حزب الله في سوريا.. ثقة مهزوزة بالنظام ومطامع توسعية

قادة عسكريون منشقون عن الأسد: الحزب يريد سلطة ونفوذًا يساويان حجم «تضحياته»

مقاتلان لـ«حزب الله» يراقبان هضبة القلمون السورية من الجانب اللبناني في مايو 2015 بعد أن بات تدخل الحزب في الحرب السورية علنيًا (غيتي)
مقاتلان لـ«حزب الله» يراقبان هضبة القلمون السورية من الجانب اللبناني في مايو 2015 بعد أن بات تدخل الحزب في الحرب السورية علنيًا (غيتي)
TT

حزب الله في سوريا.. ثقة مهزوزة بالنظام ومطامع توسعية

مقاتلان لـ«حزب الله» يراقبان هضبة القلمون السورية من الجانب اللبناني في مايو 2015 بعد أن بات تدخل الحزب في الحرب السورية علنيًا (غيتي)
مقاتلان لـ«حزب الله» يراقبان هضبة القلمون السورية من الجانب اللبناني في مايو 2015 بعد أن بات تدخل الحزب في الحرب السورية علنيًا (غيتي)

منذ معركة القصير في مايو (أيار) 2013 والثقة مهزوزة بين النظام السوري وما يسمى «حزب الله»، ليكون القرار منذ ذلك الوقت بفصل الجبهات وعدم القيام بأي دمج بين عناصر النظام والحزب، ويخوض كل فريق معركته وحده.
وبدأت مطامع «حزب الله» تكبر وتتسع في سوريا بعد خوضه كثيرًا من المعارك ضد المعارضة السورية، لتبدأ مرحلة التعالي التي يتعاطى فيها عناصر الحزب مع النظام السوري وميليشياته، الذين يعتبرون أنه لولا دخول الحزب لما استمر النظام حتى اليوم، فيما تعتبر قوات النظام أن الحزب قوة رديفة في سوريا ولا يمكنها أن تكون وصية عليهم.
وانفجرت الخلافات بشكل واضح الشهر الماضي، بين قوات النظام السوري من جهة٬ وما يسمى «حزب الله» من جهة أخرى٬ بشكل غير مسبوق٬ في ريفي حلب الشمالي والجنوبي٬ حيث تضاربت المعلومات حول الأسباب التي أدت إلى اشتباكات عنيفة٬ إضافة إلى استهداف طيران النظام لمجموعات الحزب٬ نتج عنها سقوط قتلى بين الطرفين.
ويشير فادي عاكوم، الكاتب اللبناني صاحب كتاب «حزب الله وسياسة المتعة... من الإرهاب إلى الإرهاب»، أنه مع تطور الأحداث في سوريا منذ عام 2011 لم يتدخل «حزب الله» بقوة وعلانية، إنما كان التدخل تدريجيًا يزيد ويتسع مع اتساع الرقعة الجغرافية التي يخسرها الجيش السوري.
ويكشف قائلا: «استنادًا لعدد كبير من شهادات مواطنين لبنانيين يسكنون في منطقة الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، فإن الحزب وبدءًا من عام 2015 فتح باب التجنيد للقتال في سوريا لغير الحزبيين، لقاء مبلغ 500 دولار أميركي شهريًا، بالإضافة إلى بعض المساعدات الاجتماعية والمادية الأخرى التي تُقدم لأسرة المقاتل، وبسبب الأوضاع المادية المزرية التي يعيشها لبنان، فإن كثيرًا من الشبان التحقوا فعلاً بصفوف الحزب وقاتلوا في سوريا وقُتل كثير منهم، مما اضطر الحزب إلى نعيهم باعتبارهم من عناصره»، ومستندًا إلى معلومات واردة من سوريا ومن لبنان وطبقًها وبشكل متطابق، فإن عاكوم قسم فرق «حزب الله» في سوريا إلى أربعة أقسام:
1- قوات الحزب النظامية، التي كانت متمركزة أساسًا في منطقة الجنوب اللبناني، ومن ضمنها قوات النخبة والمعروفة بتدريباتها العالية وتسليحها الممتاز، والوحدة 901 وهي قوات كوماندوز معروفة باختصاصها بالعمليات الخارجية الصعبة.
2- ميليشيا مناصري الحزب: تم تشكيل هذه الميليشيا لتضم مناصري الحزب في لبنان وبعض البلدان الأخرى الراغبين في القتال في سوريا وحماية الأماكن المقدسة، خصوصًا مرقد السيدة زينب في دمشق، وتسليح هذه الفِرق غالبًا ما يتم بالأسلحة الرشاشة والمتوسطة والقاذفات المتوسطة والمدافع الخفيفة. وتم تشكيل كثير من الفِرق تحت أسماء دينية كثيرة تتبع جميعها لقيادة الحزب في سوريا.
