عبد الجليل: ثورات «الربيع العربي» لم تكن إسلامية.. وتيار «الإخوان» استغلها

رئيس المجلس الوطني الليبي السابق يصرح لـ«الشرق الأوسط» أن قانون العزل السياسي استهدف محمود جبريل بالدرجة الأولى

سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})
سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})
TT

عبد الجليل: ثورات «الربيع العربي» لم تكن إسلامية.. وتيار «الإخوان» استغلها

سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})
سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})

في الحلقة الثانية من المقابلة التي أجرتها «الشرق الأوسط» مع المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق في ليبيا، بالعاصمة المغربية الرباط، قال عبد الجليل إن ثورات «الربيع العربي» لم تكن ثورات إسلامية بالدرجة الأولى، ولكنها استغلت من تيار الإخوان المسلمين المنظم، وأشار إلى أنه تبين من خلال السياسة التي انتهجها الإخوان سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أنه لم يعد لديهم قبول في الشارع الليبي أو المصري أو التونسي. واعتبر أن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي أخطأ في تعجل تطبيق سياسة الإخوان بالتمكين قبل الإنجاز مع أنه يفترض أن يتحقق الإنجاز قبل التمكين، كما تدخل في مؤسستين خطيرتين في التاريخ المصري هما المؤسسة القضائية والمؤسسة العسكرية.
وتناول المسؤول الليبي السابق الأيام الأخيرة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومصير ابنه سيف الإسلام وما يتعلق بمحاكمته. كما تطرق إلى مستقبل ليبيا والتحديات التي تواجهها، وموضوع العزل السياسي الذي استهدف شخصيات في العهد السابق، وقال إنه لم يكن مستهدفا به، منتقدا استهداف رموز مثل محمود جبريل ومحمد المقريف.
وحول احتمال العودة إلى المشهد السياسي قال عبد الجليل إن عودته «مستحيلة»، شارحا أنه يمارس الرياضة في مدينة البيضاء (شرق ليبيا) يستمتع بالطبيعة الخلابة في الجبل الاخضر.. وينشغل بالأعمال الخيرية.

