100 فصيل مسلح في بغداد تتسابق للسيطرة على الشارع

العاصمة العراقية بلا حماية أمنية رسمية.. ومخاوف من المواجهات المستقبلية

عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)
عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)
TT

100 فصيل مسلح في بغداد تتسابق للسيطرة على الشارع

عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)
عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)

المشهد في العاصمة بغداد يوحي كأن معركة داخلية بأطراف متعددة ستنشب. صراع الميليشيات بات مكشوفًا، وكل فترة زمنية تمر يكون العراقيون على موعد مع ولادة فصيل مسلح جديد وآخرها «جيش مؤمل» بزعامة سعد سوار، وهو شخصية عراقية مغمورة على الصعيدين العسكري والسياسي. «الشرق الأوسط» رصدت الحالة من وسط العاصمة العراقية، والتقت مسؤولين وبرلمانيين شخصوا الوضع القلق والفلتان الأمني الذي عجزت حكومة بغداد عن السيطرة عليه، أو حتى منع الميليشيات المسلحة من التجاوزات. الفلتان الأمني لا يبدأ فقط بتصاعد الهجمات الإرهابية في العاصمة العراقية ومحيطها بدءا من تفجير الكرادة، وسط بغداد، قبيل عيد الفطر بيومين، الذي حصد أكثر من 300 ضحية دون الكشف عن أسلوب التفجير وأسبابه، وليس نهاية بظهور مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، بالزي العسكري، وهو يترأس اجتماعا لقادة جناحه المسلح «سرايا السلام»، آمرا إياهم بالتهيؤ لأي طارئ خلال ساعتين «بكامل عدتهم وعددهم». مصادر حكومية رسمية أكدت أن الفصائل المسلحة في العاصمة وحدها تجاوزت 100 فصيل، وهي غير رسمية.
شوارع بغداد التي تزدحم بلافتات وصور وشعارات العشرات من الميليشيات المسلحة، فالمعروفة منها هي: «بدر، وفصائل أهل الحق، وسرايا السلام، وحزب الله العراقي، وسرايا الخراساني»، وهناك: «جند الأمام، وأبو الفضل العباس، وجند الله، وبابليون (فصيل مسيحي مسلح مدعوم من قبل الشيعة)»، هذه الشوارع خلت ليلة الخميس – الجمعة، حيث سارع الناس للعودة إلى بيوتهم قبيل منتصف الليل، بسبب صدور تعليمات للأجهزة الأمنية بغلق الجسور التي تربط بين جانبي الكرخ والرصافة، وبسبب التصريحات الخطيرة لزعيم التيار الصدري التي وجهت رسالة بأن مواجهات مسلحة ممكن وقوعها سواء بين «سرايا السلام» وبقية الميليشيات، أو بينها وبين القوات الأمنية. وسارع البغداديون إلى تسوق المواد الغذائية خشية حدوث أي طارئ اليوم، الجمعة، بينما غادر كثير منهم العاصمة إلى إقليم كردستان أو إلى خارج العراق.
وحسب المحامي والناشط المدني، جلال فهمي، فإن «بغداد صارت اليوم على كف عفريت الميليشيات، وفي أي لحظة نتوقع حدوث مواجهات مسلحة بين الميليشيات أنفسهم لغرض تقاسم مناطق النفوذ وسط العاصمة»، مذكرا «بأحداث اقتحام المتظاهرين للبرلمان ورئاسة الوزراء الشهر الماضي وسيطرة ميليشيا (سرايا الخراساني) المرتبطة بإيران مباشرة منطقة الجادرية في الكرادة وحدوث مواجهة شبه مسلحة مع ميليشيا (سرايا السلام) التابعة للتيار الصدري».
وقال فهمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «بغداد اليوم بلا حماية أمنية حكومية، بل تحكمها الميليشيات المسلحة والمنفلتة التي يصفها مقتدى الصدر بـ(الميليشيات الوقحة) مع أن ميليشيا (سرايا السلام)، التي كانت تسمى سابقا (جيش المهدي)، متهيئة بكامل عدتها وأسلحتها للسيطرة على قسم من منطقة الكرادة التي كانت محسومة أصلا لنفوذ المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم مدعوما بميليشيا (سرايا الخرساني)، و(عصائب أهل الحق) بزعامة قيس الخزعلي الذي انشق أصلا عن جيش المهدي، وميليشيا (بدر) بزعامة هادي العامري الذي انشق عن المجلس الأعلى الإسلامي».