3- الفرق العسكرية الجديدة التي تم تشكيلها بعد فتح باب التجنيد لغير الحزبيين والتي تم تسليحها بالأسلحة المتوسطة وتم الزج بها بمقدمة القوات المهاجمة في كثير من المعارك، وغالبًا ما تكون الفِرق النظامية للحزب وراءها.
4- ميليشيات الدفاع الوطني المكونة من السوريين الذين انضموا إليها وتلقوا التدريبات العسكرية تحت إشراف عناصر «حزب الله» بشكل مباشر، علما بأن جزءًا آخر من هذه الميليشيا يتحرك على الأرض تحت قيادة الجيش السوري.
ويتابع: «الميليشيات الكثيرة (الجديدة)، التي تشكلت بإشراف مباشر من (حزب الله)، وبدعم من الحرس الثوري الإيراني تنتشر في مناطق كثيرة من سوريا، وتختلف مهماتها حسب مقتضيات الأوضاع على الأرض، ومن هذه الميليشيات: سرايا المختار - حركة النجباء - فيلق الوعد الصادق - كتائب (حزب الله) - كتائب حسن المجتبى - سرايا الخراساني - جيش الإمام المهدي وعشرات غيرها. واللافت وجود جنسيات كثيرة من العراق وإيران وأفغانستان وباكستان، كما توجد قوات إيرانية معروفة كفيلق بدر وفيلق الحرس الثوري، وعراقية كلواء أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق، حتى إن مجموعات يمنية تم رصدها في سوريا تحت اسم (أنصار الله)».
وبدأ ما يسمى «حزب الله» بخسارة عناصره منذ بدء الأحداث في سوريا. ويلاحظ وبشكل لافت ارتفاع العدد بوتيرة تصاعدية، علما بأنه حاول في البداية تغطية الأمر في النعي بأن عنصره سقط خلال تأدية الواجب «الجهادي»، أو سقط خلال التدريبات، دون ذكر المكان الذي سقط فيه، لكن بتاريخ 30 أبريل (نيسان) 2013، أعلن نصر الله أن ميليشياته ستقوم بكل ما في استطاعتها لمساعدة حلفائها داخل وحول القصير، وهي منطقة كانت قد سقطت بيد المعارضة السورية ولا تبعد عن الحدود اللبنانية أكثر من 10 كيلومترات. واستطاعت ميليشيات «حزب الله» استعادتها في شهر يونيو (حزيران)، حيث تكبد الحزب ما لا يقل عن 200 قتيل، حسبما أجمعت عليه كثير من التقارير الإعلامية والأمنية، وبدءًا من عام 2013 بدأت عناصر «حزب الله» بالظهور العلني في مناطق سورية عدة، بكامل عتادها الحربي وأعلامها الصفراء، بينما كانت في السابق تتخفى ببزات الجيش السوري والأعلام السورية.
* قامع الأحلام
يتذكر حسون، العسكري من مدينة تلبيسة في محافظة حمص، المدينة التي ساهمت مبكرا في الاحتجاجات التي اندلعت ضد النظام السوري في 2011. وكانت أول منطقة تخرج للتظاهر في محافظة حمص في مارس (آذار) الماضي من العام نفسه: «في الفترة الممتدة بين عام 2000 وحتى 2003 كانت خدمتي العسكرية في لبنان، كنت أرى حواجز لـ(حزب الله) منتشرة في منطقة البقاع، أقرأ العبارات في الشوارع وعلى المحال التي تنادي: (يا فلسطين) و(قادمون) و(عائدون) و(منتصرون) و(صادقون) وما شابه.. أعلام صفراء تتدلى من شرفات المنازل، صور لمشايخ وقادات و(شهداء) وخميني تملأ الحارات».
ويكمل في حديثه للشقيقة مجلة «المجلة»، قائلا: «في إحدى المرات عند وقوفي على أحد حواجز المخابرات السورية في منطقة بيادر العدس بلبنان، ومن المعلوم أن مثل هذه الحواجز لا يمر منها (نملة) إلا بعد التفتيش، إذا بي أرى سيارتين من نوع (مرسيدس) تمران بسرعة البرق دون الاكتراث بعناصر الحاجز الذين سبقوا سؤالي لإخباري أن السيارات لـ(حزب الله)، وبالتالي لا تُفتش».
