نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

اختلاف تسمياتها بين «الومضة» و«التويترية» سبب ارتباكًا في الحركة النقدية

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل
TT

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

هل تصبح «القصة القصيرة جدا» فن المستقبل؟ أم أن القصة القصيرة جدا صارت من الماضي؟ هل القصة التويترية، إن صح التعبير، أو القصة الومضة، تعد نوعا بديلا لفن الـ«ق ق ج»؟ هنا استطلاع لآراء نقاد وكتاب حول هذا الفن وتطوراته وأهم كتابه في الوطن العربي:
ويقول الناقد الأدبي الدكتور حسين حمودة: «خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثلت اختبارا لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلهمت روح (الأمثولة) أو الخاطرة أو اللوحة القصصية.. إلخ، وتمّ طرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فانتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه. وخوض هذه الأشكال القصصية الجديدة قد بدأ في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين إلى العقود القليلة الأخيرة الماضية. وانتشر في العقود الثلاثة الماضية شكل (القصة القصيرة جدا)، انتشارا ملحوظا في عدد من البلدان العربية، وكان قد انتشر انتشارا واسعا في الأدب المكتوب بالإنجليزية قبل ذلك بوقت قصير».
ويلفت إلى أن «القصة الومضة» flash fiction، أو «القصة المفاجئة» sudden fiction، أو «القصة المصغرة» micro - story، أو «القصة البريدية» postcard fiction، أو «القصة القصيرة جدا» short short story، بدأ التأسيس لها، اصطلاحيا، في الأدب الغربي، ابتداء من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، وإن كان لهذا الشكل جذور قديمة تعود إلى «خرافات إيسوب» وإلى «جولستان» لسعدي الشيرازي، كما كان له إرهاصات إبداعية لاحت في بعض الأعمال لكتاب القصة القصيرة (الكلاسيكية): أو. هنري، وكافكا، وهيمنغواي، وخوليو كورتاثار، وآرثر كلارك، وراي برادبري، وفريدريك براون، وليديا ديفيز.
ويضيف: «فنيا، هناك ما يصل بين القصة القصيرة والقصة الومضة، وهناك من يلتمسون عناصر أساسية من القصة القصيرة لا تزال قائمة في القصة الومضة. لكن في القصة الومضة ما يميزها على مستوى عدد الكلمات، والأهم على مستوى طريقة الكتابة التي تنهض على التلميحات الخفية، والاستناد إلى ما لم يكتب في النص وليس على ما يتضمنه النص، بالإضافة إلى (طريقة الوصل) بين الجمل، التي تجعل القصة الومضة، أيا كانت مساحتها، أشبه بجملة واحدة».
وعن انتشارها في العالم العربي، يشير حمودة إلى أن هذا الشكل الأدبي «شاع في بلدان عربية عدة، كان منها سوريا وفلسطين، ومصر، وأيضا وبوجه خاص المغرب العربي الذي اهتم عدد من كتّابه بالإبداع خلال هذا الشكل إلى حد بدا معه وكأن القصة الومضة تمثل هوى أدبيا مغربيا. واللافت أن الكتاب الذين خاضوا الكتابة، في الأدب العربي، عبر هذا الشكل انتموا إلى أجيال متعددة؛ فإلى جانب اسم نجيب محفوظ الذي كتب في هذا الشكل، فترة الثمانينات، عمله (رأيت فيما يرى النائم)، ثم كتب نصه (أصداء السيرة الذاتية) في فترة التسعينات، ثم كتب عمله الأخير (أحلام فترة النقاهة) في بدايات هذه الألفية، نجد أيضا اسم زكريا تامر (في أكثر من مجموعة له)، كما نجد أسماء تنتمي إلى تجارب وأجيال متنوعة، منها من فلسطين: فاروق مواسى، ومحمود شقير، ومن سوريا: عزت السيد أحمد، وانتصار بعلة، ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية المرعي، ومن المغرب: حسن برطال، وعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، ومن تونس: إبراهيم درغوثي.. إلخ، وفي العقد الأخير، في مصر، برزت أسماء كثيرة جدا لمبدعين ومبدعات كان اهتمامهن واهتمامهم الأساسي بالكتابة في هذا الشكل: القصة الومضة أو القصة القصيرة جدا».
