داخل «داعش».. استعدادات هادئة لفقدان «الخلافة»

هجمات إرهابية كرد فعل على الانتكاسات العسكرية في العراق وسوريا

داخل «داعش».. استعدادات هادئة لفقدان «الخلافة»
TT

داخل «داعش».. استعدادات هادئة لفقدان «الخلافة»

داخل «داعش».. استعدادات هادئة لفقدان «الخلافة»

يجهز تنظيم داعش الإرهابي أتباعه في هدوء، حتى في الوقت الذي ينشر فيه موجات الإرهاب والدماء في جميع أنحاء العالم، للانهيار النهائي للخلافة المزعومة التي أعلن عنها من قبل في ضجة هائلة قبل عامين ماضيين.
ويعترف قادة التنظيم الإرهابي، عبر الرسائل العلنية ومن خلال الإجراءات الأخيرة المتخذة في سوريا، بالانخفاض المطرد في ثروات التنظيم في ميدان المعركة في الوقت الذي يستعدون فيه لاحتمال سقوط بقية معاقل التنظيم.
وفي الأثناء ذاتها، تعهد التنظيم بالمضي قدما في حملة العنف الأخيرة، حتى لو اندفع الإرهابيون أنفسهم إلى تحت الأرض. ويعتقد خبراء مكافحة الإرهاب أن الهجمات التي خلفت الإصابات الجماعية في إسطنبول وبغداد خلال الشهر الماضي كانت بمثابة رد فعل من جانب التنظيم على الانتكاسات العسكرية الكبيرة التي مني بها في العراق وسوريا.
ويقول المحللون بأنه من المرجح لتلك الأعمال الإرهابية أن تستمر وتزداد كثافتها، على الأقل في البداية، حيث ينتقل التنظيم من وضعية شبه الدولة مع الحيازات الإقليمية الشاسعة إلى وضعية الشبكة الغامضة والمفككة ذات الأذرع والخلايا المنتشرة عبر ثلاث قارات على أقل تقدير.
وفي واقع الأمر، في حين أن فقدان الملاذ المادي قد يشكل ضربة قوية وشديدة للتنظيم الإرهابي، ويحد بشدة، على سبيل المثال، من قدرته على جمع الأموال، وتدريب المجندين، أو التخطيط للعمليات الإرهابية المعقدة - إلا أن طبيعة التنظيم اللامركزية بصورة كبيرة تؤكد على استمرار خطورته كتنظيم إرهابي لمزيد من الوقت في المستقبل، وفقا للمسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين وبعض خبراء الإرهاب.
يقول مايكل هايدن، الجنرال السابق في القوات الجوية الأميركية الذي ترأس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الفترة بين عام 2006 وحتى عام 2009 «في حين كان تنظيم القاعدة تنظيما تراتبيا ويخضع لدرجة ما من القيادة والسيطرة، فإن داعش ليس كذلك. فلديهم كل الطاقة وعدم القدرة على التنبؤ بأفعالهم التي تتميز بها الحركات الشعبوية السياسية».
ويصر المسؤولون من تنظيم داعش وفي بيانات علنية ومقابلات صحافية على أن مشروع الخلافة في التنظيم لا يزال على قيد الحياة على الرغم من اعترافهم بأن الانتكاسات العسكرية الأخيرة قد أجبرت التنظيم على تغيير استراتيجيته.
يقول أحد أعضاء التنظيم الإرهابي في مقابلة شخصية، والذي تحدث عبر إحدى خدمات الإذاعة المتوفرة على الإنترنت: «في حين أن نظامنا الأساسي في العراق وسوريا يتعرض لهجمات عنيفة، إلا أننا تمكنا من التوسع وتحويل بعض من هياكل القيادة والإعلام والأموال إلى دول أخرى».
وأضاف عضو التنظيم يقول، والذي وافق على الحديث إلى أحد الصحافيين الغربيين بشرط عدم الكشف عن اسمه أو عن موقعه المادي: «يأتينا في كل يوم أناس، يتواصلون معنا، ويقولون لنا إنهم يرغبون في المجيء إلى أرض الخلافة. ولكننا نقول لهم بأن يظلوا في أماكنهم والانتظار لفعل شيء ما في بلدانهم بدلا من السفر».
