كونفشيوس ورقي الفرد وسعادة المجتمع

غاية الفعل الأخلاقي تحقيق هدف عظيم جدًا

* أستاذ فلسفة
* أستاذ فلسفة
TT

كونفشيوس ورقي الفرد وسعادة المجتمع

* أستاذ فلسفة
* أستاذ فلسفة

لا بد أن تمر الحضارة، أية حضارة، في مرحلة معينة من تاريخها، بوضع تتهدم فيه الأخلاق وينحل فيه المجتمع. ويبدأ الناس حينئذ في طرح السؤال حول الأسباب والبواعث والحلول، من أجل النهوض من جديد. في هذه المرحلة، لا بد أن تكون قيم الحضارة قد انهارت، وتهاوت المبادئ التي حملتها لمدة طويلة وأقامت لها أسسا وأركانا. مما يجعل إعادة طرح السؤال حول الأخلاق، والعمل على إعادة تقويمها، أمرا ملحا بهدف بناء مجتمع سليم، والبحث عن حياة سعيدة.
عاشت الحضارة الصينية القديمة هذا الوضع، في الفترة المعروفة بالربيع والخريف، التي بدأت نحو القرن العاشر قبل الميلاد، حين كان البلد في حالة اضطراب دائم، والسلطة في تغير مستمر، والاقتصاد في أزمة كبيرة، حيث لم تستطع الدعاوى تغيير الوضع الراهن. وإذا كان كل تراجع يبعث من رحمه منقذا، فقد مثل كونفشيوس الرجل الذي حمل على عاتقه إعادة تقويم البناء الصيني المتهاوي.
عاش كونفشيوس (551 – 479 ق.م) في مقاطعة لو. وهي مقاطعة إقطاعية حمتها الجبال بممراتها المنيعة من هجوم الجيران، وحمل اسمها اسم الجبل الذي كانت أمه تصعد عليه للصلاة قبل أن تحمل به. كان أبوه طاعنا في السن، وتوفي تاركا إياه في المهد من دون حماية، أو وضع اجتماعي محترم. إلا أنه ثقف نفسه بسبب عمله وقربه من القصور، حيث كان النبلاء يحتكرون المعرفة. وساعده قربه من معاناة الناس، على رؤية العالم مفككا يبعث على الحزن، يستدعي إدخال تعديلات فعالة. وعرف أنه لا يمكن الخروج من هذا الوضع، إلا عن طريق العلم، والأخلاق، والتوازن، والنبل، حيث يحيا الفرد والمجتمع حياة هادئة سعيدة.
أقام كونفشيوس بناء أخلاقيا متينا، يقوم على جوهر المجتمع وهو الفرد. حيث اعتبر تحقيق خلاص الدولة والمجتمع غير ممكن إلا من خلال الرقي بالفرد، والبحث عن «الرجل النبيل في داخله»، مؤكدا أنه كائن أخلاقي في المقام الأول. ومؤمنا بضرورة إرجاع الفرد إلى فطرته الإنسانية الحقة، وتهذيب ذاته بهدف إصلاح المجتمع، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين. فالنبل الأخلاقي ليس حكرا على طبقة معينة أو أفراد بعينهم، كما كان معروفا في زمنه، حيث كان صفة لا تتمتع بها إلا الأرستقراطية. بل اعتبر على العكس تماما، أن أصحاب الامتيازات، غالبا ما يسلكون سلوك الحمقى أو الحيوانات. وبالتالي فالنبل، بالنسبة له، من حق الجميع، وبإمكان كل فرد تحصيله، لو كان سلوكه بعيدا عن الأنانية فقط، وما دام الفرد ليس خيرا بطبعه وليس شريرا بطبعه، وإنما إمكانية للتخلق، كبذرة لها إمكانية الإزهار في حال وجدت الظروف الجيدة.