* لننتقل إلى الطرف الثاني من المعادلة، هل كنتم تتوقعون ليلة سقوط طرابلس حدوث ما حدث؟ هل كان لديكم تواصل وتأكيدات من الداخل؟
- نعم كان لدينا تواصل مع أن القبضة على طرابلس كانت محكمة، إذ حضر إلينا في المنطقة الشرقية كثرة من أهل طرابلس. ومحمود جبريل أنشأ في ذلك الوقت لجنة سماها «لجنة تحرير العاصمة»، وكانت تعمل انطلاقا من تونس. وكنا على تواصل، بيد أننا لم نكن نتوقع أن تتحرر طرابلس بهذه الفاتورة البسيطة من الدماء. وأود هنا أن أسجل أن هناك شخصا اتصل بي عن طريق هاتف الثريا في شهر مايو (أيار) اسمه البراني إشكال، الذي كان آمر حرس القذافي «كتيبة محمد»، وهي كتيبة مهمة جدا في طرابلس، وكنت أعرفه معرفة سطحية، لكن كان لدي انطباع عنه بأنه رجل متزن وذو عقل راجح.
* وماذا قال لك البراني في ذلك الاتصال؟
- قال لي إنه في اليوم الذي سيقع فيه ما سيقع، سنكون معكم أو سنكون محايدين. كان اتصالا سريعا لا يتعدى بضع ثوان. بعد ذلك تواصل مع محمود جبريل باعتباره موجودا في الخارج.. وكان جبريل يقول لي إن البراني معنا. وفي الوقت الذي كنا نتخوف من أن تكون هنالك خمسمائة سيارة ملغمة، وأنهم سيلغمون طرابلس عن طريق الصرف الصحي، قدر الله أن تحدث الأمور بهذه الطريقة. مع هذا لم نكن نتوقع أن تتحرر طرابلس بهذه السرعة.
* بعد تحرير طرابلس انتقل النظام بسياراته إلى مناطق في الغرب.
- نعم، انتقل إلى مدينتي بني وليد وسرت.
* هل كنتم تتوقعون أن رأس النظام سينتقل إلى مسقط رأسه للدفاع عن نفسه؟
- لم أكن أتوقع ذلك. كنا نتوقع أنه سيهرب إلى الجنوب أو إلى خارج ليبيا، وكنا نتمنى ذلك. ولكن قبض عليه يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، بينما كنت ذاهبا حينها لتفقد الجبهة.. الاندفاع المستميت في سرت جعلني أقرر الذهاب إليها، فاستقللنا طائرة ركاب عادية من طرابلس وهبطنا في مطار مصراتة. ومن مصراتة ركبنا طائرة عمودية، ونزلنا على مشارف خمسين كيلومترا من سرت، حيث ركبنا سيارات وزرنا الجبهة الغربية وثوارها، ثم الجبهة الشرقية وثوارها. كانت مدينة سرت محاصرة حصارا شديدا من طرف الجبهتين، وهي مدينة حديثة وراقية وفيها مبان من طراز عال. كنا نستغرب الدفاع المستميت في المدينة، ولكن عندما ظهر هناك القذافي لم نستغرب ذلك من أولئك الأشخاص الذين دافعوا عن معمر دفاعا مستميتا.
* هل تعتقد أن ذلك الدفاع كان عن شخص معمر القذافي أم عن المنطقة؟
- لا كان دفاعا عن شخصه.
* هل كان يمثل رمزا مناطقيا؟
- طبعا. فهذه القبيلة والمنطقة كانتا لا شيء قبل عام 1969، ومدينة سرت كانت مدينة لا تذكر، بيوتها بيوت بسيطة، إلا أن القذافي أراد لها أن تكون عاصمة فأحدث فيها نقلة كبيرة جدا. ومن ثم جاءها كثيرون من الوافدين من خارج المنطقة واستقروا فيها. وهي الآن من المدن الجميلة. وحتى في ظل الأوضاع الحالية تعد سرت من المدن المستقرة، إذ بدأ الناس يعملون على تنميتها وصيانتها، وفيها شغل لا بأس به وهو ما وفر متطلبات الحياة الأساسية.
* كيف جرى اعتقال سيف الإسلام؟.. هل كنتم على علم بتحركاته؟ وهل عرضتم عليه تسليم نفسه؟
- كنا على علم بأنه في المناطق الحدودية الجنوبية، وأنه خرج من طرابلس إلى بني وليد، ثم حاول التوجه إلى الجنوب. وجاءتنا معلومات بأنه أصيب، وطلب تزويده بطبيب.. وذلك عن طريق شخصيات كانت مقربة منه، لكنها تخلت عنه منذ اليوم الذي توعد فيه الشعب الليبي، وأظن أن من بينهم فيصل الزواوي، الذي اتصل بي من الإمارات، وأخبرني أن سيف الإسلام موجود في المناطق المتاخمة للنيجر، وأنه يطلب طبيبا جراء إصابته في يده. وراودتنا فكرة تدبير طبيب له يكون مزودا بجهاز تعقب يكشف لنا مكان وجوده، بيد أننا صرفنا النظر عن حكاية إرسال طبيب قد يتعرض للخطر، إضافة إلى ان تنفيذ الفكرة كان غير متيسر، فمن هو الطبيب الذي سيرضى بالذهاب إلى الصحراء لمعالجة سيف الإسلام وهو يحمل جهاز تعقب. هذا أمر صعب. ومرت أيام إلى أن فوجئنا بالقبض عليه من خلال مجموعة، حسب ما علمت، دفعت أموالا للعناصر التي كانت تحرسه قبل أن تتخلى عنه.
