فرانسيس بيكون.. الأكثر جدارة بين فلاسفة المنهج في «الأرغانون الجديد»

الطبيعة هي المملكة الكبرى التي يستطيع الإنسان السيطرة عليها عن طريق التجريب

فرانسيس بيكون.. الأكثر جدارة بين فلاسفة المنهج في «الأرغانون الجديد»
TT

فرانسيس بيكون.. الأكثر جدارة بين فلاسفة المنهج في «الأرغانون الجديد»

فرانسيس بيكون.. الأكثر جدارة بين فلاسفة المنهج في «الأرغانون الجديد»

يعد الفيلسوف الإنجليزي، فرانسيس بيكون (1561 - 1626)، جديرا بالاعتبار بين فلاسفة المنهج في القرن السابع عشر. فما دامت الطبيعة قد أصبحت سؤال العصر، فإن بيكون كان الأقدر على تجريد روح عصره وتجسيدها، باستقطابه لسؤال الطبيعة، وتبنيه الدعوة لمنهج البحث المنصب عليها والملائم لها. فاقترن اسم بيكون بحركة العلم الحديث. وكان ذلك بسبب كتابه «الأرغانون الجديد» أساسا، الصغير الحجم والذائع الصيت الذي نشره عام 1620. ولم يكن في الأصل، كتابا بمعنى الكتاب، بل مجرد جزء من عمل ضخم سماه بيكون «الإحياء العظيم». لكن ما يثير الانتباه في الكتاب، هو «الأرغانون الجديد»، أي الأداة الجديدة أو الآلة الجديدة، في إشارة واضحة إلى أن أرغانون أرسطو قد أصبح أداة منهجية قديمة وبالية عفى عليها الدهر، ولم تعد قادرة على تمكين الإنسان من السيطرة على الطبيعة. لقد شارك بيكون رجال عصره في رفضهم الضاري للمنطق الأرسطي، وكان من أعنفهم هجوما على القياس وعقمه، وحتى الاستقراء الأرسطي لم ينج من نقد بيكون الحاد ومحاولاته إثبات فساده وتفاهته.
إجمالا، كان «الأرغانون الجديد»، أقوى تجسيد لروح عصر بيكون، الرافض للماضي العقيم، ماضي العصور الوسطى الأوروبية المدرسية.
لا يخفي بيكون تعلقه بالطبيعة. فعصره عصر اكتشاف الطبيعة وعصر اكتشاف الرؤية عوض التأمل. وإذا كانت الطبيعة، منذ أرسطو، قادرة على الانكشاف بلغة هيدغر، فقط للعقل المتأمل، فإن بيكون يرى أنها طلاسم تحتاج إلى المنهج التجريبي لتكشف عن أسرارها. والطبيعة، حسب بيكون، ليست تقليلا للإنسان بل قوة له. وبيكون يصف الطبيعة بالأم الكبرى للعلوم، أو جذع شجرة المعرفة، ولا أمل في التقدم إلا بأن ترتد إليها العلوم جميعا.
وفي وجه من وجوه تجسيداته البارزة لروح عصره، يؤكد بيكون أن المعرفة هي قوة الإنسان، وليست ترفا وزينة كما كانت عند الإغريق، أو دوائر نظرية مغلقة وجوفاء كما كانت عند المدرسيين. وإذا كانت المعرفة قوة، فإن الطبيعة ومنذ الفقرة الأولى في الأرغانون الجديد، هي مملكة المعرفة الإنسانية، والميدان الوحيد المثمر والمأمول لسيطرة الإنسان. هكذا كان بيكون، وهو يقدم الطبيعة بوصفها المملكة البشرية الكبرى التي يستطيع الإنسان غزوها والسيطرة عليها عن طريق التجريب، إنما كان يقدم أقوى تجريد وتجسيد لروح العصر الحديث، وحتى المتغيرات التي أنجبته، وكان أبرزها، كما ذكرنا، اكتشاف العالم الجديد. فكثيرا ما كان بيكون يستشهد بالرحلات إلى العالم الجديد، قبل أن يعبر عن أمله في اتساع المعرفة، بحيث نتجاوز أي شيء اكتشفه القدماء أو المدرسيون اعتمادا على منهج فاسد، وهدف بيكون إلى أن يكون كما قال، مثل كولمبوس، أن يكتشف عالما جديدا.
العقل وعوائقه المنهجية عند بيكون
لتطبيق هذا المنهج حسب بيكون، لا بد من تطهير العقل من أوهامه. فهو عند بيكون، أداة مماثلة وتجريد وتضييق لمعطيات الحواس، وما دام العقل بطبيعته هشا ويقبل كل شيء، فيجب تنظيفه من الأوهام التي يقسمها بيكون إلى أربعة وهي:
1 - أوهام الجنس أو القبيلة
