نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

اختلاف تسمياتها بين «الومضة» و«التويترية» سبب ارتباكًا في الحركة النقدية

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل
TT

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

هل تصبح «القصة القصيرة جدا» فن المستقبل؟ أم أن القصة القصيرة جدا صارت من الماضي؟ هل القصة التويترية، إن صح التعبير، أو القصة الومضة، تعد نوعا بديلا لفن الـ«ق ق ج»؟ هنا استطلاع لآراء نقاد وكتاب حول هذا الفن وتطوراته وأهم كتابه في الوطن العربي:
ويقول الناقد الأدبي الدكتور حسين حمودة: «خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثلت اختبارا لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلهمت روح (الأمثولة) أو الخاطرة أو اللوحة القصصية.. إلخ، وتمّ طرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فانتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه. وخوض هذه الأشكال القصصية الجديدة قد بدأ في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين إلى العقود القليلة الأخيرة الماضية. وانتشر في العقود الثلاثة الماضية شكل (القصة القصيرة جدا)، انتشارا ملحوظا في عدد من البلدان العربية، وكان قد انتشر انتشارا واسعا في الأدب المكتوب بالإنجليزية قبل ذلك بوقت قصير».
ويلفت إلى أن «القصة الومضة» flash fiction، أو «القصة المفاجئة» sudden fiction، أو «القصة المصغرة» micro - story، أو «القصة البريدية» postcard fiction، أو «القصة القصيرة جدا» short short story، بدأ التأسيس لها، اصطلاحيا، في الأدب الغربي، ابتداء من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، وإن كان لهذا الشكل جذور قديمة تعود إلى «خرافات إيسوب» وإلى «جولستان» لسعدي الشيرازي، كما كان له إرهاصات إبداعية لاحت في بعض الأعمال لكتاب القصة القصيرة (الكلاسيكية): أو. هنري، وكافكا، وهيمنغواي، وخوليو كورتاثار، وآرثر كلارك، وراي برادبري، وفريدريك براون، وليديا ديفيز.
ويضيف: «فنيا، هناك ما يصل بين القصة القصيرة والقصة الومضة، وهناك من يلتمسون عناصر أساسية من القصة القصيرة لا تزال قائمة في القصة الومضة. لكن في القصة الومضة ما يميزها على مستوى عدد الكلمات، والأهم على مستوى طريقة الكتابة التي تنهض على التلميحات الخفية، والاستناد إلى ما لم يكتب في النص وليس على ما يتضمنه النص، بالإضافة إلى (طريقة الوصل) بين الجمل، التي تجعل القصة الومضة، أيا كانت مساحتها، أشبه بجملة واحدة».
وعن انتشارها في العالم العربي، يشير حمودة إلى أن هذا الشكل الأدبي «شاع في بلدان عربية عدة، كان منها سوريا وفلسطين، ومصر، وأيضا وبوجه خاص المغرب العربي الذي اهتم عدد من كتّابه بالإبداع خلال هذا الشكل إلى حد بدا معه وكأن القصة الومضة تمثل هوى أدبيا مغربيا. واللافت أن الكتاب الذين خاضوا الكتابة، في الأدب العربي، عبر هذا الشكل انتموا إلى أجيال متعددة؛ فإلى جانب اسم نجيب محفوظ الذي كتب في هذا الشكل، فترة الثمانينات، عمله (رأيت فيما يرى النائم)، ثم كتب نصه (أصداء السيرة الذاتية) في فترة التسعينات، ثم كتب عمله الأخير (أحلام فترة النقاهة) في بدايات هذه الألفية، نجد أيضا اسم زكريا تامر (في أكثر من مجموعة له)، كما نجد أسماء تنتمي إلى تجارب وأجيال متنوعة، منها من فلسطين: فاروق مواسى، ومحمود شقير، ومن سوريا: عزت السيد أحمد، وانتصار بعلة، ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية المرعي، ومن المغرب: حسن برطال، وعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، ومن تونس: إبراهيم درغوثي.. إلخ، وفي العقد الأخير، في مصر، برزت أسماء كثيرة جدا لمبدعين ومبدعات كان اهتمامهن واهتمامهم الأساسي بالكتابة في هذا الشكل: القصة الومضة أو القصة القصيرة جدا».
