيطالي السجين. على أن عملية إنتاج ذلك الفكر والدوافع التي حركته وأبقته متقدًا هي بحد ذاتها من الأهمية والاستثنائية في عمليات التأليف المألوفة، بحيث تستحق التوقف عندها لوحدها. لقد قبل غرامشي قدره بهدوء العارف لما ينتظره، ووضع أمام ناظريه هدفين أساسيين: أن يهزم سجانه، وأن تكون هزيمة ذلك السجان في شكل عطاء فكري قادر على قلب الطاولة على التسلط وإن على المدى البعيد. قرر منذ دخوله السجن أن ينكب على القراءة والكتابة، على الرغم من كثرة العقبات التي كانت أمامه. لكنه ثابر في المحاولة، حتى مكّن من القراءة أولاً ثم الكتابة، وفي العمليتين، القراءة والكتابة، كان حصيفًا مدركًا أن عين الرقيب تلاحقه.
كانت العقبة الأولى أمامه هي تجاوز الكتب المتاحة في مكتبة السجن، ولم تكن تلك بالكتب التي كان يبحث عنها لإشباع احتياجاته البحثية، ولكنه مع ذلك قرأ منها الكثير، واستغل وقته أثناء وقت القراءة بكتابة الرسائل، ولكن دون تسجيل ملاحظات على ما يقرأ، فقد كان ممنوعًا من ذلك. وبعد عدة مطالبات وإلحاح سمح له بالحصول على كتب من خارج السجن، فكتب بذلك إلى أصدقائه وفي طليعتهم أخت زوجته الروسية تاتيانا شوخت، حيث طلب منها ومن صديق آخر كتبًا في مجالات مختلفة كالتاريخ والاقتصاد والنحو، إلى جانب قواميس ألمانية وروسية، اللغتين اللتين أكب على تعلمهما وهو يعلم أن لديه وقتًا كافيًا لذلك. وحين أتيحت له الكتب كتب مرة أخرى يطلب السماح له بالكتابة فجاءه ذلك بعد حين. وهكذا أدى انفتاح الأفقين، القراءة والكتابة إلى تغيير حياته اليومية في الزنزانة ومنحه الكثير من العزيمة والأمل.
على الرغم من أن الهدف الأساسي للقراءة والكتابة كان البحث والتأليف في موضوعات محددة، فقد أراد غرامشي من ذلك النشاط الذهني والفكري تحقيق هدفين: الأول الترويح عن النفس، والثاني هو ما عبر عنه في رسالة لأحد أصدقائه: «صدقني، لم أكن لأزعجك بهذا (أي طلب الكتب) لو لم أكن مدفوعًا بالحاجة إلى حل مشكلة الهبوط الفكري الذي يشكل همًا بالنسبة لي». ذلك الهبوط، أو التحطيم الفكري والذهني بالأحرى، هو الذي أراده المدعي العام حين قال بضرورة «أن نوقف هذا العقل عن العمل عشرين عامًا». أراد غرامشي لذلك العقل ألا يتوقف.
ولم يتوقف عقل ذلك المفكر قبل أن يترك ما يجعل عقولاً كثيرة تعمل. لكن آن لهذه المقالة أن تتوقف وتختم بالقول إن تاريخًا مؤلمًا وملهمًا كتاريخ هذا المفكر الإيطالي يؤكد أن تاريخ الفكر الأوروبي الحديث لم يكن أبدًا طريقًا مفروشًا بالحرية والورود كما يتخيل البعض، بل كان تاريخ كفاح ضد نظم ظالمة عرفتها أوروبا مثلما عرفها العالم، ومنه عالمنا العربي الإسلامي قديمًا وحديثًا. وإذا كانت أوروبا اليوم لا تسجن مفكريها؛ لأنه لم تعد فيها نظم كنظام موسوليني أو ستالين، فإن ما عبر عنه غير مفكر أوروبي وسبق أن أشرت إليه في مقالات سابقة هو أن الطريق إلى الفكر أو الإبداع وإن جللته الحرية محاط بألوان أخرى من الصعوبات، ستتضح مع تأمل حالات لمفكرين آخرين أقرب زمنًا بكثير.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.