والمقصود الجنس البشري بعامة، أو القبيلة الإنسانية بأسرها. أي أنها الأخطاء المتربصة بالعقل البشري من حيث هو كذلك، ومن أمثلتها، سرعة التعميمات والقفز إلى الأحكام الكلية. فلا ينبغي التسرع في التعميم من دون التثبت الكافي كي لا نقع في أحكام خاطئة. وأيضا سيطرة فكرة معينة على الذهن تجعلنا نختار من الأمثلة والوقائع ما يؤيدها ونغض البصر عما ينفيها. فلا بد من توخي النزاهة العلمية في التعامل مع الوقائع كي ندرأ هذه النوعية من الأخطاء. ومن أمثلة هذه الأخطاء الشائعة في طريقة التفكير الإنساني بصفة عامة: افتراض الانتظام والاطراد في الطبيعة أكثر مما هو متحقق في إطار القانون. فلا ينبغي افتراض أكثر مما هو متحقق فعلا. وثمة أخيرا، ما يميل إليه عقل الإنسان من تجريد، وإضفاء معنى الجوهر على المظاهر المتغيرة، وهذا يقود إلى عدم التمييز بين طبائع الأشياء ومظاهرها.
2 - أوهام الكهف
والمقصود بالكهف: «البيئة التي نشا فيها الفرد. فهي إذن نوعية من الأوهام خاصة بالفرد المعين الذي نشأ في بيئة معينة، بخلاف أوهام الجنس العامة. فأوهام الكهف تتمثل في التأثير الكبير لعوامل البيئة ومكوناتها وثقافتها في عقل الإنسان. فيتصور المتواضعات الخاصة بها، وكأنها حقائق مطلقة، وقد يقصر جهوده المعرفية على إثباتها ما يحول بينه وبين اقتفاء جادة الصواب».
3 - أوهام المسرح
«وهي الأوهام أو الأخطاء الناتجة عن تأثير المفكرين القدامى في عقل الإنسان، فيصبح هذا العقل وكأنه خشبة مسرح يعرض عليها المفكرون السابقون رؤاهم المتضاربة والمنفصلة عن الواقع الراهن». وهنا يحمل بيكون على أرسطو وأفلاطون وغيرهما، فيقول عن أرسطو، إنه أسوأ السفسطائيين، يصوغ القواعد حسب الأقيسة، ثم يبحث عما يؤيدها في ظواهر الطبيعة. ويقول عن أفلاطون إنه شاعر ماجن متعجرف ولاهوتي مفعم بالحماس. فهو يجعل العالم المحسوس تابعا للعالم المتخيل. كما وجه بيكون اللوم إلى التجريبيين الذين يرى أنهم يجمعون الوقائع كما تجمع النملة غذاءها. وأنهم يدعون أن العالم مرآة لما لاحظوه من ظواهر محدودة شغفوا بها دون غيرها. أما العقليون فيرى بيكون أنهم بعيدون عن أي تجربة أو خبرة، ينشئون من نظرياتهم نسيج العنكبوت. وقد يكون منهم الدينيون فيمتزج لديهم القليل من علمهم بالكثير من خرافاتهم. هذه إذن وغيرها كثير، من أساليب الفلاسفة والعلماء، وهي التي سماها أوهام المسرح. وإذا كان أحيانا يصعب تمييزها عن أوهام السوق، فذلك لأن بيكون يذكر من بين أسبابها تكوين الطبيعة الفردية والمطالعة والعرف والسلطة.
4 - أوهام السوق
«وهي الناجمة عن الخلط اللغوي وسوء استخدام اللغة. وقد اعتبرها بيكون أبرز ما ينبغي تجنبه. فالضجيج يرتفع في الأسواق فيحجب الإنسان عن الإدراك الواضح للغة. فتنشأ الأوهام الناجمة عن هذا، كأن تستعمل أسماء أشياء لا وجود لها، ثم نتصور وجود هذه الأشياء الزائفة، أو نترك أشياء حقيقية بلا أسماء نتيجة لقصور في الملاحظة. ويحذرنا بيكون من تلافي هذه الأخطاء. إن أوهام السوق تجعل الإنسان يتصور وكأنه هو الذي يملك زمام اللغة، في حين أن اللغة قد تمارس تأثيرها في العقل الإنساني، من دون أن يعي هذا. لذلك ينبغي الحذر والحيطة كي لا نقع في أسر أوهام السوق».
نقد الاستقراء الأرسطي
