أهالي ضحايا «الوراق» بمصر يروون لـ«الشرق الأوسط» وقائع الهجوم المسلح على حفل زفاف بالكنيسة

بعضهم قال إن الحادث يعكس أزمة المسيحيين مع الصراع السياسي في مصر

أهالي ضحايا «الوراق» بمصر يروون لـ«الشرق الأوسط» وقائع الهجوم المسلح على حفل زفاف بالكنيسة
TT

أهالي ضحايا «الوراق» بمصر يروون لـ«الشرق الأوسط» وقائع الهجوم المسلح على حفل زفاف بالكنيسة

أهالي ضحايا «الوراق» بمصر يروون لـ«الشرق الأوسط» وقائع الهجوم المسلح على حفل زفاف بالكنيسة

تلقى رمزي سمير مكالمة هاتفية وهو في طريقه إلى حفل زفافه، تخبره أن مسلحين مجهولين أطلقوا النار على المدعوين في كنيسة «العذراء والملاك»، بحي الوراق في الجيزة، التي كان مقررا أن تجري فيها مراسم زواجه. على عجل عدل الشاب المسيحي برنامجه، منتقلا بعروسه الشابة كاترين خليل، إلى كنيسة أخرى، متمما عُرسه، بينما اضطربت مشاعر الحضور بين الحزن والفرح.
لم يعلم سمير أن أربعة من أقاربه وأصدقائه قد لقوا حتفهم في الحادث، بعد أن أخفى عنه ذووه الأمر مؤقتا. ويقول المراقبون إن الحادث يعكس أزمة مسيحيي مصر مع الصراع السياسي في البلاد، الذي تدور رحاه بين التيار الإسلامي، وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين، والتيارات المدنية الأخرى، خاصة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي.
كانت أجواء البهجة تحيط بالكنيسة، والمدعوون يتوافدون لحضور حفل الزفاف، وفجأة قام شخصان ملثمان يستقلان دراجة بخارية، مساء أول من أمس (الأحد)، بإطلاق أعيرة نارية من سلاح صوب عشرات الأشخاص الذين كانوا أمام الكنيسة في انتظار وصول العريس وعروسه، مما تسبب في مقتل أربعة أشخاص، من بينهم طفلة (12 عاما)، وإصابة 18 آخرين، جرى نقلهم إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج، بينما ينتظر أهالي الضحايا تشييع جنازة قتلاهم في وقت لاحق.
ويشعر ذوو الضحايا ومسؤولو الكنيسة، الذين التقتهم «الشرق الأوسط» في زيارة لموقع الحادث المروع، بأن «المسيحيين في مصر أصبحوا الحلقة الأضعف في الصراع السياسي الدائر بالبلاد بين سلطة الحكم القائمة وجماعات متطرفة تعمل على إيصال رسالة معينة للحكومة بأنها حاضرة وبقوة، من خلال استهداف المسيحيين والكنائس، ومن أجل إجبارها على الانصياع إلى مطالبها».
وبدموع منهمرة لا تتوقف، تصف زوجة سمير عازر، أحد القتلى، الهجوم، بأنه «إرهابي قام به متشددون لا يريدون الخير لهذا الوطن»، وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك صراعا يدور حاليا بين قوات الأمن في الحكومة القائمة وهؤلاء الإرهابيين الذين يجدوننا الطرف الأضعف في المعادلة السياسية، ويريدون إحداث فتنة في البلد بين المسلمين والمسيحيين»، وذلك قبل أن تختصر فتاة تجلس بجوارها تدعى منى حلمي ذلك بمثل شعبي مصري، قائلة: «نحن الحيطة المائلة».
وتتابع السيدة الأربعينية (زوجة عازر) قائلة: «نحن من عائلة مسيحية فقيرة تسكن قرية الكوم الأحمر بالجيزة المجاورة لحي الوراق، وأتينا إلى هذه الكنيسة لإقامة حفل الزفاف بها لكبر مساحتها. وقد دعونا للحفل جميع الأصدقاء والأهل مسلمين ومسيحيين، ولكن لم نكن نعلم ما يخفيه القدر لنا». وطالبت بتطبيق القانون بقوة وبحسم على «هؤلاء القتلة والمجرمين حتى يجري ردعهم».
