كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟

منافسة حامية على تقاسم كعكة لندن المالية

كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟
TT

كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟

كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟

عندما تفاقمت المشاكل داخل الاتحاد الأوروبي بسبب السياسة الألمانية فيما يخص قضية اللجوء، قالت المستشارة أنغيلا ميركل «سنحل المشكلة»، وعندما أعلنت لندن عزمها إجراء تصويت شعبي لإقرار بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه، الخطوة التي اعتبرها الكثيرون تهديدا لأوروبا ومستقبلها السياسي والعسكري والاقتصادي، كان رد فعل ميركل هادئا، ولم تُظهر أي انفعال؛ فهذا ما اعتادت عليه منذ تسلمها الحكم، بعكس بقية السياسيين الألمان.
فمنذ الأزمة المالية عام 2008، وحتى مشكلة اللاجئين السياسيين، وهي تحاول اللجوء إلى الرصانة في انفعالاتها، حتى إنها تعتمد دائما على مقولتها «يجب إنجاز ما يجب إنجازه، ويجب ألا نُصاب بالارتباك؛ إذ يمكننا التغلب على المشكلات»، لكن مصادر داخلية في ديوان المستشارية أكدت أن ميركل عندما سمعت نتائج التصويت الشعبي في بريطانيا اختلفت تماما، فمع وداع البريطانيين للاتحاد الأوروبي اختفت الرصانة وبرودة الأعصاب، حتى أن أحد مستشاريها لم يتردد أن يقول: «من رأى وجه ميركل صبيحة التصويت والإعلان عن النتائج يخال إنها مريضة جدا، فقد بدت متعبة جدا، وكانت هناك هالة داكنة حول عينيها، ولقد اعترفت في أوساط ضيقة بأن خروج بريطانيا من دائرة الاتحاد الأوروبي يشكل أزمة حقيقية»؛ ما يعني أنه لم يعد بإمكان المستشارة القول: «بإمكاننا الحل».
ويحمّل بعض المحللين السياسيين ميركل جزءا من مسؤولية قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي، فهي أصبحت في السنوات الماضية تفرض سياستها على البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ لأن بلادها الأقوى اقتصاديا، ما رفع من أصوات المناهضين لهذه السياسة فاستغلها الرافضون للخضوع لسياسة أوروبية واحدة ألمانية اللون، مثل ما حدث في استفتاء الخروج في بريطانيا، والمشكلة أن هذه الأصوات تزداد بالأخص مع إصرار الاتحاد الأوروبي على إدخال إصلاحات على سياسات دوله العضوة، ووجوب انتهاج سياسة تقشف قاسية جدا، وتوفير واعتماد سياسة واحدة حيال موجات اللجوء السياسي وليس الحد منها.
* التصويت ضربة موجعة لميركل
إذا ما استعرضنا الوضع الأوروبي وبالأخص الألماني بعد التصويت الشعبي البريطاني نجد أن رموز سياسية كثيرة كانت خاسرة، على رأسها المستشارة ميركل نفسها، فمع خروج بريطانيا تخسر ميركل شريكا مهما كان يشكل أحد أضلاع المثلث الأوروبي القوي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، لكنها كانت تريد بريطانيا برئاسة ديفيد كاميرون، فبعكس الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرنسوا أولاند، تجمع ما بين ميركل وكاميرون أمور كثيرة، ولهما الاتجاه السياسي نفسه تقريبا، وهو تجريد البيروقراطية في مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل من نفوذها، وجعل الاتحاد الأوروبي أكثر حركة، وإرغام بلدان جنوب أوروبا على اتباع سياسة تقشف صارمة وضبط الموازنات العامة فيها، وزيادة