ويروي حادثة أخرى مع ما يسمى «حزب الله»، قائلاً: «كنت قائد فصيل ضمن سرية في عيتا الفخار، وفي يوم جاء لمكتبي عسكري وأخبرني بأن أحد اللبنانيين اختلس منه مبلغا من المال، وهو (حسين عباس) من منطقة الهرمل - زغرين، لم أكن أعرف ماذا يعني أنه من زغرين، إلى أن منعني صديق من الذهاب بمفردي، علما بأني أخبرته بأني محميّ من الرائد نابغ بالمخابرات السورية في بعلبك، وأحمل مسدسي الشخصي، ليضحك صديقي ويقول لي إن الشخص المطلوب من (حزب الله)، وسألني: تعرف ماذا يعني...؟ يعني أنت ذاهب إلى زغرين معقل (حزب الله)، يعني مزارع الحشيش والأفيون والعملة المزورة وتجار السلاح والآثار، وكل مافيات الدنيا موجودة بالهرمل زغرين. لا الجيش السوري ولا اللبناني يتجرأ أصلاً على أن يدخل زغرين».
ويشير إلى أنه «بعد انسحاب القوات السورية من لبنان (التي دخلها النظام في 1976 وخرج منها في 2005) كانت خدمتي في منطقة السيدة زينب في دمشق، حيث الصور والأعلام صفراء، وأصوات المسجلات تتعالي باللطميات، وشباب ينوحون ويبكون متعصبين بقماشات مكتوب عليها حسين وزينب، وفي اليوم التالي يلبسون بدلات عسكرية ويدخلون تشكيلاتنا العسكرية للتدريب ودورات اطلاع، يصولون ويجولون في شامنا بحماية حوزات ومرجعيات دينية، أبنيتهم ومقراتهم ملأت الشام».
أما في مدينتي حمص، يقول مستأنفًا: «وخلال الـ20 سنة الماضية استوطنوا في تجمعات وقرى لم تكن موجودة من قبل، أذكر منها المزرعة والنجمة والأشرفية والهلالية والكم والمختارية وحوش حجو والوازعية الهاشمية... إلخ، وهي أكثر مما نتصور، كانت تنشأ بتسهيلات من الموالي لطهران (ضاهر يونس) أمين سر مجلس محافظة حمص في زمن المحافظ إياد غزال، ابن شيخ الطائفة العلوية والمقرب من بشار الأسد. وكانت الجمعيات السكنية بإدارة يوسف بن ضاهر اليونس». يضيف: «كنت شاهدًا مرة على صفقة من صفقاتهم، ففي بيت ضاهر كان عنده أشخاص لبنانيون وعراقيون، ميزتهم من لهجاتهم، والحديث كان يدور حول إمكانية شراء وبيع عقارات لغير السوريين، وكان جواب يوسف، وهو يضحك (كلو بيصير بسوريا الأسد). وظهرت قبل الثورة في حمص محال تجارية في أسواقها ومكاتب تجار وشقق سكنية، شركات نقل وإنشاء، معامل أخشاب، تجار جملة، موظفو دولة، أسماء غريبة، ازدشير، ازدجرت، وزواج متعة، ويافطات، وكربلاء، وصور حسن نصر الله في كل مكان.. رويدا رويدا، بدأت حمص تفقد هويتها».
* ليس بطارئ
ما يسمى «حزب الله» لم يكن حالة طارئة حلت على سوريا مع حلول الربيع العربي، فالحزب في سوريا قبل الربيع، يدك في أعماق الجغرافيا السورية، والقادة العسكريون السوريون كانوا يدركون أكثر من أي شخص سوري آخر ما معنى «حزب الله»، ناهيك من المقرب من ملالي قم، مما شكل عامل إحباط آخر لدى العسكريين، فهم يشهدون هشاشة جهازهم وتهالك أفرادهم، والفساد الذي تعدى النخر ووصل بجسد المنظومة العسكرية إلى الموت السريري، فالحرب مع الغرباء الذين أضحوا هم أهل البيت وأهل الشام، حرب استنزاف لا يتجرأ العاقل على خوضها، وتحولت إلى حرب استسلام.
العميد الركن مصطفى أحمد الشيخ الذي ترأس المجلس العسكري للجيش السوري الحر عند انطلاقته، كان قبل انشقاقه، رئيس فرع الكيمياء وضابط أمن المنطقة الشمالية في سوريا، يؤكد أن «النظام كان يدرك ومن خلال سلوكه حجم جريمته بحق سوريا المواطن والوطن، وكل ذلك تحت غطاء لا يمت للممانعة والمقاومة والعروبة، لذلك لم يكن أمامه سوى (حزب الله)، ومبكرًا دخل على خط الحرب ضد الثورة. وعندما اندلعت الثورة السورية، لم يكن في سوريا ما يمكن أن يطلق عليه اسم جيش»، لأنه، وحسب اعتقاد الشيخ، فإن «الجيش السوري كان جيشًا متهالكًا متفككًا، خصوصًا بعد الانشقاقات والتصفيات والهرب»، لافتًا إلى أن «عناصر الجيش لم تكن مبنية لخوض صراعات من الوزن الثقيل، كالصراعات الطائفية والحرب الأهلية، فتفكك الجيش وأصبح (حزب الله) المسعف الأول للنظام، الذي يعد الدفاع عن النظام المجرم معركة حياة أو موت، وقالها حسن نصر الله علانية».
