التصدي بنجاعة لمخاطر الإرهاب في أفريقيا يهيمن على ندوة أصيلة الأولى

خبراء راهنوا على السلام والديمقراطية والتنمية للقضاء على مخاطره والإقليمية الضيقة

التصدي بنجاعة لمخاطر الإرهاب في أفريقيا يهيمن على ندوة أصيلة الأولى
TT

التصدي بنجاعة لمخاطر الإرهاب في أفريقيا يهيمن على ندوة أصيلة الأولى

التصدي بنجاعة لمخاطر الإرهاب في أفريقيا يهيمن على ندوة أصيلة الأولى

أجمع المشاركون في الجلسة الختامية ندوة أصيلة الأولى «الوحدة الترابية والأمن الوطني.. أي مآل لأفريقيا» على أن المراهنة على تضافر الجهود من أجل السلام والديمقراطية والتنمية والحكم الرشيد هي السبيل الوحيدة التي من شأنها أن تمكن الأفارقة من التصدي بنجاعة لمخاطر الإرهاب والإقليمية الضيقة (الحدود الوطنية).
ولخص الخبير السنغالي أليون سال، المدير التنفيذي لمعهد مستقبل الأفارقة في بريتوريا، الذي أدار جلسة أول من أمس، مجموع مداخلات المشاركين في الندوة في قوله: «يمكننا القضاء على الإرهاب، إن كان من المستحيل استئصاله جذريا، وعلى مشاكل الإقليمية الضيقة شريطة تحمل المسؤولية بتشكيل معسكرات للسلام والديمقراطية والتنمية».
وأضاف أن المشاركين في ندوة أصيلة أبرزوا أنه لا بديل عن التحالف الوثيق بين الفاعلين الدوليين وغير الدوليين من أجل مواجهة الإرهاب وتفكيك خلاياه، وهو أمر «يمر بالضرورة عبر مقاربات أمنية وأخرى غير أمنية».
وشدد سال، في عرضه الاختزالي لأشغال جلسات الندوة، على ضرورة أن «يحافظ الأفارقة على جوهرهم الداخلي بقبول التغيير»، داعيا إلى «أخلاقيات للمستقبل» لا يقودها رجال سياسة «ينحصر همهم في الانتخابات المقبلة»، وإنما رجال دولة، بالمفهوم الحقيقي: «منشغلون بالأجيال المقبلة».
وفي مواجهة إشكالية الإرهاب، أوضح الخبير السنغالي أن المتدخلين أكدوا أن «أفريقيا ليست معزولة»، محملا مسؤولية مخاطر الإرهاب المستفحلة لقوى عظمى تنتج الأسلحة المدمرة وتسوقها في عدد من بلدان القارة.
في سياق ذلك، انتقد محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير خارجية المغرب الأسبق، سلبية هذه الدول الكبرى التي لم تأخذ مأخذ الجد الخطر الإرهابي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباقي بلدان القارة الأفريقية إلا عندما تهددها الإرهاب في عقر ديارها.
وأكد بن عيسى، وهو أيضا رئيس بلدية أصيلة، أن التمويل هو مظهر آخر لا يقل أهمية إن لم يزد، عند التطرق لموضوع الإرهاب، وقال إنه «لا توجد حركة أو مجموعات إرهابية يمكنها أن تبقى من دون مال».
من جهة أخرى، وفيما يخص أفريقيا، أوضح بن عيسى أنه «لا يمكننا أن ننكر أنه في المنطلق، قام كثير من البلدان بتشجيع الإرهاب». وأشار إلى أن الأمر هو ذاته بالنسبة للحركات الانفصالية في بلدان شرق أفريقيا وإريتريا والوضع في السودان وحركة «الشباب» في الصومال.
وأبرز بن عيسى أن «دولا شاركت، بطريقة لا مسؤولة، بشكل مباشر أو غير مباشر في تشجيع الإرهاب لأسباب تافهة، كان من نتائجها بروز جماعات إرهابية من قبيل بوكو حرام»، مشيرا إلى غياب مبادرات جدية على الصعيد الأمني والتسليح والعلاقات بين الدول من شأنها أن تؤدي إلى التضامن المرغوب فيه لمواجهة هذه الظاهرة.
بدورها، أثارت الباحثة المصرية أماني الطويل، مديرة الوحدة الدولية والبرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عضو المجلس المصري للشؤون الأفريقية، مسؤولية الفاعلين غير الرسميين في تشجيع الإرهاب، وبالأخص الشركات متعددة الجنسيات التي تدفعها مصالحها الاقتصادية إلى دعم بعض الأنظمة أو دعم مطالب انفصالية تهدد الحدود الوطنية.
وعرف السفير موحى وعلي تاكما، مدير مديرية الشؤون الأفريقية السابق بوزارة الخارجية المغربي، الإرهاب بكونه وسيلة تعبير عنيفة تقوم بها أقلية من أجل فرض وجهة نظرها أو مواجهة الآراء السائدة على حيز ترابي، مضيفا أنه يتعين على السلطة السياسية أن تتخذ التدابير الضرورية كي لا يتفتت الإجماع الوطني والاجتماعي في البلد.