حرية الأسواق وعدم تراكم الديون؛ لذا وصف البعض خسارة ميركل لكاميرون بأنها ضربة موجعة جدا لها، ولن يكون الرئيس الفرنسي الشريك الأوروبي الذي تعتمد عليه لأن «اللهجات مختلفة»، فرغم أن فرنسا بلد قوى فإنها تعاني مشكلات داخلية انعكست على رئيسها الذي يواجه اليوم أصعب فترات حياته السياسية، حيث تركة سياسية مليئة بالأخطاء للرئيس الأسبق نيقولا ساركوزي أدت إلى تنامي الجبهة الوطنية اليمينية المتشددة، ووضع اقتصادي ومالي صعب، وليس سرا بأن أولاند عاجز عن مواجهته بالشكل الصحيح. وعليه، فإن شراكة ميركل مع أولاند ليست سوى «شراكة اضطرارية»، ورغم أنها غير متساوية، لكن على الاثنين التعاون لإيجاد صيغ للحد من الكوارث الاقتصادية التي لم يستطع أحد حتى الآن تقدير تأثيراتها في النمو الاقتصادي لأوروبا بدقة.
وباعتراف الاشتراكي سيغمار غابريل، نائب المستشارة ميركل، ووزير اقتصادها، إنه من دون بريطانيا ستصبح أمور كثيرة صعبة؛ فهي ليست أي بلد، ومع ذلك يحاول غابريل دائما، في كل مناسبة تُناقش فيها انعكاسات خروج بريطانيا على الاتحاد الأوروبي، التخفيف من سوء الوضع، بالتأكيد على أن خروجها ليس نهاية العالم وسيحتاج الاتحاد الأوروبي وألمانيا إلى بريطانيا مستقبلا في السياسة الأمنية أو الاقتصادية أو التجارية، دون أن يذكر الأمور السياسية.
* أول الانعكاسات
قبل أيام من إجراء التصويت الشعبي في بريطانيا راهنت مؤسسة «غولدمان ساكس» بنحو 440 مليون يورو على عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومراهنة هذه المؤسسة الأميركية كانت بناءها مبنى جدياد سُمي «مركز أوروبا» في لندن من المفترض أن يجهز عام 2019 ويعمل فيه أكثر من 8 آلاف موظف من كل أوروبا، لكن الآن وبعد القرار النهائي ليس معروفا كم موظفا سيعمل في المبنى الجديد، عدا عن ذلك، فإن الكثير من المؤسسات المالية الكبيرة تفكر في مغادرة لندن، فمصرف «اتش إس بي سي» البريطاني أعلن أنه يريد نقل خُمس عدد موظفيه إلى فرنسا أي نقل ما يقارب من ألف موظف من لندن إلى باريس، والمصرف السويسري «يو بي إس» عازم على تغيير مركزه الأوروبي، وقد يكون المكان الجديد في فرانكفورت، وهذا يعني أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون نتيجته مغادرة مؤسسات مالية مهمة تابعة للاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل 80 ألف موظف.
وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن تأثيرات خروج بريطانيا تتنافس مدن أوروبية على جلب المؤسسات المالية التي ستترك لندن، واللائحة طويلة، لكن يجب أن يكون للبديل المواصفات نفسها، وهناك فرانكفورت وباريس ودبلن وإمارة لوكسمبورغ، أيضا مدريد وأمستردام ووارسو.
* فرانكفورت
في فرانكفورت التي يبلغ تعداد سكانها 720 ألفا، يعمل في قطاعها المالي نحو 63 ألف موظف، وإذا ما نُقلت بعض المؤسسات المالية، فعليها توفير مساكن، وهي التي تعاني أزمة سكن وبدل إيجارات مرتفعة، مع ذلك تتوفر لديها بعض المواصفات، منها أنها مقر المصرف المركزي الأوروبي ومؤشر بورصة أوراكس، والمئات من المؤسسات المالية العريقة والمصارف الكبيرة، إلا أن مستوى اللغة الإنجليزية في الأوساط المالية ما زال دون الحد المطلوب.