* اعتقل من قبل من؟
- من قبل بعض ثوار الزنتان.
* وقتها، هل كانت رواية إصابة يده صحيحة؟
- باعترافه هو قال إنه أصيب قبل القبض عليه، وحسب معلوماتي الشخصية التي استقيتها من السيد فيصل الزواوي، عن طريق زميله فوزي عريب الزماط الزواوي، أن سيف أصيب في يده. وعندما اعتقل كان واضحا أنه تعرض لإطلاق نار، والأصابع التي توعد بها الليبيين كانت مقطوعة. البعض قال إنها ربما قطعت عمدا.. لكن سيف لم يذكر ذلك، وإنما قال في اعترافاته إنه أصيب قبل القبض عليه.
* كرجل قانون ما رؤيتك للطريقة التي يجب أن يجري التعامل بها مع هذا الملف، خصوصا أن هناك مطالبة دولية لمحاكمة سيف الإسلام؟
- انطلاقا من نظرة قانونية بحتة فإن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة قضاء تكميلي، والأساس هو أن يحاكم سيف الإسلام في بلده عن الجرائم التي ارتكبها فيه. وإذا أدين بعقوبة أقل من الإعدام أو لم يدن، فمن حق المحكمة الجنائية الدولية أن تتولى محاكمته عن الجرائم التكميلية الأخرى، لأننا نعرف جيدا أن أقصى عقوبة تصدرها المحكمة الجنائية الدولية هي السجن مدى الحياة. إن بقاء سيف الإسلام في ليبيا بقاء قانوني، بيد أنني أؤاخذ ثوار الزنتان على احتفاظهم به ورفضهم تسليمه للسلطات الليبية. وهذا طبعا موقف سجلوه لأنفسهم، وربما عده البعض موقفا سلبيا في هذه الثورة. كذلك أسجل على القضاء الليبي تأخره في محاكمة عبد الله السنوسي (صهر القذافي ورئيس استخباراته) عن الملف الجاهز المتعلق بمذبحة أبو سليم. وسواء تعلق الأمر بملف أبو سليم أو ملف تحريض وتوعد سيف الإسلام الليبيين بالقتل والتهجير، فإنها تهم جاهزة للحكم بالإعدام. وأنا هنا أسجل تراخي وتباطؤ القضاء الليبي في الفصل في هذين الملفين بالسرعة الممكنة تحقيقا للعدالة, وإرضاء للشارع الليبي، وأيضا حسما لخلافات قانونية قد تحدث في المستقبل.
* هناك اليوم جدل بين المراقبين للشأن الليبي مفاده أن ليبيا أمام خيارين: إما إنشاء مجالس المصالحة والمصارحة والتسامح الاجتماعي كما حدث في بلدان مثل جنوب أفريقيا ودول البلقان، والاكتفاء بمحاكمة رجال نظام القذافي الذين يمكن إثبات تهمهم فقط. وإما ملاحقة هؤلاء جميعا, وذلك حتى تسن قوانين العزل السياسي وغيرها. ما رؤيتك في هذا الجدل؟
- الوضع في ليبيا يختلف عما هو عليه في مصر وتونس. الوضع الاقتصادي في ليبيا مريح بعكس الوضع في مصر وتونس.. الذي كان يعتمد بشكل كبير على السياحة التي ضربت بسبب غياب الأمن. في تونس تكمن المشكلة الحقيقية في الاغتيالات السياسية، وخصوصا اغتيالات الرموز السياسية مثل شكري بلعيد. وفي مصر نجد أن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي تعامل خلال فترته الرئاسية التي استمرت نحو سنة بشيء من التخبط. فعلى الرغم من أن نجاحه في الانتخابات جرى بنحو 52% مقابل 48%، فإنه بدأ في تطبيق سياسة الإخوان بالتمكين قبل الإنجاز، مع أنه يفترض أن يجري الإنجاز قبل التمكين. الرئيس مرسي تعجل التمكين، وتدخل في مؤسستين خطيرتين في التاريخ المصري، هما: المؤسسة القضائية عندما أراد الإطاحة بالنائب العام وبعض رموز القضاء في البلاد لإتاحة الفرصة أمام الموالين لحزب الحرية والعدالة، والمؤسسة العسكرية من خلال إطاحته بالقادة العسكريين مثل المشير محمد حسين طنطاوي وإحالة مجموعات كبيرة من قيادات الجيش الى التقاعد. إن المساس بالمؤسستين العسكرية والقضائية، وأيضا تعيينه محافظين من تيار الإخوان المسلمين في مناطق ربما غير محسوبة على التيار الإسلامي، كما حدث في محافظة الأقصر، وهي محافظة معروفة بالسياحة، كلها أمور استعجل بها السيد مرسي ونظام الإخوان، لتمكينهم من مفاصل الدولة في مصر قبل أن ينجزوا أي شيء، وبالتالي حصل ما حصل، ونتمنى للشعب المصري والشعب التونسي السلامة.
