كشف محمد شعيب، النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي، تفاصيل المشهد السياسي الليبي وإمكانية حل الصراع الدائر حاليا. وقال في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط»، على هامش زيارته إلى القاهرة، إن «الحل ممكن، وخلال ساعات ينتهي كل شيء»، وذكر أن آخر اجتماع لأغلبية أعضاء البرلمان الموافقين على منح الثقة للحكومة، انعقد على مقهى بعد غلق أبواب البرلمان أمام نوابه، مشيرا إلى أن المجلس الرئاسي لا يستقوى بالخارج، وإنما يرغب في بناء توافق وطني شامل لا يستثنى أحدا.
وأكد أن مطالب عقيلة صالح رئيس البرلمان «تمت الموافقة عليها خلال الحوار، وأدخلنا خمسة تعديلات على وثيقة سرت»، وانتقد ما طرح بأن يعطي النواب الستة للمجلس الرئاسي حق الفيتو ضد رئيس المجلس، واعتبر أن وحدة الشعب الليبي والمصالحة الوطنية من عناصر الحرب على الإرهاب، مشددا على أن الضربات العسكرية الأميركية في ليبيا لا تعني الاحتلال، وإنما مرهونة بضوابط وأهداف وتوقيت زمني، كما حذر من إطالة أمد الصراع في ليبيا، معتبرا ذلك مدخلا للفوضى والانفلات.. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار:
* ما تطورات المشهد السياسي في ليبيا، وكيف يمكن التوصل إلى توافق؟
- لا بد من أن نتذكر معا أنه عندما انتخب البرلمان في 2014 وجدنا البلاد في حالة انقسام سياسي وعمليات عسكرية في كل مناطق ليبيا، وفي الجزء الشرقي كانت المنظمات الإرهابية ومقاومة الإرهاب.. وغيرها، وفى المنطقة الغربية صراعات سياسية، وكان أمام البرلمان خياران حقيقة؛ إما السير في اتجاه الجزء العنيف، وهذه مواجهة أخلاقيا مرفوضة، وبالتالي فضلنا الحوار وانخرطنا في هذه التجربة لما يقرب من عامين رغم الصعوبات والعراقيل التي اعترضت الطريق بسبب تعقيدات الأزمة الليبية وتداخل المواقف داخليا وخارجيا، إضافة إلى عدم تحديث المجتمع الليبي إلى ما يقرب من أربعين عاما، وهذه هي القضية الكبرى.
حتى المجتمع القبلي أصبح مفتتا، وانتهت مرحلة القبيلة الواحدة، حتى في مناطق القبائل لا توجد شخصية واحدة قادرة على وحدة الموقف، وكل فرد يشكل زعامة في حد ذاته، وبهذا أصبح لدينا أكثر من زعيم، في ظل غياب مؤسسات الدولة بهيكلتها المتعارف عليها. ولهذا، الشخصية الليبية مختلفة، ولا تنطبق عليها تجارب الدول الأخرى، ولهذا أخذنا على المبعوث الأممي مارتن كوبلر تبنيه لحوار قبلي، وكأنه يريد نسخ تجربة أفغانستان، وقلنا له: في الحالة الليبية لا يمكن تنفيذ نفس التجربة، على سبيل المثال، هل يمكن الحديث عن القبائل في مدينة طرابلس؟!
ومن ثم دخلنا في حوارات كثيرة، وكانت قاسية للغاية، بين الحكومة المؤقتة والبرلمان في طبرق، وحوار آخر مع حكومة أخرى لم يعترف بها العالم في طرابلس، وأيضا امتدادها في المؤتمر الوطني، وكان الهدف واضح بالنسبة لنا، وهو الحفاظ على البرلمان باعتباره آخر تجربة ديمقراطية جاءت عبر الانتخابات في ظل صراع لمحاولة إنهائه، وبالتالي كان الحوار عنوانا لكل المراحل، والقبول والاعتراف بكل أطياف الشعب.
* ما النتائج التي حققها الحوار حتى الآن؟
- التوافق والتوقيع على وثيقة سرت التي تضمنت كل القيم الديمقراطية والليبرالية والحريات العامة ونبذ العنف والخطاب التكفيري والكراهية، خصوصا أن الشعب الليبي أقرب إلى عقلية الأزهر الشريف في الوسطية والاعتدال، وتم إنجازها في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015.
