نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

اختلاف تسمياتها بين «الومضة» و«التويترية» سبب ارتباكًا في الحركة النقدية

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل
TT

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

هل تصبح «القصة القصيرة جدا» فن المستقبل؟ أم أن القصة القصيرة جدا صارت من الماضي؟ هل القصة التويترية، إن صح التعبير، أو القصة الومضة، تعد نوعا بديلا لفن الـ«ق ق ج»؟ هنا استطلاع لآراء نقاد وكتاب حول هذا الفن وتطوراته وأهم كتابه في الوطن العربي:
ويقول الناقد الأدبي الدكتور حسين حمودة: «خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثلت اختبارا لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلهمت روح (الأمثولة) أو الخاطرة أو اللوحة القصصية.. إلخ، وتمّ طرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فانتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه. وخوض هذه الأشكال القصصية الجديدة قد بدأ في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين إلى العقود القليلة الأخيرة الماضية. وانتشر في العقود الثلاثة الماضية شكل (القصة القصيرة جدا)، انتشارا ملحوظا في عدد من البلدان العربية، وكان قد انتشر انتشارا واسعا في الأدب المكتوب بالإنجليزية قبل ذلك بوقت قصير».
ويلفت إلى أن «القصة الومضة» flash fiction، أو «القصة المفاجئة» sudden fiction، أو «القصة المصغرة» micro - story، أو «القصة البريدية» postcard fiction، أو «القصة القصيرة جدا» short short story، بدأ التأسيس لها، اصطلاحيا، في الأدب الغربي، ابتداء من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، وإن كان لهذا الشكل جذور قديمة تعود إلى «خرافات إيسوب» وإلى «جولستان» لسعدي الشيرازي، كما كان له إرهاصات إبداعية لاحت في بعض الأعمال لكتاب القصة القصيرة (الكلاسيكية): أو. هنري، وكافكا، وهيمنغواي، وخوليو كورتاثار، وآرثر كلارك، وراي برادبري، وفريدريك براون، وليديا ديفيز.
ويضيف: «فنيا، هناك ما يصل بين القصة القصيرة والقصة الومضة، وهناك من يلتمسون عناصر أساسية من القصة القصيرة لا تزال قائمة في القصة الومضة. لكن في القصة الومضة ما يميزها على مستوى عدد الكلمات، والأهم على مستوى طريقة الكتابة التي تنهض على التلميحات الخفية، والاستناد إلى ما لم يكتب في النص وليس على ما يتضمنه النص، بالإضافة إلى (طريقة الوصل) بين الجمل، التي تجعل القصة الومضة، أيا كانت مساحتها، أشبه بجملة واحدة».
وعن انتشارها في العالم العربي، يشير حمودة إلى أن هذا الشكل الأدبي «شاع في بلدان عربية عدة، كان منها سوريا وفلسطين، ومصر، وأيضا وبوجه خاص المغرب العربي الذي اهتم عدد من كتّابه بالإبداع خلال هذا الشكل إلى حد بدا معه وكأن القصة الومضة تمثل هوى أدبيا مغربيا. واللافت أن الكتاب الذين خاضوا الكتابة، في الأدب العربي، عبر هذا الشكل انتموا إلى أجيال متعددة؛ فإلى جانب اسم نجيب محفوظ الذي كتب في هذا الشكل، فترة الثمانينات، عمله (رأيت فيما يرى النائم)، ثم كتب نصه (أصداء السيرة الذاتية) في فترة التسعينات، ثم كتب عمله الأخير (أحلام فترة النقاهة) في بدايات هذه الألفية، نجد أيضا اسم زكريا تامر (في أكثر من مجموعة له)، كما نجد أسماء تنتمي إلى تجارب وأجيال متنوعة، منها من فلسطين: فاروق مواسى، ومحمود شقير، ومن سوريا: عزت السيد أحمد، وانتصار بعلة، ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية المرعي، ومن المغرب: حسن برطال، وعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، ومن تونس: إبراهيم درغوثي.. إلخ، وفي العقد الأخير، في مصر، برزت أسماء كثيرة جدا لمبدعين ومبدعات كان اهتمامهن واهتمامهم الأساسي بالكتابة في هذا الشكل: القصة الومضة أو القصة القصيرة جدا».