لكن القضية الكبيرة التي يجب حسمها هي مصير عملية اندماج بورصة فرانكفورت مع بورصة لندن «إل إس آي»، ويجري الآن البحث عن حل لمواصلة الشراكة، فالمركز الرئيسي في لندن وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستصبح بورصة لندن أجنبية وليست تابعة لبلد في الاتحاد الأوروبي، وبناء عليه تخضع للقوانين المطبقة على المؤسسات والشركات الأجنبية. والآن على حاملي الأسهم في البورصة الألمانية اتخاذ قرار في الجمعية العمومية، إما باستبدال أسهمهم بأسهم المؤسسة القابضة الجديدة في لندن أم لا، والبديل عن عاصمة الضباب قد تكون فرانكفورت، وإلى أن تجتمع الجمعية العمومية وتتخذ كل الإجراءات فإن الأمر قد يتطلب وقتا حتى عام 2018.
مع ذلك يتوقع هربوتوس فات، رئيس إدارة مؤسسة مبادرة السوق المالية في فرانكفورت، انتقال ما يقارب من الـ10 آلاف مركز عمل إلى فرانكفورت خلال السنوات الخمسة المقبلة، والسبب في ذلك أهمية القرب الجغرافي من المصرف المركزي الأوروبي، فهو لا يحدد فقط نسبة الفائدة المالية لمنطقة اليورو، بل ويراقب المؤسسات المالية الكبرى، عدا عن ذلك، فإن أغلب المصارف لها فروع في فرانكفورت؛ ما يجعل انتقالها أقل كلفة وأسهل، ولا حاجة إلى الحصول على ترخيص.
* باريس
وتعتقد باريس، وعدد سكانها نحو مليونين ونصف المليون نسمة، أن فرصتها لجذب المؤسسات التي ستغادر لندن أوفر، ويعمل في قطاعها المالي والمصرفي 145 ألف موظف، ففيها مجلس الإشراف الأوروبي على الأوراق المالية، وخمسة من أكبر مصارف أوروبا، وتدير المؤسسات المالية هناك ما يقارب من 1.5 تريليون يورو، ولدى باريس العزم على خفض نسبة الضريبة على الشركات من 33 إلى 28 في المائة، إلا أن قرابة الـ40 في المائة من الفرنسيين العاملين في قطاع المال لا يتقنون اللغة الإنجليزية بطلاقة.
* لوكسمبورغ
وتريد إمارة لوكسمبورغ منافسة فرانكفورت وباريس، فتعداد سكانها 540 ألفا، وفيها 26 ألف موظف في القطاع المالي، وما يميزها أن حكومة الإمارة تعطي أهمية كبيرة للصناعة المالية، والكثير من سكانها يتقن إلى جانب الألمانية الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، إلا أن العامل السلبي لديها أن مساحتها صغيرة وفيها القليل من المحامين؛ لذا فإن انتقال آلاف الموظفين إليها سيحدث انفجارا سكانيا، والسلبيات الأخرى مرتبطة بانخفاض عدد خبراء الاجتهادات القانونية؛ فكلية الحقوق افتتحت قبل سنوات قليلة فقط.
* دبلن
أما بالنسبة لدبلن وعدد سكانها 530 ألفا، فإن الضريبة على الشركات فيها منخفضة ونظامها القانوني أنجلو ساكسوني، أي مشابه للبريطاني، وبالطبع لا توجد عوائق لغوية؛ فالكل يتكلم الإنجليزية، وبسبب الضريبة المنخفضة منذ زمن فإنها تجذب رأس مال الشركات الأجنبية وبالأخص الأميركية، من بينها «غوغل» و«فيسبوك» وعدد من مصانع التقنيات المتطورة، لكن اقتصادها سيعاني بشدة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسبب ارتباطه بها.
الاقتصاد الألماني الأكثر تأثرًا
وعلى الرغم من الأحلام التي تبنيها فرانكفورت إذا ما احتضنت المصارف التي ستهجر بريطانيا، لكن انعكاسات الخروج ستكون كبيرة جدا على ألمانيا ككل بحسب تقديرات محللين اقتصاديين ألمان.