ويقول العميد الشيخ: «إن إمكانات الجيش السوري قبل اندلاع الثورة، التي كان يعتمد عليهما الاعتماد الكلي في توازن القوى، هي إنتاج الصواريخ في مركز البحوث العلمية التي كنتُ من المشرفين عليها، حيث كان إنتاج الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى، والشيء الثاني هو السلاح الكيميائي، وكنا نزود (حزب الله) بالكاتيوشا، وقسم كبير من الصواريخ التي كان يطلقها على إسرائيل كانت صناعة مركز البحوث العلمية، وقسم آخر كانت إيران تمده بها، إضافة إلى أنها مدته بإمكانات هائلة لتطوير صناعات حربية في جنوب لبنان لم يكشف عنها كلها»، منوها بأن «السلاح الكيميائي يعد سلاح ردع، ودولة مثل سوريا موقعها في الشرق الأوسط يجاور إسرائيل التي تمتلك سلاحًا نوويًا، فلن تستطيع استعماله لأن خسائر النووي شيء وخسائر الكيماوي شيء آخر. الكيماوي هو نوع من سلاح الردع ليس أكثر، أما الصواريخ فيمكنها أن تدمر، لكنها لن تحسم معركة، والدليل أن النظام استخدم كل صواريخه ولم يحسم حربه في الداخل»، مستدركًا «الطائرات السورية متهالكة، لعدم توافر قطع غيار، حيث إن روسيا وحتى عام 2011 لم تمد سوريا بأي قطع غيار لأسلحتها ومدرعاتها وطيارتها لتتحول كلها في النهاية إلى خردة، وما عادت تصلح للقتال، باستثناء لواء الحرس الجمهوري الذي كان يملك دبابات (تي – 72)».
ويضيف أن «النظام ما كان مهتمًا بالجيش، عكس ما كان يروج، وهذا دليل على أن قضية الصراع مع إسرائيل في الأساس كانت منتهية في ذهن الأسد، الأب والابن، إلا ما كان تنازل عن الجولان، وبالتالي هذا الجيش لم يصمم ليقاتل بصفته جيشًا وطنيًا، بل صُمم لحماية السلطة، وبني على أساس فاسد، واستطاع الضباط العلويون بالفعل تحويله إلى مزرعة، من خلال «تفييش» نصف الجيش (ظاهرة التفييش، مصطلح لدى السوريين، وهو بيع الخدمة العسكرية بمقابل شهري يدفعه المجند الإجباري للضابط المسؤول عنه لقاء عودته إلى منزله وعمله فيما تحسب له الفترة من الخدمة الإلزامية)، وخدمة العَلم (التجنيد الإجباري) وما هي في الحقيقة سوى خدمة الضباط وعائلاتهم ومزارعهم، وأصبح التطوع في الجيش ليس إلا مشروعًا استثماريًا، إذ أصبح التطوع في الجيش ليس إلا استثمارًا في حالته القصوى نيل المغريات: من فيلات، وسيارات، وسلطة، ونفوذ... إلخ، والأهم من ذلك كله هو «التفييش»، أما من لم يفيش فعليه تقديم الكثير من الهدايا التي يجبره الضباط على الالتزام بها، فضلاً عن سرقة مستحقات الجندي من الطعام والفاكهة واللباس والعتاد، إضافة إلى سرقة مستودعات البنزين والمازوت، والبدل الوهمي للتهرب من التجنيد الإجباري وخلافه، وكل تلك تمثل مغريات لكثيرين للتطوع بالجيش، إضافة إلى منح، خصوصًا الضباط المقربين من دائرة الحكم الضيقة، ما يريدون من أراض ليعمروا بيوتهم فيها بدمشق، وتحديدا في حي المزة، الذي عرف فيما بعد بأسماء متعددة (كالمزة 86 والمزة خزان والمدرسة)، وأخلي أهلها، وطبقت في كثير من المدن سياسة هدفت إلى إقامة مساكن خاصة لهم، بمعنى مستوطنات أسدية، هذا كله أفقد الجيش المعنى الوطني».