وفي مقارنة لوضع «ق ق ج» ما بين العالم العربي والغربي، يوضح: «لقد انتشر هذا الشكل، في الأدب الغربي، خلال شبكة النت، وكان له مواقع مهمة مثل «فلاش فيكشن أون لاين» Flash Fiction Online و«فيستال ريفيو» Vestal Review، فضلا عن الاهتمام بنشره ورقيا على نطاق واسع، في كتب ودوريات مهمة ومنتظمة مثل «المجلة الأدبية الكندية»..Canadian literary magazine NFG، وفي سياق الاهتمام الغربي بـ«القصة الومضة»، هناك جوائز سنوية عدة تمنح للأعمال المكتوبة في هذا الشكل (مقابل جائزة تقدمها «ساقية الصاوي»، ثم مؤخرا جائزة الدولة التشجيعية، بمصر)، ومن أهم هذه الجوائز المسماة Micro Award التي أسسها في بريطانيا روبرت لافلين عام 2007. وقد توالى نشر الكتب والمختارات المكتوبة عبر هذا الشكل، كما توالى نشر الدراسات والكتب التي تتناولها بالتحليل، خلال العقدين الماضيين، ووصلت هذه وتلك إلى أعداد هائلة. فجامعة «شستر» University of Chester، مثلا (وهي ليست من أهم ولا أكبر جامعات العالم) تصدر دورية منتظمة خاصة بفن القصة القصيرة جدا، هي Flash Fiction Magazine: The International Short - Short Story Magazine.
بينما يقول الأديب منير عتيبة، حائز جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عن مجموعته القصصية القصيرة جدا «روح الحكاية»: «القصة القصيرة جدا هي إبداع مقطر، وذكاء في الكتابة والتلقي، وعمق في الفكر، وجمال في اللغة، وهي أصعب كثيرا في كتابتها من القصة القصيرة، ربما يكون السبب الأساسي في ذلك أنه كلما كان الحجم أصغر كان الخطأ أكثر وضوحا وأقل قبولا، أرى أن القصة القصيرة جدا تحمل روح الرياضيات والشعر، فكل كلمة من كلماتها رمز إشاري له دلالاته المتعددة، كما أن تكثيفها الشديد هو تكثيف مجازي له ظلال وألوان طيفية لا نهائية. ولا أظن أن الاتجاه إلى كتابتها من عدد كبير من الكتاب، ومن أجيال مختلفة، بسبب ضيق وقت الكاتب والقارئ، فالوقت هنا مجرد عامل ثانوي، لكني أعتقد أن هذا الاتجاه هو تعبير عن بعض السمات العميقة لما نسميه روح العصر».
وعلى عكس الكثيرين يرى عتيبة أن «التراث الإبداعي يقف بشدة خلف القصة القصيرة جدا معضدا وجودها، حيث إن الكثير من الأشياء قيل وبالتالي فالكاتب ليس بحاجة إلى إعادة ما قيل، يكفيه إشارة موجزة ليستدعي ذهن القارئ تفاصيل كثيرة قرأها أدبا أو شاهدها سينما من قبل، كما أن ارتفاع مستوى التعليم والثقافة والانفتاح على العالم من خلال وسائل الاتصال المتقدمة كالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية غيرت من نوعية القارئ الذي أصبح قادرا على فهم مراد الكاتب بسرعة ومن كلمات قليلة، كما أنه لا يحب أن يقال له كل شيء بل يريد أن يكون مشاركا، ولذا أصبحت (ق ق ج) نتاج جهد مشترك من الكاتب والقارئ معا».
أما المأزق الثاني فهو أخلاقي بالأساس، وهو ما يمكن أن يطلق عليه (سبوبة القصة القصيرة جدا) حيث تعقد مؤتمرات للقصة القصيرة جدا بغرض (الاسترزاق) واستنزاف أموال الكتاب (لاحظ أن كثيرين منهم ليسوا بكتاب أصلا وبالتالي هم مستعدون لدفع بعض المال إذا كانوا سيحصلون على حضور مؤتمر وشهادة تقدير وتكريم تنشر صورته على «فيسبوك»!)، كما أن بعض الناشرين يجمع عددا كبيرا من القصص لعشرات الكتاب بصرف النظر عن المستوى الفني للأعمال ويقوم بنشرها في كتاب جماعي يبيعه بسعر مرتفع وهو متأكد من الأرباح الطائلة التي سيجنيها لأن كل من ينشر له قصة في الكتاب سيشتري بعض النسخ. مثل هذه الممارسات التي أسميها أخلاقية تضر بالفن نفسه لأنها تعلي من مصالح خاصة على حساب الجودة الفنية مما يساعد في مزيد من ترويج الغث حتى يصبح الجيد كالغول والعنقاء والخل الوفي».