ومنذ عزل مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان، تضرب البلاد موجة عنف ومواجهات دامية بين قوات الأمن ومؤيدين للرئيس المعزول من أنصار التيار الإسلامي، قتل خلالها المئات، خاصة في شبه جزيرة سيناء. كما جرى حرق عشرات الكنائس بعد الهجوم عليها ممن يعتقد أنهم من أنصار الرئيس السابق، معظمها يقع في صعيد مصر. لكن هجوم كنيسة الوراق يعد الأول من نوعه على كنيسة في العاصمة القاهرة منذ سنوات.
ويقدر عدد المسيحيين المصريين بنسبة تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 85 مليون نسمة. وفي تقرير صدر مؤخرا عن منظمة العفو الدولية، ذكر أن «قوات الأمن المصرية فشلت في حماية المسيحيين الذين تعرضوا لهجمات بعد فض اعتصام لأنصار مرسي في أغسطس (آب) الماضي».
وتقع كنيسة «العذراء والملاك» بحي الوراق الشعبي المجاورة لمنطقة إمبابة، في محافظة الجيزة (غرب القاهرة)، يجاورها من جهة اليسار مسجد كبير - كعادة معظم كنائس مصر. ويفصل واجهة الكنيسة عن كورنيش نهر النيل شارع عمومي مزدحم دائما بالسيارات العابرة في الاتجاهين، مرّ من خلاله الشخصان المجهولان بالدراجة النارية وأطلقا النار على الضحايا.
وتقول السيدة رخا (شاهدة عيان) إن «الشارع أمام بوابة الكنيسة معروف دائما بازدحامه بالسيارات، لكن وقت الحادث كان الطريق خاليا إلا من الدراجة النارية التي كان يستقلها الجناة»، متسائلة: «كيف جرى إخلاء هذا الطريق؟ وكيف استطاع الجناة الهرب وسط هذه المنطقة المزدحمة؟».
ويشير عماد إبراهيم (أحد منظمي الدخول بالكنيسة) إلى أن «الحادث وقع في غيبة قوات الأمن تماما، حيث لم يوجد أي شرطي يؤمّن الكنسية مثل باقي الكنائس في مصر».
وتضع وزارة الداخلية عادة أفراد شرطة مسلحين لحماية الكنائس. لكن - وكما يقول إبراهيم: «منذ أن جرى إحراق قسم الوراق في 30 يونيو (حزيران) الماضي، أثناء المظاهرات التي أعقبت عزل مرسي، يشهد حي الوراق غيبة لقوات الشرطة التي انتقل أفرادها إلى قسم إمبابة المجاور، الذي يبعد عن الحي بضعة كيلومترات».
ويتابع: «الجناة أطلقوا النار علينا بشكل عشوائي أثناء انتظار حضور سيارة العروسين، فحدث هرج بالمكان قبل أن يفرا هاربين»، وأضاف أن «الحادث هو الأول من نوعه في هذه المنطقة التي لم تشهد أعمال عنف طائفي من قبل».
وتشهد الكنيسة حاليا وجودا مكثفا لقوات الشرطة التي أحاطت بها من كل اتجاه، كما تعمل جهات البحث الجنائي على تعقب الجناة.
وكان مصدر أمني بمديرية أمن الجيزة قد أكد أن «أجهزة الأمن تستمع الآن لأقوال أسر المجني عليهم وصاحب حفل الزفاف حول الحادث، وتقوم أجهزة الأمن بفحص علاقاتهم مع آخرين، للتأكد من كون الحادث جنائيا أو سياسيا». وأضاف المصدر أنه جرى ضبط أربعة أشخاص من المشتبه بهم، ويجري التحقيق معهم بمعرفة فريق المباحث الذي يشرف عليه اللواء مجدي عبد العال مدير المباحث الجنائية، والعميد مصطفى عصام رئيس مجموعة الأمن العام بالجيزة.
من جانبه، قال القمص داود إبراهيم راعي كنيسة الوراق لـ«الشرق الأوسط» إن «الهدف من العملية الإرهابية إثارة الفزع والرعب بين المسيحيين»، مؤكدا أن القضية ليست غياب الأمن عن الكنيسة.
وقال إن «مقرات الجيش والشرطة أيضا يجري ضربها»، ودعا المسلمين والمسيحيين إلى «مواجهة الإرهاب عبر التكاتف والدعاء، من أجل استعادة الأمن والأمان في مصر».
وأشار القمص إلى أنه «لم يكن يتوقع مثل هذا الحادث»، وأثنى على «العلاقة القوية بين المسيحيين والمسلمين في المنطقة بشكل عام»، وقال: «عادة ما تحل أي أزمات بطرق ودية وعبر النقاش».
