الراديكاليون منشقون بعد الظهور المفاجئ لـ«أبو الفرج المصري» إلى جوار الجولاني

خبير في شؤون الحركات المتطرفة: مساندته تكسب زعيم «النصرة» شرعية القيادة

الجولاني زعيم «جبهة النصرة} (وسط) لدى إعلانه فك الارتباط بـ {القاعدة} وتشكيل جماعة {جبهة فتح الشام} حيث ظهر أبو الفرج القيادي المصري (يسار) وأبو عبد الله الشامي (يمين) ({الشرق الاوسط})
الجولاني زعيم «جبهة النصرة} (وسط) لدى إعلانه فك الارتباط بـ {القاعدة} وتشكيل جماعة {جبهة فتح الشام} حيث ظهر أبو الفرج القيادي المصري (يسار) وأبو عبد الله الشامي (يمين) ({الشرق الاوسط})
TT

الراديكاليون منشقون بعد الظهور المفاجئ لـ«أبو الفرج المصري» إلى جوار الجولاني

الجولاني زعيم «جبهة النصرة} (وسط) لدى إعلانه فك الارتباط بـ {القاعدة} وتشكيل جماعة {جبهة فتح الشام} حيث ظهر أبو الفرج القيادي المصري (يسار) وأبو عبد الله الشامي (يمين) ({الشرق الاوسط})
الجولاني زعيم «جبهة النصرة} (وسط) لدى إعلانه فك الارتباط بـ {القاعدة} وتشكيل جماعة {جبهة فتح الشام} حيث ظهر أبو الفرج القيادي المصري (يسار) وأبو عبد الله الشامي (يمين) ({الشرق الاوسط})