أما بالنسبة لليبيا فالوضع مختلف، وسمته الاستعجال وقلة الصبر، وهذا طبعا أربك المجلس الوطني الانتقالي، وأربك الحكومة الانتقالية وأربك أيضا الجسم المنتخب ــــ المؤتمر الوطني العام (البرلمان), إذ لم تمنح الفرصة الكافية للعمل في ظروف مناسبة. هذا الاستعجال وقلة الصبر أعطى فرصة لأتباع القذافي وبعض القيادات الإسلامية المتطرفة لإرباك الأمن الليبي في كثير من القضايا. أيضا على المواطن الليبي حقوق قبل أن يطلب واجبات. الليبيون لا يذهبون إلى العمل بشكل مثالي، ومن يذهبون إليه لا ينجزونه بشكل مثالي. الليبيون اتكاليون ومتعجلون.
مع هذا، عموما، نحن متفائلون بأن ليبيا ستشهد استقرارا ونموا لأن لديها القوة الاقتصادية التي نستطيع من خلالها الوصول إلى ما يطمح إليه أولئك الذين ضحوا في وقت سابق بأموالهم ودمائهم وأرواحهم.
* ألا يساورك قلق من أن يعيد التاريخ نفسه؟ وهل تؤمن بما يقوله البعض بأن ثمة بلدانا لا تصح فيها إلا قيادة شخص قوي؟
- هناك طبعا بعض المفكرين والساسة الدوليين يقولون إن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة العالم الثالث بشكل عام، ليست من المناطق المهيأة للديموقراطية، ولا تشكل بيئة صالحة لها، لأن هذه الشعوب جبلت منذ زمن بعيد وماض طويل على حكم الشخص الواحد. وبالتالي فهذه الدول بحاجة إلى ديكتاتور ولكن هؤلاء يتمنون أن يحكمها ديكتاتور عادل. هذه النظرة جاءت من خلال تعاطي الشباب مع ديمقراطية مفتوحة ومنفجرة ولا حدود لها. في مصر، مثلا، قبل فك الاعتصامات في الميادين عطل مؤيدو مرسي العمل فيها، وأقلقوا سكان تلك الميادين، وامتد هذا الوجود والحضور إلى بعض المناطق التي تشكل شريان الحياة في القاهرة. وبالتالي لم يكن أمام السلطات سوى أن تفرض سيطرتها على هذه الأماكن لكي تنساب الحياة. إن تعرض السلطات لأولئك الأشخاص يستلزم نوعا من القوة التي قد تتنافى مع الديمقراطية، ولكن الديمقراطية تتلاشى عندما تمس حرية الآخرين، فالمطلوب التظاهر بشكل سلمي في أماكن معينة من دون عرقلة المصلحة العامة.
* هل تؤمن بأن الديمقراطية يجب أن تكون لها ثقافتها أولا ثم مؤسساتها، أم أن المؤسسات تأتي هي الأولى، كصناديق الاقتراع؟
- الديمقراطية هي ثقافة أولا. لا بد من ثقافة لدى الناس، ولا بد من أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني دور فاعل، وبعد ذلك تأتي صناديق الاقتراع. لكننا استعجلنا وأردنا صناديق الاقتراع أولا. وأعود هنا للحديث عن مصر، وأقول إننا عندما ننظر إلى الواقع الديمقراطي نجد رئيسا منتخبا من قبل الأغلبية، وبناء عليه يجب أن تعطى له فرصة حتى وإن كانت هناك مآخذ أو مثالب على عمله. هذه المآخذ يجب أن تكون من خلال المعارضة الموجودة في البرلمان، أي من خلال المعارضة المؤسساتية، وليس المعارضة عن طريق الشارع، لأنه حتى ولو لم يطح بالرئيس المصري كان يمكن للفريق المضاد أن يعطل الحياة في مصر.
* ما رأيك في من يقول إن ثورات «الربيع العربي» كانت ثورات إسلامية، وهناك من يقول إنها ثورات كانت الأحزاب الإسلامية أكبر المستفيدين منها؟
- لم تكن ثورات إسلامية بالدرجة الأولى، ولكنها استغلت من جانب ذلك التيار المنظم، تيار الإخوان، نظرا لأن التيار الإسلامي المنظم في دول «الربيع العربي» هو تيار الإخوان. لكن تبين من خلال السياسة التي انتهجها الإخوان سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أنه لم يعد لديهم قبول يذكر في الشارع الليبي أو المصري أو التونسي.
* هل تعتقد أن هناك خطوات يجب أن تتخذ في ليبيا غير التي تجري الآن على الصعيد السياسي لتصحيح الوضع؟