ويختم حديثه قائلا: «الشعب السوري اكتشف قبل الثورة، وخصوصًا بعد تسلم بشار الأسد وبعد يقينه أن الجيش وجميع مؤسسات الدولة ينهش فيها الفساد والرشوة، أن مشروع (حزب الله) مشروع قاتل للأمة والشعب السوري، فـ(حزب الله) أصبح موجودا في المشهد السوري، ليس فقط كممانع ومقاوم، بل من خلال المراقد الشيعية التي أنشأها، والحسينيات ونشر التشيع - على الطريقة الإيرانية - بإغراء المواطن الفقير والمعدم بالمال، وهذا حصل في كل مدن سوريا من حلب ودمشق، وأصبحت دمشق حاملة المشروع الإيراني في التوسع، وأصبحت سوريا قلعة من قلاع إيران، وبالتالي التخلي عن سوريا سقوط إحدى أهم دعائم إيران، لذا عَدّ (حزب الله) معركته في سوريا معركة حياة أو موت»، كاشفًا أن «النظام اتفق مع إيران أن تصبح دمشق بمقام حج للمتشددين الشيعة، بمبرر وجود مقام السيدة زينب، وعده استثمارًا اقتصاديًا لسوريا مقابل السماح بالتشيع وبناء الحسينيات».
* المواطن السوبر
العميد الركن المنشق، أحمد رحال، يقول إن «اعتماد (حزب الله) على العقيدة الشيعية جعلت منه حزبًا عقائديًا، ويتفوق مقاتلوه بالولاء عن أقرانه من المقاتلين المنضوين في صفوف الميليشيات الشيعية الأخرى، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر مبدأ الخُمس، وهو التبرع بالخُمس مما يجنيه الشيعي لولاية الفقيه، فمقاتلوه يخضعون بداية لدورات متتالية هذه الدورات تؤهله لأن يفهموا عقيدة (ما يسمى) حزب الله، ويعدون أن الجهاد والقتال في صفوف الحزب هو أمر شرعي يحتمه عليه ولاية الفقيه».
ويضيف رحال، أن «حافظ الأسد، كان من الذكاء والحنكة بأن منع إظهار عمق العلاقة مع إيران على حساب العروبة، بمعنى أنه حافظ على علاقة متوازنة ما بين العلاقة بالمجموعة العربية من طرف وإيران من طرف آخر، لم يدع إحداهما تتغلب على الأخرى، على الأقل ظاهريًا. وهو لم يولِ ظاهريًا الاهتمام بالإعلان عن اللقاءات والظهور مع حسن نصر الله بعكس بشار الأسد الذي بعدم إدراكه القدرة على الفصل ما بين العروبة وولاية الفقيه، (ارتمى) في أحضان إيران وهاجم السعودية ومصر، وبذلك ضحى بآخر ما تبقى له من المنظومة العربية».
ويتابع: «حسن نصر الله أصبح بطلاً صوره تُلصق على لسيارات، حتى في زمن الأب منذ عام 1995 كانت هناك صور لحافظ الأسد ونصر الله يتوسطهما باسل الأسد (الابن الأكبر لحافظ الأسد الذي مات بحادث سير، ودارت أحاديث فيما بعد أنه كان حادثًا مدبرًا، لأن الأسد الأب كان يهيئه لتولي الحكم من بعده). عمليًا، هذا اللعب على المشاعر العربية وصل لمرحلة التقديس لحسن نصر الله، وخلال وجود الجيش السوري في لبنان كان الوصول لقلب القيادة السورية يمر من الضاحية، أي من خلال (حزب الله)، مثل ميشال عون ووئام وهاب وسليمان فرنجية وغيرهم الكثيرون. وبعد مقتل الحريري تم قلب الأوضاع كلها وسحب البساط من تحت كل الطوائف، وتم الإبقاء على الشيعة، وحصرًا حسن نصر الله»، مستدركًا «فالحريري كان عقبة أمام المشروع الفارسي في المنطقة، لذا كان لا بد من تصفيته وكان ضحية الصدام بين المشروع الفارسي والهيمنة الإيرانية على المنطقة والموقف العروبي. ولا يخفى كيف تم استدعاؤه إلى القصر الجمهوري وكيف هدده بشار الأسد»، متابعًا: «عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري بشار الأسد، أخبرني شخصيًا أنه عندما عاد الحريري من لقائه مع بشار الأسد، ذهب إلى بيت عبد الحليم خدام وكان هناك غازي كنعان، فعندما دخل على خدام كان يبدو على الحريري الغضب الشديد، وقال لخدام: (يا أبو جمال من أين أتيتوا لنا بهذا الولد؟)، قاصدًا بشار الأسد، وتدخل غازي كنعان مخاطبًا الحريري (هذا.. أتى به، في إشارة إلى نفسه)، وتابع كنعان (بس متل ماجبناه بنشيلوا...)، فيما بعد ثبت أن بيت عبد الحليم خدام كان مراقَبًا لاسلكيًا، وأن هذه الكلمة كانت سبب قتل غازي كنعان، أي تصفيته فيما بعد من قبل النظام».
