كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
TT

كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب

الكاتب التلفزيوني والمسرحي فارس يواكيم قراءاته ثرية، وفي الصيف ينصرف إلى الأدب ويقول عن خياراته لهذا الصيف: الرواية الأولى «بوركيني» للبنانية مايا الحاج (منشورات «ضفاف» ومنشورات «الاختلاف») وهي ذات تقنية عالية في الكتابة. تدور الأحداث في فترة زمنية قصيرة: ثلاثة أيام. وفي ثلاثة أماكن رئيسية: المرسم، المقهى، معرض اللوحات. والشخصيات الرئيسية ثلاثة: هي، حبيبها، والمرأة الأخرى، التي كانت من قبل حبيبته. والحدث واحد دارت حوله المتفرعات كالتفاف أغصان الشجرة على جذع واحد. هذه الكثافة في الزمن والشخصيات والأماكن هي أحد مواضع الجمال في الرواية. لكنها تجعل مهمة الكاتبة صعبة في التأليف والسرد. بيد أن مايا الحاج نجحت في تجاوز هذه العقبة من طريق خلق التوتر لدى الشخصية الرئيسية، الرسامة، الفنانة التشكيلية المحجبة. هذا التوتر ناجم عن تساؤل محير حول إمكانية وجود التناقض بين الحجاب والمهنة التي تمارسها، وهي الرسم. وحول إمكانية الإبقاء عليه أو خلعه. وهل هو اختيار يُرضي أم عبء يثقل الكاهل والنفس.
وإذا كانت البطلة نفسها لم تتمكن من تحديد هويتها، فكيف يمكن للآخر أن ينجح في ذلك؟ اللقاء في المقهى بالمرأة الأخرى فجّر مسرى الرواية. تداعيات مختلفة يتداخل فيها الماضي بالحاضر وبتصورات المستقبل. وكلما زادت هذه التفاصيل من كشف شخصية الرسامة وجعلتنا نعتقد أننا نلّم بجوانبها أكثر فأكثر، وجدنا أنفسنا وقد تهنا في تعقيدات هذه الشخصية الحائرة المحيّرة، وهي تتقمص فكر الرجل الذي تحبه: «نظراته توجّه إلي اتهاما فاضحا. أظنه اكتشف فصاميتي فجأة. ولم يعد يفهمني أي امرأة أنا؟ المحجبة الغامضة أم الفنانة المتحررة؟ من حقه أن يعرف أي امرأة أحبها وارتبط بها! لا ينبغي أن ألومه على هذا الضياع. فأنا نفسي ضائعة في دوامة ذاتي التي غدت أكثر تعقيدا من خيوط عنكبوت».
الرواية ممتعة، ولغتها أنيقة وخالية من التعقيد. وكلما تابعنا ما تكشف من هذه الشخصية اقتنعنا بالمنطق الذي تطرحه. ثم اقتنعنا بالمنطق النقيض الذي يخطر في بالها. ويستمر التوتر، بين أن تواصل علاقتها بالحبيب أو أن تقطعها، حتى نهاية الرواية التي تركتها مايا الحاج مفتوحة.
«رسائل إلى مولانا» هو عنوان الديوان الثاني للشاعرة اللبنانية سناء البنا (دار «نلسن») حققت فيه قفزة نوعية قياسا بديوانها الأول «آدم وتاء الغواية» من حيث تماسك القصائد والتوغل في معانيها بعيدا من مجرد التعابير عن أحاسيس ذاتية، لتغدو القصائد في ديوانها الجديد سلسلة متصلة الحلقات، متحدة في المعنى، وتنوعها اللغوي هو لخدمة الموضوع. هي قصائد غزلية، لكنها مغمسة بالأجواء الصوفية، محاكاة لـ«مولانا» الأصلي، ألا وهو جلال الدين الرومي، الشهير الذي كان من أهم شعراء الحب الإلهي في التصوف. والحب عنده هو دواء كبريائنا وفتنتنا بأنفسنا، وطبيب ضعفنا، ومخلصنا من أنانيتنا.
