«قصة قصف معلن» في الحرب العراقية – الإيرانية

«قبل الحب... بعد الحب» للروائي محمود سعيد

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«قصة قصف معلن» في الحرب العراقية – الإيرانية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

* في رواية «قصة موت معلن» لماركيز، يشحن الأخوان بابلو وبيدرو فيكاريو سكاكينهما على الملأ، استعدادا لذبح سنتياغو نصار، انتصارا لشرف العائلة، ولكن لا أحد من الشهود يحذر الضحية من سكين الجزار. أما قصة القصف في رواية «قبل الحب... بعد الحب» فمعلنة، لكن الضحايا مجهولون، ثم إن الكثيرين حذروا الضحايا من سكين الجزار.

يشكر الشاب وصفي، التلميذ في المدرسة الثانوية، الحرب، ويشكر القصف الإيراني على البصرة، لأنهما أتاحا له أن يحيا أولى مغامراته العاطفية. وهذه المفارقة الاجتماعية - النفسية عن الحب والحرب، ليست المفارقة الوحيدة التي يسجلها محمود سعيد في روايته «قبل الحب... بعد الحب» عن المجتمع العراقي إبان التمشيط المدفعي المنظم والمتبادل للأحياء السكنية من قبل طرفي الحرب العبثية المذكورة. وربما سيجد الباحثون الاجتماعيون في رواية محمود سعيد عونا في دراسة أحوال المجتمع العراقي في ثمانينات القرن العشرين، لأنه يشرح بمبضعه، من خلال متابعة مصائر شخصياته، مثل أي جراح بارع، الوضع الاجتماعي والنفسي القائم آنذاك، ويكشف لنا كيف يجتمع شمل عنصري الرعب والعبث ليتلاعبا بمصائر ملايين العراقيين.
وتبدو رواية «قبل الحب... بعد الحب»، لصاحب «زنقة بن بركة»، أقرب إلى قصة «قصف معلن»، تجري أحداثها في أحد أحياء البصرة السكنية في العام الأخير من حرب الثماني سنوات، إذ يبقى القارئ بانتظار سقوط القذائف والصواريخ الإيرانية على الحي الذي تسكنه عائلة «أبو وصفي». بيد أن الكاتب، وبحبكة تشويق رائعة، لا يخط أسماء ضحاياه عليها إلا في نهاية الرواية، ويبقينا أسرى «الخوف والحب» حتى اللحظة الأخيرة.
يشعر القارئ، ومن خلال السرد التفصيلي الدقيق للأحداث، بأن محمود سعيد يروي لنا معايشته الشخصية للحدث، سواء من خلال الجندي الهارب الذي يساعده «أبو وصفي»، مجازفا بحياته وحياة عائلته، في النجاة من مطارديه، أو من خلال شخصيات الرواية التي يكاد القارئ يشعر بأنه قابل أمثالها في القصف على البصرة، أو في القصف على بيروت، أـو قابلها في ملجأ ما تحت الأرض في كابل. وتنطبق هذه الحال على الابن وصفي، وعلى طفل الجيران الفقير أمير، الذي تسكن عائلته الكوخ (الصريفة)، وعلى الضابط السكير الذي بلغ يأسه، بل ورعبه أيضا، مبلغ شتم النظام في الشارع على الملأ. هي شخصيات يجمعها الرعب من القصف، من الإعدام على أيدي النظام الحاكم، والخشية من مستقبل بلا مستقبل.
والقصف على الحي معلن، وهو حي مخصص لسكن الضباط، وهو ما يدفع معظم العائلات إلى الهروب من الحي باتجاه أحياء آمنة أخرى، أو إلى مدن أخرى، لكن بعض العوائل، ومنها عائلة أبو وصفي، تختار البقاء والاستسلام لمصيرها في حالة عبثية لا تنشأ إلا عندما يصادف الإنسان الموت في كل منعطف وتحت أي شجرة. تعجز عائلة أبو وصفي عن الرحيل بسب ديونها المتراكمة وانعدام القدرة على تمويل رحلة وبيت جديد، وتختار عائلة «أبو أمير» نقل الصريفة إلى غرب دار السيد جليل المهجورة بغية اتخاذها متراسا ضد القصف الإيراني القادم من الشرق. أما الضابط البعثي «أبو سحر»، الذي رسم سيناريو «القصف المعلن»، فيعلق حياة ابنته الشابة الجميلة سحر بمتانة الملجأ الكونكريتي الذي بناه بسمك متر تحت منزله.
في رواية «قصة موت معلن» لماركيز، يشحن الأخوان بابلو وبيدرو فيكاريو سكاكينهما على الملأ، استعدادا لذبح سنتياغو نصار، انتصارا لشرف العائلة، ولكن لا أحد من الشهود يحذر الضحية من سكين الجزار. وقصة القصف في رواية «قبل الحب... بعد الحب» معلنة، لكن ما يفرقها عن قصة ماركيز هو أن الضحايا مجهولون، ثم إن الكثيرين حذروا الضحايا من سكين الجزار. يزيت الإيرانيون مدافعهم بعيدة المدى، و«يشحذون» راجماتهم، انتقاما لقصف حي الضباط السكني الإيراني في الأهواز من قبل القوات العراقية. وهو القصف التحريضي الذي خطط له «أبو سحر» عربون «صموده» في الحي، رغم القصف المعلن، وهروب بقية الضباط، بهدف الحصول على وسام شرف وترقية عسكرية وحزبية. واختار «أبو سحر» يوم 6 يناير (كانون الثاني)، عيد تأسيس الجيش العراقي، لتحقيق هذه المنقبة، إذ كان «السيناريو» معروفا من قبل الجميع، في إيران والعراق، وحالما يقصف الطرف الأول حيا للمعلمين في الدولة المقابلة، يجيبه الطرف الثاني في اليوم التالي بقصف حي المعلمين المقابل. وهكذا دواليك، كان الطرفان يمشطان الأحياء السكنية في البلدين يوميا في حرب، تبث إذاعات الطرفين أهدافها مسبقا.
كان الضابط السكير «نايف»، بعينيه الحمراوين، أول من حذر أبو وصفي من القصف المقبل للحي الذي يسكنونه. تلاه بعد ذلك تحذير العميد أبو فراس، صديق أبو وصفي، ومن ثم جاء التحذير على لسان الطبيب العسكري الصديق «أبو ثامر» الذي تحدث عن «الدائرة الحمراء» التي رسمها أبو سحر حول موقع حي الضباط في الأهواز.
ونجد أن الشاب وصفي، وابن الجيران أمير، الطفل لامع الذكاء، تعايشا مع الحرب إلى حد أنهما صارا يتراهنان، من صوت صفير القذيفة، على تحديد نوعها وحجمها، ويتذاكيان بعضهما على بعض في القدرة على تحديد إحداثيات القصف وموقع سقوط القذيفة في البصرة. وإذا كان وصفي يحدد سقوط القنبلة قرب السوق في حي الجمهورية، فإن أمير يحدد مسار القذيفة مسبقا وهي تشق طريقها إلى أشلاء الناس في بهو البلدية بنفس الحي.
يلعب أمير دور «الوسيط» في قصة الحب التي تنشأ بين وصفي وسحر، وينقل، بكل طيبة خاطر، الرسائل المتبادلة بين الحبيبين مستغلا صغر سنه وعدم خشية «أبو سحر» منه على ابنته. وهي قصة حب تبدأ أساسا بسبب ولع وصفي بتحديد إحداثيات القذائف من فوق سطح بيتهم. إذ يترصد الشاب الفتاة يوميا، وهي «تسبح» في ضوء الشمس الشتوية، ويكتشف لاحقا أنها تعرف بذلك، بل وأنها رصدته أيضا رغم كل احتياطاته، وأنها تستجيب إلى مشاعره.
يتعمد محمود سعيد، وهو يشوقنا بقصة الحب الطفولية، والموعد الأول بين الحبيبين، الذي يرتبه أمير في دار السيد جليل الخالية، أن يجعلنا ننسى القصف الوشيك. ومع اقتراب لقاء الحبيبين، وارتفاع وتيرة الشوق واللهفة، ينسى أطراف قصة الحب الثلاثة القصف أيضا. بل تفاجئ القذيفة الأولى وصفي، العاشق الولهان، والخبير في إحداثيات القصف، فتسقط قربه دون أن يشعر بصفيرها أو يتمكن من تحديد هدفها. يصم الانفجار أذنيه، لكنه يخرج سليما منه، ولا يشغل باله لحظة ذاك غير مصير حبيبته سحر، وصديقه الصغير أمير، بعد أن استعاد توازنه، وقدر أن القذيفة الثانية تتجه إلى مكان اللقاء الأول الذي سبقه إليه أمير وسحر. وحسب وصفي، ثلاثون قذيفة سقطت في الحي شبه الفارغ من سكانه، لكنه عجز عن حساب عدد أشلاء أمير وأشلاء سحر التي جرفها الحب خارج ملجأ أبيها لحظة القصف.
وبين قصة القصف المعلن، والحب الخفي، يسرد لنا محمود سعيد جوانب أخرى من سيكولوجيا مجتمع الحرب من خلال قصة الشابة هناء، الحامل من حبيبها «جبوري» الذي وعدها بالزواج، ثم سقط شهيدا في الحرب. ثم يقص علينا ما لا يمكن للمرء تصور حدوثه في مجتمع بلا حرب، ولكن ما يمكن تصور حدوثه بالتأكيد في ظل القصف اليومي، والموت اليومي في مجتمع الحرب. يقرر وصفي وأصدقاؤه، وخلال أجواء الحرب والقصف اليومي، زيارة «حي الطرب» بالبصرة، وهو حي الغناء والفرفشة يقيمه الغجر في ضواحي مدينة البصرة. لكنهم يجدون الحي خاليا، لأن «القيادة السياسية» نقلت كل الراقصات إلى قصور أعضائها للتخفيف عنهم. هو الرعب من الموت حد العبث، يدفع الشبان إلى البحث عن المتعة بين أشلاء مجتمع الحرب، وهو نفس الرعب الذي يقض مضاجع القادة السياسيين، ويجمع شملهم داخل حالة رعب شمولية. ويصف الكاتب هنا منحى آخر اعتمده البصريون في أيام القصف اليومي، وهو قتل الرعب من الموت بالكحول. وربما يمثل العقيد السكير نايف، الذي بلغ مرحلة الاستخفاف بالموت، هذا المنحى في سيكولوجية المجتمع البصري خلال الحرب.
يجري إجهاض هناء في نفس ساعات القصف الذي قتل سحر وأمير، وسقطت القذائف في بيت السيد الجليل، الذي كان مسرحا لقصة الحب، والمخبأ المناسب للجندي الهارب الذي ساعده أبو وصفي على الاختفاء. وعندما التقيت محمود سعيد في كولون قبل فترة وجيزة قال إنه، في زيارته الأخيرة للبصرة، بحث عن الجندي المذكور، وعرف أين يعمل، لكن الجندي رفض استقباله والحديث إليه. علما بأن الانضباط العسكري، حسب الرواية، ألقى القبض على الجندي، وجرى تعذيبه بشكل بشع، لكنه لم يعترف باسم الشخص الذي ساعده على الاختفاء.
لم تختلف الحرب قبل الحب عنها بعد الحب، لكن أبرز ضحاياها كان الحب قبل كل شيء، ثم كان الطفولة والجيل الصاعد مجسدا بالعبقري الصغير أمير (12 سنة)، ومقتل الجميلة سحر أنظف ما في بيت الضابط اللئيم والحزبي البغيض «أبو سحر».
صدرت الرواية عن «دار المدى» بالقطع المتوسط وفي 211 صفحة. حمل الغلاف لوحة للفنان التشكيلي العراقي جبر علوان.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.