ويشير العميد رحال إلى أنه «بعد تصفية الحريري أصبح الطريق ممهدًا لتمدد (حزب الله) وبمساعدة بشار، وأصبح (حزب الله) هو بالع الحكومة اللبنانية، وأصبح العامل الأساسي في لبنان، زاد الظهور العلني للتمدد الشيعي وعملية إبراز مكانة (حزب نصر الله) في المنطقة، إذا عدنا لخطوط الإمداد للأنفاق التي حفرت ما بين سوريا ولبنان، يعني من منطقة حمص ليصل إلى الزبداني والنزول باتجاه الجنوب اللبناني كلها، هذه المناطق حفرت فيها أنفاق من داخل الأراضي السورية إلى داخل الأراضي اللبنانية، ليتم نقل كل ما تريده قيادة (حزب الله) والمخابرات السورية دون اجتياز الحدود، وهذه الأنفاق يسيطر عليها (حزب الله) حصرا»، لافتًا إلى أن «أحد الأنفاق الموجودة في القصير قُصِفت من قبل إسرائيل بعد اكتشافها، وكان مسؤولاً عنها رئيس فرع الأمن العسكري، أو مفرزة الأمن العسكري بحمص، وهي على الأرض عبارة عن مزرعة داخلها باب النفق الممتد للحدود اللبنانية. وحفرت هذه الأنفاق بين نهاية الثمانينات إلى بداية التسعينات، ولا أحد يعلم كيف تم حفرها، ومن المحتمل أن يكون مَن حفرها قد قُتِل، فمن شروط العمل فيها، أن من يمر داخلها حصرًا من (حزب الله)، فسيارات الحمل تأتي إلى باب هذه الأنفاق ينتظر سائقوها خارج النفق في المزرعة لتتولى عناصر من الحزب تكملة الطريق داخل النفق إلى الجانب اللبناني وتفرغ الحمولات ويعودون أدراجهم ويتسلم السائقون سيارتهم، وهذه المزرعة قصفت في عام 2013 أو 2014 من قبل الطيران الإسرائيلي».
ويكشف مسؤول المجلس العسكري في الساحل عن أن «(حزب الله) بدأ مهمته في قمع الثورة من خلال القناصين، ومهمتهم كانت قنص كل رموز الثورة السورية من طرف، ومن الطرف الآخر قنص المترددين من جيش النظام في قتال المدنيين، لذا الإعلام الأسدي كان يقول إن هناك طرفًا ثالثًا يقتل من الطرفين، وهذا الكلام صحيح وهو (حزب الله)، ولا يعلم بهم سوى الدائرة الضيقة من النظام. فيما بعد توغل (حزب الله)، وتم الإعلان عن دخوله عمليًا في معركة القصير. هنا مجيء الحزب كان بمثابة إهانة لضباط الأسد، إذ أصبحوا تابعين لعناصر الحزب وليس لضباطه، والمنطقة التي يقاتل فيها مجموعة من حزب الله وكتيبة من جيش الأسد القيادة فيها لـ(ما يسمى) حزب الله، وبحسب تصريحات قيادات الميليشيات الشيعية العراقية فإن الفصائل الشيعية هي من تقاتل في سوريا وتسيطر على منطقة ويسلمونها للجيش السوري فيبيعونها، أي يستهزئون بالجيش السوري».
ويلفت إلى أن «المناطق المهمة سلمت لـ(حزب الله) والحواجز المهمة سلمت له والمناطق الشيعية ممنوع أن يقترب منها الجيش السوري، وسلمت لـ(حزب الله) والفصائل الشيعية الأخرى كفصيل أبو فضل العباس، وفصيل بدر والنجباء والفاطميون والحرس الثوري الإيراني فيلق القدس».