فسواء على صعيد الضرائب أو التمويل أو الدعم أو حرية التجارة أو مكافحة الاحتكار أو الرقمنة، فإن أوجه التشابه بين ألمانيا وبريطانيا كبيرة، وما يجمع العاصمتين صداقة عميقة وحميمة، حتى أن وزير المال الألماني فولفغانغ شوبليه قال قبل التصويت الشعبي «سنبكي إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي»، واليوم وبعد خروجها ستكون العلاقة على كل الأصعدة رسمية جدا وليس كما في السابق، ففي ألمانيا كما بريطانيا، سيحتاج رجل الأعمال إلى تأشيرة دخول، وسير الأعمال بين البلدين سيتخذ طابعا آخر تماما؛ ما يعني الدخول في مرحلة تغييرات بيروقراطية طويلة.
وبناءً على معلومات مكتب الإحصائيات الاتحادي في فيسبادن تربعت بريطانيا عام 2015 في المرتبة الثالثة في قائمة أهم المستوردين من ألمانيا؛ إذ وصل حجم صادرات ألمانيا إليها 95 مليار يورو، وفي قطاع الخدمات وصل إلى 23 مليار يورو.
يُضاف إلى ذلك، أن لدى أكثر من 2500 شركة ومصنع ألماني فروع في بريطانيا، ورفعت هذه الشركات سقف رأسمالها إلى نحو 130 مليار يورو مع زيادة عدد العمال إلى 400 ألف؛ لذا ليس غريبا أن تتفاعل بورصة فرانكفورت بعصبية شديدة عندما تم إعلان خبر انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومن السلبيات الأخرى، أن إعادة الحكومة البريطانية الجديدة تقييم سعر الجنية الإسترليني مقابل اليورو وارتفاع نسبة التضخم سيزيد من سعر البضائع والسلع الألمانية ويخفض من مبيعاتها في المملكة المتحدة.
وطبقا لدراسة أجرتها شركات تأمين الائتمان، فإن خروج بريطانيا سيلحق بخسائر فادحة بالمصدرين الألمان حتى عام 2019 قد تصل إلى 6.8 مليار يورو، والقطاع الأشد تأثرا سيكون صناعة السيارات التي ستواجه تراجعا في التصدير قد يصل إلى ملياري يورو، وصادرات قطاع الكيماويات ستتراجع بـ1.1 مليار يورو، وقطاع صناعة المعدات والآليات بمليار يورو.
* خسائر بريطانيا
في المقابل، فإن لندن لن تفقد بريقها فقط بصفتها مركزا ماليا أوروبيا وعالميا، بل سينكمش موقعها بوصفها مركزا أوروبيا لصناعة التقنيات المتطورة حتى عام 2020 بنسبة 9.5 في المائة؛ ما يعني فقدان ما يقارب المائة ألف مكان عمل، فبريطانيا كانت تُشكل شبكة اتصالات مهمة بين الشركات الأوروبية، حيث تبادل المعلومات والخبرات تسير من دون عوائق.
يُضاف إلى ذلك، فإنها ستخسر ميزات كثيرة كونها دولة مصدرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي؛ فحجم صادراتها إلى ألمانيا وصل عام 2015 إلى 41 مليار يورو، وفي قطاع الخدمات بقيمة 23 مليار يورو، وعليها مستقبلا الخضوع لقوانين التصدير بصفتها بلدا أجنبيا، كما أنها ستفقد الدعم الأوروبي لقطاعها الزراعي الذي يحصل عليه كل بلد عضو.
ليس هذا فقط؛ فالكثير من طلابها يأتون إلى ألمانيا بالتحديد للدراسة في جامعاتها شبه المجانية باعتبارهم مواطنين أوروبيين، وهذا غير متوفر في بلدان أوروبية أخرى، عدا عن ذلك يعيش في بلدان الاتحاد الأوروبي نحو مليوني بريطاني، وفي ألمانيا وحدها يعيش قرابة الـ110 آلاف بريطاني، وعليهم الآن الخضوع لإجراءات جديدة، مثل الحصول على إذن إقامة وعمل، أو العودة إلى بلادهم.
* مصير الصناعات المشتركة