أما الناقد الدكتور محمود الضبع، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، فيرى أن القصة القصيرة جدا فن قائم بذاته فلا يجب النظر إليها بوصفها تطورا لنوع القصة القصيرة المعروف شرقا وغربا، تماما كما لا ينبغي النظر إلى السيناريو باعتباره فنا متطورا عن السرد عموما» ويضيف: «أي نعم لا يمكن ظاهريا الفصل المبدئي بين فن القصة القصيرة جدا وفن الإبيغرام الذي تحدث عنه طه حسين في العشرينات من القرن الماضي نقلا عن الأدب اليوناني، إلا أن القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة تختلف كثيرا عن الإبيغرام اليوناني، وعن مضرب ومورد المثل والحكمة والقصص الحكمي كما كان في التراث العربي، ومن هنا فإن فن القصة القصيرة جدا لا يعد اختزالا للفنون السابقة». ويؤكد الضبع: «إنما هو شكل أدبي جديد، له ضوابطه وآلياته وفنياته التي تعتمد على السرد المكثف المبني على اتساع الرؤية وضيق العبارة وكثافة المعنى والمعتمد المفارقة في كثير من أبنيته، وإن لم تكن المفارقة اللغوية فقط بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما باتساعها الذي يشمل مفارقة الحالة ومفارقة الدلالة ومفارقة البنية والمفارقة المشهدية، وغيرها من الأشكال التي طرحتها الحداثة وما بعدها وبتأثير من ثقافة الصورة والميديا والإعلام والتكنولوجيا والمعلوماتية وغيرها». ويشير إلى أنه «على مستوى النقد المواكب لهذا الفن، فن القصة القصيرة جدا، فإن الحركة النقدية العربية تخضع للعقلية العربية التي تنشغل كثيرا بالبحث عن أصول الأشياء والاختلاف حول أزمة التسمية والمصطلح، ناهيك عن الخوف من تجريب أي جديد ليست له مرجعيات تراثية، دون أن تستثمر الجهد المهدر في ذلك لصالح التقدم خطوة للأمام من أجل دراسة الوضع الحالي، ورصد أبعاده وآلياته، ومن ثم فإن الحركة النقدية قد تستغرق زمنا من أجل استيعاب أو قبول هذا الفن، وعلى الرغم من ذلك فقد نجح أصحاب هذا الفن في استثمار تكنولوجيا التواصل الاجتماعي لمناصرته، وتكونت جماعات أدبية بتسميات مختلفة تنتمي إلى القصة القصيرة جدا، في بيئة الواقع الافتراضي عبر الإنترنت، والخلاصة أن هذا الفن لم يستطع النقد أن يتعامل معه بالدرس التحليلي كما يجب وما يزال الباب مفتوحا لرصد أبعاده وتحديد جمالياته».
