موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

اللغة وعاء العالم ومأوى الوجود ولا إدراك خارجها

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي
TT

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

لا يخفى على أحد، أن اللغة محدد أساسي في إنسانية الإنسان. فهي خاصية بشرية بامتياز، لا ترقى إليها بقية الحيوانات، وإن تواصلت بأعلى المستويات الغريزية، كالنمل بإفرازاته الكيميائية، والنحل برقصاته المعلنة عن مكان وجود الطعام، أو تلك الأصوات التي تلفظها الحيوانات للإخبار بالفزع أو التزاوج. فالإنسان له لغة متمفصلة، كما يقول عالم اللسانيات «بنفينيست». فالحروف الأبجدية مثلا، تمكن الإنسان من صناعة كلمة وجملة وفقرة ونص وكتاب ومجلدات.. وهذا ما يعجز عنه الحيوان. فالإنسان قادر على تشكيل الألفاظ بحسب الحاجة والمتغيرات، وما تنامي المعاجم إلا دليل ذلك.
لكن الخطير في اللغة، باعتبارها علامات وصور منطوقة أو مكتوبة، هو قدرتها على اختصار العالم وضمه في الذهن. وهذا عمل اقتصادي يلم شمل الجزئيات المتناثرة هنا وهناك في هذا الكون الفسيح. فماذا سيكون مصير الإنسان في غياب اللغة؟ من المؤكد أنه سيكون صورا حسية مشتتة لا ضابط لها ولا جامع يمكن الإنسان منها. فعندما أقول لك في غرفة مغلقة لفظة قمر، فأنا لا أحضر هذا القمر الملموس الخارجي الموضوعي، بل أختزل معناه في كلمة تسعفني وتغنيني عن الموضوع. فاللغة تحضر لي العالم كله وتختزله لي في ذهني. وكم يعتبر الأمر مثيرا وعجيبا وملغزا، إذ يكفي أن نتفق على إعطاء اسم لغوي لموضوع معين وسط جماعة معينة، لننسى نهائيا هذا الواقع، ونكتفي بالرموز فقط. وهذا اقتصاد شديد، فغياب اللغة يعني الدخول في بعثرة كاملة تفضي إلى غياب التواصل.
إن عقلنا البشري لا يستطيع فهم العالم بمعزل عن اللغة، فهي عدته وأداته الأساس. ولا يكتفي العقل بالتسميات المفردة اللصيقة بالمحسوس، بل يتجه صوب المجردات لمزيد من الجمع والضم، كي يسهل التعامل مع الواقع. فلفظة إنسان، تضم زيدا وعمرا ومحمدا وفاطمة.. وهي أشمل وأعم. إنها الكل والتعريف، إنها الاختصار الأكبر. ويقال الشيء نفسه عن لفظة حيوان ولفظة حشرة وغير ذلك. فعقلنا يسعى بواسطة اللغة، سواء في بعدها الملموس أو المجرد، إلى التجميع والترتيب، واختزال العالم في قوالب لغوية جامعة، تسهل الفهم والإدراك، وتبعد الغموض، وتمكن من التواصل الأحسن. إذن اللغة وعاء العالم ومأوى الوجود، ولا إدراك خارج اللغة.