وخروج بريطانيا يطرح علامة استفهام كبيرة حول نشاط مصنع طائرات «إير باص» الأوروبية؛ فتمويل هذا الطائرة أوروبي مشترك بتنفيذ من الشركة الأوروبية للصناعات الجوية والبلدان المشاركة هي فرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة، وخروج بريطانيا الآن قد يؤثر سلبا في ديناميكية العمل؛ إذ إن شحن القطع اللازمة لصناعة هذه الطائرة من مختلف البلدان المشاركة قد لا يتعرض فقط للتأخير بسبب الإجراءات الجمركية، بل وسيزيد سعرها؛ ما يرفع بالتالي من سعر الطائرة، كما وإنه يجب ملاءمة مواقع صناعتها في فيلتون وبريتون في بريطانيا.
والوضع مماثل مع شركات صناعة السيارات مثل «بي إم دبليو» و«فولكس فاغن» التي تنتمي ماركات السيارات البريطانية إليها مثل «رولز رويس» و«ميني» و«بنتلي»؛ إذ يعمل في أقسامها للصناعة الفضائية الدفاعية وأنظمة الطاقة والتكنولوجيا البحرية نحو 11 ألف ألمانيا بين خبير ومهندس وعامل في 14 مصنعا، وهو ثاني أكبر مصنع في بريطانيا.
وخارج أسواق بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن السياسة الجمركية ستختلف؛ فالرسوم الجمركية بالنسبة إلى السيارات المنتجة في بريطانيا للتصدير إلى بلدان الاتحاد الأوروبي سترتفع حتى 10 في المائة، حسب تقدير وكالة التصنيف الألمانية «إس وبي»، وقد تكون الرسوم أعلى بالنسبة لمصانع المواد الغذائية والتبغ، وتصل حسب تقدير وكالة التصنيف إلى 20 في المائة، وعلى منتجات الألبان إلى 45 في المائة.
* أوروبيون في بريطانيا
في المقابل، يعيش في بريطانيا نحو 3 ملايين مواطن من بلدان الاتحاد الأوروبي، من بينهم 131 ألف ألماني، ومن بولندا يوجد 900 ألف، وهؤلاء يجب عودتهم إلى بلادهم لعدم تمكنهم مستقبلا من البقاء في بريطانيا إلا بأذون عمل وإقامة؛ ما يعني أن عودتهم ستشكل ضغطا على بلادهم، بالأخص فيما يتعلق بمجالات العمل، وبلدان الاتحاد الأوروبي تعاني بطالة عمالية تصل إلى 19.8 في المائة، والمشكلة الكبيرة في بلدان الاتحاد الأوروبي الفقيرة مثل رومانيا، ففي بريطانيا يعيش ويعمل 150 ألف روماني في مجالات كثيرة فيها بأجور منخفضة، وهذا سيحدث ثغرة كبيرة في مجالات الصناعات الخفيفة والمتوسطة البريطانية، لكن عودتهم ستسبب مشكلة اقتصادية واجتماعية في بلادهم.
* مصير الاستراتيجيات الدفاعية والعسكرية المشتركة
والمسألة الملحة التي يجب وضع صياغة لها هي الاستراتيجية الدفاعية والعسكرية للاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا، ففي عام 2015 كانت بريطانيا المساهم الأكبر في الميزانية العسكرية للاتحاد تبعتها فرنسا وألمانيا، كما أنها تملك أكبر مصانع أسلحة من الدرجة الأولى وتعتمد على تكنولوجيا متطورة جدا، وهي واحدة من بلدين في أوروبا يمتلكان قدرة نووية وجيشا يتميز بقدرة تشغيلية كبيرة.
وفيما يتعلق بألمانيا، فإن ذلك يعني رفع الإنفاق الأمني وزيادة مساهماتها في الخارج كونها دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي، وقد يترتب على أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي زيادة النسبة الواجب عليها إنفاقها، وكان اتفق عليها خلال مؤتمر حلف شمال الأطلسي عام 2014، وهي 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أيضا فرنسا ستتحمل نفقات إضافية للردع النووي؛ ما يجعل الفجوة بين قدرات ألمانيا وفرنسا العسكرية التقليدية أكبر.
وبناءً عليه؛ فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يشكل مشكلة كبيرة لبريطانيا ولبلدان الاتحاد الأوروبي على السواء، ومن الصعب تقدير حجمها الآن.