في الكتاب الثاني من «الأرغانون الجديد»، يعرض بيكون للجانب الإيجابي من منهجه، أي لقواعد التجريب، وقد سماه «صيد بان». وبان هو إله الصيد عند الإغريق، قيل إنه ابن زيوس من إحدى حوريات الطبيعة الأركاديات وتدعى كاليتسو، فتعود أصول بان وعبادته، إلى الأركاديين القدامى الذين يمثلون الجانب الرعوي الريفي في حضارة الإغريق. فيما بعد، أصبح «بان» رمزا للكون الطبيعي بأسره، وتركزت عبادته في الريف. وتبدو براعة هذه الاستعارة واضحة جلية، فهي تحمل تمثيلا لهاجس الطبيعة المسيطر على الأذهان. وبيكون يقصد أن ممارسة المنهج التجريبي تغتنم معارف تماثل ما يغتنمه إله الصيد حين يمارس الصيد. وهذا الجانب الإيجابي في منهج بيكون، ينقسم، بدوره، إلى قسمين أو مرحلتين:
المرحلة الأولى: إجراء التجارب. وقد تحدث بيكون عن أنواع ودرجات التجريب، من قبيل تنويع التجربة وتكرارها، وإطالة أمدها، ونقلها إلى فرع آخر من فروع العلم.
المرحلة الثانية، هي مرحلة تسجيل نتائج التجريب في قوائم تصنيفية. وتعد القوائم من المعالم المميزة لمنهج بيكون، وقد أكد عليها في قوله: إن غابت عن الباحث الجزئيات، أو الوقائع التجريبية المتعلقة بموضوع البحث، فسوف يضطرب التفكير ويتشتت ويضل طريقه، ولن يصل إلى شيء. والأمل معقود على استخدام قوائم الكشف لكي يصنف العقل الوقائع التجريبية وينظمها تبعا لدرجاتها، ويحدد الأمثلة النافية. وبهذا يستطيع العقل أن يمارس عمله ويستخلص نتائج التجريب وفقا لما تقدمه تلك القوائم.
وإذا كان بيكون يشدد على هذه القواعد، فذلك ليس بغريب. فنحن كما عرفنا أن العقل: «ينبغي أن يبدأ بتطهير ذاته من الأوهام، وعندئذ يستطيع الإنسان أن يقبل على الطبيعة، وقد خلا ذهنه من الأفكار المسبقة، فيتمكن من تفسيرها ومن السيادة عليها». وهذا التحكم في الطبيعة، حسب بيكون، لن يكون عن طريق الاستقراء، لأنه أداة عقيمة؛ «فالقياس ليس أداة للكشف عن حقائق الكون، وإنما هو أداة لعرض الحقائق وإقناع الخصوم بها. وهو أداة تشوبها عيوب كثيرة، كما يقول. فهو يتألف من قضايا تتكون من ألفاظ، فإذا كانت هذه الألفاظ مختلطة في الذهن، كما رأينا في أوهام المسرح، كان القياس كله مختلطا. ثم هو في اقتصاره على عرض القديم دون اكتشاف الجديد، يكون منهجا عقيما، يشوبه، كذلك، عيب أساسي، هو أن قضاياه العامة تكون، في الأغلب، نتيجة تسرع في التعميم. وهو ما يسميه بيكون استباق الطبيعة. فالاستقراء عند بيكون يتميز أساسا بالرفض والاستبعاد، أي إسقاط كل ما يقتضي بإسقاط الأمثلة السلبية. ولعل هذا هو ما دعا بعض النقاد، إلى القول بأن اعتماد الاستقراء العلمي عند بيكون، على الأمثلة السالبة، هو ما يعطي لبيكون مكانته بين الفلاسفة»، وكان هدف بيكون من القواعد العلمية التي حاول إرساءها والكشف عنها، هو توسيع نظام سيطرة الإنسان على الطبيعة، باستكشاف صور الكيفيات على حد تعبيره. والطريقة لاستكشاف هذه الصور، هي التجربة، «أي التوجه إلى الطبيعة نفسها، إذ لا يتسنى التحكم في الطبيعة واستخدامها في منافعها، إلا بالخضوع لها أولا. إن الملاحظة تعرض علينا الكيفية التي نبحث عن صورتها مختلطة. فمهمة الاستقراء استخلاصها باستبعاد أو إسقاط كل ما عداها». وآفة الاستقراء، كما ذكرنا في أوهام القبيلة والسوق، أنه «يكتفي بالحالات التي تلاحظ فيها ظاهرة ما، ويسمى استقراء بمجرد التعداد. وبتفادي هذا العقم المنهجي نصل إلى العلم بالصور».
إحالات:
- يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين عالم المعرفة.
- يوسف كرم: الفلسفة الحديثة
- حبيب الشاروني: فلسفة فرانسيس بيكون، إصدار دار الثقافة البيضاء، الطبعة الأولى 1981
- فرانسيس بيكون: الأرغانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة ترجمة د. عادل مصطفى
* أستاذ فلسفة.



كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني
TT

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024.

وقد اعتذرت أخيراً الدار الناشرة كتبها؛ «فيبر آند فيبر»، من عدم توزيع كتبها بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة، إثر تحذير من السلطات البريطانية.

وتحت عنوان «سالي روني كاتبة وليست إرهابية»، اجتمعت أسماء بارزة في فضاءات الأدب والسينما والفكر على رسالة مفتوحة نشرتها مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية دفاعاً عن الروائية الآيرلندية المجليّة بعدما توقفت دار النشر «فيبر آند فيبر» عن بيع كتبها في السوق البريطانية - ورقياً وإلكترونياً - إثر تحذير من السلطات؛ وذلك على خلفية إعلانها التبرع بجزء من عوائد كتبها لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، لتتحوّل قضية صاحبة «أناس عاديون» مواجهةً سياسيةً ثقافيةً بشأن امتداد آثار تشريعات مكافحة الإرهاب إلى النشر، وحدود قدرة الكاتب على إعلان مواقفه السياسية من دون خسارة الوصول إلى قرائه.

الرسالة التي نشرتها المجلّة الأسبوع الماضي جاءت قصيرة وحاسمة، ويطالب موقّعوها بإتاحة كتب روني للجمهور، عادّين أن سحبها من البيع هو نتيجة تشريعات «سيئة التدبّر» وشديدة القسوة، ويمثل اعتداءً على المبادئ الأساسية لحرية الكلام والتعبير التي لطالما عُدّت حقوقاً مستقرة ومحترمة في بريطانيا. وأعلن الموقعون رفض الرقابة؛ المباشرة وغير المباشرة، داعين الحكومة إلى تغيير مسارها وتعديل التشريعات التي أوصلت البلاد، على حد تعبيرهم، إلى هذه الحالة من «العبث القمعي».