أصول الفقه والتغير الدلالي
مع مرور القرون والتجارب والخبرات، نجد أن اللفظ الموضوع أولا، تعلق به معان تكون مختلفة، أحيانا، عن الأصل، فيصبح مشحونا بدلالات ومعان كأنها طبقات فوق طبقات، تشوش كل طبقة منها على الأخرى، فتظهر مشكلات في المعنى. ونجد أنفسنا نردد الألفاظ نفسها، لكن ليس بالدلالة نفسها. وتكون انعكاسات ذلك وخيمة على التواصل السليم. هذا الأمر المرتبط بالتغير الدلالي للألفاظ، بحسب التخصصات وبحسب مرور الزمن، تنبه له المسلمون بقوة. ويكفي التنبيه إلى علم أصول الفقه، وهو علم يزود الفقيه بالأدوات والخطة والمنهج اللازم لاستنباط الأحكام الشرعية، خاصة التكليفية منها، والأمر عندهم كان معقدا، والجري وراء إيقاف نزيف المعنى وسيولته كان أمرا ملحا. فاللفظ المتعامل معه مأخوذ من الوحي، والتعامل مع مراد الشارع محفوف بالمخاطر. وترك المعنى منفلتا من دون قيود، سيضرب الأحكام الربانية في الصميم. ما جعل الأصوليين يتعاملون بجدية منقطعة النظير مع مسألة الدلالة وتغيرها. فقدموا في ذلك أعمالا فذة، لكي لا تكون الفوضى في استخراج المعنى من النص الشرعي، الذي يحتاج إلى الحذر والتريث والتؤدة، خشية الانزلاق في مطب التقول على الله بما يخالف قصده. فقام الأصوليون بوضع قواعد لفهم النصوص، وسنوا ضوابط تسمح للفقيه بالسير في درب أكثر أمانا، وهو يستخرج الأحكام من النص. وعولوا في ﺫلك بالأساس، على الفهم العربي، أي على معهود العرب في التداول. وأول ما قاموا به هو تحرير الألفاظ، حيث نجدهم يتحدثون عن اللفظ من حيث وضوحه (الظاهر – النص – المفسر - المحكم). وعن اللفظ من حيث عدم وضوحه (الخفي – المشكل – المجمل – المتشابه - المؤول). وعن اللفظ من حيث ضيق معناه أو اتساع معناه (الخاص والعام). وعن اللفظ من حيث الإطلاق والتقييد. وكذلك تحدث الأصوليون عن اللفظ كصيغ للتكليف، (الأمر والنهي).. إلى غير ذلك مما يعلمه أهل الاختصاص. ولنأخذ على ذلك مثال الصلاة، فهي على الأقل، تحتوي على ثلاث طبقات من المعاني عند الأصوليين. فنجد المعنى اللغوي، أي الدعاء، والمعنى الشرعي، أي الصلاة، كما جاءت بها التعاليم الإسلامية، والصلاة بالمعنى العرفي. وعلى هذا المنوال اشتغل علماء أصول الفقه، لإيقاف نزيف المعنى.
هذا العمق في استيعاب التغيرات الدلالية، سيزداد حدة مع التلاقحات الإسلامية بالحضارات الأخرى (سريانية وفارسية ويونانية..)، إلى درجة أنه كان من الطبيعي أن تبدأ عملية وضع معاجم متخصصة لضبط هذا السيل من الكلمات التي تحتاج إلى تفسير. وما كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، والتعريفات للجرجاني، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، إلا أمثلة على ذلك. وسنقف عند هذا الكتاب الأخير لإبراز العمل العملاق الذي أنجزه المسلمون بخصوص اللغة.
«مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب
نشير بداية، إلى أن الخوارزمي المقصود هنا، ليس أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، المتوفى سنة (232-847م) الرياضي الشهير، بل هو محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب البلخي الخوارزمي، المتوفى سنة (387-997م)، صاحب كتاب «مفاتيح العلوم».
يعد الكتاب الذي سنعتمد فيه على طبعة «دار المناهل»، لبنان، ط1. 2008، المصحوبة بتصدير ودراسة الدكتور عبد الأمير الأعسم، من أنفس المصادر في تاريخ العلوم. وظهوره إلى الوجود كان جوابا عن الكثير من الأسئلة العالقة في سؤال العلم عند العرب، خاصة فيما يتعلق بالمصطلح خلال القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، وذلك من حيث نحته أو استيراده من لغات أخرى، وإقحامه في بنية العربية بشكل ملائم. ناهيك على أن الكتاب يقف عند مسألة التغير الدلالي بحسب الحقول العلميّة. فاللفظة نفسها، تأخذ معاني مختلفة. والمفاهيم وهي تسافر، تعلق بها شحنات جديدة من الدلالات. وهذا ما سيضرب عليه الخوارزمي الكاتب، الكثير من الأمثلة في مقدمة كتابه. وهذا يدل على نضج عال في تلك الحقبة من تاريخ البشرية، فيما يخص المنهج، مثير للدهشة بحق. فالكتاب موسوعة لغوية شاملة للعلوم، سواء الشرعية أو الدخيلة. فهو يجمع كل المعجم الخاص بكل علم، ويقسمه إلى أبواب، هي: الفقه، والكلام، والنحو، والكتابة، والشعر، والأخبار، والفلسفة، والطب، والرياضيات، والفلك، والحيل، والكيمياء.