ويفرض هذا بالضرورة، العمل على التربية والوعي والتركيز على القلب، والقدرة على التمييز بين الخير والشر، وخلق داخلنا الرجل النبيل المتحرر من كل الشرور، التي تعيقنا عن الهدوء والتناغم، وبالتالي السعادة. إلا أن هذا لا يتم إلا عندما يتحمل الفرد مسؤوليته، ويصبح قادرا على أن يصبح أفضل مما هو عليه الآن. فطرح كونفشيوس، تبعا لذلك، ولأول في تاريخ الصين القديمة، فكرة الإرادة الإنسانية، حيث يتوجب على الفرد البحث عن الخطأ في ذاته لا خارجها، ملغيا بذلك سلطة السماء وتحملها أخطاء البشر، والإرادة الإنسانية، هي البداية من أجل الوصول إلى الكمال. من هنا سينبثق كذلك، مفهوم الحرية في أداء القانون، لتصبح شرطا من شروط الفضيلة. يقول كنفوشيوس: «دع مبدأك يقُدْك لأن تفعل أفضل ما في وسعك للآخرين. كن فاضلا في كل ما تقوله وقد نفسك تجاه الصواب». ويرى كونفشيوس كذلك، أن أداء القانون يجب ألا يرتبط بمنفعة أو لذة، وإلا فقد عموميته. وهو هنا، يتفق مع كانط، في اعتبار القانون الأخلاقي ثابتا في كل فرد. لذلك فإن الفرد يشعر بسعادة عند الالتزام به، لأنه يتفق وطبيعتنا الإنسانية، وهو يؤدي إلى الانسجام مع العالم، عن طريق إدراك القانون الأخلاقي الكامن فينا، والكامن في أجزاء العالم. فعندما ينسجم الفرد، فكل شيء يتجه نحو الانسجام العالمي، وينعكس على الفرد فيجعله سعيدا. والأفراد السعداء، يجعلون المجتمع سعيدا. أما الأفراد المضطربون، فيجعلونه كذلك مضطربا. ولا يقتصر هذا الاضطراب على المجتمع وحسب، بل يتعداه إلى العالم المحيط، والعالم الذي نعيش فيه. في إشارة إلى فلسفة بيئية أصيلة. يقول كونفشيوس: «دع حالات الانسجام والاتساق تسُدْ، عندئذ فإن النظام سوف يسود داخل السماء والأرض، وسوف تتجه كل الأشياء نحو الازدهار والكمال».
لم يكتف كونفشيوس بالحديث عن نسقه الأخلاقي وحسب، وإنما عمل على تأسيس قواعد للقيام به، فتحدث عن «الحد الوسط»، وهو الطريق الذي يخلق التوازن داخل الفرد، بعيدا عن أي إفراط أو تفريط في الحياة، «الوسط نبيل حقا كالفضيلة الأخلاقية، إلا أنه نادرا ما تدركه العامة لمدة طويلة». من دون الوسط، يصبح القانون الأخلاقي فاقدا للفاعلية. فأهميته تكمن في تحقيق التوازن بين الجانب العقلي والجانب الوجداني، فلا سعادة من دون هذا التوازن الذي يمكن الحصول عليه بواسطة التهذيب والتربية. وهو لا يعني مجرد وسط بين الجانبين وحسب، وإنما يتضمن البعد عن أي شكل من أشكال الانحراف الخلقي، ويعطينا الفعل الفاضل المعتدل، فلا نحتاج إلا إلى اتباع الطريق «الطاو» من أجل تحصيل السعادة.
غاية الفعل الأخلاقي هي تحقيق هدف عظيم جدا، أي تحقيق أكبر قدر من السعادة والخير للآخرين. «عندما تتعامل مع الآخرين، فقدم أفضل ما عندك»، أي إن المنفعة التي يراد الحصول عليها هنا، هي منفعة ذات طابع اجتماعي وشمولي. الرجل الفاضل هو من يرغب في تثبيت أقدام الناس، كما يرغب في تثبيت قدميه. وهو تصور كنفشيوسي، يؤمن بأن الإنسان هو، في جوهره، كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش حياته إلا وسط المجموع. فالأفراد متساوون، ولا تناقض في أن يتخذوا مقاييس لبعضهم. وهكذا حرص كونفشيوس منذ البداية، على ألا تكون تلك القيم مفرطة في مثاليتها وتجردها، وإنما أن تكون قيما علمية تعمل في صياغة سلوك الفرد تجاه ذاته وتجاه الآخرين، أكثر من مجرد كونها قيما يحملها الفرد من دون وعي، أو من دون أن تمارس تأثيرا في سلوكه. بل هي قواعد عملية تأخذ على عاتقها، مهمة العمل على إيقاظ الحساسية بالقيم لدى الناس، والمشاركة في تربية الإنسانية وفقا لمبادئ كونفشيوس.