* ماذا استفاد الشعب الليبي من هذه الوثيقة؟
- أولا استطعنا الانتقال من الصراع المسلح إلى الحوار داخل المؤسسات في البرلمان، الذي يضم كل الليبيين، والمجلس الرئاسي، ومجلس الدولة، ومجلس الأمن القومي، ومجلس البلدية.. وبالتالي، يمكننا القول إن وثيقة سرت عبرت عن الشراكة في كل مؤسسات الدولة، التي نسعى للبناء عليها دون إقصاء أو تهميش، بل شراكة كاملة على خلفية التداول السلمي للسلطة ونبذ العنف.
* لكن هذه الوثيقة وجدت معارضة داخل البرلمان.. هل معنى ذلك أنه يرفض دولة المؤسسات؟
- أغلبية البرلمان مع الوثيقة، وبالأرقام: تأييد 106 من أصل 170، وبدأت محاولات رفض منح الثقة للحكومة، وموجة كبيرة من العنف، ومنع انعقاد جلسة البرلمان ثلاث مرات، واقترح البعض أن يعقد البرلمان خارج طبرق لإعطاء الثقة للحكومة في ظل موافقة الأغلبية، ولكنني رفضت ذلك.
* وحتى هذه اللحظة يوجد هذا التوجه؟
- مطروح، لكنه لا يخدم قضية الشعب الليبي، ولهذا فضلنا الاستمرار في الحوار، وطلبنا وساطة الإخوة في مصر والجامعة العربية حتى نصل إلى التوافق، لأن البديل في حالة انهيار هذه التجربة يؤدي إلى فوضى أشد مما تعيشه ليبيا حاليا، ومن ثم حالات من الانفلات في كل مكان، وقد يكون من الصعوبة بمكان أن نصل حتى لما وصلنا إليه، وقد نستغرق سنوات حتى نصل إلى توافق. وعليه، من الأفضل اختصار الزمن لصالح الأمن والاستقرار وبناء الدولة.
* إذن الأزمة الليبية حلها متاح وممكن؟
- الخطاب المتعالي على الواقع لا يقدم شيئا، أما الذي يفهم الواقع فيتقدم بالتدريج، والحل ممكن وخلال أيام.
* هناك أنباء تشير إلى حل المشكلة بالنسبة للفريق خليفة حفتر وبقية المسائل معلقة مع رئيس البرلمان.. هل له مطالب محددة؟
- رئيس البرلمان طيلة فترة الحوار كانت لديه بعض الملاحظات السلبية التي لا يمكن تسميتها بالمعارضة، وقد قمنا بإضافات وتعديلات على الوثيقة نحو خمس مرات بعد كل جولة من الحوار، وشملت تفاصيل التفاصيل وبتوافق الجميع، وحتى كل المكاسب التي طالب بها البرلمان تضمنتها الوثيقة ووقع عليها الجميع يوم 15 يناير (كانون الثاني) العام الحالي وبأغلبية ساحقة، واليوم تغيير الموقف من السيد عقيلة صالح وبعض الزملاء، حيث طالبوا بالوثيقة القديمة التي كانت تتضمن الرئيس ونائبين للمجلس الرئاسي.
* تقصد المطالبة بتعديلات في تشكيلة المجلس الرئاسي؟
- في الأساس، كان اتفاق الصخيرات ينص على تشكيل المجلس من رئيس وثلاثة نواب، وكانت آلية اتخاذ القرار بالأغلبية البسيطة، ولكن رئيس البرلمان طلب تعديل وثيقة الصخيرات كي تصبح ستة أعضاء، ليكون التمثيل من عضوين لكل إقليم، وثلاثة وزراء مفوضين وممثلين للإقليم. وتمت الموافقة، وقد تابعت الموضوع بنفسي خشية حالة الانقسام وإطالة أمد الصراع.