يضيف المحامي فهمي قائلا: «لقد كشف تفجير الكرادة هشاشة الوضع الأمني ببغداد، ذلك أن منطقة الكرادة مزدحمة بالميليشيات المسلحة وبنقاط التفتيش الأمنية التابعة للحكومة، ومع ذلك حصل خرق أمني كبير لم يكشف عنه حتى الآن مكن الانتحاري من الوصول بسيارته إلى موقع الانفجار ليقتل المئات من الأبرياء»، مشيرا إلى «عدم وجود وزير للداخلية وسيطرة ميليشيا (بدر) على الملف الأمني في العاصمة كون وزارة الداخلية من حصتهم».
نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية حامد المطلك، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك مائة فصيل مسلح غير رسمي ببغداد وحدها، وحسب اعتراف حيدر العبادي، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، قد يكون هذا الرقم مبالغا به، لكن هناك العشرات من الفصائل المسلحة في شوارع بغداد، وهذا موضوع يثير بالتأكيد قلق الناس ويرعب أمنهم واستقرارهم»، داعيا إلى أن «تعمل الحكومة وبقوة من أجل نزع السلاح غير الشرعي وتفتيت الميليشيات المسلحة وإيجاد حل مناسب لعناصرها».
وتساءل المطلك قائلا: «كيف يريدون بناء دولة قانون ومؤسسات دستورية في ظل هذا الانفلات الأمني؟»، منبها إلى أن «العبادي غالبا ما صرح بضرورة سحب السلاح من الميليشيات، وأن يكون السلاح بيد الدولة فقط، لكن يبدو أن هذا الأمر معقد وصعب تحقيقه».
وأشار نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية إلى أن «هناك خلافات سياسية بين أحزاب وفصائل التحالف الوطني (شيعي)، وكل جهة تحاول استعراض قوتها ووجودها وتأثيرها في الشارع وأي جهة تستطيع أن تحرك الناس»، منبها إلى أن «مقتدى الصدر أثبت قدرته على تحريك الجماهير وهو يطرح مشروعا وطنيا تابعا لدولة أجنبية ومناصرا للحق وللعدالة، بينما هناك فصائل غالبيتها تابعة لدولة إقليمية (إيران) وممولة من قبل جهة خارجية وتريد احتلال مناطق معينة».
وقال المطلك إن «الميليشيات المسلحة للأسف أقوى من الأجهزة الأمنية الحكومية، والدليل على ذلك تفجير الكرادة وقضاء بلد، وقصف مخيم كسنزان للمهجرين من الأنبار في منطقة الدورة، وقصف معسكر ليبرتي الذي يضم عناصر (مجاهدين خلق) الإيرانية المعارضة الذي يقع على حدود مطار بغداد الدولي، كل هذه التفجيرات والقصف بالصواريخ ومدافع الهاون والدولة لم تحرك ساكنا»، محذرا من أن «تنفلت الأمور وتتطور إلى مواجهات مسلحة بين الميليشيات نفسها، وإذا حدث ذلك لا قدر الله فإن الجميع سيحترق بنار هذه المواجهات»، وأشار إلى أن «العرب السنة ليست لهم أي ميليشيا مسلحة، لأنهم لم يلجأوا إلى هذا الأسلوب منذ البداية».
مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى أكد أن «مشكلة الميليشيات المسلحة ممكن حلها إذا كانت الحكومة تريد ذلك، لكن المشكلة أن أطرافا سياسية وحكومية تعتبر وجود هذه الميليشيات حماية لها وعنصرا مساعدا لبقائها».
وقال المسؤول الأمني، الذي فضل عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»، إن «كل الأحزاب الشيعية لها أذرع عسكرية وتعتبرها مشروعة، ثم جاء (الحشد الشعبي) الذي اعتبر غطاء شرعيا وقانونيا لوجود هذه الميليشيات، ولو صدرت الأوامر لنا اليوم بحل الميليشيات المسلحة لتمكنا من ذلك، لكن الغريب أن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة يصرح بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، بينما حزبه، حزب الدعوة، يدعم بعض هذه الميليشيات، والأكثر من هذا أن نوري المالكي زعيم حزب العبادي ورئيس الوزراء السابق هو من دعم تشكيل بعض الميليشيات لدعم بقائه في السلطة لفترة أطول».
وأضاف: «نحن بالفعل نخشى أي مواجهة مسلحة بين هذه الميليشيات، وهذا قلق المواطن العراقي، فالدولة غير قادرة على فض مثل هذه الاشتباكات، لأن الأجهزة الأمنية موزعة طائفيا وعشائريا وسياسيا ومناطقيا، وهذا يجعل مهمة السيطرة على الميليشيات صعبة للغاية».