«على بعد غيمة» أيضًا هو ديوان شعر. وقراءة دواوين الأشعار والروايات هي قراءاتي الصيفية المفضلة، حيث التلقي فيها لا يحتاج إلى مراجعة المراجع والتثبت من صحة الرأي المطروح. تجاه الشعر، تقبله أو لا تقبله. تكمل الديوان أو تلقي به جانبا. و«على بعد غيمة» هو للشاعرة المصرية سمية العسقلاني (دار «شرقيات»). بعد دواوين «البوح بالمكنون»، «وجه في دفتر الأبدية»، «خارطة اللون.. قبعة السماء».
في الديوان شذرات قصيرة متوزعة على الصفحات. تضيء على قصائد. وهي والقصائد القصيرة أجمل ما في الديوان. تقول سمية العسقلاني في شذرة: «الحياة نهر وأيامنا زورق من ورق.. نحرص دائما، ألاّ يبتل». وتقرأ الامتداد في قصيدة بعنوان «حرية»: «على هيئة الطير يتشكل قلبي/ في كل صباح أربطه في خيط/ أسمح له بأن يلامس الهواء/ دون أن يطير». إنها حرية الطيران، لكن في قفص. وهذا يتطابق مع الشذرة التي افتتحت الديوان: «كل شيء حولي ناقص/ حتى أنا/ لي ساق واحدة/ قالت لي الشجرة».
هذه المرأة تبوح وتكابر في آن معا. في أقصر القصائد وهي بعنوان «أرق» نقرأ: «أنا لا أتأرق/ فقط/ أحرس وسادتي من عتمة الليل». لكنها ترجو أن تنتصر على ضعفها في قصيدة «الحقيقة» إذ تقول: «لن أخبرك متى ألجأ للألوان الصريحة/ ولا كيف أحتمل الموسيقى/ سأخبرك عن رغبتي في اقتناء قطة/ لأتبادل معها ارتداء المخالب».
وعلى عكس الغالبية الكبرى من الشعراء الشباب، اختارت المحامية الجزائرية الشابة سمية محنش أن تكتب الشعر العمودي الكلاسيكي. وفي أول إطلالة لها نشرت قصائدها في ديوان «مسقط قلبي» (منشورات «ضفاف» و«الاختلاف»). ومن أول قصيدة في الديوان «كامل الحسن» تؤكد شبابها رغم انتمائها شكلا إلى شعر يخص جيلا سابقا.
قصيدة عمودية أم قصيدة تفعيلة أم قصيدة نثر، ما همّ. المهم ما تقوله، ولها أن ترتدي الثوب الذي تهواه شرط أن يتناسب مع المعنى. وفي شعر سمية محنش غنائية، تجعل قصائدها مرشّحة للتلحين.
وقصيدة «لوردة مخضلة» المهداة إلى روح وردة الجزائرية تشي بحب سمية محنش للغناء وبهيامها بابنة بلدها. «هذا المساء كخنجر من سلّهْ/ صوب الضلوع بساعة مختلّه؟/ لكأنه يهذي.. ويهذي أنه/ ذبح الوريد لوردة مخضلة/ كذب هراؤك.. فاختبر غيري بأنباء الوفاة ومدّه بأدلّه/ فالشمس شمس/ من سيطفئها وإن/ عجت سماؤك أنجما/ وأهلّه/ هذي المليكة سرمدى عودها/ عطر لشعب، راية للدولَه».