ورأى تاكما أنه كلما كان الفارق في الثروات بين المجتمعات واضحا تمظهر العنف، ومن هنا تأتي، في نظره، أهمية «إيجاد توازن بين الحداثة والأصالة» انطلاقا من مبدأ أنه «إذا انفتحنا بشكل مبالغ فيه نذوب، وإذا انغلقنا بشكل مبالغ فيه نختنق».
واعتبر سيليستين كريستيان تسالا تسالا (الكاميرون)، المتخصص في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية، من جانبه، أن الإرهاب هو «فيروس» انتقل إلى أفريقيا، حيث تقليد المجتمعات التي تعيش بشكل جماعي.
وأضاف تسالا تسالا، رئيس قسم التخطيط والتنمية وعميد جامعة ياوندي، أن هدف المجموعات الإرهابية من قبيل «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و«داعش» هو السيطرة على القارة برمتها، مشددا على ضرورة تضافر جهود البلدان الأفريقية من أجل بلورة استراتيجية جماعية لوضع حد لهذه المجموعات مع تأمين مجال سوسيواقتصادي من أجل إدماجها.
في غضون ذلك، أكد الخبير الأفريقي على أهمية التصدي للنظام التربوي من أجل استرجاع الأشخاص المغرر بهم في صفوف الجماعات الإرهابية، وجلهم شباب لا تتجاوز أعمارهم العشرين سنة.
وأبرز السفير الغاني، كوبينا عنان، أهمية الأخذ بالاعتبار مآل الفئات الهشة، خاصة النساء والأطفال، في سياسات مكافحة الإرهاب، معتبرا أن المجتمعات المدنية لها دور كبير يمكن أن تقوم به في هذا الإطار.
وكانت المناقشات قد تمحورت، خلال جلسة سابقة من الندوة ذاتها، سيرها حسن أبو أيوب، سفير المغرب في إيطاليا والوزير السابق، حول قضية الحدود الوطنية من زاويتي اعتبار ظاهرة الإرهاب نفيا للتراب الوطني واعتبار هذا الأخير سيادة للدولة.
وفي هذا الإطار، أكد محمد بنحمو، رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، أنه عند الحديث عن الإرهاب فهو ظاهرة جديدة ولكنه بدأ يأخذ بعدا جديدا في أفريقيا.
وأوضح قائلا: «إننا في طريقنا لنشهد موجة جديدة وانقلابا كبيرا في مفاهيم الأقاليم والفضاءات والأعداء والأمن والدفاع وغيرها»، مشيرا إلى أنه على الدول تكييف عملها ترقبا لعقد قادم سيشكل فيه الأمن «تحديا أساسا».
وحذر بنحمو من أن التوجه الحالي هو في اتجاه «انتشار المجموعات الإرهابية، وهي ظاهرة ستبلغ عددا من الأقاليم، ما يطرح قضية تكيف الدول»، مشيرا إلى أن الإرهاب يتغذى من الفراغ، بما في ذلك الفراغ القانوني وسلطة الدولة.
وقال إن ما يبرهن على ذلك هو الوضع في أفريقيا حيث «توجد أقاليم كثيرة خارج سيطرة الدولة»، مضيفا قوله إن «الواقع اليوم هو تقاسم مجموعات إجرامية السيطرة على أراض تعاني من الفراغ الذي خلفته الدولة».
وعزا خالد الشكراوي، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة محمد الخامس بالرباط، انهيار عدد من الدول في أفريقيا إلى عوامل داخلية وخارجية. وأضاف أن الإرهاب ظاهرة ترتبط ببعدين هما الفضاء الجغرافي والارتباط بالمجموعة.
وشدد الباحث عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل، من جانبه، على أهمية حكامة أمنية تقوم على مقاربة لحقوق الإنسان، معربا عن اعتقاده أن «الأزمة موجودة لكن يجب احترام حقوق الإنسان»، وأن «السلام ليس منافيا للقيم الإنسانية».
في السياق ذاته، استعرضت مديرة البرامج والمشاريع بالمركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، أسماء الصبار، التجربة المغربية التي تدمج حقوق الإنسان في مكافحة الإرهاب.
وأوضحت الصبار، التي تشغل أيضا منصب الأمينة العامة لمنتدى مراكش للأمن الأفريقي، أن الأمر يتعلق بمقاربة أمنية تقوم على تعزيز الحكامة الأمنية في إطار احترام حقوق الإنسان ومكافحة الفقر والفوارق الاجتماعية والإقصاء والدفاع عن قيم التسامح الديني والمواكبة التربوية.
يذكر أن برنامج الندوات والملتقيات لموسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته 38 الذي تنظمه مؤسسة منتدى أصيلة تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، يتضمن ثلاث ندوات أخرى في مواضيع «الحكامة (أو الحوكمة) ومنظمات المجتمع المدني» (21 - 23 يوليو (تموز) و«النخب العربية الإسلامية.. الدين والدولة» (24 - 26 يوليو) و«الرواية العربية وآفاق الكتابة الرقمية» (27 يوليو).



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.