فيما يرى الدكتور شريف عابدين، ممثل الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا في مصر، ومؤلف «القص الوامض من حصار المبنى إلى أفق المعنى» أن القصة القصيرة جدا فن راسخ في الغرب ومعترف به في العالم العربي كله. ويرى أن هنالك تجارب هامة في المغرب العربي تعتبر تأسيسية في هذا الفن حيث تكونت رابطة القصة القصيرة جدا، ومن أبرز الكتاب: حسن بقالي وجميل حمداوي وعز الدين المعزي، وحميدة كاتا ومسلك ميمون، والتي أثرت هذا الفن كما أن هناك عدة تجارب فردية في دول المشرق، في مصر وفلسطين وسوريا والسعودية، فمثلا في سوريا: أحمد جاسم السيد، ويوسف حطيني، وهم من المؤسسين، وفي مصر: منير عتيبة». ويرجع عابدين السبب في ذلك إلى تأثر فن القص المغربي بالثقافة الإسبانية والفرنسية التي ترسخ فيها هذا الفن بقوة. ويوضح عابدين أن وجود تجارب غير ناضجة استسهلت هذا الفن وشوهت صورته وجعلت النقاد ينفرون منه وبالتالي جمهور القراء. أما عن التسميات المرتبطة بـ«ق ق ج» كالقصة «التويترية»، فيقول: «إن لها شروطا أكثر صرامة من الـ(ق ق ج) ما يجعلها مفرطة في التكثيف وهي تكون في حدود 140 كلمة، بينما القصة الومضة تكون في حدود مائة كلمة، أما القصة القصيرة فتكون في حدود ألف كلمة، والقصة الطويلة في حدود عشرة آلاف كلمة. فالتكثيف والإضمار والإيحاء من معالم هذه القصة التي تتجه مباشرة إلى قلب الحدث أو جوهر السرد، وهنا تتسم الصورة السردية بالديناميكية في ظل وجود آليات تخييلية للتغلب على قلة الإمكانات المادية، وآليات للتغلب على تقلص الزمان والمكان». ويؤكد عابدين أن كثيرا من الكتاب يظنون أن التحدي في عدد الكلمات أو الأحرف فقط إلا أن التحدي الخاص بالقصة القصيرة جدا هو في أن اكتمالها يتم مع القارئ، فهو الذي يتخيل الحكاية بشكلها الأرسطي المقدمة والعقدة والحل من خلال الكلمات التي صاغها القاص.. وخصوصيتها في أنها تمد جسور التواصل بين السارد والمتلقي، فهي فعلا تجسد مستقبل السرد».
وتلفت القاصة هناء عبد الهادي إلى أن فن القصة القصيرة جدا يعاني من معضلة التلقي، سواء على مستوى النقاد أو على مستوى القراء، قائلة: «معظم جيل النقاد الحاليين ينتمي للجيل القديم الذي يعتمد الرواية كفن السرد الأول، وهو مقبول لدى الشعوب العربية التي تعشق فن الحكي». وتؤكد على أن «القصة القصيرة جدا هي فن مستقل بذاته عن القصة القصيرة وليست اختزالا لها، فهي تمثل تطورا يعكس تطور العصر التكنولوجي والسرعة في كل شيء، و(ق ق ج) خلقت جسورا من التواصل مع الجيل الجديد فهي تجعل السارد يصل لهم ويتحدث معهم بطريقتهم ويجذبهم للقراءة»، وتلقي عبد الهادي اللوم على النقاد في تجاهلهم للقصة القصيرة جدا بل والتشكيك فيها وكونها جنسا أدبيا مستقلا، وتقول: «لا بد أن نعترف أن الزمن يتطور وكل الفنون الأدبية والفنية تغيرت وتطورت فالقصيدة تطورت والفن التشكيلي تطور كذلك تمثل الـ(ق ق ج) تطورا إبداعيا أخذ قالبا جديدا» وتؤكد أن «أهم ما يميز القصة القصيرة جدا هو التكثيف والاختزال والمفارقة فكل حرف وكل علامة ترقيم موظفة كليا لخدمة النص». أما الناقد المخضرم شوقي بدر يوسف فيصف القصة القصيرة جدا بأنها «الطفل المدلل على الساحة الأدبية فهي تحقق المتعة لدى الكاتب والمتلقي»، إلا أنه يرى أن خطوة اعتماد جائزة من الدولة المصرية لها أمر سابق لأوانه لأنها لم تحقق قاعدة كتاب كبيرة بعد، ويقول: «علينا أن نخصص عدة جوائز تساهم في اكتشاف كتاب مبدعين في هذا المجال ثم تتوج إبداعاتهم فيما بعد بجائزة الدولة».
ويشير بدر إلى أنه لا توجد ثمة اختلافات كثيرة بين «ق ق ج» و«التويترية» و«الومضة» و«الشذرة» فهي في النهاية لها نفس الشكل السردي، إلا أن الاختلاف يظهر عند تأصيلها في المشهد السردي ورؤية الكاتب نفسه. ويشير إلى أن «القصة القصيرة جدا موجودة بشكل جيد جدا في العالم العربي وفي مصر أيضا، لكن ينبغي على الحركة النقدية مواكبة تقدمها وإقامة مؤتمرات علمية لها».



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».