* وهل انتهى الصراع؟
- استمرت مطالب رئيس البرلمان وبعض النواب، التي كان من بينها أن يحظى الأعضاء الستة في المجلس الرئاسي بحق الفيتو، وقد اعتبرت ذلك أكبر خرق للوثيقة ومحاولة لنسفها.. لماذا؟ لأن توسيع المجلس الرئاسي مع إعطاء أعضائه حق الفيتو يعني تعطيل اتخاذ القرار وتجميد عمل المجلس، وعمليا كل عضو مع حق الفيتو يعتبر نفسه ندا لرئيس الوزراء، وقمنا بمناقشة الموضوع لعشر ساعات، وتم رفضه، وقد ترتب على هذا مزيدا من الحوار حتى لا نصل إلى صدام. وبالتالي، أرى أن العملية السياسية في ليبيا تحتاج إلى دعم وتوافق داخلي ودولي.
* سبق أن شاركت في المؤتمرات الدولية من أجل ليبيا.. ماذا قدمت لكم؟
- شاركت في ثلاثة مؤتمرات دولية انعقدت في برلين ونيويورك وروما، وللأمانة كان الخطاب الوحيد لكل القوى الدولية، المطالبة بوحدة الموقف الليبي بين جميع الفرقاء.
* وهل اتحدتم؟
- بكل موضوعية ومسؤولية سياسية تاريخية، عجز البرلمان عن منح الثقة للحكومة أربك المشهد، بل وأكثر منذ هذا، أضعف المجلس الرئاسي.
* سبق أن أوضح رئيس البرلمان عقيلة صالح أن الثقة للحكومة تمنح بالتصويت وليس من خلال بيان يوقع عليه 106 أعضاء.. كيف ترى هذا؟
- في منح الثقة، هناك شرط موضوعي، والثاني شكلي. الموضوعي تحقق بأن الحكومة حصلت على الثقة من 106 أعضاء في البرلمان، والجانب الشكلي أن يكون ذلك من خلال جلسة رسمية، وقد أغلق رئيس المجلس وبعض النواب المعارضين الأبواب ومنعوا الأعضاء الموافقين على منح الثقة للحكومة من دخول البرلمان، وآخر اجتماع قمنا بعقده على مقهى.
* لكن رئيس البرلمان اتهم رئيس المجلس الرئاسي بأنه يستقوي بالخارج ويرفض الحضور للبرلمان؟
- هذا غير صحيح، وطلبنا عقد جلسة للبرلمان للتعبير بالرفض أو القبول، لكن ثلاث مرات يتم منعنا من عقد الجلسة رغم الأغلبية التي نتمتع بها.
* ما قولك في إعلان رئيس البرلمان أن المجلس الرئاسي جسم غير موجود في الدستور وبالتالي الأمر يحتاج للتعديل؟
- نوافق على تعديل الدستور، ولا أحد يرفض هذا، فلنعقد جلسة للبرلمان للتصويت على تعديل الدستور لتضمين الوثيقة الخاصة بالمجلس الرئاسي. ولكن للحقيقة، هناك غلق لأبواب البرلمان ضد أغلبية النواب.
* ما الأسباب الخفية التي لم يعلن عنها رئيس البرلمان؟
- الأقلية في البرلمان ترى أنه لو انعقد المجلس فسوف يعطي الثقة للحكومة، وبالتالي، هم يخلقون حالة من الفوضى لمنع الثقة.
* إذن المسألة ليست لها علاقة باختيار وزير الدفاع ودور الفريق حفتر الذي عينه البرلمان؟
- الخلاف موجود، وهناك جهود للتوافق، ووزير الدفاع في حكومة السراج يمارس عمله، والفريق خليفة حفتر جزء من المشهد السياسي والعسكري، وحتى وزير الدفاع ليس مقطوعا من شجرة، ويعتبر شخصية معروفة في مدينة بنغاز والمنطقة الشرقية، وينتمي لقبيلة عريقة، وبالتالي لا يجوز تجاهل الحقائق.
* لكن يبدو أن ثمة توافقا حدث مؤخرا لحسم الخلاف مع الفريق حفتر.. وهو أن يبقى في إطار المجلس الرئاسي وليس مجرد وزير؟
- أتصور أننا بدأنا تدريجيا نتقدم في اتجاه التوافق، ولكن أحذر من نقطة، وهي أن الاهتمام الدولي بالملف الليبي ربما لم يعد كما كان منذ أشهر.