ويكشف قائلا إنه «في إطار المعلومة وليس التحليل، في بداية 2011 وقبل اندلاع الثورة السورية بأسابيع، كنت ضابطًا في الأكاديمية العسكرية العليا برتبة عميد إداري، عقد اجتماع ترأسه بشار الأسد وحضره في حدود 200 شخصية من مختلف المجالات من ضباط وأطباء وعلماء نفس وصحافة وإعلام ورجال دين، وتم تشكيل خلية سُمّيت بخلية الأزمة مختلفة عن خلية الأزمة المشكلة من السلطات الأمنية خلال الثورة، هذه الخلية كانت مشكلة من 100 شخص يرأسها بشار الأسد، لمنع انزلاق الشعب السوري في ثورة كما حدث في تونس ومصر، وتم وضع سيناريو يجيب عن تساؤل أنه في حال اقترب الربيع العربي من سوريا، ما الخطوات التي يجب أن تتخذ للتعامل معه. وبحسب ضابط علوي كان أحد أعضاء هذه اللجنة أخبرني أن الخطة تفيد بأنه سيكون لـ(حزب الله) دور القمع، والإعلام له دور، وهنا دور ميشال سماحة لأنه رئيس القسم الإعلامي في هذه الخلية، والأمن له دور، وهنا تدخل عمليات التفجير وعمليات تقطيع الأوصال والعمليات التي كانت تنفذها المخابرات السورية وتتهم الثورة بها، أي تم التحضير لكل شيء وإلا لما خرجت علينا بثينة شعبان مع الأيام الأولى للثورة لتتحدث عن الإمارة والخلافة الإسلامية، كانت ضمن الخطة الإعلامية لخلية الأزمة والخلية الموكلة تقوم بحرق الثورة، وكان هناك قرار بأن الثورة السورية إذا قامت يجب أن تُسلح مباشرة ويجب أن يسيل الدم في الشوارع، ولكن كيف يمكن أن يسيل الدم في الشوارع؟ هل يمكن أن يخرج الجيش يقصف أهله من السوريين؟ هذا الأمر كان خارقا لتفكير الإنسان السوري، وهنا كانت الحاجة ملحة إلى طرف ثالث يقوم بهذه المهمة، وهو (حزب الله). وتوغل الحزب وفق استراتيجية وبشكل مختلف عن الفصائل الشيعية الأخرى، فكان التركيز الأساسي للحزب ينحصر في المنطقة الجغرافية الممتدة ما بين حدود حمص الشمالية الغربية مع طرطوس والجولان السوري، يعني منطقة القلمون وريف دمشق الجنوبي، لأن هذه المنطقة هي التي تشكل العمق الآيديولوجي والجغرافي للحزب، وفي القصير والقلمون وعسال الورد والزبداني ومضايا كان لا بد من إنهاء الوجود السني في تلك المناطق فركز (حزب الله) عملياته في هذه المناطق، وهذا لا يمنع زج قواته في المناطق الأخرى».
ويتابع أنه «في نهاية عام 2013 أطلق رجل دين شيعي إيراني، اسم (حزب الله سوريا) وكلف سمير القنطار الدرزي المتشيع، وشخصًا آخر هو جهاد مغنية ابن عماد مغنية، وضابطًا من إيران اسمه عميد محمد داي، هؤلاء الثلاثة كان موكلاً لهم أن ينشئوا (حزب الله السوري). وعلى مبدأ الضرورات تبيح المحظورات، سمح بأن يدخل الحزب من كل الطوائف، إلى أن يصبح لاحقًا الذراع الإيرانية الثانية في سوريا، وبديلا عن الأسد الذي لن ينجو هو وحزبه ونظامه من العدالة، لكن هذا الأمر كان عليه (فيتو) من قبل إسرائيل، خصوصًا أن هذا الحزب تم الإعلان عن تشكيله في مناطق قريبة من الجولان، ووجود سمير قنطار الدرزي المتشيع، يعني أنه يهدد مكونًا من مكونات إسرائيل، ونحن نعلم أن الدروز هم الوحيدون الذين يمنحون الجنسية الإسرائيلية. هذا الموضوع شكل خطورة عليهم من ناحية إمكانية أن ينتقل إلى الضفة الثانية من الجولان، وبالتالي يعبر الحدود السورية إلى إسرائيل، مما يشكل اختراقًا للمكونات الإسرائيلية، فتم تحذير إيران من هذا الموضوع، وعندما تمادت إيران في الموضوع، نفذت إسرائيل العملية الأولى فقتلت خلاله العميد الإيراني محمد داي، وقتلت جهاد عماد مغنية، وقتلت من كانوا معهما، وكانت بمثابة رسالة تحذير إسرائيلية لإيران، ثم أعيد تكليف سمير القنطار في المتابعة، فقتلوا سمير قنطار في كرفانه، وبعدها ماتت فكرة إنشاء (ما يسمى) حزب الله السوري».
ويحذر رحال قائلاً: «هناك خطر في السويداء، إذ إن كل الشيعة الذين هربوا من حوران، خصوصًا من بصرى الشام، وكما نعلم أن نصف بصرى الشام هم من الشيعة، هؤلاء ذهبوا إلى السويداء وأُعطيت لهم مساكن حديثة وسيطروا على مقدرات السويداء، فاليوم في سوريا أي عنصر شيعي هو (التوب.. هو إللي يصول ويجول)، لأن إيران وحزب الله هما من أنقذا نظام بشار الأسد، والمواطن المتشيع للنظام الإيراني وحزبه صار هو المواطن السوبر».