- طبعا، أنا شملني قانون العزل السياسي باعتباري كنت وزيرا في عهد القذافي، وكنت قاضيا في محكمة الشعب. كنا نتمنى ألا يربط العزل بالوظيفة، وهذا لا يتعلق بي شخصيا، فأنا ليست لدي طموحات للعمل السياسي على الإطلاق، ولكن هناك أناسا آخرين ظلموا منهم مثلا السيد محمد المقريف، وهو رجل مناضل في المعارضة الليبية، التي لم يصبح لها شأن إلا عندما تولاها المقريف. ليس عدلا عزل المقريف. كنت أتمنى أن يكون العزل بسبب السلوك وليس بتولي الوظيفة. هناك موظفون صغار لم يشملهم العزل السياسي نظرا لأن وظائفهم كانت صغيرة، غير أنهم كانوا مثالا للفساد الأخلاقي والفساد المالي في الدولة الليبية.. وفي المقابل هناك أناس - وهنا لا أتكلم عن نفسي بل عن أناس آخرين - مثل عبد الرحمن شلقم ومحمود جبريل والمقريف تولوا مناصب قيادية كبيرة في نظام القذافي لكن سلوكهم كان سلوكا مميزا.
وأذكر أنه لما جئنا إلى المجلس الوطني الانتقالي وبدأنا في المصالحة الوطنية، وضعنا ثلاثة معايير؛ المعيار الأول يقول إن كل من كان سببا في قتل الليبيين في الداخل أو في الخارج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يجب أن يقدم للمحاكمة ويواجه الشكاوى من طرف أناس يعتقدون أنه أضر بهم. والمعيار الثاني يتحدث عن كل من استغل سلطته الوظيفية للحصول على المال بشكل غير مشروع، وهذا أيضا أمر يستلزم الرجوع إلى ما تصدره المحاكم الليبية في هذا الشأن, بينما يتحدث المعيار الثالث عن كل من وقف ضد ثورة 17 فبراير (شباط) بالفعل. وثار جدل داخل المجلس عندما قلت «بالفعل»، وكنت أنا من قدم نص المعايير الثلاثة. وتساءل البعض: كيف ذلك؟ فقلت لهم إن التهمة لا تتمثل في الأقوال. فقالوا إن ثمة أشخاصا وقفوا ضد الثورة بالقول، ومنهم إعلاميون من ضمنهم على سبيل المثال مذيعة اسمها هالة المصراتي. هؤلاء وقفوا في الإذاعة المملوكة للدولة السابقة ضد الثورة بالقول، لكنهم لا يشكلون خطرا لأنهم لم يحملوا السلاح ضد الثوار. وقلنا إن كل من وقف ضد هذه الثورة بالفعل، هو من زود أعداء الثورة بالسلاح وساهم في قتل الثوار.
* ألا ترون أن هناك مفارقة تكمن في أنكم بدأتم قانون العزل السياسي، ثم أصبحتم مستهدفين به؟
- قانون العزل لم يكن يستهدفني، بل كان يستهدف بالدرجة الأولى محمود جبريل لأنه صاحب طموح سياسي.
* هل تعتقد أن هذا عدل في حق شخص مثل محمود جبريل؟
- لا. هذا ليس من العدل لا في حق محمود جبريل ولا عبد الرحمن شلقم، ولا كل أولئك الذين كان لهم دور بارز في هذه الثورة، كان يجب أن يحظوا بالاحترام.
* ما رأيك في القول إنه يجب على الجيل الذي عاصر ذلك العهد أن يفسح المجال لآخرين من الجيل الجديد ليقودوا المسيرة؟ وهل تعتقد أن تلك الخبرات يجب تفادي التضحية بها؟
- أنا مع تجنب التضحية بالخبرات. إذا كانت هناك خبرة لا توجد مآخذ عليها فليفسح لها المجال، لأن ليبيا في حاجة إلى الخبرات. مثلا اللغة الإنجليزية ألغيت في ليبيا منذ عام 1979، والجيل الحالي لا يتكلم اللغة الإنجليزية على الإطلاق. كيف يمكن أن تعتمد على هذا الجيل في بناء الدولة؟.
* لفت انتباهي في أول لقاء بك قولك إنك لست رجل سياسية.. كيف ترى نفسك الآن بعد كل ما حدث؟
- لقد تقاعدت بشكل مبكر حتى من القضاء، وتقدمت بتقاعدي يوم سقوط السلطة في 22 أغسطس (آب) 2011، وقدمت الطلب لرئيس المجلس القضائي الأعلى، لأنه من غير اللائق أن أقود ثورة وأبقى في الهيئات القضائية. فمن خلال خبرتي ووظيفتي وأقدميتي قد تتاح لي أمور تضطرني أن أتولى محاكمة من كنت يوما مديرا عليهم.. هذا أمر غير مقبول.
* هل ستعود إلى المشهد السياسي لو طلب منك ذلك مستقبلا؟
- لا.. هذا مستحيل.
* ما هي أهدافك الآن.. كيف تقضي أيامك؟
- أنا الآن أمارس الرياضة في مدينتي البيضاء وأستمتع بالطبيعة الخلابة في الجبل الأخضر، وأتواصل مع زملائي في أعمال خيرية داخل المدينة. وأنا مستعد أيضا للمساهمة في تحقيق المصالحة تحت أي غطاء تتبناه الدولة سواء كان المؤتمر الوطني أو الحكومة الانتقالية.
* هل هناك حاجة لمانديلا ليبي؟
- والله مانديلا واحد لا يكفي ليبيا.. ولا حتى عشرة من أمثال مانديلا.