وفي مقارنة لوضع «ق ق ج» ما بين العالم العربي والغربي، يوضح: «لقد انتشر هذا الشكل، في الأدب الغربي، خلال شبكة النت، وكان له مواقع مهمة مثل «فلاش فيكشن أون لاين» Flash Fiction Online و«فيستال ريفيو» Vestal Review، فضلا عن الاهتمام بنشره ورقيا على نطاق واسع، في كتب ودوريات مهمة ومنتظمة مثل «المجلة الأدبية الكندية»..Canadian literary magazine NFG، وفي سياق الاهتمام الغربي بـ«القصة الومضة»، هناك جوائز سنوية عدة تمنح للأعمال المكتوبة في هذا الشكل (مقابل جائزة تقدمها «ساقية الصاوي»، ثم مؤخرا جائزة الدولة التشجيعية، بمصر)، ومن أهم هذه الجوائز المسماة Micro Award التي أسسها في بريطانيا روبرت لافلين عام 2007. وقد توالى نشر الكتب والمختارات المكتوبة عبر هذا الشكل، كما توالى نشر الدراسات والكتب التي تتناولها بالتحليل، خلال العقدين الماضيين، ووصلت هذه وتلك إلى أعداد هائلة. فجامعة «شستر» University of Chester، مثلا (وهي ليست من أهم ولا أكبر جامعات العالم) تصدر دورية منتظمة خاصة بفن القصة القصيرة جدا، هي Flash Fiction Magazine: The International Short - Short Story Magazine.
بينما يقول الأديب منير عتيبة، حائز جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عن مجموعته القصصية القصيرة جدا «روح الحكاية»: «القصة القصيرة جدا هي إبداع مقطر، وذكاء في الكتابة والتلقي، وعمق في الفكر، وجمال في اللغة، وهي أصعب كثيرا في كتابتها من القصة القصيرة، ربما يكون السبب الأساسي في ذلك أنه كلما كان الحجم أصغر كان الخطأ أكثر وضوحا وأقل قبولا، أرى أن القصة القصيرة جدا تحمل روح الرياضيات والشعر، فكل كلمة من كلماتها رمز إشاري له دلالاته المتعددة، كما أن تكثيفها الشديد هو تكثيف مجازي له ظلال وألوان طيفية لا نهائية. ولا أظن أن الاتجاه إلى كتابتها من عدد كبير من الكتاب، ومن أجيال مختلفة، بسبب ضيق وقت الكاتب والقارئ، فالوقت هنا مجرد عامل ثانوي، لكني أعتقد أن هذا الاتجاه هو تعبير عن بعض السمات العميقة لما نسميه روح العصر».
وعلى عكس الكثيرين يرى عتيبة أن «التراث الإبداعي يقف بشدة خلف القصة القصيرة جدا معضدا وجودها، حيث إن الكثير من الأشياء قيل وبالتالي فالكاتب ليس بحاجة إلى إعادة ما قيل، يكفيه إشارة موجزة ليستدعي ذهن القارئ تفاصيل كثيرة قرأها أدبا أو شاهدها سينما من قبل، كما أن ارتفاع مستوى التعليم والثقافة والانفتاح على العالم من خلال وسائل الاتصال المتقدمة كالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية غيرت من نوعية القارئ الذي أصبح قادرا على فهم مراد الكاتب بسرعة ومن كلمات قليلة، كما أنه لا يحب أن يقال له كل شيء بل يريد أن يكون مشاركا، ولذا أصبحت (ق ق ج) نتاج جهد مشترك من الكاتب والقارئ معا».
أما المأزق الثاني فهو أخلاقي بالأساس، وهو ما يمكن أن يطلق عليه (سبوبة القصة القصيرة جدا) حيث تعقد مؤتمرات للقصة القصيرة جدا بغرض (الاسترزاق) واستنزاف أموال الكتاب (لاحظ أن كثيرين منهم ليسوا بكتاب أصلا وبالتالي هم مستعدون لدفع بعض المال إذا كانوا سيحصلون على حضور مؤتمر وشهادة تقدير وتكريم تنشر صورته على «فيسبوك»!)، كما أن بعض الناشرين يجمع عددا كبيرا من القصص لعشرات الكتاب بصرف النظر عن المستوى الفني للأعمال ويقوم بنشرها في كتاب جماعي يبيعه بسعر مرتفع وهو متأكد من الأرباح الطائلة التي سيجنيها لأن كل من ينشر له قصة في الكتاب سيشتري بعض النسخ. مثل هذه الممارسات التي أسميها أخلاقية تضر بالفن نفسه لأنها تعلي من مصالح خاصة على حساب الجودة الفنية مما يساعد في مزيد من ترويج الغث حتى يصبح الجيد كالغول والعنقاء والخل الوفي».
أما الناقد الدكتور محمود الضبع، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، فيرى أن القصة القصيرة جدا فن قائم بذاته فلا يجب النظر إليها بوصفها تطورا لنوع القصة القصيرة المعروف شرقا وغربا، تماما كما لا ينبغي النظر إلى السيناريو باعتباره فنا متطورا عن السرد عموما» ويضيف: «أي نعم لا يمكن ظاهريا الفصل المبدئي بين فن القصة القصيرة جدا وفن الإبيغرام الذي تحدث عنه طه حسين في العشرينات من القرن الماضي نقلا عن الأدب اليوناني، إلا أن القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة تختلف كثيرا عن الإبيغرام اليوناني، وعن مضرب ومورد المثل والحكمة والقصص الحكمي كما كان في التراث العربي، ومن هنا فإن فن القصة القصيرة جدا لا يعد اختزالا للفنون السابقة». ويؤكد الضبع: «إنما هو شكل أدبي جديد، له ضوابطه وآلياته وفنياته التي تعتمد على السرد المكثف المبني على اتساع الرؤية وضيق العبارة وكثافة المعنى والمعتمد المفارقة في كثير من أبنيته، وإن لم تكن المفارقة اللغوية فقط بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما باتساعها الذي يشمل مفارقة الحالة ومفارقة الدلالة ومفارقة البنية والمفارقة المشهدية، وغيرها من الأشكال التي طرحتها الحداثة وما بعدها وبتأثير من ثقافة الصورة والميديا والإعلام والتكنولوجيا والمعلوماتية وغيرها». ويشير إلى أنه «على مستوى النقد المواكب لهذا الفن، فن القصة القصيرة جدا، فإن الحركة النقدية العربية تخضع للعقلية العربية التي تنشغل كثيرا بالبحث عن أصول الأشياء والاختلاف حول أزمة التسمية والمصطلح، ناهيك عن الخوف من تجريب أي جديد ليست له مرجعيات تراثية، دون أن تستثمر الجهد المهدر في ذلك لصالح التقدم خطوة للأمام من أجل دراسة الوضع الحالي، ورصد أبعاده وآلياته، ومن ثم فإن الحركة النقدية قد تستغرق زمنا من أجل استيعاب أو قبول هذا الفن، وعلى الرغم من ذلك فقد نجح أصحاب هذا الفن في استثمار تكنولوجيا التواصل الاجتماعي لمناصرته، وتكونت جماعات أدبية بتسميات مختلفة تنتمي إلى القصة القصيرة جدا، في بيئة الواقع الافتراضي عبر الإنترنت، والخلاصة أن هذا الفن لم يستطع النقد أن يتعامل معه بالدرس التحليلي كما يجب وما يزال الباب مفتوحا لرصد أبعاده وتحديد جمالياته».
فيما يرى الدكتور شريف عابدين، ممثل الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا في مصر، ومؤلف «القص الوامض من حصار المبنى إلى أفق المعنى» أن القصة القصيرة جدا فن راسخ في الغرب ومعترف به في العالم العربي كله. ويرى أن هنالك تجارب هامة في المغرب العربي تعتبر تأسيسية في هذا الفن حيث تكونت رابطة القصة القصيرة جدا، ومن أبرز الكتاب: حسن بقالي وجميل حمداوي وعز الدين المعزي، وحميدة كاتا ومسلك ميمون، والتي أثرت هذا الفن كما أن هناك عدة تجارب فردية في دول المشرق، في مصر وفلسطين وسوريا والسعودية، فمثلا في سوريا: أحمد جاسم السيد، ويوسف حطيني، وهم من المؤسسين، وفي مصر: منير عتيبة». ويرجع عابدين السبب في ذلك إلى تأثر فن القص المغربي بالثقافة الإسبانية والفرنسية التي ترسخ فيها هذا الفن بقوة. ويوضح عابدين أن وجود تجارب غير ناضجة استسهلت هذا الفن وشوهت صورته وجعلت النقاد ينفرون منه وبالتالي جمهور القراء. أما عن التسميات المرتبطة بـ«ق ق ج» كالقصة «التويترية»، فيقول: «إن لها شروطا أكثر صرامة من الـ(ق ق ج) ما يجعلها مفرطة في التكثيف وهي تكون في حدود 140 كلمة، بينما القصة الومضة تكون في حدود مائة كلمة، أما القصة القصيرة فتكون في حدود ألف كلمة، والقصة الطويلة في حدود عشرة آلاف كلمة. فالتكثيف والإضمار والإيحاء من معالم هذه القصة التي تتجه مباشرة إلى قلب الحدث أو جوهر السرد، وهنا تتسم الصورة السردية بالديناميكية في ظل وجود آليات تخييلية للتغلب على قلة الإمكانات المادية، وآليات للتغلب على تقلص الزمان والمكان». ويؤكد عابدين أن كثيرا من الكتاب يظنون أن التحدي في عدد الكلمات أو الأحرف فقط إلا أن التحدي الخاص بالقصة القصيرة جدا هو في أن اكتمالها يتم مع القارئ، فهو الذي يتخيل الحكاية بشكلها الأرسطي المقدمة والعقدة والحل من خلال الكلمات التي صاغها القاص.. وخصوصيتها في أنها تمد جسور التواصل بين السارد والمتلقي، فهي فعلا تجسد مستقبل السرد».
وتلفت القاصة هناء عبد الهادي إلى أن فن القصة القصيرة جدا يعاني من معضلة التلقي، سواء على مستوى النقاد أو على مستوى القراء، قائلة: «معظم جيل النقاد الحاليين ينتمي للجيل القديم الذي يعتمد الرواية كفن السرد الأول، وهو مقبول لدى الشعوب العربية التي تعشق فن الحكي». وتؤكد على أن «القصة القصيرة جدا هي فن مستقل بذاته عن القصة القصيرة وليست اختزالا لها، فهي تمثل تطورا يعكس تطور العصر التكنولوجي والسرعة في كل شيء، و(ق ق ج) خلقت جسورا من التواصل مع الجيل الجديد فهي تجعل السارد يصل لهم ويتحدث معهم بطريقتهم ويجذبهم للقراءة»، وتلقي عبد الهادي اللوم على النقاد في تجاهلهم للقصة القصيرة جدا بل والتشكيك فيها وكونها جنسا أدبيا مستقلا، وتقول: «لا بد أن نعترف أن الزمن يتطور وكل الفنون الأدبية والفنية تغيرت وتطورت فالقصيدة تطورت والفن التشكيلي تطور كذلك تمثل الـ(ق ق ج) تطورا إبداعيا أخذ قالبا جديدا» وتؤكد أن «أهم ما يميز القصة القصيرة جدا هو التكثيف والاختزال والمفارقة فكل حرف وكل علامة ترقيم موظفة كليا لخدمة النص». أما الناقد المخضرم شوقي بدر يوسف فيصف القصة القصيرة جدا بأنها «الطفل المدلل على الساحة الأدبية فهي تحقق المتعة لدى الكاتب والمتلقي»، إلا أنه يرى أن خطوة اعتماد جائزة من الدولة المصرية لها أمر سابق لأوانه لأنها لم تحقق قاعدة كتاب كبيرة بعد، ويقول: «علينا أن نخصص عدة جوائز تساهم في اكتشاف كتاب مبدعين في هذا المجال ثم تتوج إبداعاتهم فيما بعد بجائزة الدولة».
ويشير بدر إلى أنه لا توجد ثمة اختلافات كثيرة بين «ق ق ج» و«التويترية» و«الومضة» و«الشذرة» فهي في النهاية لها نفس الشكل السردي، إلا أن الاختلاف يظهر عند تأصيلها في المشهد السردي ورؤية الكاتب نفسه. ويشير إلى أن «القصة القصيرة جدا موجودة بشكل جيد جدا في العالم العربي وفي مصر أيضا، لكن ينبغي على الحركة النقدية مواكبة تقدمها وإقامة مؤتمرات علمية لها».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».