أثار ظهور المتشدد المصري «أبو الفرج المصري» إلى جوار أبو محمد الجولاني زعيم «جبهة النصرة» في سوريا، وهو يعلن عدم ارتباطه مع تنظيم «القاعدة»، حالة من الجدل بين الأراديكاليين.
وبينما قال الدكتور أسامة رشدي، خبير الحركات المتطرفة لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن ظهور «أبو الفرج المصري» مع الجولاني «لم يكن مفاجئا؛ بل كان معروفا منذ أشهر، فهو دخل سوريا من تركيا، وكان يتحرك بشكل علني»، أكد خبير في شؤون الحركات المتطرفة، أن مساندة «أبو الفرج المصري» تكسب زعيم «جبهة النصرة» شرعية القيادة، وتؤكد على قوة الموقف الشرعي لقرار فك الارتباط مع «القاعدة».
في حين يتوقع خبراء الراديكاليون أن «يحدث قرار الجولاني بانفصال (النصرة) عن (القاعدة) انشقاقات كثيرة داخل الجبهة، وسوف يدفع الشباب إلى التفكير في الانضمام لجماعات وتنظيمات أخرى».
وأثار ظهور «أبو الفرج المصري» الذي سبق اتهامه وسجنه في قضية اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، بجوار زعيم «جبهة النصرة»، وهو يعلن عدم ارتباطه مع تنظيم «القاعدة» حالة من الجدل، حول العلاقة التي جمعت «أبو الفرج» المقرب من أيمن الظواهري زعيم «القاعدة» و«جبهة النصرة».
وكان الجولاني قد أعلن فك الارتباط مع «القاعدة» في تسجيل مصور بثه أول من أمس، وظهر بجواره شخصان، هما «أبو الفرج المصري» على يمينه، و«أبو عبد الله الشامي» على يساره، وهو أحد أعضاء مجلس شورى «جبهة النصرة» ويعد أبرز الشرعيين فيها وعضو اللجنة الشرعية.
ويقول ياسر الشرقاوي، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية في مصر لـ«الشرق الأوسط»، إن ظهور «أبو الفرج المصري» مع الجولاني يهدف إلى التأكيد على قوة الموقف الشرعي لقرار فك الارتباط مع «القاعدة»، ويمنح الجولاني شرعية قيادة الجبهة خلال الفترة المقبلة، حتى مع تغيير اسم الجبهة.
لكن الدكتور أسامة رشدي، قال إن «ظهور الجولاني للإعلان عن الانفصال عن (القاعدة) يضرب مصداقية (جبهة النصرة)؛ لأنها ستجعل كثيرًا من الشباب المنضوين تحت رايته يفكرون في الانشقاق من الجبهة والبحث عن تنظيمات أخرى».
بينما قال الدكتور هاني السباعي، مدير مركز المقريزي بلندن، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أمس، إن «أبو الفرج» تم الإفراج عنه ضمن عفو رئاسي من المجلس العسكري الذي كان يحكم مصر عقب ثورة «25 يناير (كانون الثاني)» عام 2011، مضيفا أنه «فقيه شرعي، ويعد أبرز الشرعيين في (جبهة النصرة) وعضو اللجنة الشرعية».
من جهتها، أكدت مصادر مصرية، أن «أبو الفرج المصري» هو اسم الشهرة، واسمه الحقيقي أحمد سلامة مبروك، وكان معتقلا في السجون المصرية، وخرج عقب ثورة يناير لينتقل إلى سوريا وينضم لصفوف «جبهة النصرة»، وظهر للعلن للمرة الأولى في إصدار أطلقته الجبهة باسم «ورثة المجد».
وسجن «أبو الفرج المصري» 7 سنوات عقب اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981، وأُطلق سراحه أواخر الثمانينات. وسافر من مصر إلى أفغانستان عام 1989، وبعدها ذهب إلى اليمن في التسعينات.
وعمل «أبو الفرج» مع أيمن الظواهري، كما قاما بزيارة للسودان، مثل كثير من أعضاء تنظيم «الجهاد المصري»، وظل يعمل مع الظواهري، حتى استطاع هو والظواهري وجهادي آخر عبور الحدود الروسية، وكانوا متوجهين إلى منطقة داغستان، واختطف عملاء «سي آي إيه» أبو الفرج المصري عام 1999، وعضوا آخر بالجهاد المصري خارج مطعم في عاصمة أذربيجان باكو، وبعد ذلك تم نقله إلى القاهرة، وتمت محاكمته وأُدين بتهم تتعلق بالإرهاب، حتى أفرج عنه عقب ثورة يناير.
وقال الدكتور هاني السباعي، إنه تم الإفراج عن «أبو الفرج المصري» في عفو من المجلس العسكري الحاكم وقتها في مصر، وكان في نفس العفو محمد الظواهري شقيق زعيم تنظيم «القاعدة»، والقيادي الجهادي مرجان مصطفى سالم، صاحب فتوى هدم الأهرامات التي أطلقها في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، والذي كان محبوسا في سجن العقرب شديد الحراسة بمنطقة سجون طرة (جنوب القاهرة)، والدكتور السيد إمام عبد العزيز مُنظر «جماعة الجهاد» والذي أطلق وثيقته «ترشيد الجهاد في مصر والعالم»، وكانوا جميعا قد صدرت بحقهم أحكام عسكرية في قضية «العائدين من ألبانيا»، القضية رقم 8 لسنة 1998، بالسجن المؤبد، وهي القضية نفسها الصادر فيها حكم بالإعدام ضد أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة.