عماد موسى: كل صيف حملة

يقول الكاتب الصحافي الساخر عماد موسى: كل صيف أشن حملة على نتاج كاتب أو أكثر. الصيف الماضي قرأت ما تيسر من مؤلفات «راهب الرواية» ربيع جابر وتمتعت بثلاثية «بيروت مدينة العالم» التي تروي سيرة عبد الجواد أحمد البارودي، الرجل المقطوع الذراع، الهارب من سوريا إلى بيروت في عشرينات القرن التاسع عشر. سيرة متخيلة لرجل وسيرة تكوّن حارة وأحياء ووسط مدينة.
وللعشاق الرومانسيين أختار وأنصح بقراءة Le Musée de l›innocence «متحف البراءة». قرأته بالفرنسية، أهديته بالإنجليزية وأعتقد أنه متوافر بلغتنا. قصة حب مجبولة بالانتظار الطويل. قصة رجل أصيب بهوس اقتناء أشياء حبيبته البسيطة. قصة تتوج بمأساة وبولادة متحف موجود اليوم في إسطنبول. كدت أنسى ذكر اسم المؤلّف أورهان باموق.
وهذا الصيف عدت إلى صاحب «الخبز العافي» محمد شكري. عدت متأخرا لأقرأ كتاب «وجوه». وهو جزء من سيرة كاتب ملعون مُصاب بلوثة طنجة وطقوسها وحاناتها وفتيات ليلها.
وهذه الليلة بالذات أنتهي من قراءة رواية «معارضة الغريب» للجزائري كمال داود. رواية مثيرة بغرابتها عن قتيل غامض يروي أخوه سيناريوهات متعددة لموته واختفاء الجثة والقاتل وكيفية انتقامه من مواطن فرنسي بعد تعذّر الوصول إلى القاتل. كامو كتب «الغريب» داود عارَضَهُ. لن أطيل أكثر لأنني لم أصل بعدُ إلى النهاية.

بسمة الخطيب و«الدفتر الكبير»

اختارت الروائية اللبنانية بسمة الخطيب «أرق الروح وزمن المتاهة» ليمنى العيد، وهو السيرة الذاتية للناقدة يمنى العيد وشهادة على العصر بأسلوب روائي سلس وجذاب ولغة غنية. السيرة هذه مرآة لحياة العيد وأيضًا زمنها وأهله، وللأديبة التي تسكنها وتحظى للمرة الأولى بفرصة الإعلان عن نفسها خارج ميدانها الأبرز الذي هو النقد. كتاب آخر هو «الدفتر الكبير» لأغوتا كريستوف. متأخرة جدًا ظهرت ترجمة رواية كريستوف الأولى، ولكن هذا خير من ألا تأتي أبدًا. رواية مرعبة بالمعنى الحرفي، ففظاعات الحرب العالمية الثانية لم تُصوّر بمثل هذه الكثافة والبساطة سابقًا أو ربما لاحقًا. الطريف أن كريستوف أرسلت مسودة روايتها لدار «غاليمار»، فرفضت، لكن دار «سوي» كان لها فضل إطلاق مارد روائي جميل وعظيم اسمه أغوتا كريستوف.
وتنصح الروائية بسمة الخطيب بقراءة «أجمل نظرية» لعالم الفيزياء كارلو روفيللي ترجمة الفنان التشكيلي عادل السيوي. شعر السيوي منذ قرأ الكتاب بالإيطالية أنه على القارئ العربي أن يقرأ هذه الدرة الفكرية، لذا سارع إلى ترجمته، سؤال الزمن والمكان أعطانا نظريات عدة تهنا في متاهاتها منذ الفلكيين الأوائل إلى آينشتاين وهوكينغ، وفي هذا الكتاب نقبض بأيدينا على أجمل نظرية.
وتقول الروائية الخطيب: «ارقد محتضرة» لفوكنر: رواية أسرة، أنصح بها محبي الأدب والراغبين بقراءة كتاب يهزّ مشاعرهم، اخترتها لأن «الصخب والعنف» هي أشهر أعمال فوكنر عربيًا تحديدًا، ولكن هذه الرواية لا تقل عنها قيمةً.