وكانت آخر حادثة اعتداء من قبل من يعتقد أنهم سلفيون على كنيسة مجاورة مشهورة باسم «كنيسة شارع الوحدة»، قد وقعت قبل عامين، أعقبها اعتداء مسيحيين على مشتبه فيهما في ذلك الوقت، إلا أن الكنيسة قامت بتعويضهما ماديا. لكن البعض أصبح يرجح أن يكون سبب الهجوم المسلح على كنيسة الوراق الليلة قبل الماضية عملية انتقامية للحادثة السابقة التي وقعت قبل عامين.
ويتذكر وقيم متري (محامي الكنيسة) الواقعة التي جرت قبل عامين، عندما اعتدى سلفيون على «كنيسة شارع الوحدة»، بحي إمبابة المجاور، قائلا إنه بعد الحادث القديم، وأثناء سير شابين ملتحين في الطريق أمام كنيسة العذراء بالوراق، اعتقد شبان مسيحيون في ذلك الوقت أنهما تابعان للجناة الذين اعتدوا على كنيسة شارع الوحدة، فجرى الاعتداء عليهما، قبل أن تعوضهما الكنيسة ماديا وتقدم اعتذارها عن الواقعة. وأضاف متري: «ربما كان هذا من قبيل الثأر».
وقال متري لـ«الشرق الأوسط»: «الوراق مثل كثير من الأحياء الشعبية بالجيزة يشهد أحيانا أعمال بلطجة وعنف من قبل خارجين عن القانون، لكنه نادرا ما يشهد أعمال عنف طائفي، حيث يتعايش الجميع في سكينة وأمان».
وخرج معظم مسيحيي مصر ضمن مظاهرات 30 يونيو (حزيران) الماضي، التي أطاحت بمرسي عن الحكم، مما أثار حفيظة الإسلاميين، الذين اتهموا المسيحيين بأنهم الضلع الرئيس المسؤول عن عزله بالتحالف مع من يسمونهم بـ«العلمانيين والليبراليين».
وتقول السيدة نادية (من أقارب الضحايا): «منذ عزل مرسي ويحملنا الإسلاميون مسؤولية الإطاحة به.. لكن يجب أن يعلموا أننا خرجنا مع بقية الشعب للتعبير عن رفضنا لاستمراره، بسبب فشله في إدارة البلاد وتوفير الأمن والرخاء الاقتصادي لنا كما وعد بنفسه».
وتضيف نادية: «لا يعنينا من يحكم.. فقط نريد حاكما عادلا يطبق القانون ويحاكم الجناة». وتابعت: «أزمة مسيحيي مصر أنه لم يجرِ معاقبة المتهمين في كل الحوادث السابقة».
في المقابل، نفت الأحزاب والجماعات الإسلامية علاقتها بالحادث، قائلة إنها ترفض أعمال العنف، وأن مطالبتها بـ«عودة مرسي للحكم» تجري فقط من خلال التظاهر السلمي.
وحمل تحالف تقوده جماعة الإخوان وزارة الداخلية المسؤولية عن الحادث، بسبب «عدم تفرغها لتحقيق الأمن للمواطن المصري، وانشغالها بملاحقة المتظاهرين السلميين والطلاب داخل الحرم الجامعي»، في إشارة إلى الاشتباكات التي اندلعت خلال اليومين الماضيين في جامعة الأزهر بين طلاب جماعة الإخوان وقوات الأمن.
وأدان حزب النور (السلفي) الحادث، وقال شريف طه المتحدث الرسمي باسم الحزب إن «الاعتداء على الكنيسة وقتل شركاء الوطن مخالف للشرع»، مشددا على حرمة إراقة الدماء سواء للمسلمين أو للأقباط، وأوضح أن «هذا الحادث يؤدي إلى فتنة تعصف بأبناء الوطن أجمع»، مطالبا الدولة بسرعة الكشف عن مرتكبي هذه الجرائم وتقديمهم للعدالة.
وعبر كل من شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية عن استنكارهما للحادث، ووصفا الهجوم بأنه «تصرف إجرامي ينافي الدين والأخلاق».
وعلى المستوى الرسمي، وجه رئيس مجلس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي بضرورة توفير الرعاية الطبية العاجلة للمصابين، معربا عن خالص تعازيه لأسر المتوفين، وأكد أن الجهات الأمنية تقوم حاليا بجهود لكشف ملابسات الحادث وسرعة القبض على مرتكبيه.
ووصف الببلاوي الحادث بـ«الآثم»، وقال إنه «عمل إجرامي خسيس»، كما أكد على أن «مثل تلك الأفعال النكراء لن تنجح في التفريق بين عنصري نسيج الوطن؛ مسلميه ومسيحييه، وأن الحكومة تقف بالمرصاد لكل المحاولات البائسة واليائسة لبث بذور الفتنة بين أبناء الوطن».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.