وأكد مصدر أمني في مصر لـ«الشرق الأوسط»، أن «مرجان مصطفى توفي في أغسطس (آب) الماضي داخل محبسه إثر هبوط مفاجئ في الدورة الدموية»، لافتا إلى أن «مرجان ألقي القبض عليه مرة ثانية عقب عزل مرسي في أعقاب فض الاعتصام المسلح في ميدان (رابعة العدوية) بتهمة تشكيل تنظيم إرهابي مع نبيل المغربي، الذي توفي منذ أشهر قليلة، ومحمد الظواهري القيادي الجهادي، وتم وضعهم في سجن العقرب».
من جانبه، قال الدكتور السباعي إن «أبو الفرج المصري» هو فقيه شرعي في «جبهة النصرة»، وهو حاليا أحد القياديين البارزين في مجلس شورى جماعة النصرة السورية، والتقى صديقه الحميم ورفيق دربه الظواهري في أفغانستان، وبدأ معه العمل في «جماعة الجهاد المصرية»، كما قاما بزيارة للسودان، مؤكدا أن «أبو الفرج المصري» رجل هادئ خرج من مصر إلى تركيا ثم إلى سوريا.
ويشار إلى أن «أبو الفرج المصري» واسمه الحقيقي أحمد سلامة مبروك، ولد في ديسمبر (كانون الأول) عام 1956، في إحدى قرى مركز العياط بمحافظة الجيزة القريبة من القاهرة.
وتقول المصادر المصرية نفسها، إنه «نشأ في أسرة متدينة، وأظهر تفوقا خلال مراحل دراسته، وتخرج في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، وتوطدت علاقته بإمام مجاهدي مصر الشيخ محمد عبد السلام فرج، وكان يذهب إليه في بيته لحضور دروس العلم والتي كانت تدور حول قضايا (الحاكمية والجهاد)».
مضيفة أن «أبو الفرج المصري» تم تجنيده بسلاح المخابرات الحربية في عام 1979، وبعد أشهر قليلة تم استبعاده وإنهاء خدمته العسكرية «لنشاطه الإسلامي».
وأوضحت المصادر المصرية، أن «أبو الفرج» أعاد تنظيم جماعة الجهاد، هو ومحمد عبد السلام فرج، ومصطفى يسري، وكان أميرهم مصطفى يسري، وبعد فترة اكتشف الشيخ مصطفى يسري أن هناك مرشدًا اخترق الجماعة في الإسكندرية فقرر حل الجماعة، وأكمل «أبو الفرج» ومحمد عبد السلام فرج، وبدآ في التوحيد بين أفراد الجماعة في مصر.
وتابعت المصادر بقولها: «اعتقل (أبو الفرج) بعد اغتيال السادات عام 1981، وحكم عليه بالسجن مدة 7 سنوات في (قضية الجهاد الكبرى)، واعتزل بعدها رفاقه أثناء خلافهم على قضية الإمارة، وحاول مع أيمن الظواهري جاهدين الإصلاح بينهم؛ لكن دون جدوى، فانشغل (أبو الفرج) بالعبادة في سجنه، كما أتم الدراسة بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية مع رفيق دربه الرائد عصام القمري».
في السياق ذاته، حذر الخبراء من انشقاقات محتملة داخل «جبهة النصرة» عقب انفصالها عن «القاعدة»، وقال الدكتور أسامة رشدي، إن «القرار من شأنه أن يحدث انشقاقات كبيرة خلال الفترة المقبلة»، لافتا إلى أن «الجولاني كان مع (داعش) ثم انشق عن التنظيم، وكان مع (القاعدة) ثم انشق عنها».
وظهر «أبو الفرج» في فيديو مصور لجبهة النصرة السورية في وقت سابق، وحمل الفيديو اسم «ورثة المجد» وشن وقتها هجوما كاسحا على الديمقراطية، ووصفها بأنها شكل جديد من أشكال الاستعمار. وزعم «أبو فرج المصري» أن ما أسماه «الجهاد» في سوريا هو الحل الوحيد بعد فشل الطرق السلمية.
المصدر الأمني في مصر أكد أن «تحريات أجهزة الأمن المصرية أكدت أن عقب خروج أحمد سلامة مبروك الشهير بـ(أبو فرج المصري) من قبل المجلس العسكري، تواصل مع عدد من (المتطرفين) ودمج مجموعات من تنظيم التوحيد والجهاد، وكتائب الفرقان، وتنظيم الرايات السوداء، من أجل تشكيل جماعة (أنصار بيت المقدس) التي تنشط في سيناء منذ عزل مرسي، التي كانت تتبع تنظيم (القاعدة) قبل حدوث انشقاق بها وتحول عدد من عناصر التنظيم إلى تبعية تنظيم داعش الإرهابي».
ويرى مراقبون أن «أنصار بيت المقدس سابقا» التي أعلنت مبايعتها لـ«داعش» وأطلقت على عناصرها «داعش مصر» نشأت عام 2005 بزعم إقامة دين الله في الأرض ب(الجهاد) في سبيل الله.
وتصنف الولايات المتحدة «جبهة النصرة» منظمة «إرهابية»، وقد تم استهدافها بغارات جوية من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن مرات عدة، كما بررت موسكو قصفها مواقع عدة في سوريا بأنه جاء استهدافا لكل من تنظيم داعش و«جبهة النصرة».
وقد أعلن البيت الأبيض أن تقييمه لجبهة النصرة لم يتغير، وأنه لا تزال لديه مخاوف متزايدة من قدرتها المتنامية على شن عمليات خارجية قد تهدد الولايات المتحدة وأوروبا، كما أكدت الخارجية الأميركية أن «جبهة النصرة لا تزال هدفا للطائرات الأميركية والروسية في سوريا». ويقول الدكتور رشدي، إن «جبهة النصرة» الآن في وضع صعب للغاية، والجميع يعتبرها جبهة إرهابية، ومعظم الضربات توجه لهم منذ أشهر.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.