وفي مقارنة لوضع «ق ق ج» ما بين العالم العربي والغربي، يوضح: «لقد انتشر هذا الشكل، في الأدب الغربي، خلال شبكة النت، وكان له مواقع مهمة مثل «فلاش فيكشن أون لاين» Flash Fiction Online و«فيستال ريفيو» Vestal Review، فضلا عن الاهتمام بنشره ورقيا على نطاق واسع، في كتب ودوريات مهمة ومنتظمة مثل «المجلة الأدبية الكندية»..Canadian literary magazine NFG، وفي سياق الاهتمام الغربي بـ«القصة الومضة»، هناك جوائز سنوية عدة تمنح للأعمال المكتوبة في هذا الشكل (مقابل جائزة تقدمها «ساقية الصاوي»، ثم مؤخرا جائزة الدولة التشجيعية، بمصر)، ومن أهم هذه الجوائز المسماة Micro Award التي أسسها في بريطانيا روبرت لافلين عام 2007. وقد توالى نشر الكتب والمختارات المكتوبة عبر هذا الشكل، كما توالى نشر الدراسات والكتب التي تتناولها بالتحليل، خلال العقدين الماضيين، ووصلت هذه وتلك إلى أعداد هائلة. فجامعة «شستر» University of Chester، مثلا (وهي ليست من أهم ولا أكبر جامعات العالم) تصدر دورية منتظمة خاصة بفن القصة القصيرة جدا، هي Flash Fiction Magazine: The International Short - Short Story Magazine.
بينما يقول الأديب منير عتيبة، حائز جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عن مجموعته القصصية القصيرة جدا «روح الحكاية»: «القصة القصيرة جدا هي إبداع مقطر، وذكاء في الكتابة والتلقي، وعمق في الفكر، وجمال في اللغة، وهي أصعب كثيرا في كتابتها من القصة القصيرة، ربما يكون السبب الأساسي في ذلك أنه كلما كان الحجم أصغر كان الخطأ أكثر وضوحا وأقل قبولا، أرى أن القصة القصيرة جدا تحمل روح الرياضيات والشعر، فكل كلمة من كلماتها رمز إشاري له دلالاته المتعددة، كما أن تكثيفها الشديد هو تكثيف مجازي له ظلال وألوان طيفية لا نهائية. ولا أظن أن الاتجاه إلى كتابتها من عدد كبير من الكتاب، ومن أجيال مختلفة، بسبب ضيق وقت الكاتب والقارئ، فالوقت هنا مجرد عامل ثانوي، لكني أعتقد أن هذا الاتجاه هو تعبير عن بعض السمات العميقة لما نسميه روح العصر».
وعلى عكس الكثيرين يرى عتيبة أن «التراث الإبداعي يقف بشدة خلف القصة القصيرة جدا معضدا وجودها، حيث إن الكثير من الأشياء قيل وبالتالي فالكاتب ليس بحاجة إلى إعادة ما قيل، يكفيه إشارة موجزة ليستدعي ذهن القارئ تفاصيل كثيرة قرأها أدبا أو شاهدها سينما من قبل، كما أن ارتفاع مستوى التعليم والثقافة والانفتاح على العالم من خلال وسائل الاتصال المتقدمة كالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية غيرت من نوعية القارئ الذي أصبح قادرا على فهم مراد الكاتب بسرعة ومن كلمات قليلة، كما أنه لا يحب أن يقال له كل شيء بل يريد أن يكون مشاركا، ولذا أصبحت (ق ق ج) نتاج جهد مشترك من الكاتب والقارئ معا».
أما المأزق الثاني فهو أخلاقي بالأساس، وهو ما يمكن أن يطلق عليه (سبوبة القصة القصيرة جدا) حيث تعقد مؤتمرات للقصة القصيرة جدا بغرض (الاسترزاق) واستنزاف أموال الكتاب (لاحظ أن كثيرين منهم ليسوا بكتاب أصلا وبالتالي هم مستعدون لدفع بعض المال إذا كانوا سيحصلون على حضور مؤتمر وشهادة تقدير وتكريم تنشر صورته على «فيسبوك»!)، كما أن بعض الناشرين يجمع عددا كبيرا من القصص لعشرات الكتاب بصرف النظر عن المستوى الفني للأعمال ويقوم بنشرها في كتاب جماعي يبيعه بسعر مرتفع وهو متأكد من الأرباح الطائلة التي سيجنيها لأن كل من ينشر له قصة في الكتاب سيشتري بعض النسخ. مثل هذه الممارسات التي أسميها أخلاقية تضر بالفن نفسه لأنها تعلي من مصالح خاصة على حساب الجودة الفنية مما يساعد في مزيد من ترويج الغث حتى يصبح الجيد كالغول والعنقاء والخل الوفي».