الجزء الأول على هذا الرابط
http://beta.aawsat.com/home/article/6795



الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.


العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب
TT

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إلى تجاوز صراعات الماضي في بلاده، واستعادة الثقة بالدولة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، مؤكداً أن إنصاف «القضية الجنوبية» ومعالجة الاختلالات التي رافقت تجربة الوحدة بين الشمال والجنوب سيظلان «التزاماً ثابتاً لا رجعة عنه».

وقال العليمي في الخطاب الذي ألقاه لمناسبة ذكرى إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو (أيار) 1990 إن الوحدة مثلت حلماً وطنياً وإنسانياً حمله أبناء الشمال والجنوب معاً، غير أن المشروع تعرض لاحقاً «لانحرافات خطيرة» أفضت إلى الإقصاء والتهميش والإضرار بالشراكة الوطنية، بحسب وصفه.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني أنه لا يتحدث «بمنطق الاحتفال التقليدي ولا بلغة الانتصار السياسي»، بل من موقع المسؤولية أمام شعب «أنهكته الحروب والانقسامات وانهيار المؤسسات»، مشيراً إلى أن اليمن يقف أمام «لحظة فارقة» تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء وبناء المستقبل.

ووسط ضجيج الأصوات الداعية إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله، جدد العليمي التأكيد على أن القضية الجنوبية تمثل جوهر أي تسوية سياسية عادلة، مشدداً على التزام الدولة بجبر الضرر وضمان الشراكة العادلة في السلطة والثروة، وتمكين اليمنيين من التعبير الحر عن تطلعاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقال إن قيادة الدولة لم تنظر يوماً إلى القضية الجنوبية بعدّها «مشكلة أمنية»، بل بوصفها مدخلاً لبناء سلام مستدام ودولة مستقرة، مؤكداً أن حلها تحت سقف الدولة يمثل شرطاً للحفاظ على التماسك الوطني واستكمال معركة إنهاء الانقلاب الحوثي.

وفي سياق حديثه عن التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، أشار العليمي إلى أن البلاد واجهت «منعطفاً أمنياً وسياسياً خطيراً» كاد يهدد مركز الدولة القانوني ويقوض أسس الأمن الوطني والقومي. في إشارة إلى التحركات الأحادية العسكرية التي قادها ما كان يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي قبل إعلان حله مطلع العام الحالي.

وأوضح العليمي أن السلطات الشرعية تمكنت، «بالحزم والحكمة» وبدعم من السعودية، من تجنيب البلاد الانزلاق نحو الفتنة والتشظي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.

إسقاط ملاحقات

في خطوة بدت موجهة لاحتواء تداعيات التوترات الأخيرة الناجمة عن تصعيد «الانتقالي» المنحل، أعلن العليمي توجيه الجهات المختصة بمراجعة وإسقاط أوامر التوقيف والملاحقات المرتبطة بالأحداث الأخيرة في بعض المحافظات الجنوبية بحق شخصيات سياسية ومدنية لم يثبت تورطها في أعمال إرهابية أو قضايا فساد أو انتهاكات جسيمة.