رزان نعيم المغربي
و«مصائر» ربعي المدهون

الروائية الليبية رزان نعيم المغربي تقول: حينما تكون المكتبة بعيدة المنال، تصبح القراءة الإلكترونية الأكثر مشقة والأقل متعة. خلال عام ونصف العام كان معظم ما اطلعت عليه، كتبا أرسلها الأصدقاء من خلال النسخ المصورة، وبعض يسير من الكتب الورقية، استمتعت بقراءتها، فهل أثر ذلك على مزاجي؟ لا أعلم. ولكن أختصر القول إن كثيرًا من الإصدارات وصلت إلي ولن يتسع المجال لاستعراضها، مثل رواية «ذئبة الحب» و«الكتب» للروائي محسن الرملي، و«الذين مسهم السحر» للروائية روزا ياسين حسن، بالإضافة إلى رواية «شوق الدراويش» للروائي الشاب حمور زيادة، وكلها أعمال أرشحها للقارئ مع ما استعرض هنا من روايات بإيجاز شديد: «فئران أمي حصة»، للروائي سعود السنعوسي، ذات بيئة كويتية محلية، إلا أنها تحمل تحذيرا شديدا ينسحب على بلداننا التي تشهد صراعات دموية. والرواية لا تخلو من العنف والقسوة رغم ما نلمسه من معان إنسانية وقصص تحدث أثناء الحروب، تناول فيها الماضي واستشرف المستقبل بسوداوية، وخوف مما يمكن أن ينتظر الكويت فيما لو لم ينتبهوا إلى بذرة طائفية مقيتة أخذت تظهر على السطح.
رواية «توليب مانيا» لليبية وفاء البوعيسي المقيمة في هولندا. هي النص الأول في غربتها وسبقها ثلاثة أعمال روائية. في هذا العمل تسرد تجربتها مع الإسلاميين في ليبيا والنظام الليبي دون حذر من ذكر أسماء أشخاص عملوا مع النظام، ذلك بالتوازي مع حكاية عشرة أشخاص تجاورت معهم في مركز اللجوء، وتشابكت العلاقات الإنسانية بينهم مما جعل علة السرد سلسة لتحكي قصة كل واحد منهم منذ خروجه وحتى وصوله إلى هولندا.
«صراخ في الطابق السفلي» للروائية الليبية فاطمة الحاجي، وقد صدرت في بيروت عن «دار النهضة» تستعرض أحداثا حقيقية جرت أيام النظام السابق. وهي شنق طلاب الجامعة على مدرجاتها وأمام زملائهم. وتدور الأحداث حول هذه الواقعة من خلال قصة حب تجمع بين طالبة (الساردة)، وأحد الطلاب المنضمين إلى اللجان الثورية مما يجعل الصراع على أشده بين القلب والعقل الرافض لهذه الجريمة. اقترح أيضًا «سماء قريبة من بيتنا» للروائية شهلا العجيلي، حيث مسرح الأحداث مدينة الرقة السورية التي أصبحت إمارة لتنظيم الدولة، وهي تشبِّهه بسرطان هاجم المدينة من خلال تجربة البطلة بأسلوب سردي رشيق، تتوالى الحكايات لتشكل عملا سرديا متجاوزة الصراع على مفهوم الثورة أو الأزمة. كذلك «مصائر» لربعي المدهون الحائزة على جائزة البوكر العربية. هي رواية الأمكنة في فلسطين، تتداخل فيها النصوص السردية وتتقاطع حول أحداث المغتربين الذين عادوا لزيارة قصيرة ولسبب معين. السارد يتجول في مدن فلسطينية وكأنه سائح يتعرف عليها وتبدو هذه الجولة مقصودة. القصة التي لفتت انتباهي هي حول صراع الفلسطيني بين المهجر وفي بلده، بسبب قمع الاحتلال الذي لا خلاص منه إلا بهروب جديد إلى المهجر.



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي