التحقيق يكشف هوية الإرهابي الثاني في مذبحة كنيسة سان إتيان

الرئيس الفرنسي يعلن بدء تشكيل الحرس الوطني.. وباريس تستعجل إرسال حاملة الطائرات لتكثيف مشاركتها في الحرب على «داعش»

صلوات وتأبين شارك فيها فرنسيون من مختلف الأديان في منطقة روان على روح جاك هامل كاهن كنيسة سان أتيان دو روفريه الذي ذبحته «داعش» أول من أمس (رويترز)
صلوات وتأبين شارك فيها فرنسيون من مختلف الأديان في منطقة روان على روح جاك هامل كاهن كنيسة سان أتيان دو روفريه الذي ذبحته «داعش» أول من أمس (رويترز)
TT

التحقيق يكشف هوية الإرهابي الثاني في مذبحة كنيسة سان إتيان

صلوات وتأبين شارك فيها فرنسيون من مختلف الأديان في منطقة روان على روح جاك هامل كاهن كنيسة سان أتيان دو روفريه الذي ذبحته «داعش» أول من أمس (رويترز)
صلوات وتأبين شارك فيها فرنسيون من مختلف الأديان في منطقة روان على روح جاك هامل كاهن كنيسة سان أتيان دو روفريه الذي ذبحته «داعش» أول من أمس (رويترز)