وتكشف قائمة التوقيعات عن اتساع الاعتراض خارج الدائرة المعتادة للتضامن الأدبي المحليّ. فمن بين الأسماء آني إرنو، وجي. إم. كوتزي، وزادي سميث، وأرونداتي روي، وجوليان بارنز، وجورج سوندرز، وبرناردين إيفاريستو، إلى جانب آن كارسون، وكولم تويبين، وآن إنرايت. وتضم القائمة أيضاً أسماء عربية، بينها أهداف سويف وهشام مطر وعمر العقاد، ومفكرين وكتّاباً مثل نعومي كلاين وسلافوي جيجيك وطارق علي وآدم توز. ويمنح هذا التنوع الرسالة ثقلاً يتجاوز الدفاع عن زميلة كاتبة، إلى مساءلة البيئة التي يعمل فيها الكتّاب والمفكرون في بريطانيا المعاصرة.

ومن الشاشة، انضم بول ميسكال وديزي إدغار جونز، بطلا المسلسل المقتبس من «أناس عاديون»، ومخرجه ليني أبراهامسون، فضلاً عن تيلدا سوينتون، وسوزان ساراندون، وجيسي باكلي، والمخرج جوناثان غليزر. وتحمل مشاركة بطلي المسلسل دلالة خاصة، فالعمل الذي أسهم في إطلاق نجوميتهما جاء من رواية أصبح تجديد مخزونها في المكتبات البريطانية موضع إشكال قانوني.

مع ذلك، يحتاج وصف ما جرى بأنه «منع للكتب» إلى تدقيق. فلم يصدر قرار رسمي صريح يحظر روايات روني بسبب محتواها، ويبدو أنّه سمح للمكتبات بمواصلة بيع النسخ الموجودة لديها مسبقاً. الذي حدث هو توقف الناشر عن توريد نسخ جديدة، باتفاق مع روني نفسها، بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة. وهكذا يمكن أن تصبح رواياتها أقل توفراً أمام القراء، ثم تختفي تدريجياً من السوق، عبر القيود المالية والقانونية، حتى من دون صدور أمر مباشر بمصادرتها.

وقالت دار النشر المرموقة إن بيع أعمال كاتب مع العجز عن دفع مستحقاته وضع يتعذر عليها قبوله، ولذلك قررت، بموافقة الكاتبة الكاملة، وقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها بأي صيغة، مؤكدة على استمرار اعتزازها بنشر رواياتها وإتاحتها خارج المملكة المتحدة. أما روني فأعلنت استعدادها لتحمّل تبعات معتقداتها ونياتها التي حرصت دائماً، وفق بيانها، على البوح بها للجمهور.

وتعود خلفية الحدث إلى تعهّد الروائية باستخدام عائدات كتبها واقتباساتها التلفزيونية لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، التي أدرجتها الحكومة البريطانية ضمن المنظمات الإرهابية في يوليو (تموز) العام الماضي. ودخل الحظر حيز التنفيذ في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بموجب «قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000»، فأصبح الانتماء إلى الحركة والدعوة إلى دعمها من الأفعال المجرّمة. وقد تصل عقوبة بعض جرائم دعم التنظيمات المحظورة وفق القانون المذكور إلى السجن 14 عاماً.

وبررت الحكومة قرارها وصم «بالستاين (فلسطين) أكشن» بالإرهاب بما قالت إنّها سلسلة من عمليات تخريب وإتلاف ممتلكات استهدفت منشآت وشركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية ذات صلة بالكيان العبري؛ وذلك احتجاجاً على الإبادة في غزّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وبما عدّته السلطات تهديداً للأمن القومي. وجاء الإعلان عن نية الحظر بعد اقتحام ناشطين قاعدة «بريز نورتون» الجوية في يونيو (حزيران) 2025. وشددت وزارة الداخلية وقتها على أن القرار يخص الحركة تحديداً، وأنه لا يستهدف الاحتجاج القانوني أو المنظمات الأخرى المناصرة لفلسطين. في المقابل، يرى أصحاب الرسالة المفتوحة أن قضية روني تكشف عن توسع أثر التشريع ضد الإرهاب إلى مجالات التعبير الثقافي.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية... فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية

وروني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024. وتستكشف رواياتها العلاقات الحميمة والصداقة والتفاوت الطبقي، وكيف يتسلل المال والتعليم والموقع الاجتماعي إلى الخيارات الشخصية. وقد وسّع انتقال أعمالها إلى التلفزيون جمهورها، وجعل اسمها حاضراً خارج أوساط قراء الرواية.

