لطميات إيرانية على أوباما

TT

لطميات إيرانية على أوباما

هناك في هذا العالم من سيحزن لرحيل الرئيس الأميركي باراك أوباما عن البيت الأبيض، لأنه أيا كان من سيخلفه، هيلاري أو ترامب، فلن يكون مثله في «صبره الاستراتيجي» كما صك يوما هذا المصطلح الأوبامي العجيب.
الرجل كان مترددا في كل شيء، إلا في الانجراف نحو إيران الخمينية، ومتلهفا على توقيع الاتفاق حول سلاحها النووي، ورفع القطيعة الدولية عن النظام الخميني الخارج على الشرعية الأممية.
فعلها أوباما، رغم كل المعارضات الداخلية والخارجية، ووقع اتفاق 5+1 في يوليو (تموز) 2015 مع إيران، وبعد قطيعة رسمية مع إيران، صرنا نشاهد بكثرة صور الوزير المتحمس بدوره لهذه الصفحة الفارسية من الملحمة الأوبامية، جون كيري، مع الوزير الإيراني المصمم لهذه الرحلة، الضحوك، محمد جواد ظريف.
يبدو من الآن أن بعض ساسة إيران بدأوا يستشعرون فداحة الخسارة الاستراتيجية من نهاية ولاية أوباما، لأنه حتى خليفته الديمقراطية، هيلاري كلينتون، لن تكون بانجراف أوباما الاستثنائي نحو إيران الخمينية.
نشرت «العربية نت» عن طريق رمضان الساعدي، خبرا مفاده أن علي مطهري نائب رئيس البرلمان الإيراني قال في خطبة أمام حشد من أنصار الحكومة في زنجان إن «باراك أوباما الرئيس الأميركي الحالي فرصة لإيران، ربما لا تتكرر مرة أخرى».
حسب ما نقلته وكالة «فارس» للأنباء المقربة للحرس الثوري الإيراني، وأضاف المسؤول الإيراني: وحيث إنه لم يبق للرئيس باراك أوباما على سدة الحكم سوى أشهر قليلة، فيمكن لطهران استغلالها قبل مجيء بديل للرئيس الحالي.
المضحك أنه ورغم تهافت أوباما على استعادة إيران الخمينية للعالم، وقيام علاقات مع واشنطن، فإن مرشد الجمهورية، علي خامنئي، ما زال مصرا، على الأقل في خطبه وأدبياته، على رفض هذا الانفتاح، والاستمرار بشيطنة أميركا، مع وجود الرئيس «المعتدل» الملا حسن روحاني!
ليست إيران فقط من سيحزن لمغادرة أوباما، بل إن الدب الروسي الهائج هذه الأيام، الهاجم بـ«غشامة» على الديار العربية، سيكون حزينا هو الآخر لرحيل الرئيس «الصابر الاستراتيجي» باراك أوباما.
سمعت مرة من مسؤول عربي جلس مع الرئيس فلاديمير بوتين أن الأخير قال له: إنني أعرف نظرات الضعف في عيون محدثي، وقد رأيتها في باراك أوباما، وويل لمن يشمّ الدب الروسي منه روائح الوهن.
يبدو الكل مستعجلا على «تقفيل» الملفات واستثمار الأيام الأخيرة من شهر العسل الأوبامي. قبل أن يأتي ساكن، أو ساكنة، جديد أو جديدة للبيت الأبيض. وحتما سيكون أحزم من سلفه.
[email protected]



«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.


ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
TT

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً. فالرئيس الذي يدخل القمة وهو على خلاف متراكم مع معظم الحلفاء الأوروبيين، لا يذهب فقط إلى لقاء اقتصادي وسياسي سنوي. بل يدخل إلى منصة ستقيس ما إذا كان الصدع الأطلسي قابلاً للترميم، أم أن الخلاف حول إيران والتجارة والصين وأوكرانيا وغرينلاند كشف عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وأوروبا. وفق بيان البيت الأبيض، فإن واشنطن تريد من القمة بناء توافقات حول الذكاء الاصطناعي، والتجارة، وسلاسل المعادن الحرجة، والهجرة، ومكافحة المخدرات، والطاقة؛ بيد أن «حرب إيران» ستبقى في خلفية كل الملفات؛ لأنها باتت الامتحان الأكثر حساسية لمعنى التحالف نفسه. ثم إن هذه الحرب تضع القمة في إطار أوسع، هو أزمة الثقة بين «ضفتي» الأطلسي، حيث تطالب واشنطن الأوروبيين بمجاراة قرارها الاستراتيجي، بينما يردّ الأوروبيون بخطاب الشرعية الدولية والحذر من «التورط» العسكري.

اختيار فرنسا استضافة القمة في إيفيان، وسعي الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إغراء ترمب بعشاء فخم محتمل في فرساي، يعكسان محاولة أوروبية قديمة لاستعمال الرمزية والضيافة والوجاهة التاريخية في تليين مزاج الرئيس الأميركي. لكن المشكلة أن الخلاف لم يعد خلاف أسلوب؛ فواشنطن تريد تحويل «مجموعة السبع» إلى أداة اصطفاف حول أجندة أميركية صريحة تشمل: تصدير أدوات الذكاء الاصطناعي الأميركية، وتخفيف قبضة الصين على المعادن الحرجة، وربط المساعدات بالتجارة، ورفع إنتاج الطاقة الأحفورية، وتشديد العقوبات على إيران. وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قال، خلال اجتماع وزراء مالية «المجموعة» في باريس، إن «سحق تهديد الإرهاب» يتطلب من الحلفاء أن «ينهضوا وينضموا إلينا»، داعياً إلى الالتزام بنظام العقوبات ضد التمويل الذي يغذّي «آلة الحرب الإيرانية».

هذا يعني أن القمة لن تكون بالضرورة قمة «رأب صدع»، بل ربما قمة «إدارة» للصدع؛ إذ إن الأوروبيين يستطيعون منح ترمب صوراً دبلوماسية وعبارات عن الشراكة، لكنهم لا يستطيعون بسهولة منحه ما يريده فعلاً... وهو التفويض السياسي الأوروبي لشن حرب مفتوحة ضد إيران، أو «شيكاً على بياض» في التجارة، أو قبولاً بأن يتحوّل الأمن الأوروبي إلى «ورقة ضغط» في يد البيت الأبيض، كلما اختلف الحلفاء مع واشنطن.

إيران بين الرفض والتشدد الأوروبي

المفارقة أن أوروبا لم تكن تاريخياً «ناعمة» تجاه إيران في كل الملفات؛ ففي البرنامج النووي، والصواريخ، ودور «الحرس الثوري»، وملفات حقوق الإنسان، تبنّت عواصم أوروبية عديدة مواقف قريبة من التشدد الأميركي، وأحياناً أكثر تفصيلاً منه. لكن الفارق بين التشدّد الدبلوماسي والدخول في حرب، واسع جداً. لذلك تمسكت العواصم الأوروبية بخط يفصل بين إدانة طهران والمشاركة في عملية عسكرية تقودها واشنطن وتل أبيب.

في ملف مضيق هرمز، وافق وزراء خارجية «مجموعة السبع» على مبدأ حماية حرية الملاحة، لكنهم جعلوا أي مهمة لتأمين المضيق مشروطة بانتهاء الحرب، لا جزءاً منها. ولقد تكلّم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن «توافق واسع» على حماية «الصالح العام» المتمثل في حريّة الملاحة، لكنه لم يمنح واشنطن ما طلبته، وهو مساهمة أوروبية فورية في فرض ممرات آمنة خلال الحرب.

بحسب «يورونيوز»، السبب هو أن أوروبا تخشى أن يؤدي إرسال سفنها إلى هرمز، تحت المظلة الأميركية، إلى تحويلها من طرف متضرّر اقتصادياً إلى طرف مشارك عسكرياً، بما يفتح الباب أمام ضربات إيرانية أو صدامات بحرية أو أزمة سياسية داخلية في برلماناتها.