إيجازا وتوضيحا، يمكن القول إن فلسفة كونفشيوس العملية تتمحور حول أربع فضائل رئيسة تتشعب عنها كل القيم الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها الفرد حتى يصل إلى الكمال الإنساني:
- فضيلة جين: الخيرية، الإنسانية، الصدق، الإخلاص البشري. وهي سمة خاصة بالطبيعة البشرية، تجعل الفرد يولد، منذ البداية، ولديه شعور بأنه كائن اجتماعي، وخلق ليعيش مع الجماعة. وهي تلك الحاسة التي تتولد كمنبه، من أجل توجيه نظر الإنسان إلى ذاته، بوصفه إنسانا اجتماعيا، يحمل مشاعر تؤهله للعيش مع الآخرين والشعور بالإنسانية ككل.
- فضيلة الاستقامة: وتدفع الفرد إلى الالتزام بكل ما هو مستقيم فقط. وهي من الصفات التي يجب أن يتصف بها الرجل النبيل، مهما كانت الظروف. وهي ضد الخداع وضد أن يتظاهر الفرد بما ليس فيه.
- فضيلة طاعة الأبناء: ترتبط طاعة الأبناء كثيرا بمفهوم الجين. فهي في نظر كونفوشيوس، تشكل جذور الإنسانية. ولما كانت الإنسانية هي أسمى قيمة للسلوك الأخلاقي، فإن طاعة الأبناء وما يرتبط بها من فضيلة الحب الأخوي، تمثل الأساس لكل الفضائل الأخرى، حيث يشير إلى حالة المشاركة الحسية والروحية داخل الأسرة. وهي قيمة يمكن أن تمتد إلى كل العلاقات الاجتماعية لترتبط بالحاكم، وتمتد إلى قلب الإنسانية، وتربط بين الأجيال مهما اتسعت السنين.
- فضيلة «لي» الطقوس: مبدأ نظام اجتماعي يمنع ظهور الفوضى الاجتماعية والأخلاقية، كما تمنع السدود الفيضان. السلوك الإنساني يعتمد على قواعد للسلوك، وضعت في أحداث سابقة، فأثبتت جدارتها على مر الأجيال، أهميتها تكمن في شعور الفرد بأن سلوكه الخارجي في حاجة إلى ضبط، حتى لا يتخطى ما هو صحيح، حيث يتسق ويتوازن الفرد مع الموقف الذي هو فيه، فيقول: «إن الحديث البارع المنمق وأسلوب التظاهر والادعاء، نادرا ما ينسجمان مع المطبوع على عمل الخير».
لا يمكن أن نوفي كونفوشيوس حقه في هذا المقال القصير، لأن فهم مذهبه يتألف بشكل مترابط من عناصر متعددة، لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، هي الفرد الفاضل الذي لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق التربية الفاضلة. وهذه تحتاج إلى أسرة صالحة. إلا أن هذه الأسرة لا يمكن لها أن تؤدي وظيفتها، إلا في حال وجود حاكم فاضل يوفر شروط الهدوء والسعادة لشعبه. والدولة السعيدة تحافظ على بيئتها ومحيطها جميلين أنيقين. والحاكم هو الآخر، لا يمكن أن يؤدي مهمته إلا في حال وجود أفراد متزنين. هنا نعود إلى الفرد وإلى بداية الحلقة. فكل عنصر عند كونفشيوس إلا ويؤدي مهمة معينة، غايتها الأساسية، هي سمو الفرد وسعادة الجماعة.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.