وفي «أناس عاديون»، تتبع علاقة ماريان وكونيل من المدرسة إلى الجامعة، حيث تتبدّل موازين الثقة والانتماء بينهما مع تبدّل الوسط الاجتماعي. أما «إنترميتسو» فتتناول علاقة أخوين بعد وفاة والدهما، وما يحيط بالفقد والحب من ارتباك. وبين العملين يتضح اهتمامها بأثر الظروف المادية في الحياة العاطفية، وبالمسافة بين ما يعرفه الأشخاص عن أنفسهم وما يستطيعون قوله لمن يحبون.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية، فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية لا تستجيب لمعايير حركة المقاطعة، على أن موقفها الأخير دعماً لـ«بالستاين (فلسطين) آكشن» يكتسب حساسية مختلفة؛ لأنه يتصل بعائدات عملها، وبقدرة المؤسسات البريطانية على نشر وبيع أعمالها.

ويواجه الناشرون هنا معضلة تتجاوز مكانة روني الأدبية، إذ كيف يستمر نشر مؤلف باع ملايين النسخ من أعماله عندما تصبح مستحقاته مصدر مخاطرة قانونية؟ كما تواجه المكتبات وضعاً يتناقص فيه المخزون المتاح من دون إمكانية تعويضه عبر الناشر من فرعه البريطاني. وبين الطرفين يقف القارئ الذي يتأثر بقرار يتعلق بمواقف الكاتبة خارج صفحات رواياتها.

وتنقل الرسالة المفتوحة الجدل من مقدار الاتفاق مع روني إلى طبيعة السابقة التي تنشأ عن قضيتها. فموقّعوها يطالبون بحماية تداول الأدب من آثار التجريم السياسي، ويرفضون أن تصبح إمكانية شراء الأعمال الأدبية معلّقة بمواقف مؤلفها السياسية.


«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً
TT

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية؛ فالبطل الذي يقيّد تاريخه الشخصي مع المرض النفسي علاقته بالعالم، لا يكف عن التطلع إلى حياة تتجاوز هذه القيود، ليجد نفسه أسير عالم يتسع في خياله وخبراته المعرفية، ويضيق في تجربته الفعلية، ليتشكل الأمل لديه بوصفه عزاءً ومصدراً إضافياً للمعاناة في آن واحد.

في الرواية، الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، تتوزع حياة «ميشيل» بين تاريخ عائلي مثقل بالاضطرابات وجروح الطفولة، وعلاقات عاطفية تتأرجح بين الخلاص وإعادة إنتاج الألم، وعبر فصول قصيرة تحمل عناوين مجردة، من قبيل «علاقة»، و«قِط»، و«أنثى»، و«قصيدة»، و«تاريخ»، و«ذات»، يتخذ الكاتب من تفاصيل الحياة اليومية متكآت سردية، تبدو أقرب إلى مفاصل جسد يتفحصه البطل بما يحمله من ندوب متفرقة.

يُستدعى الماضي بوصفه قوة تواصل تشكيل وعي ميشيل واختياراته، ففي علاقته بأبيه، الحاضر جسدياً والغائب عاطفياً، تتجلى مفارقة السلطة والحرمان؛ إذ يفرض الأب رغباته على ابنه، ويطالبه في الوقت نفسه بالمودة والقرب، حتى تتحول سلطته إلى شعور داخلي بالذنب، يجعل ميشيل يحمّل نفسه مسؤولية المسافة بينهما.

ويمتد هذا الجرح إلى تاريخ عائلي أقدم، تتصدره حكاية الجدة التي عانت اضطراباً نفسياً حاداً، ومن خلالها يتجاوز المرض حدود التجربة الفردية ليصبح جزءاً عضوياً من الذاكرة العائلية، ومن أنماط الخوف وانعدام الثقة التي تتردد بين الأجيال.