لم يحظ كتاب «مفاتيح العلوم» باهتمام لائق من الباحثين العرب إلا نادرا. لكنه وجد بالمقابل، صدى وتفصيلا في الدراسة من طرف المستشرقين، على نحو يثير الإعجاب. لقد قام الدكتور عبد الأمير الأعسم، بدراسة جعلها مقدمة لكتاب مفاتيح العلوم، واستنتج الأمر التالي: إنه شخصيا، كان له موقف صارم من الاستشراق الآيديولوجي. أما هذه المرة، خاصة مع هذا الكتاب، فعلى العكس تماما، تشكلت في ذهنه تصورات إيجابية عن الاستشراق العلمي، الذي أنجز الكثير في تاريخ العلوم عند العرب. فخلص إلى فكرة مفادها أنه ليس كل ما هو قادم من الاستشراق سيئ أو مغرض.
ظهر كتاب «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب، بنصه العربي ولأول مرة، في نشرة المستشرق الألماني فان فلوتن van vloten، سنة 1895، أي أواخر القرن التاسع عشر. وكان ذلك أمرا مدهشا لدى المستشرقين، نظرا لطريقة بنائه وطريقة تفصيلاته. لقد كان إعلانا بانفتاح البحث العلمي الجاد على دراسة المصطلحات التي ضمها الكتاب، خلال القرن الرابع الهجري، أي العاشر الميلادي.
استهل الخوارزمي كتابه بمقدمة بها وضوح في الرؤية. ويمكن أن نقف عند بعض محطاتها التي حاول من خلالها الخوارزمي توضيح عمله ومشروعه، وهي كالآتي:
يعلن الخوارزمي الكاتب أنه من الدواعي لكتابة هذا النموذج من الموسوعات اللغوية، تزويد الباحث بمفاتيح للعلوم، أي جمع كل المواضعات والاصطلاحات المسعفة خاصة للغوي. فهو يقول، بأن كتب علم اللغة تخلو من هذه المواضعات، حتى إن البارز من اللغويين، إذا نظر كتب بعض التخصصات، كان كالأمي الذي لا يفقه شيئا. ومن ثم قرر الخوارزمي تزويده بما يلزم لاختراق كل علم على حدة.
وبعد حديثه عن دواعي الكتابة، قام الخوارزمي بتقديم التفاتة رائعة حول التغير الدلالي من حقل إلى آخر. فاللفظة يكون لها معنى، لكن عندما تسافر إلى علم آخر، فإنها تكتسي دلالة جديدة وتشحن بمعان أخرى. ويضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
لفظة الرجعة: وسيحصر لها الخوارزمي خمسة تغيرات في الدلالة وهي:
ا - عند أصحاب اللغة: المرة الواحدة من الرجوع. ويقول: وهم لا يكادون يعرفون غيرها.
ب - عند الفقهاء: الرجوع في الطلاق والذي ليس ببائن.
ج - عند المتكلمين: ما يزعمه بعض الشيعة من رجوع الإمام بعد موته أو غيبته.
د - عند الكتاب: حساب يرفعه المعطي في العسكر لطمع واحد «الأجير».
- عند أهل الفلك: سير الكواكب من الخمسة المتحيرة على خلاف نضد البروج.
لفظة الفك: وحصر لها أربعة تغيرات وهي:
ا - عند أصحاب اللغة والفقهاء: فك الأسير أو الرهن أو الرقبة، أو أحد الفكين وهما اللحيان.
ب - عند أصحاب العروض: إخراج جنس من الشعر من جنس آخر تجمعهما دائرة.
ج - عند الكتاب: أي كتاب الدواوين: الفك هو تصحيح اسم المرتزق في الجريدة السوداء، بعد أن كان وضع عنها.
لفظة الوتد: حصر لها ثلاثة تغيرات.
ا - عند اللغويين والمفسرين: أحد أوتاد البيت أو الجبل من قوله تعالى «والجبال أوتادا».
ب - عند أصحاب العروض: ثلاثة أحرف اثنان متحركان وثالث ساكن.
ج - عند المنجمين: الوتد هو أحد المنازل الأربعة في منطقة البروج وهي الطالع الغار.
يبدو بوضوح أن اللغة العربية قد أصبحت ألفاظها تحتوي على طبقات متعددة من المعاني، مما كان يجعل التواصل صعبا بين الناس. فهم نعم يتحدثون اللغة نفسها لكن بدلالات مختلفة حد التضارب. ومن ثم كانت ضرورة المعاجم المتخصصة، لكي يتمكن الباحث من الحصول على مفاتيح تسمح له باقتحام العلوم. وهذا ما فعله الخوارزمي الكاتب، بجمعه للمصطلحات الرائجة آنذاك، في كل صنوف المعارف، سواء في العلوم الشرعية أو ما سماه علوم العجم.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.