أيضاً سؤال «ماذا بعد الحرب؟» يثقل الحسابات الأوروبية؛ فالدول التي عاشت تجارب أفغانستان والعراق وليبيا تعرف أن التفوق العسكري الأميركي قادر على إسقاط التوازنات، لكنه لا يضمن، بل ربما لا يسعى حتى إلى، «هندسة بدائل سياسية مستقرة» وفق المحللين. لذا يرفض الأوروبيون أن يكونوا «شهود زور»ٍ على حرب لا يملكون قرار بدايتها ولا قرار نهايتها، ثم يُطلب منهم لاحقاً دفع فواتير إعادة الاستقرار واللاجئين والطاقة.

أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضاً الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة

«هرمز» اختلال القوة... لا وحدة المصالح

أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضاً الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة. أوروبا، بلا شك، متضرّرة من اضطراب الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، لكنها ليست القوة البحرية الحاسمة في الخليج.

في المقابل، ترى واشنطن أن على مَن يستفيد من عبور النفط والغاز عبر المضيق أن يشارك في حمايته. وهنا يردّ الأوروبيون - ضمناً - بأن الولايات المتحدة هي التي اختارت توسيع الحرب. وبالتالي، فإن المساهمة الأوروبية بعد اندلاعها تعني قبولاً بالاستراتيجية الأميركية لا مجرّد دفاع عن الملاحة.

وتزداد الحسابات تعقيداً مع سعي إيران لترسيخ نفوذ عملي في المضيق، عبر آليات تفتيش وتصاريح و«رسوم» غير رسمية أحياناً، وباتت تميز بين سفن مرتبطة بدول صديقة مثل الصين وروسيا، وأخرى مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل. وبحسب «رويترز»، هذا الأمر يجعل أي عملية بحرية غربية معرّضة للتحول من مهمة حماية إلى مواجهة مباشرة مع «الحرس الثوري».

من هنا لا يبدو الامتناع الأوروبي مجرد جبن استراتيجي، كما يراه ترمب، بل حساباً بارداً للكلفة.

أوروبا طبعاً لا تريد أن تخسر التجارة مع واشنطن، ولا تريد صدمة نفطية، ولا تريد انتصاراً إيرانياً، لكنها أيضاً لا تريد أن تدخل حرباً أميركية من دون إجماع داخلي أو تفويض واضح أو تصوّر للنهاية.

التجارة وغرينلاند... شراكة أم مساومة؟

من جهة ثانية، الخلاف العسكري لا ينفصل عن الخلاف التجاري؛ إذ توصل الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى اتفاق تشريعي أولي لتطبيق التفاهم التجاري الذي أُبرم مع ترمب في يوليو (تموز) 2025، بما يشمل خفض رسوم على سلع أميركية وتجنب تصعيد أميركي جديد، خصوصاً تهديدات الرسوم على السيارات الأوروبية. لكن الاتفاق لا يزال يحتاج إلى تصويت نهائي في البرلمان الأوروبي بحلول منتصف يونيو (حزيران)، أي بالتزامن تقريباً مع «قمة السبع».

هذا التزامن مهم؛ فالأوروبيون يدخلون القمة وهم يحاولون تثبيت هدنة تجارية لا يثقون تماماً بأنها ستصمد. ونقلت «رويترز» عن أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، أن الاتفاق «يعكس رغبة في إظهار أوروبا كشريك موثوق، لكنها تحمل أيضاً رسالة مضادة لترمب هي: لا يمكن إدارة العلاقة عبر التهديد الدائم».

أما غرينلاند فكانت لحظة كاشفة؛ فحين لوّح ترمب بالضغط على الدنمارك وأوروبا في ملف الجزيرة، علّق البرلمان الأوروبي العمل على تشريعات الصفقة، واعتبر لانغه أن السيادة ووحدة الأراضي ليستا تفصيلاً تجارياً. وهنا اصطدمت أوروبا مجدداً بسؤالها الأصعب: كيف تتعامل مع رئيس أميركي يمزج الأمن بالتجارة، والحلف بالعقوبة، والصفقة بالولاء السياسي؟

ومن ثم تحوّلت غرينلاند إلى نموذج مكثّف لهذا التحول في العلاقة الأطلسية. فالجزيرة، التابعة للدنمارك والمتمتعة بحكم ذاتي، لم تعد هامشاً بعيداً قرب القطب الشمالي، بل صارت عقدة استراتيجية بسبب موقعها ومواردها من المعادن النادرة والطاقة، وسط تنافس أميركي - صيني - روسي متصاعد.

لذلك ضاعف الاتحاد الأوروبي مساعداته لها، واندفع نحو استثمارات وشراكات أوسع، في محاولة لاحتواء مساعي واشنطن إلى توسيع حضورها العسكري والتجاري هناك. ومن منظور بروكسل، لم يعد ملف غرينلاند مجرد خلاف مع ترمب، بل اختباراً لقدرة أوروبا على حماية مجالها الاستراتيجي من داخل التحالف نفسه.

واشنطن تريد «بلير» جديداً

إبّان حربي أفغانستان والعراق، لعب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير دور الجسر بين واشنطن وأوروبا. وصحيح أنه لم يستطع إلغاء الخلاف، لكنه منح واشنطن غطاءً غربياً مهماً، ومنح الأوروبيين قناة تأثير داخل القرار الأميركي. أما اليوم، وفق تحليل «المجلس الأطلسي» (أتلانتيك كاونسل)، فلا يظهر زعيم أوروبي قادر على أداء الدور نفسه. رئيس الوزراء البريطاني الحالي كير ستارمر لا يتمتع بـ«كاريزما» بلير الأطلسية، ولا يتمتع بتفويض شعبي لدخول حرب شرق أوسطية جديدة، وبخاصة بعد رفض لندن استخدام قواعد بريطانية في مهام هجومية ضد إيران. وردّ ترمب عليه بعبارة: «هذا ليس وينستون تشرتشل».

حتى الزيارة الرسمية للملك تشارلز إلى واشنطن عدّها البعض محاولة لاستخدام «القوة الناعمة» الملكية لترميم العلاقة الخاصة. لكن الملكية لا تستطيع تعويض غياب قرار سياسي.

خطاب العرش والرمزية التاريخية قد يثيران إعجاب ترمب لحظة، لكنهما لا يغيران حقيقة أن التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي بات أميركياً بصورة لا تسمح للأوروبيين بمخاطبة واشنطن من موقع الواعظ الحضاري.

وهنا تكمن هشاشة الخطاب الأوروبي: فهو يستند إلى القيم والتاريخ والقانون الدولي، لكنه يحتاج إلى قوة صلبة كي لا يبدو مجرد اعتراض أخلاقي على قرارات تصنعها واشنطن وحدها.

في ألمانيا، بدا الخلاف أكثر حدة؛ إذ أعلنت واشنطن خفضاً في الوجود العسكري الأميركي في أوروبا بنحو 5 آلاف جندي، وسط توترات مع الحلفاء حول «حرب إيران». وبعدما أعلنت أنها ألغت أيضاً نشر وحدات إلى بولندا، عاد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى التأكيد على أن نشر 4 آلاف جندي في بولندا تأجّل ولم يُلغَ، لكنه شدّد على وجوب أن تعتمد أوروبا على نفسها.

ويوم الثلاثاء أكد «البنتاغون» بالفعل خفض عدد ألوية القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا من أربعة إلى ثلاثة (يضم اللواء المقاتل من 4 آلاف إلى 4700 جندي)، ليعود الانتشار إلى مستويات عام 2021، في ظل ضغوط واشنطن المتواصلة على القارة لتعزيز دفاعاتها.

هذه الرسالة مفادها أن المظلة الأميركية لم تعد مجرد التزام أمني، بل صارت أداة تذكير للأوروبيين بأن رفضهم مسايرة واشنطن له ثمن.