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على إعادة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي تم الاستيلاء عليها خلال الأحداث وتسليمها إلى مؤسسات الدولة المختصة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لترسيخ احتكار الدولة للسلاح.

وشدد العليمي على رفض استخدام القضية الجنوبية لتبرير «التمرد المسلح» على مؤسسات الدولة، كما رفض في المقابل توظيف شعارات الوحدة لتبرير الإقصاء والهيمنة.

وقال إن الدولة حرصت خلال الفترة الماضية على تجنب خطاب «النصر والهزيمة» ونبذ لغة التشفي والانتقام، مؤكداً أنه «لا منتصر في الصراعات الأهلية ولا رابح في خلافات شركاء الهدف والمصير».

أولويات المرحلة المقبلة

عرض العليمي ما وصفها بالموجهات الرئيسية لرؤية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمها استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين استناداً إلى المرجعيات الثلاث، إضافة إلى استكمال الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

كما شدد على أولوية بناء مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة، وتعزيز دور السلطات المحلية، وتوحيد القرارين الأمني والعسكري، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

وأكد العليمي أهمية تعزيز العلاقة مع السعودية ونقلها من مستوى «التحالف الوثيق» إلى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، مع السعي إلى الاندماج التدريجي لليمن في المنظومة الخليجية.

وأثنى رئيس مجلس الحكم اليمني على الإصلاحات الحكومية الأخيرة، معتبراً أنها تمثل خطوات «شجاعة» لإعادة البناء والاعتماد على النفس، وحشد الموارد اللازمة لتغطية فاتورة المرتبات والخدمات الأساسية. في إشارة إلى قرارت حديثة لحكومة الزنداني شملت زيادة الرواتب ورفع قيمة الدولار الجمركي وتشكيل لجنة عليا للمناقصات والتشديد على تحصيل الإيرادات ومكافحة الفساد.

وأشار إلى توجيهات رئاسية لتعزيز الأداء الحكومي في القطاعات الحيوية، خصوصاً النقل والاتصالات، ورفع الجاهزية الأمنية وتسريع التكامل العسكري وبناء القدرات الدفاعية، مع التركيز على أن تكون عدن والمحافظات المحررة نموذجاً للتعافي والاستقرار.

التزام إنساني وأمني

في الشق الإنساني، رحب العليمي بالاتفاق الأخير مع الحوثيين الخاص بالإفراج عن 1750 من المحتجزين والمختطفين والمخفيين، واصفاً الخطوة بأنها «إنجاز إنساني مهم» يخفف معاناة آلاف الأسر اليمنية.

وأكد التزام الحكومة بمواصلة الجهود للإفراج عن جميع المحتجزين والمختطفين في سجون الحوثيين، وإغلاق هذا الملف بصورة شاملة، مشدداً على أن الدولة المنشودة «ليست دولة انتقام بل دولة عدالة وإنصاف».

كما تطرق العليمي إلى التحديات الأمنية في العاصمة المؤقتة عدن، متهماً «قوى الإرهاب والتخريب» بمحاولة إعادة الخوف وزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة، لكنه أكد أن الأجهزة الأمنية تمكنت من إحباط كثير من المخططات وضبط خلايا إرهابية وإحالتها إلى القضاء.

وقال إن عدن ستظل «مدينة للسلام والتعايش والمدنية»، وإن المحافظات المحررة ستبقى مساحة للأمل والعمل المشترك رغم كل التحديات.

ودعا العليمي اليمنيين إلى جعل ذكرى الوحدة «محطة جديدة لاستعادة الثقة وتجديد العهد وتوحيد الجهود»، وفتح صفحة جديدة عنوانها «الإنصاف والشراكة والدولة المدنية العادلة والسلام والتنمية».

وأكد أن اليمنيين تمكنوا في مراحل سابقة من تجاوز ظروف أكثر صعوبة عندما تمسكوا بمشروع الدولة وقدموا المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، معرباً عن ثقته بقدرة الشعب اليمني على تجاوز المرحلة الراهنة وصناعة مستقبل يليق بتضحياته.