أمين عام «أوبك» الجديد يبدأ عمله في «ظروف استثنائية»

سعر سلة المنظمة عند أقل مستوى في 4 أشهر.. وإنتاجها عند مستوى تاريخي

مقر منظمة أوبك في فيينا.. وفي الاطار محمد سنوسي باركيندو الأمين الجديد للمنظمة .(رويترز)
مقر منظمة أوبك في فيينا.. وفي الاطار محمد سنوسي باركيندو الأمين الجديد للمنظمة .(رويترز)
TT

أمين عام «أوبك» الجديد يبدأ عمله في «ظروف استثنائية»

مقر منظمة أوبك في فيينا.. وفي الاطار محمد سنوسي باركيندو الأمين الجديد للمنظمة .(رويترز)
مقر منظمة أوبك في فيينا.. وفي الاطار محمد سنوسي باركيندو الأمين الجديد للمنظمة .(رويترز)

بعد مرور ما يزيد على تسع سنوات أخلى الليبي عبد الله البدري أخيرًا، أمس، مكتبه في الطابق الخامس من مبنى منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) المطل على شارع شتروفرهيلفاشتراسا في قلب فيينا، للنيجيري محمد سنوسي باركيندو، الذي أصبح من تاريخ 1 أغسطس (آب) الأمين العام الجديد للمنظمة. ولن تكون مهمة باركيندو سهلة، فهو سيرأس منظمة تكالبت عليها الظروف مؤخرًا وأرهقتها وجعلتها منقسمة وغير قادرة على القيام بالدور الذي أُنشت من أجله في عام 1960، وهو الحفاظ على توازن السوق، وتحقيق الأسعار العادلة للدول الأعضاء فيها.
ولم يكن اختيار باركيندو أبدا مهمة سهلة، فمنذ عام 2012 و«أوبك» تتطلع إلى أمين عام جديد بديلاً للبدري الذي انتهت فترته الرسمية في ذلك العام، ولكن الخلاف السياسي حول المرشحين أجل القرار لثلاث سنوات استمر فيها البدري في منصبه بعد التمديد المؤقت له.
وباركيندو ليس وجهًا جديدًا على المنظمة، حيث كان محافظًا لنيجيريا في «أوبك» لسنوات طويلة، وكان أمينا عامًا لها بالتكليف لمدة عام واحد في 2006، وسبق له أن كان مديرًا عامًا لشركة النفط الوطنية النيجيرية بين عامي 2009 و2010.
وتواجه «أوبك» وقتًا عصيبًا حاليًا، بسبب الانقسام بين الدول الأعضاء حول ما يجب فعله لدعم أسعار النفط دون المساس بحصة «أوبك» السوقية. ففي حين تذهب دول مثل الجزائر وفنزويلا وإيران إلى ضرورة خفض الإنتاج أو إعادة نظام الحصص، تذهب دول الخليج إلى أهمية الدفاع عن الحصة السوقية، وهي السياسة التي بدأها علي النعيمي وزير البترول السعودي السابق، وما زالت متبعة حتى اليوم.
ويقول عبد الصمد العوضي، أحد أبرز المتابعين للمنظمة، الذي كان يعمل ممثلا وطنيا للكويت فيها بين أعوام 1980 و2001، إن باركيندو تولى المنصب في وقت حرج لـ«أوبك»، فالانقسام ليس فقط بين الدول الأعضاء، بل بين المنظمة وباقي الدول خارجها. ويرى كبار المنتجين خارج «أوبك»، مثل روسيا، أن التنسيق مع «أوبك» من أجل إعادة الاستقرار للسوق لم يعد مجديًا، خصوصا بعد فشل توصل المنتجين إلى اتفاق في الدوحة في أبريل (نيسان) العام الماضي. ويقول العوضي: «لا أعرف ما الأدوات التي يمتلكها باركيندو للتوفيق بين وجهات النظر المختلفة، خصوصا أن هناك دولا تعتقد أن (أوبك) أصبحت عدوة لها بفضل التنافس على الحصة السوقية».
ويضيف قائلاً: «ويبقى التحدي الأهم هو أن يعمل باركيندو على موازنة الكفة داخل المنظمة، فلا يميل إلى الدول الخليجية فقط، بل عليه أن يتقرب من الأعضاء المؤسسين الآخرين في المنظمة وهم فنزويلا والعراق وإيران». ويوضح العوضي أن أحد أسباب إنهاء تكليف البدري من منصبه هو أن بعض الأعضاء داخل «أوبك» بدأوا يعتقدون أنه لا يهتم لمصالحهم على حساب المنتجين الكبار، وهذا الأمر يجب ألا يكرره باركيندو.
هبوط سلة «أوبك»