السوداني يؤكد لروبيو ضرورة عدم استخدام العراق للهجوم على دول المنطقة

محمد شياع السوداني (أ.ب)
محمد شياع السوداني (أ.ب)
TT

السوداني يؤكد لروبيو ضرورة عدم استخدام العراق للهجوم على دول المنطقة

محمد شياع السوداني (أ.ب)
محمد شياع السوداني (أ.ب)

أكّد رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني، في اتصال مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم (الثلاثاء)، ضرورة ضمان عدم استخدام أجواء العراق وأراضيه ومياهه في الهجوم على دول مجاورة، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن بيان رسمي.

وبعيد بدء الهجوم المشترك على طهران صباح 28 فبراير (شباط)، أضحت الأجواء العراقية مسرحاً لأشكال مختلفة من الحرب: غارات جوية على مقار لمجموعات مسلحة موالية لإيران، وهجمات تستهدف المصالح الأميركية، وضربات تشنّها طهران عبر الحدود تستهدف مجموعات كردية معارضة في شمال العراق.

وشكّل العراق على مدى أعوام ساحة لصراع النفوذ بين واشنطن وطهران، وجهدت حكوماته المتعاقبة منذ الغزو الأميركي الذي أطاح نظام صدام حسين في 2003، لتحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع القوتين النافذتين والعدوتين.

ولم تؤكد الولايات المتحدة أو إسرائيل شنّ ضربات على العراق منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، رغم اتهامهما بذلك. في المقابل، تبنّت فصائل عراقية تنفيذ عشرات الهجمات على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، دون تحديد أهدافها.

وشدّد السوداني فجر الثلاثاء، في اتصال مع روبيو، على «أهمية ضمان عدم استخدام الأجواء والأراضي والمياه العراقية في أيّ عمل عسكري يستهدف دول الجوار أو المنطقة».

وأكّد «موقف العراق المبدئي بعدم الدخول في الأعمال العسكرية، مثلما يرفض الزج به في الصراعات الدائرة، ويرفض خرق أجوائه من أيّ جهة كانت».

كذلك أكّد «التزام العراق بحماية البعثات والسفارات والقنصليات الممثلة على أراضيه».

من جهته، قال تومي بيغوت المتحدث باسم وزير الخارجية الأميركي في بيان، إن روبيو «دان بشدة الهجمات الإرهابية التي شنتها إيران والجماعات المسلحة الموالية لها في العراق، بما في ذلك إقليم كردستان العراق».

ولفت إلى أن المسؤولَين العراقي والأميركي «أكّدا أهمية اتخاذ الحكومة العراقية كل التدابير الممكنة لحماية الدبلوماسيين والمنشآت الأميركية».

ومنذ بدء الحرب، استُهدف مطار بغداد الدولي الذي يضمّ قاعدة عسكرية تستضيف فريقاً للدعم اللوجيستي يتبع لسفارة واشنطن، مراراً بهجمات بالمسيّرات والصواريخ. كذلك تصدّت الدفاعات الجوية للسفارة الأميركية في بغداد مساء السبت، لهجوم بالصواريخ.

وتعرّضت حقول نفطية تديرها شركات أجنبية بينها أميركية، للقصف في البصرة بجنوب العراق، وفي إقليم كردستان بشماله.

وشهد هذا الإقليم المتمتع بحكم ذاتي كثيراً من الهجمات. ويستضيف مطار عاصمته أربيل قوات التحالف الدولي لمحاربة المتطرفين الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014. كما تقيم الولايات المتحدة قنصلية ضخمة في الإقليم.


«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.