وهكذا، يرى محللون أن قمة إيفيان قد تنتج صوراً ودية وبيانات عن الشراكة، وربما تساعد في تثبيت هدنة تجارية أو تقليل حدة الخطاب، لكنها لن تحل المعضلة البنيوية، وهي - أي واشنطن - تريد حلفاء يتحركون خلف قيادتها في لحظات الحسم، وأوروبا تريد شراكة تمنحها حق الاعتراض من دون خسارة الحماية. وبين هذين التصوّرين تتسع الفجوة. وإذا لم تجد أوروبا زعامة قادرة على الجمع بين القوة والمرونة، وإذا لم تقبل واشنطن بأن التحالف ليس أمراً تنفيذياً يصدر من البيت الأبيض، فإن «قمة السبع» لن تكون بداية ترميم الثقة، بل محطة جديدة في انتقال العلاقة الأطلسية من «العائلة السياسية» إلى «المساومة الاستراتيجية». أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضاً الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة

 

 

 


الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)
TT

الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)

أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران والدفاع. ومع أن ألمانيا وفرنسا تشكلان الرافعة الاقتصادية والسياسية الأهم داخل الاتحاد الأوروبي... برلين بثقلها الصناعي والتجاري، وباريس بطموحها السيادي والدفاعي. فإن نقاط الخلاف مع واشنطن ليست واحدة. فمع ألمانيا، يتمحور الخلاف حول ثلاثة مستويات: التردد العسكري، والاعتماد الأمني، والحسابات الاقتصادية. فبرلين تريد حماية المظلة الأميركية، لكنها تتحاشى الانخراط في مغامرات عسكرية لا تملك قرارها، خصوصاً حين تمس الطاقة والأسواق. كما أن اقتصادها الصناعي يجعلها أكثر حساسية تجاه الحروب التجارية والرسوم الأميركية، وأشد حذراً في التعامل مع الصين بوصفها شريكاً تجارياً لا يمكن الانفصال عنه سريعاً.

أما فرنسا، فترى الخلاف من زاوية «السيادة الأوروبية». باريس لا ترفض التحالف مع واشنطن، لكنها ترفض أن يتحول إلى تبعية استراتيجية. ولذا تدفع باتجاه «استقلالية أوروبية» في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، وتتعامل مع أزمات مثل غرينلاند والقطب الشمالي والمعادن النادرة بوصفها اختبارات مباشرة لقدرة أوروبا على حماية مجالها الحيوي. ومن هنا، يصبح الصدام مع ترمب أعمق من خلاف تكتيكي، لأنه يمس سؤال القيادة داخل الغرب: هل تقود واشنطن وحدها، أم تُدار الشراكة بتوازن أكبر؟

بريطانيا تبدو حالة أكثر التباساً. فهي الأقرب تاريخياً إلى واشنطن، والأقدر على لعب دور الجسر داخل الغرب، لكنها لم تعد تملك هامش توني بلير، ولا المزاج الشعبي الذي يسمح بمغامرات جديدة في الشرق الأوسط. لذلك تحاول لندن الحفاظ على «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة، من دون أن تتحول إلى ملحق تلقائي بكل قرار عسكري أميركي.

أما إسبانيا، فتمثل النموذج اليساري الأوضح في الاعتراض الأوروبي على واشنطن، ليس في «حرب إيران» فقط، بل أيضاً في «حرب غزة»، حيث اتخذت مدريد مواقف أكثر حدة تجاه إسرائيل وأكثر انتقاداً للغطاء الأميركي لها. ومن هذا الموقع، تنظر إسبانيا إلى الأزمات الشرق أوسطية عبر الشرعية الدولية، وحقوق المدنيين، ومخاطر الهجرة والتطرف في المتوسط. وهي، مثل دول أوروبية أخرى، لا تريد أن تدفع تكلفة قرارات استراتيجية أميركية لا تشارك في صنعها.