ولكن أمارات اليأس والإحباط باتت متزايدة بوتيرة أسبوعية داخل الخلافة، والتي تقلصت أراضيها مرة أخرى بنسبة 12 في المائة خلال الشهور الستة الأولى من عام 2016. وفقا لتقرير إخباري صدر الأسبوع الماضي عن مؤسسة (آي إتش إس) المعنية بالأبحاث والاستشارات السياسية.
وهناك سلسلة من القرارات الصادرة في الجيب السوري لتنظيم داعش خلال الشهر الماضي والتي تقضي بإغلاق مقاهي الإنترنت في إحدى الولايات التابعة للتنظيم وأمرت بتدمير أجهزة التلفاز وأطباق استقبال الأقمار الصناعية في ولاية أخرى.
والقرارات، التي وصفت بأنها محاولة من التنظيم للقضاء على أدوات نشر معتقدات الكفار، قطعت فعليا كل سبل الحصول على الأخبار من العالم الخارجي.
«من دون أي مدينة أو أرض»
وترد المزيد من الإشارات على السقوط المرتقب للخلافة المزعومة وسط البيانات الصادرة عن مسؤولي «داعش» خلال الأسابيع الستة الماضية، وهي الفترة التي شهدت تقهقر مقاتلي التنظيم عبر الكثير من الجبهات، من الفلوجة في وسط العراق وحتى الحدود السورية التركية.
وفي مقالة افتتاحية بارزة نشرت الشهر الماضي في صحيفة «النبأ»، وهي النشرة العربية الأسبوعية للتنظيم الإرهابي، قدمت تقديرا متشائما لآفاق «الخلافة»، مع الاعتراف الصريح بإمكانية فقدان كافة الحيازات الإقليمية التي سيطر عليها التنظيم. وقبل عامين سابقين فقط، بشر قادة التطرف الداعشي ببداية عهد جديد في تاريخ العالم بإقامة خلافتهم المزعومة، والتي اشتملت في ذلك الوقت على أغلب مناطق الشرق السوري ومساحات شاسعة من شمال وغرب العراق، وهي الأراضي التي تساوي مجتمعة مساحة بريطانيا العظمى.
وكانت المقالة الافتتاحية تحمل عنوان «أوهام الصليبيين في عصر الخلافة»، وحاولت حشد أتباع التنظيم الإرهابي عن طريق التأكيد على استمرار ونجاة «داعش» حتى مع سقوط كافة المدن في أيدي الصليبيين المتقدمة جيوشهم - وتعني القوات الغربية المستقلة والقوات المدعومة روسيا والمحتشدة ضد خلافتهم المزعومة.
ويستطرد المقال الافتتاحي فيقول: «يتوهم الصليبيون والمرتدون من أعوانهم أنهم سوف يستطيعون القضاء على كافة ولايات الخلافة في وقت واحد، كما لو كانت سوف يتم محوها تماما لمرة واحدة ولا يبقى لها أثر بعد ذلك». وفي واقع الأمر، فإن أعداء التنظيم، لن يتمكنوا من القضاء عليه من خلال تدمير إحدى المدن أو حصار الأخرى، أو بمقتل جندي أو أمير أو إمام من الأئمة، كما يتابع المقال في سرده.
ويؤكد المقال المشار إليه على أن «العالم بأسره... قد تغير» مع قيام الجيب الثيوقراطي (الديني) والذي «أظهر للبشرية كلها الوجه الحقيقي للخلافة الإسلامية».
ويتابع المقال فيقول: «إذا ما أرادوا تحقيق الانتصار الحقيقي - فلن يتمكنوا من ذلك بإذن الله - ولسوف يضطرون إلى الانتظار لفترة طويلة للغاية: وحتى يتمكنوا من القضاء على جيل كامل ممن شهدوا قيام داعش».
تكررت التيمات ذاتها في خطب متفائلة أخرى من جانب الناطق الرسمي باسم التنظيم الإرهابي، أبو محمد العدناني، إيذانا ببدء الاحتفال بقدوم شهر رمضان. جذبت رسالة العدناني الاهتمام الدولي نظرا لأنها تعد بمثابة دعوة لحملة إرهابية عالمية خلال شهر رمضان. ولكن الرسالة كانت، في نفس الوقت، تهيئ أتباع التنظيم الإرهابي لخسائر فادحة في الأرواح.
فعند نقطة واحدة أثار العدناني واحدا من أحلك الفصول في تاريخ تنظيم داعش، عندما تعرض التنظيم لعملية إبادة شاملة تقريبا في عام 2008 في مواجهة مجموعة من القوى، بما في ذلك الزيادة الهائلة في تعداد القوات الأميركية وقوات «صحوة الأنبار»، وهي التمرد ضد المتطرفين من قبل العشائر السنية العراقية.