* تقصد أن الاهتمام الدولي بالتدخل العسكري لمحاربة الإرهاب يؤدي إلى إرباك المشهد؟
- التدخل العسكري لمحاربة الإرهاب وعدم الحماس في التعامل السياسي مع الملف الليبي، وهنا يتحمل المسؤولية الليبيون، وأخشى أن تضيع الفرصة، وما زالت أرى أن هناك فرصة لاختطاف الدولة من المؤامرات الخارجية، وهذا مرهون بوعي الليبيين وقدرتهم على توحيد المواقف.
* إذن أنت ترى أن وحدة الشعب والتفافه حول قضيته أهم من «داعش» والإرهاب؟
- بالتأكيد، لأنه لا توجد أرضية أو حاضنة اجتماعية لـ«داعش» والإرهاب في ليبيا، والشعب بطبعه متدين ومعتدل.
* وكيف ترى الدواعش الذين تم تصدريهم إلى ليبيا مؤخرا؟
- الدواعش النشطون أتوا من الخارج من دول عربية وأجنبية، وهؤلاء تتعامل معهم الضربات الأميركية مؤخرا، أما المتطرفون من أبناء الشعب الليبي، فالأمر يتطلب معالجة سياسية من خلال المصالحة الوطنية، لأن بعض الشباب يعيش حالة ضياع، خصوصا في المناطق التي ظن أهلها في التهميش وعدم الاهتمام، وبالتالي أخشى أن يكون شبابهم وقودا للإرهاب.
* ما موقف البرلمان من الضربات الجوية الأميركية والفرنسية والبريطانية التي تحدث على مراحل؟
- فلنعترف أولا أن هذا الغول (الإرهاب) ليس بإمكان أي دولة محاربته بمفردها، وقد حدثت حتى عمليات إرهابية في فرنسا وغيرها، والأمر بكل تأكيد يحتاج لكل أنواع التعاون؛ ابتداء من تبادل المعلومات الاستخباراتية، ووصولا لعمليات مشتركة.
* ألا تخشون من نتائج سلبية قد تضر بالشعب الليبي جراء هذا التدخل العسكري؟
- الأمر مرهون بتعامل القيادة العسكرية الليبية مع مدى التدخل ونوعية الضربات وتوقيتها والمدد الزمنية، وبشروط بعينها، فإن الأمر طبيعي، ويساعد في الحرب على الإرهاب، والتعاون يكون في إطار مراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومراقبة جوية وبحرية.
* ما نتائج زيارتكم للقاهرة، خصوصا لقاءكم مع الأمين العام للجامعة العربية وكذلك وزير الخارجية المصري سامح شكري؟
- جئنا برسائل واضحة، وكانت اللقاءات إيجابية من حيث تنوع وجرأة الأفكار التي تم طرحها، كما تم توضيح كثير من المواقف التي كانت مغلوطة أو حتى غير واضحة. أما اللقاء مع أبو الغيط، فقد طلبت منه زيارة طبرق دعما للبرلمان وطرابلس ودعما للمجلس الرئاسي، وقد وعد بذلك.
* هل ترى في الأفق بوادر انفراج الأزمة بين رئاسة البرلمان والمجلس الرئاسي؟
- نأمل في هذا، ولا بديل سوى التوافق.
نائب رئيس البرلمان الليبي: الضربات الأميركية لا تعني احتلالاً
محمد شعيب قال لـ «الشرق الأوسط» إن عجز البرلمان عن منح الثقة للحكومة أربك المشهد السياسي
عناصر تابعة لقوات ليبية متحالفة مع الحكومة المدعومة من الامم المتحدة خلال معركة مع مقاتلي تنظيم داعش في سرت (رويترز).. وفي الاطار محمد شعيب النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي
نائب رئيس البرلمان الليبي: الضربات الأميركية لا تعني احتلالاً
عناصر تابعة لقوات ليبية متحالفة مع الحكومة المدعومة من الامم المتحدة خلال معركة مع مقاتلي تنظيم داعش في سرت (رويترز).. وفي الاطار محمد شعيب النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