تردد أصداء هذا النمط في علاقته بحبيبته «هند»، حيث يجد كل منهما في الآخر فرصة لمداواة جراح قديمة، وتتيح العلاقة لميشيل تجاوز بعض الحدود التي فرضها عليه «الرهاب»، غير أن الحب لا ينفصل عن خوفه من الهجر والرفض، ولا عن ميله إلى إضفاء طابع رومانسي على المعاناة، حتى «يتحوّل الفشل إلى ذريعة لإذكاء التراجيديا الرومانسية داخله»، وهنا يحضر مفهوم «إجبار التكرار» الفرويدي على لسان السارِد في علاقة يبدو فيها الحب الجديد إعادة تمثيل لجرح قديم، ومحاولة متجددة لتغيير مصيره.

ومن اللافت أن أفكار ميشيل تعود في سياقات مختلفة عبر الرواية، فتتحول العبارة التي بدت يقيناً إلى سؤال، فمقولته «الحياة اختيارات» تعود لاحقاً في صيغة متشككة: «هل قال إن الحياة اختيارات؟»، في مراجعة لمعنى حرية الاختيار أمام تاريخ من القيود النفسية والاجتماعية التي لم يخترها.

تكوين معرفي

يتصل بذلك وعيه بالعمر والزمن، إذ افترض مبكراً أنه سيموت في العشرين، قبل أن يجد نفسه في الثلاثينيات أمام حياة لم يتوقع استمرارها، وهنا يصبح البقاء نفسه مدعاة للأمل، وربما في تصوره أنه «سيكبر خارج حياته السابقة»، تتجلى رغبته في أن يمنحه الزمن خلاصاً من الماضي، قبل أن يكتشف أن التقدم في العمر لا يعني التحرر من قبضته.

يصبح المرض في الرواية أكثر من ثيمة متكررة، إذ يتدخل في تشكيل علاقة البطل بالمكان والآخرين والمستقبل؛ فرهاب (الأغورافوبيا) يحد من حركته بين الغرباء، ويغلق أمامه احتمالات مهنية وعاطفية، وحتى علاقته بهند يعيد قراءتها بوصفها «علاقة بدأت بمرض ووُسمت بمرض وانتهت بمرض»، فيتحول المرض إلى أداة لتفسير التجربة وإعادة ترتيب حكايتها.

ويواكب هذا التكوين راوٍ عليم، شديد القرب من وعي ميشيل بوصفه كاتباً ومثقفاً، فتتخلل السرد إحالات إلى رولان بارت ودوستويفسكي وفالتر بنيامين وفرويد، وتتداخل هذه المرجعيات مع معرفة تراكمية بالمرض النفسي، تشكلت عبر التاريخ العائلي وتجارب ميشيل الشخصية.

يظهر هذا الوعي في كثافة المفاهيم والتصنيفات النفسية التي يستدعيها السرد، من اضطراب الشخصية الحدّية، وثنائي القطب، إلى المازوخية، والرهاب، وإجبار التكرار. وهي مفاهيم تتداخل مع الطريقة التي يفسر بها ميشيل سلوك الآخرين وعلاقاته بهم، حتى يبدو أحياناً كأنه لا يستطيع خوض التجربة دون أن يمنحها اسماً أو تفسيراً نفسياً. وفي إحدى لحظات المفارقة، حين ينصحه طبيب باطنة بالذهاب إلى طبيب نفسي، يستقبل النصيحة بثقة قائلاً: «فهذا مضماري الذي أنا خبير فيه»، في تعبير يكشف عن المسافة بين معرفته الواسعة بالأزمات النفسية وقدرته المحدودة على تجاوز أزمته الخاصة.

غير أن هذا الحضور المعرفي يترك أثره أيضاً في حركة السرد، الذي يميل أحياناً إلى تقديم التفسير قبل الحكاية، ففي أحد المواضع، يطرح السارِد سؤالاً عن كيفية انتهاء الحب، ثم يقدم إجابة بنبرة فلسفية تتعلق بتغير الموقع الرمزي للآخر، قبل أن ينتقل إلى واقعة من حياة ميشيل بعبارة: «لشرح هذه الإجابة، يمكن سرد قصة حدثت لميشيل...»، وهي حركة تكشف عن نزوع إلى تنظيم التجربة داخل إطار تفسيري سابق عليها، بحيث تتحول الحكاية أحياناً إلى شاهد على الفكرة، لتتشكل خصوصية هذا الصوت السردي بين محاكاة وعي شخصية البطل المثقفة، والميل إلى شرح دوافعها وتحليلها، وما يثيره من أسئلة حول المسافة بين الراوي وبطله.