أما الناقد الدكتور محمود الضبع، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، فيرى أن القصة القصيرة جدا فن قائم بذاته فلا يجب النظر إليها بوصفها تطورا لنوع القصة القصيرة المعروف شرقا وغربا، تماما كما لا ينبغي النظر إلى السيناريو باعتباره فنا متطورا عن السرد عموما» ويضيف: «أي نعم لا يمكن ظاهريا الفصل المبدئي بين فن القصة القصيرة جدا وفن الإبيغرام الذي تحدث عنه طه حسين في العشرينات من القرن الماضي نقلا عن الأدب اليوناني، إلا أن القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة تختلف كثيرا عن الإبيغرام اليوناني، وعن مضرب ومورد المثل والحكمة والقصص الحكمي كما كان في التراث العربي، ومن هنا فإن فن القصة القصيرة جدا لا يعد اختزالا للفنون السابقة». ويؤكد الضبع: «إنما هو شكل أدبي جديد، له ضوابطه وآلياته وفنياته التي تعتمد على السرد المكثف المبني على اتساع الرؤية وضيق العبارة وكثافة المعنى والمعتمد المفارقة في كثير من أبنيته، وإن لم تكن المفارقة اللغوية فقط بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما باتساعها الذي يشمل مفارقة الحالة ومفارقة الدلالة ومفارقة البنية والمفارقة المشهدية، وغيرها من الأشكال التي طرحتها الحداثة وما بعدها وبتأثير من ثقافة الصورة والميديا والإعلام والتكنولوجيا والمعلوماتية وغيرها». ويشير إلى أنه «على مستوى النقد المواكب لهذا الفن، فن القصة القصيرة جدا، فإن الحركة النقدية العربية تخضع للعقلية العربية التي تنشغل كثيرا بالبحث عن أصول الأشياء والاختلاف حول أزمة التسمية والمصطلح، ناهيك عن الخوف من تجريب أي جديد ليست له مرجعيات تراثية، دون أن تستثمر الجهد المهدر في ذلك لصالح التقدم خطوة للأمام من أجل دراسة الوضع الحالي، ورصد أبعاده وآلياته، ومن ثم فإن الحركة النقدية قد تستغرق زمنا من أجل استيعاب أو قبول هذا الفن، وعلى الرغم من ذلك فقد نجح أصحاب هذا الفن في استثمار تكنولوجيا التواصل الاجتماعي لمناصرته، وتكونت جماعات أدبية بتسميات مختلفة تنتمي إلى القصة القصيرة جدا، في بيئة الواقع الافتراضي عبر الإنترنت، والخلاصة أن هذا الفن لم يستطع النقد أن يتعامل معه بالدرس التحليلي كما يجب وما يزال الباب مفتوحا لرصد أبعاده وتحديد جمالياته».