الصين تلتف على إغلاق «هرمز» بمشتريات قياسية من النفط البرازيلي

سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تلتف على إغلاق «هرمز» بمشتريات قياسية من النفط البرازيلي

سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)

سجلت مشتريات الصين من النفط الخام البرازيلي رقماً قياسياً في شهر مارس (آذار) الماضي، مما دفع إجمالي صادرات الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية إلى ثاني أعلى مستوى لها على الإطلاق، وفقاً لبيانات رسمية صدرت هذا الأسبوع.

فقد أظهرت البيانات أن الصين استوردت 1.6 مليون برميل يومياً من النفط البرازيلي في مارس، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في مايو (أيار) 2020 (1.46 مليون برميل).

ويأتي هذا التحول الكبير في تدفقات الطاقة العالمية نتيجة لإعادة تشكيل الخارطة الاقتصادية إثر الحرب في الشرق الأوسط.

وعلى صعيد الأرقام، كشفت البيانات الرسمية عن قفزة نوعية في أداء قطاع الطاقة البرازيلي خلال شهر مارس، حيث بلغ إجمالي الصادرات إلى الأسواق العالمية 2.5 مليون برميل يومياً، مسجلاً نمواً شهرياً بنسبة 12.4 في المائة مقارنة بفبراير (شباط) الماضي.

وفيما تربعت الصين على عرش المستوردين، برزت الهند كوجهة استراتيجية ثانية للنفط البرازيلي، في مؤشر واضح على تحول بوصلة الطلب نحو أميركا الجنوبية لتأمين احتياجات القوى الاقتصادية الكبرى.

وأوضح برونو كورديرو، محلل ذكاء الأسواق في شركة «ستون إكس»، أن هذا الارتفاع كان متوقعاً نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما دفع الدول المستوردة إلى البحث المكثف عن مصادر بديلة لتأمين احتياجاتها، خاصة وأن المضيق كان يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات الخام العالمية قبل اندلاع الحرب.

على صعيد آخر، كشفت البيانات عن تراجع واردات البرازيل من الديزل بنسبة 25 في المائة لتصل إلى 1.05 مليار لتر، وهو ما يمثل إشارة تحذير لبلد يعتمد على الخارج لتأمين ربع احتياجاته من الوقود.

وأشارت البيانات إلى تغير في خريطة الموردين كالتالي:

  • تراجع أميركي حاد: انخفضت حصة الديزل الأميركي في السوق البرازيلي من 8.3 في المائة في فبراير إلى أقل من 1 في المائة في مارس، حيث وجهت الولايات المتحدة شحناتها نحو الأسواق التي تدفع علاوات سعرية أعلى، لا سيما في آسيا.
  • توسع روسي: عززت روسيا حصتها في السوق البرازيلي لتصل إلى 75 في المائة (مقارنة بـ58 في المائة في فبراير)، رغم أن حجم الشحنات الروسية ظل ثابتاً تقريباً، مما يعني أن تراجع الموردين الآخرين هو ما رفع حصتها السوقية.

هدنة هشة بين أميركا وإيران تضع الدولار في مهب الريح

أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)
TT

هدنة هشة بين أميركا وإيران تضع الدولار في مهب الريح

أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)

ظل الدولار متذبذباً يوم الخميس بعد خسائر واسعة، حيث قيّم المستثمرون بقلق ما إذا كان وقف إطلاق النار الهش الذي استمر أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، سيصمد.

يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار مُهدد بالانهيار، حيث واصلت إسرائيل حربها الموازية ضد «حزب الله»، الميليشيا المدعومة من إيران، في لبنان، بينما اتهمت طهران كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة بانتهاك الاتفاق، وقالت إن المضي قدمًا في محادثات السلام سيكون «غير معقول».

ظل مضيق هرمز مغلقاً أمام السفن التي تبحر بدون تصريح، وأفاد الشاحنون بحاجتهم إلى مزيد من الوضوح قبل استئناف العبور، مما أدى إلى ارتفاع طفيف في أسعار النفط.

وقال شو سوزوكي، محلل الأسواق في شركة «ماتسوي» للأوراق المالية: «ربما تلوح في الأفق بعض الشكوك حول إمكانية استدامة توقعات وقف إطلاق النار، أو حتى إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار من الأساس».

وتذبذب مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات تشمل الين واليورو، ليسجل انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.01 في المائة عند 99.05. وارتفع اليورو بنسبة 0.01 في المائة إلى 1.1663 دولار، بينما ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة طفيفة بنسبة 0.01 في المائة إلى 1.3393 دولار.

وتراجع الين عن بعض مكاسب اليوم السابق عقب إعلان الهدنة في الصراع بالشرق الأوسط، حيث انخفض بنسبة 0.13 في المائة مقابل الدولار ليصل إلى 158.8 يناً للدولار.

العودة إلى التوسع

وقال سوزوكي: «مع استمرار الوضع في الشرق الأوسط، يبدو أن هناك توجهاً نحو عودة السياسة المالية إلى التوسع مجدداً. وهذا بدوره يُسهم في ضعف الين».

وأظهرت بيانات من شركة «طوكيو تانشي، وسيط أسواق المال، أن سوق مقايضة الفائدة لليلة واحدة (OIS) يُسعّر احتمالاً بنسبة 55 في المائة لرفع سعر الفائدة في اجتماع بنك اليابان المُقبل في وقت لاحق من هذا الشهر.

ورأى سوزوكي أنه في حال انهيار وقف إطلاق النار، فقد تبدأ التوقعات برفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) بالتراجع، مما قد يؤدي بدوره إلى ضعف الين.

وقال سوزوكي: «يعتمد رفع سعر الفائدة بشكل كبير على الوضع في إيران، لذا من المرجح أن ينتظر بنك اليابان حتى اللحظة الأخيرة قبل الاجتماع لتقييم تطورات الوضع».

ومن المتوقع أن يمثل محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، أمام البرلمان ابتداءً من الساعة 04:15 بتوقيت غرينتش يوم الخميس.

كان الدولار الأميركي المستفيد الأكبر من الحرب الإيرانية بين العملات، ويعود ذلك جزئياً إلى كون الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للطاقة، وبالتالي أقل عرضةً للتأثيرات الاقتصادية السلبية التي قد تواجهها دول مستوردة للنفط مثل اليابان والعديد من الدول الأوروبية.

وقد زعزعت الحرب التي استمرت خمسة أسابيع ثقة المستثمرين، مُسبّبةً أكبر اضطراب في إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق.

ويقول محللون إن الهدنة الهشة تمنح إيران نفوذاً أكبر على حركة الشحن عبر المضيق الحيوي مقارنةً بما قبل النزاع، وذلك بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب عن تهديداته بمهاجمة البنية التحتية المدنية الإيرانية.

ومن المقرر أن تُصدر الولايات المتحدة بيانات الإنفاق الشخصي لشهر فبراير (شباط) ومؤشر انكماش نفقات الاستهلاك الشخصي يوم الخميس. وعلى الرغم من تحسن المعنويات عقب اتفاق وقف إطلاق النار، فقد يبقى زوج الدولار/الين ضمن نطاق محدد في تداولات طوكيو، إلا أن البيانات الأميركية القوية قد تُحفز انتعاشاً للدولار، وفقًا لما ذكره أكيهيكو يوكو، كبير المحللين في بنك «ميتسوبيشي يو إف جيه»، في مذكرة.