الجيل والمدينةويتسع هذا التاريخ الشخصي ليشمل جراحاً اجتماعية أوسع، تتقاطع مع خبرة الانتماء إلى أقلية دينية، وما يصفه البطل بـ«الشعور القبطي بالذنب الذي يمقته»، وتأثيرات (ثورة يناير «كانون الثاني») على جيل يرى أنه «ورث تناقضات الأجيال السابقة وبلغ بها منتهاها»، ليجد أفراده أنفسهم ذوات هشة في واقع فوضوي.

تمتد أصداء هذا الحزن إلى المدينة، حتى إن السرد يرى أن «لا وعي المدينة نفسه مُحمّل بالحزن»، في انتقال من جراح الفرد إلى ذاكرة المكان، وما تختزنه من خسارات وتحولات اجتماعية وسياسية.

كما يمتد هذا التأمل إلى تحولات العلاقات الإنسانية في زمن «الافتراضية»، وما فرضه إيقاعها من روابط هشة، وإلى ثقافة «الفيديوهات القصيرة» التي يرى أنها ضاعفت الجهل والغرور بوهم المعرفة، وهكذا يتجاوز صوت ميشيل حدود التجربة الفردية إلى مساءلة واقع اجتماعي وثقافي أوسع، وإن ظلت هذه الأحكام مرتبطة بمنظوره الخاص، وما يحمله من خيبات وتناقضات.


الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»
TT

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي». ويمثل الديوان حلقة جديدة في تجربة الصائغ الشعرية التي طالما انشغلت بوجع الإنسان، وبالذاكرة المثقلة بالحروب والمنافى. وتتجاور في القصائد ثيمات الحنين والفقد، الغضب والخوف، الحب والانكسار، الثورة واللاجدوى، في مزيج يختزل التجربة العراقية والعربية خلال عقود من الاضطراب.

في الديوان، يصنع الشاعر «مرآتين» لوجه واحد، ينعكس فيهما صوته الشعري وهمومه ورؤيته للعالم، المرايا هنا ليست مجرّد استعارة، بل أداة تأمل واشتباك مع الذات والتاريخ. في المرآة الأولى، يبتعد الشاعر عن ذاته بمسافة تفرضها الجغرافيا والغربة وزمن المنفى، فينظر إلى المشهد العراقي الفاجع بعين اكتسبت خبرة الألم وهدوء التأمل بعد سنوات من التشرد، تلك المسافة تمنحه القدرة على إعادة تشكيل الصورة، وقراءة الخراب الإنساني والوطني من منظور أكثر نضجاً وعمقاً.

أما المرآة الثانية، فهي عودة إلى اللحظة الأولى للوجع؛ إلى سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، حيث كان الألم لا يزال طازجاً والجرح لم يلتئم بعد، يلتقط الصائغ في هذه المرآة صورة للذات الشاعرة وهي في مواجهة الموت اليومي، وفي الوقت نفسه تحمل شرارة الأمل والتحدي والرغبة في غد أكثر عدلاً وحرية.

وبين المرآتين، يتحرك الشاعر بين زمنين ومنفين، ويوثق عبر نصوصه المتوترة واللامعة اللحظة الإنسانية التي يعيشها العالم العربي.

وللشاعر عدد من المجاميع الشعرية، منها: «مرايا لشعرها الطويل»، و«تحت سماء غريبة»، و«نشيد أوروك»، و«نرد النص».

من أجواء الديوان نقرأ:

«أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال

أرسم غيمة وأقول: تلك بلادي

أرسم لغماً وأضعه في خزانة اللغة

أرسم عنكبوتاً وأحنطه على باب الأحزان

أرسم أبي وأقول له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام؟

أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي

أرسم ناياً وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة

أرسم شارعاً وأتسكع فيه مع أحلامي

أرسم قلبي..

.. وأسأله: أين أنتِ؟!»