ويبقى سعر برميل النفط هو أهم تحدٍّ أمام باركيندو الذي تسلم المهمة في وقت عادت فيه أسعار النفط للهبوط مجددًا بعد فترة قليلة من التحسن والاستقرار.
وأمس أعلنت «أوبك» أن سعر سلة خامها قد وصل إلى 38.97 دولار يوم الجمعة، وهو أقل سعر للسلة منذ شهر أبريل (نيسان) الماضي، بحسب تقديرات وكالة «بلومبيرغ» التي أظهرت أيضًا أن السلة فقدت نحو 19.5 في المائة من قيمتها منذ مطلع العام الجاري.
ولقد انتهت تلك الأيام التي كانت فيها السلة عند مستوى فوق 100 دولار بفضل النفط الصخري في الولايات المتحدة، وباقي أنواع النفط عالي التكلفة في كندا وغيرها التي أدت الأسعار العالية في السنوات الأربعة الماضية إلى رفع إنتاجها بصورة أغرقت الأسواق.
وتتكون سلة «أوبك» من خامات جميع دولها الأعضاء الثلاثة عشرة التي شهدت تغييرات في الأشهر الأخيرة مع عودة أعضاء «أوبك» القدامى إندونيسيا والغابون إلى المنظمة. ففي شهر يناير (كانون الثاني) الماضي تمت إضافة خام ميناس الإندونيسي إلى السلة، وفي الشهر الماضي تمت إضافة خام رابي الغابوني. وبدأت أسعار النفط تعاملات شهر أغسطس (آب) أمس بهبوط بعد عدة تقارير تدفع للنزول من بينها ارتفاع إنتاج «أوبك»، وزيادة في عدد الحفارات الأميركية وبيانات اقتصادية ضعيفة من آسيا.
وبلغ سعر التعاقدات الآجلة لخام برنت 43.46 دولار للبرميل في السوق الآسيوية، متراجعا سبعة سنتات عن آخر سعر له عند الإغلاق في آخر أيام يوليو (تموز) عندما فقد بالفعل 12 في المائة خلال ذلك الشهر.
وبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 41.85 دولار للبرميل، متراجعا سنتين عن آخر سعر له عند الإغلاق في يوليو (تموز)، وهبط 13 في المائة من قيمته في يوليو (تموز).

إنتاج «أوبك»
وإذا ما تجاوزنا تحدي الأسعار فإن هناك تحديات أخرى في المنظمة مثل الإنتاج المرتفع لأعضائها الراغبين في الحصول على حصة أكبر من السوق العالمية، وإزاحة باقي المنتجين عالي التكلفة من المنظومة.
وأظهرت المسوحات التي تجريها الوكالات الإخبارية المتخصصة في سوق النفط، أن إنتاج دول «الأوبك» متجه إلى مستوى تاريخي في يوليو (تموز)، ليس بسبب زيادة الإنتاج من بعض الأعضاء مثل السعودية والعراق وإيران، بل لزيادة عدد الدول الأعضاء من 11 إلى 13 دولة.
ورغم أن الغابون لا يتجاوز إنتاجها أكثر من 200 ألف برميل يوميًا، فإن انضمامها زاد من حصة «أوبك» في السوق العالمية تلقائيًا.
ونقل التلفزيون الرسمي في إيران أمس عن وزير النفط الإيراني بيغن زنغنه، قوله إن سوق الخام متخمة بالمعروض، لكنه توقع استعادة التوازن بين العرض والطلب. وقال الوزير: «سوق النفط متخمة بالمعروض حاليًا، لكن هناك توقعات بأن يتحقق التوازن بين العرض والطلب في السوق».
ويوم الجمعة الماضي أظهر مسح أجرته «رويترز» أن إنتاج منظمة «أوبك» من النفط سيصل على الأرجح في يوليو (تموز) إلى أعلى مستوى في التاريخ الحديث مع ضخ العراق كميات أكبر، في حين استطاعت نيجيريا زيادة صادراتها رغم هجمات المتشددين. وارتفعت الإمدادات من «أوبك» إلى 33.41 مليون برميل يوميًا في يوليو (تموز) مقابل 33.31 مليون برميل في يونيو (حزيران)، بحسب البيانات المعدلة. واستند مسح «رويترز» إلى بيانات الشحن البحري ومعلومات من مصادر في القطاع.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.