ترقب حذر في الأسواق الآسيوية مع تجدد أزمة «هرمز» وتهديدات ترمب

يعمل تاجر عملات بالقرب من شاشة تعرض أسعار النفط في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
يعمل تاجر عملات بالقرب من شاشة تعرض أسعار النفط في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
TT

ترقب حذر في الأسواق الآسيوية مع تجدد أزمة «هرمز» وتهديدات ترمب

يعمل تاجر عملات بالقرب من شاشة تعرض أسعار النفط في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
يعمل تاجر عملات بالقرب من شاشة تعرض أسعار النفط في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

ساد الهدوء المشوب بالحذر أسواق الأسهم الآسيوية يوم الخميس، مع ظهور بوادر تصدع سريعة في الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، مما دفع أسعار النفط نحو الارتفاع مجدداً، وذكّر المستثمرين بأن التداعيات التضخمية للصراع ستستمر لفترة طويلة.

وبرزت مؤشرات واضحة على تعثر فتح الممرات المائية الحيوية؛ حيث لم تظهر أي بوادر ملموسة على فتح مضيق هرمز بشكل فعال، في ظل استعراض إيران لسيطرتها على الشريان النفطي العالمي ومطالبتها بـ«رسوم عبور» لضمان المرور الآمن.

وفي المقابل، أشعل الرئيس دونالد ترمب فتيل التوتر بتصريحات عبر منصات التواصل الاجتماعي، أعلن فيها أن القوات الأميركية ستبقى في الخليج حتى يتم التوصل إلى اتفاق والالتزام الكامل به، محذراً من أن «إطلاق النار سيبدأ من جديد» في حال عدم الامتثال.

تزامن هذا التوتر السياسي مع تصعيد عسكري حاد، حيث نفذت إسرائيل أعنف ضرباتها على لبنان منذ بدء المواجهة، مما أدى إلى سقوط المئات.

ويرى محللون أن الأسواق كانت تفرط في التفاؤل بالعودة إلى المسار الطبيعي، بينما لا يزال خامس إمدادات النفط العالمية تحت تأثير مباشر لأطراف النزاع.

وقال نايجل غرين، الرئيس التنفيذي لمجموعة «دي فير»: «لا تحتاج إلى حصار كامل لرفع أسواق النفط بقوة؛ فالصواريخ لا تزال تُطلق، وإسرائيل تقاتل على جبهة أخرى، ومع ذلك تتصرف الأسواق وكأن المنطقة عادت إلى طبيعتها».

ونتيجة لذلك، ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي بنسبة 3.1 في المائة لتصل إلى 97.33 دولار للبرميل، بينما صعد خام برنت بنسبة 2.1 في المائة إلى 96.86 دولار.

أداء الأسهم

اتسم أداء البورصات بالتباين والميل نحو الهبوط الطفيف بعد القفزات الكبيرة التي حققتها في الجلسة السابقة:

  • اليابان: تذبذب مؤشر «نيكي» حول نقطة التعادل بعد ارتفاعه السابق بنسبة 5.4 في المائة.
  • كوريا الجنوبية: انخفض المؤشر بنسبة 0.4 في المائة عقب قفزة هائلة بلغت 6.8 في المائة.
  • الصين: تراجعت الأسهم القيادية بنسبة 0.6 في المائة.
  • وول ستريت»: تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز» و«ناسداك» بنسبة 0.2 في المائة.

ومع بقاء أسعار النفط أعلى بنسبة 40 في المائة عما كانت عليه قبل الصراع، تترقب الأسواق بيانات أسعار المستهلكين الأساسية في الولايات المتحدة. وأظهر محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير انقساماً، حيث يرى عدد متزايد من الأعضاء أن رفع الفائدة قد يكون ضرورياً لاحتواء التضخم، بدلاً من التوجه نحو الخفض الذي كان متوقعاً في السابق.