كاميرون يكافئ المقربين منه بألقاب ملكية.. ويثير استياء داعمي «البريكست»

مستشارة زوجته للأزياء ورجال أعمال موّلوا «البقاء» ضمن لائحة التكريم

ديفيد كاميرون وأسرته يغادرون مقر رئاسة الوزراء في لندن في 13 يوليو الماضي (رويترز)
ديفيد كاميرون وأسرته يغادرون مقر رئاسة الوزراء في لندن في 13 يوليو الماضي (رويترز)
TT

كاميرون يكافئ المقربين منه بألقاب ملكية.. ويثير استياء داعمي «البريكست»

ديفيد كاميرون وأسرته يغادرون مقر رئاسة الوزراء في لندن في 13 يوليو الماضي (رويترز)
ديفيد كاميرون وأسرته يغادرون مقر رئاسة الوزراء في لندن في 13 يوليو الماضي (رويترز)

بعد قرابة شهر على تسليمه مهام رئاسة الوزراء إلى تيريزا ماي وخروجه من 10 داونينغ ستريت، عاد ديفيد كاميرون ليتصدّر عناوين الصفحات الأولى البريطانية بعد أن انهالت عليه الاتهامات بتوزيع الألقاب والأوسمة الملكية على «أصدقائه» بناء على المحسوبية لا الاستحقاق.
وتوالت ردود الفعل الغاضبة من طرف كبار السياسيين البريطانيين أمس ومساء أول من أمس بعد تسرّب لائحة تكريم ملكية تضم 48 شخصا طالب كاميرون بمنحهم أوسمة وألقابا بدرجات مختلفة، معتبرين أنه قلّل من قيمة منظومة «التكريم»، واستغل منصبه لمكافأة «أصدقائه». ويعد إعداد لائحة تكريم بالأوسمة والامتيازات من طرف رؤساء الوزراء البريطانيين المغادرين مناصبهم حقّا مشروعا وليس مثيرا للجدل في حدّ ذاته، رغم تفضيل كل من توني بلير وغوردن براون عدم استخدامها، إلا أن اختيار كاميرون للأفراد الذين يودّ مكافأتهم أثار غضب النواب، محافظين وعمالا على حدّ السواء.
وتشمل اللائحة المحدّثة لهؤلاء، التي سرّبت لصحيفة «صنداي تايمز» في سابقة من نوعها، رجل أعمال ساهم بمبالغ طائلة في حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي التي قادها كاميرون، ومستشارة أزياء زوجته سامنثا، ومساعد وزير ماليته جورج أوزبورن التي ذاع صيتها بعد أن ساعدت الأخير على الالتزام بحمية غذائية ناجحة.
وردّا على هذه التسريبات، قال توم واتسون نائب زعيم حزب العمال المعارض إنه يتمنى ألا تخاطر رئيسة الوزراء تيريزا ماي بسمعتها لصالح «أصدقاء كاميرون»، داعيا إياها ضمنيا إلى التدخل لعرقلة منح الأوسمة والامتيازات. وأضاف واتسون: «هذه محسوبية واضحة، ودليل جديد على أن المحافظين يقدّمون مصالحهم على مصالح البلاد».
من جانبه، قال وزير رفض تعريفه لصحيفة «ديلي تلغراف» اليمينية أمس: «لست ضد مكافأة موظفين تفانوا في العمل وأدوا خدمة طويلة في مكتب كاميرون. إلا أنني أعارض فكرة استمالة أفراد حول موقفهم من الاتحاد الأوروبي بإمكانية مكافأتهم بنظام التكريم»، في إشارة إلى ويل سترو رئيس حملة «أقوى في الاتحاد» الذي «لم يساعد رئيس الوزراء في شيء، بل تسبب في إيذاء حزب المحافظين في الحكومة»، على حدّ قوله. واعتبر أن هذه الممارسة «تستهين بالنظام وستغضب الكثير من الأشخاص».