أحرز التحقيق الذي تقوم به الأجهزة الأمنية بمذبحة كنيسة سان أتيان دو روفريه تقدما ملحوظا بعد أن نجحت في تحديد هوية الإرهابي الثاني، الذي شارك عادل كرميش في احتجاز رهائن الكنسية، وقتل كاهنا (الأب جاك هامل). وفيما تتواصل الحملة السياسية العنيفة التي يقودها اليمين ضد الحكومة الاشتراكية، طالب نائب رئيس حزب «الجمهوريون»، الذي يقوده الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالاستقالة، بينما كانت المطالبة السابقة تقتصر على برنار كازنوف وحده.
في الفيديو الذي بثته وكالة «أعماق» التابعة لتنظيم داعش المتضمن «مبايعة» زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، يَظهر شابان متشابهان جالسان جنبا إلى جنب وممسكان بأيدي بعضهما البعض، وفيما الأول الجالس إلى يسار الصورة يقرأ صيغة المبايعة يكتفي الثاني بهز الرأس، وحتى مساء أول من أمس، لم تكن الأجهزة الأمنية قد توصلت إلى التعرف على هوية الجالس إلى يمين الصورة، بينما رفيقه هو عادل كرميش المولود في منطقة النورماندي، الذي كان يقيم على بعد ألفي متر فقط من الكنيسة، أما هوية الشخص الثاني فقد جهدت الأجهزة الأمنية طويلا قبل أن تكتشفها، والمرجح أن عبد الملك نبيل بوتي جان قد قصد أن تكشف في نهاية المطاف هويته، والدليل على ذلك أنه ترك بطاقة هويته في منزل كرميش؛ حيث عثرت عليها الأجهزة المعنية بالتحقيق في المذبحة في اليوم الذي حصلت فيه المذبحة. وفيما تم التعرف سريعا على هوية عادل كرميش؛ بسبب السوارة الإلكترونية التي كان يرتديها، فإن هذه الأجهزة لم تتأكد من هوية عبد الملك بوتي جان بشكل قاطع، إلا بعد مقارنة حمضه النووي مع الحمض النووي لوالدته التي كان يقيم معها في مدينة أكس ليه بأن الواقعة في منطقة الوج واتلي تبعد 700 كلم عن مدينة سان أتيان دو روفريه.
كثير من نقاط التشابه تجمع بين الإرهابيين، فكلاهما مولود في فرنسا، وكلاهما في التاسعة عشرة من عمره، وكلاهما أعلن الولاء لـ«داعش» وحاول الالتحاق بصفوفه في سوريا عبر تركيا التي سافرا إليها من سويسرا، وبفضل التعاون الأمني بين تركيا والأجهزة الأمنية الأوروبية وبينها الأمن الفرنسي أحبطت محاولاتهما، كرميش ألقي القبض عليه المرة الأولى في شهر مارس (آذار) لدى عودته أول مرة من تركيا، وفرض عليه نظام الرقابة القضائية، لكنه عاد وسافر مجددا إلى تركيا بعد شهرين فقط، رغم منعه من السفر. ومجددا، أوقفته القوى الأمنية التركية وأعادته إلى فرنسا؛ حيث أوقف ووجهت له تهمة المشاركة في تجمعات ذات علاقة بمشروع إرهابي، وأودع السجن، حيث مكث عشرة أشهر، ولم يخرج منه إلا في شهر مارس (آذار) الماضي بقرار من القاضي الخاص بتطبيق الأحكام مقابل إلزامه بحمل السوارة الإلكترونية، والذهاب إلى مقر الشرطة مرة في الأسبوع بانتظار محاكمته.
وبحسب قرار الإخلاء، سمح له بالخروج أربع ساعات في اليوم، وهذه النقطة بالذات هي التي يرتكز إليها منتقدو الحكومة الذين يتساءلون عن الأسباب التي جعلت القاضي المعني يأمر بخروج عادل كرميش من السجن والسماح له بترك منزله؛ الأمر الذي مكنه من ارتكاب مذبحة الكنيسة، خصوصا أن الكثيرين في مدينة سان أتيان سمعوه «مبشرا» بفكر «داعش» والجهاد، بل الحديث عن رغبته في «مهاجمة كنيسة»، وكانوا يصفونه بأنه «قنبلة موقوتة» يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
حتى الآن، لم يتوصل التحقيق إلى التعرف إلى زمان ومكان لقاء كرميش وبوتيجان وإلى الجهة التي أتاحت التواصل بينهما؛ حيث إنهما كانا يعيشان في مكانين متباعدين جغرافيا، وصعوبة كشف هوية بوتيجان الذي أعطي اسم زوج والدته الثاني الذي يستدل من اسمه أنه فرنسي الأصل، أن الشاب الإرهابي لم يكن معروفا من الشرطة لا بخصوص أعمال جنائية، ولا على علاقة بفكر جهادي أو تنظيم إرهابي. والمعروف عنه أنه سافر إلى تركيا في العاشر من يونيو (حزيران) الماضي برفقة رجل فرنسي الجنسية عمره عشرون عاما ألقي القبض عليه صباح الأربعاء الماضي، أي بعد يومين من مقتلة الكنيسة، وما زال قيد التوقيف وهو كمثل عادل كرميش موجود على لائحة بيانات «S» أي الأشخاص الذين يمثلون خطرا أمنيا من نوع ما. وقد عمدت تركيا إلى ترحيله إلى سويسرا التي سلمته لفرنسا ومنها إلى التوقيف، لكن عبد الملك بوتيجان نجح في الإفلات من أيدي الأمن التركي بعدته ثاني يوم وصوله إلى تركيا، وبهذا استطاع اجتياز الحواجز الأمنية من غير صعوبة. ولكن تركيا أرسلت بعد في 29 يونيو (حزيران) إشارة إلى الأجهزة الفرنسية التي عمدت إلى إضافة اسم بوتيجان على لوائحها. بيد أن ملفه لم يكن كاملا إذ كانت تحتاج إلى تفاصيل «فنية» «فئة الدم، الحمض النووي»، لكن المفاجأة جاءت يوم الجمعة الماضي عندما وصل إلى الأمن الفرنسي تحذير من «جهاز صديق» ينبه إلى وقوع عمل إرهابي على الأراضي الفرنسية مرفق بصورة من غير اسم أو عنوان. وعمد الجهاز المختص إلى توزيع الصورة على كل المراكز «مطارات، مرافئ، مقرات شرطة، شرطة السير ...» لوضع اليد عليه لدى أول فرصة، لكن بعد 72 ساعة فقط، حصلت عملية الكنيسة ولم يتمكن الأمن من تعيين الإرهابي الثاني «عبد الملك بوتيجان»، إلا بعد 48 ساعة من البحث والتدقيق.
ويوم الأربعاء، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على ثلاثة أشخاص من محيط بوتيجان، وكانوا ما زالوا حتى مساء أمس رهن التحقيق الذي يسعى إلى رسم صورة كاملة عن هذا الشخص الإرهابي وجلاء المسار الذي قاده للمشاركة في عملية إرهابية ما زالت تداعياتها تهز الأوساط الأمنية والسياسية والدينية الفرنسية، فضلا عن ردود فعل الخارج بدءا بالبابا فرنسيس.
منذ عملية نيس ليلة 14 يوليو (تموز)، تجد السلطات الفرنسية نفسها في موقع دفاعي إزاء حملات اليمين الكلاسيكي والمتطرف. ويريد الجانبان، وفق صيغ متقاربة، أن تعمد الحكومة إلى «احتجاز» الأشخاص الموجودين على لائحة البيانات تحت الحرف «S» باعتبار أن ذلك أنجع وسيلة لمنعهم من ارتكاب أعمال إرهابية. وترد الحكومة أن إجراء من هذا النوع يخالف أحكام الدستور والقوانين المرعية الإجراء؛ لأن أي احتجاز يحتاج إلى قرار قضائي وليس أمرا إداريا رغم أن فرنسا تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ 9 أشهر. كذلك تدافع الحكومة عن التدابير الأمنية التي اتخذتها منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وعن القوانين التي استصدرتها «وهي ثلاثة» التي تعطي القوى الأمنية صلاحيات واسعة للغاية، وهي ترى بالتالي ألا حاجة إلى تشريعات جديدة. بالمقابل، فإن ما تريده السلطات هو إطلاق الحرس الوطني، وهو ما أعلنه الرئيس الفرنسي في بيان صدر أمس عن قصر الإليزيه لمساعدة القوى الأمنية، إضافة إلى قرار تكثيف المشاركة في الحرب على «داعش» و«النصرة» في سوريا والعراق من خلال إعادة إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى المنطقة وتجهيز القوات العراقية بمدافع من الجيل الجديد من طراز «قيصر».
يقول بيان الإليزيه إن هولاند قرر إنشاء الحرس الوطني باللجوء إلى «استخدام الاحتياطي العملاني المتوافر» في الوقت الحاضر، وتريد الحكومة الاستفادة من القدامى الذين خدموا في جهازي الشرطة والدرك، وكذلك من احتياطي القوات الفرنسية المسلحة، والهدف التوصل إلى تعبئة 15 رجلا من قدامى الشرطة والدرك و28 ألفا من احتياطي القوات المسلحة، وذلك كله من أجل تخفيف الضغط عن الأجهزة الأمنية الساهرة على أمن البلاد بموجب الخطة الأمنية المطبقة في أعلى درجاتها، لكن إنشاء هذه القوة الاحتياطية سيحتاج إلى عدة أسابيع «إلى الخريف المقبل» حتى تكون جاهزة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».