ويتساءل العدناني مشيرا إلى معاقل «داعش» الأولى في العراق وليبيا وسوريا، حيث قال: «هل تعرضنا للهزيمة لما فقدنا المدن في العراق وكنا هائمين على وجوهنا في الصحراء من دون مدينة أو أرض؟ وهل سوف نتعرض للهزيمة إذا ما سقطت الموصل أو سرت أو الرقة، أو حتى إذا ما سقطت جميع مدننا في أيديكم؟ كلا بكل تأكيد!».
وكانت الهزيمة القريبة التي تعرض لها التنظيم الإرهابي في عام 2008 قد أشير إليها مرات كثيرة في الأسابيع الأخيرة من قبل مختلف الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، في إشارة من بعض المحللين إلى أن قادة التنظيم يحاولون الحد من الأضرار التي باتت لا مفر منها على سمعة التنظيم الإرهابي بين أوساط المتطرفين باعتباره القوة المعنوية التي لا تنكسر والجيش الذي لا يقهر.
يقول كول بانزل، المرشح لنيل درجة الدكتوراه من قسم دراسات الشرق الأدنى لدى جامعة برينستون، والذي أشرف على الترجمة والتعليق على مقالة دورية «النبأ» الافتتاحية المشار إليها آنفا: «إنهم لا يريدون فقدان الأرض. ولكنهم يحاولون تذكير أتباعهم بأن التنظيم لديه تاريخ طويل وسوف يثابرون ويستمرون، تماما كما فعلوا في الأوقات السابقة».
وكانت الهجمات الدموية على مطار أتاتورك في إسطنبول وعلى سوق الكرادة في بغداد - وهما من الأهداف السهلة إلى درجة ما بالنسبة للإرهابيين المعنيين فقط بما تخلفه الهجمات من أعداد كبيرة من القتلى والمصابين بين المدنيين - عبارة عن جزء من نفس الجهود الرامية إلى طمأنة أتباع التنظيم الإرهابي بأن التنظيم حي ويعمل، كما أفاد ويل ماكانتس الباحث البارز لدى معهد بروكينغز ومؤلف كتاب نشر عام 2005 بعنوان «نبوءات داعش: التاريخ، والاستراتيجية، ورؤية نهاية العالم لداعش».
ويتابع السيد ماكانتس قوله «تعد الهجمات الناجحة في الخارج إشارة على القلق في الداخل». فبعد سنوات من التفاخر بالتنظيم الذي لا يقهره شيء، بدأ زعماؤه، أمثال العدناني، في الاعتراف بالخسائر الفادحة التي مني بها التنظيم في ميادين القتال ومحاولة تأطيرها في صورة أكثر إيجابية، كما قال. وبصرف النظر عن بيانات التنظيم فليس هناك إقرار من جانبه بالأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية الفادحة التي ساهمت من دون شك في المأزق العميق الحالي الذي يعاني منه التنظيم، من القتال بمفرده في مواجهة مجموعة واسعة من القوات التي تتضمن القوى الغربية الكبرى، والمسلمين من السنة والشيعة، والروس، والأكراد.
واستطرد السيد ماكانتس يقول: «إنهم لا يحاولون الظهور بمظهر الأذكياء في ذلك. ولكنهم يحاولون فعلا تهيئة أتباعهم للتعامل مع واقع الخلافة التي لم تعد خلافة».
ويخشى مسؤولو الاستخبارات الأوروبية من أن الموجة الجديدة من الإرهاب قد بدأت بالفعل. حيث يقول أحد كبار المسؤولين الأمنيين الفرنسيين، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشته استراتيجيات مكافحة الإرهاب: «إنهم يتخبطون في الوقت الذي تتكيف فيه استراتيجياتنا لمواجهة موجتهم الإرهابية الأولى، ونحن نعمل على نزع القداسة عن إرهابهم. ولكنهم سوف ينتقلون إلى تكتيكات أخرى، ويبدأون في تنفيذ المزيد من العمليات الداخلية والسرية في المدن الأوروبية الكبرى». وأضاف المسؤول الأمني يقول أخيرا «لقد بدأت المرحلة الثانية بالفعل».
* خدمة «واشنطن بوست»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.