وجاءت تصريحات وزير سابق آخر فضّل التكتم على هويته لصحيفة «ديلي ميل» داعمة للمواقف السابقة واستغلّ الوضع سياسيا لمهاجمة حملة البقاء التي فشلت في إقناع البريطانيين بمساوئ الانسحاب من التكتل الأوروبي، حيث اعتبر أن «كاميرون يكافئ بوقاحة من كانوا موالين له، ويتجاهل كل الوزراء الذين عملوا بجد وإخلاص من أجل المصلحة الوطنية، ويكرر وقاحته بشكل فج بتكريم أولئك المشاركين له في معسكر البقاء داخل الاتحاد الأوروبي». بينما علق نايجل فاراج، رئيس حزب الاستقلال البريطاني المستقيل، بأن لائحة التكريم الأخيرة منحت «مكافآت كثيرة على الفشل».
بدوره، قال أندرو بريدجن، نائب من حزب المحافظين، إن قائمة التكريم وتوزيع الألقاب والأوسمة الملكية التي أعدّها كاميرون تسيء إلى سمعة التكريم، كما أنها تكافئ «أشخاصا حشدوا لحملة ضد رغبة الشعب البريطاني»، في إشارة واضحة لحملة البقاء في الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، اعتبر المشرع المحافظ ديزموند سواين، الذي قلد لقب فارس على خدماته السياسية، أن المنتقدين أعطوا للائحة التكريم أكثر من حجمها. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن «السبب وراء إعداد قائمة تكريم عند الاستقالة هو أن رئيس الوزراء يتعين عليه خلال فترة ولايته استمالة بعض الأشخاص والحصول على تأييدهم، ومن ثم يصبح مدينا لهم بالتكريم».
وتضع فضيحة «لائحة التكريم» ضغوطا كبيرة على تيريزا ماي التي طالبتها شخصيات بارزة في الساحة السياسية بالتدخل لعرقلتها. ورفضت المتحدّثة باسم مقر رئاسة الوزراء بلندن (10 داونينغ ستريت) الاستجابة لسؤال «الشرق الأوسط» حول موقف وزيرة الداخلية السابقة من ذلك، مكتفية بتصريح عام يفيد بأن «رئيسة الوزراء لن تتدخل في لائحة التكريم، حيث إن ذلك سيشكّل سابقة سيئة». إلا أن المراقبين يتوقّعون أن ترتفع حدة الضغوط على ماي في الفترة المقبلة، في حال وافقت لجان التكريم على اللائحة المقترحة من كاميرون. وينصّ نظام التكريم الملكي أن يتم منح الأوسمة والألقاب لأفراد قدموا خدمة عامة حقيقية.
يشار إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها «لائحة التكريم» جدلا في بريطانيا، حيث إن لائحة رئيس الوزراء الأسبق هارولد ويلسون نالت قسطها من الانتقادات بمنحها ألقابا لرجال أعمال أثرياء اتهموا بالفساد.
ومن أبرز الأسماء المثيرة للجدل في لائحة كاميرون: إيزابيل سبيرمان، المساعدة الشخصية لسمانثا كاميرون ومستشارتها للأزياء ولتنظيم حفلات في «10 داونينغ ستريت» التي كافأها بلقب «ضابط الإمبراطورية في البريطانية»، وثيا روجرز، مساعدة جورج أوزبورن وزير المالية السابق، التي شجعته على اتباع حمية غذائية وإنقاص وزنه بلقب «ضابط في الإمبراطورية البريطانية»، والنائب المحافظ ووزير سابق للشؤون الأوروبية ديفيد ليدينغتن بلقب «فارس»، ووزير الخارجية السابق فيليب هاموند بلقب «فارس لوسام القديس ميخائيل والقديس جرجس»، ووزير الدفاع مايكل فالون بوسام «»فارس لوسام باث»، ورجل الأعمال أندرو كوك الذي تبرع بـ250 ألف جنيه إسترليني لحملة البقاء وما يفوق المليون جنيه للحزب خلال العقد الماضي بلقب «فارس».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».