فيما يرى الدكتور شريف عابدين، ممثل الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا في مصر، ومؤلف «القص الوامض من حصار المبنى إلى أفق المعنى» أن القصة القصيرة جدا فن راسخ في الغرب ومعترف به في العالم العربي كله. ويرى أن هنالك تجارب هامة في المغرب العربي تعتبر تأسيسية في هذا الفن حيث تكونت رابطة القصة القصيرة جدا، ومن أبرز الكتاب: حسن بقالي وجميل حمداوي وعز الدين المعزي، وحميدة كاتا ومسلك ميمون، والتي أثرت هذا الفن كما أن هناك عدة تجارب فردية في دول المشرق، في مصر وفلسطين وسوريا والسعودية، فمثلا في سوريا: أحمد جاسم السيد، ويوسف حطيني، وهم من المؤسسين، وفي مصر: منير عتيبة». ويرجع عابدين السبب في ذلك إلى تأثر فن القص المغربي بالثقافة الإسبانية والفرنسية التي ترسخ فيها هذا الفن بقوة. ويوضح عابدين أن وجود تجارب غير ناضجة استسهلت هذا الفن وشوهت صورته وجعلت النقاد ينفرون منه وبالتالي جمهور القراء. أما عن التسميات المرتبطة بـ«ق ق ج» كالقصة «التويترية»، فيقول: «إن لها شروطا أكثر صرامة من الـ(ق ق ج) ما يجعلها مفرطة في التكثيف وهي تكون في حدود 140 كلمة، بينما القصة الومضة تكون في حدود مائة كلمة، أما القصة القصيرة فتكون في حدود ألف كلمة، والقصة الطويلة في حدود عشرة آلاف كلمة. فالتكثيف والإضمار والإيحاء من معالم هذه القصة التي تتجه مباشرة إلى قلب الحدث أو جوهر السرد، وهنا تتسم الصورة السردية بالديناميكية في ظل وجود آليات تخييلية للتغلب على قلة الإمكانات المادية، وآليات للتغلب على تقلص الزمان والمكان». ويؤكد عابدين أن كثيرا من الكتاب يظنون أن التحدي في عدد الكلمات أو الأحرف فقط إلا أن التحدي الخاص بالقصة القصيرة جدا هو في أن اكتمالها يتم مع القارئ، فهو الذي يتخيل الحكاية بشكلها الأرسطي المقدمة والعقدة والحل من خلال الكلمات التي صاغها القاص.. وخصوصيتها في أنها تمد جسور التواصل بين السارد والمتلقي، فهي فعلا تجسد مستقبل السرد».
وتلفت القاصة هناء عبد الهادي إلى أن فن القصة القصيرة جدا يعاني من معضلة التلقي، سواء على مستوى النقاد أو على مستوى القراء، قائلة: «معظم جيل النقاد الحاليين ينتمي للجيل القديم الذي يعتمد الرواية كفن السرد الأول، وهو مقبول لدى الشعوب العربية التي تعشق فن الحكي». وتؤكد على أن «القصة القصيرة جدا هي فن مستقل بذاته عن القصة القصيرة وليست اختزالا لها، فهي تمثل تطورا يعكس تطور العصر التكنولوجي والسرعة في كل شيء، و(ق ق ج) خلقت جسورا من التواصل مع الجيل الجديد فهي تجعل السارد يصل لهم ويتحدث معهم بطريقتهم ويجذبهم للقراءة»، وتلقي عبد الهادي اللوم على النقاد في تجاهلهم للقصة القصيرة جدا بل والتشكيك فيها وكونها جنسا أدبيا مستقلا، وتقول: «لا بد أن نعترف أن الزمن يتطور وكل الفنون الأدبية والفنية تغيرت وتطورت فالقصيدة تطورت والفن التشكيلي تطور كذلك تمثل الـ(ق ق ج) تطورا إبداعيا أخذ قالبا جديدا» وتؤكد أن «أهم ما يميز القصة القصيرة جدا هو التكثيف والاختزال والمفارقة فكل حرف وكل علامة ترقيم موظفة كليا لخدمة النص». أما الناقد المخضرم شوقي بدر يوسف فيصف القصة القصيرة جدا بأنها «الطفل المدلل على الساحة الأدبية فهي تحقق المتعة لدى الكاتب والمتلقي»، إلا أنه يرى أن خطوة اعتماد جائزة من الدولة المصرية لها أمر سابق لأوانه لأنها لم تحقق قاعدة كتاب كبيرة بعد، ويقول: «علينا أن نخصص عدة جوائز تساهم في اكتشاف كتاب مبدعين في هذا المجال ثم تتوج إبداعاتهم فيما بعد بجائزة الدولة».
ويشير بدر إلى أنه لا توجد ثمة اختلافات كثيرة بين «ق ق ج» و«التويترية» و«الومضة» و«الشذرة» فهي في النهاية لها نفس الشكل السردي، إلا أن الاختلاف يظهر عند تأصيلها في المشهد السردي ورؤية الكاتب نفسه. ويشير إلى أن «القصة القصيرة جدا موجودة بشكل جيد جدا في العالم العربي وفي مصر أيضا، لكن ينبغي على الحركة النقدية مواكبة تقدمها وإقامة مؤتمرات علمية لها».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.