* خروج حتمي
المعارض السوري ورئيس تحرير موقع «كلنا شركاء» الإلكتروني أيمن عبد النور، يكشف عن أن «(حزب الله) أصبح يريد سلطة ونفوذًا يساويان ما يعتبرونه (التضحيات) التي يقدمونها، وهذا ما أدى بهم أن يسقطوا عَلم النظام ويرفعوا عَلم الحزب، وألا يقيموا أي اعتبار للحواجز النظام، وألا يترددوا في الاستهزاء والاستهانة، وكثير من الأحيان الحط من شأن جيش النظام علانية، وصرحوا بأنهم لم يعودوا يفضلون العمل أو حتى التنسيق والتعاون مع جيش بشار الأسد، لأنهم مستعدون أن يبيعوا المعلومات وأن يبيعوا أسلحتهم وذخيرتهم مقابل المال، والتي أدت إلى مقتل عدد كبير من جماعة (حزب الله). ولأجل هذا أصبح كل كتيبة تهاجم تحت إمرة قياداتها وليس بشكل مشترك، وأزال عناصر من ميليشيات الحزب اللبناني علم النظام من فوق أحد الحواجز الشهيرة الخاصة بقوات النظام في محيط بلدة مضايا، وهناك خلافات بدأت تظهر على السطح، وبين الفترة والأخرى يتم تناقلها بين الفصائل الشيعية العراقية والأفغانية وحزب الله وهم ينتقدون وينبذون جيش بشار».
ويضيف عبد النور أن «الأقسى في القتال وارتكاب المجازر بين الفصائل الشيعية، هم مقاتلو (حزب الله)، وما تبقى أضعف في ولائهم وانتمائهم، كالأفغان والعراقيين»، منوها بأن «المناطق التي يسيطر عليها (حزب الله) ليس بمقدور جيش الأسد أن يحافظ عليها في حال انسحب منها الحزب، وهناك وعد روسي لإسرائيل بأن أي منطقة يقصفونها وتخرج منها المعارضة أو (داعش) لا يدخلها شيعة (حزب الله)، بل يدخلها جيش بشار الأسد هذا ما وعد به بوتين نتنياهو».
ويتابع: «هذا ليس لأن (حزب الله) خارق، بل لأنه لم يعد هناك شيء باسم الجيش السوري، ونُشر مقال بـ(إندبندنت) البريطانية بأنه لا يوجد سوريون في الجيش، هم أفغان (من الذين هاجروا إلى إيران، وإيران تستغلهم وتساومهم وتأخذ ذويهم رهائن لكي لا يهربوا من القتال في سوريا)، وإيرانيون و(حزب الله)، وكانوا يشيعون قبل الثورة أن الجيش العربي السوري يبلغ تعداده 550 ألف مقاتل. لو كان هذا العدد حقيقيا لكانوا ابتلعوا إسرائيل، إنما الذي بقي من كل ذلك الوهم 80 ألف جندي، 80 في المائة علوي، 10 في المائة سني، 5 في المائة مسيحي، و5 في المائة درزي، هذه الأرقام بدقة. إذن، فالميليشيات هذه غير قادرة على فعل أي شيء، لذلك اضطر إلى أن يخلي المدن ويسلمها لما يسمى الدفاع الوطني، الذين هم عبارة عن مدنيين يحمون المدن، واضطر إلى أن يستعين بـ(حزب الله إيران) ويسد الفراغ. وعندما زاد الضغط اضطر إلى أن يتوسل مساعدة روسيا، وحتى الدائرة الضيقة التي تحمي الأسد الآن هم الإيرانيون الذين يتولون الحرس والاتصالات كاملة، إضافة إلى مجموعة ضباط حصرًا من الطائفة العلوية القدامى منهم مستلموا الحرس الجمهوري مع الإيرانيين، وبعضهم ليس على علاقة جيدة بـ(حزب الله) ومتوجسون من مستقبل الحزب في سوريا».
ويختم المعارض السوري حديثه قائلاً: «في النهاية، هناك نهاية لدور (حزب الله) في سوريا، وهو يدرك أنه لن يبقى في سوريا لأجل طويل وسيأتي يوم يخرج فيه من سوريا، وذلك لأسباب عدة، أهمها ضرورات تتعلق بالداخل اللبناني، فهو سينسحب من نفسه ويخرج ويقول: إن قيادة الحزب اجتمعت وقررت إنهاء مهمته في سوريا، وهذا عندما تشعر بأن هناك حلاً قريبًا في سوريا. ولا ننسى الضغوط الاقتصادية، فإيران قلصت رواتب غالبية الفصائل والميليشيات الشيعية في سوريا، وانخفضت التعويضات، إضافة إلى أنه، أخيرًا، تمت معاقبتهم من قبل الخزانة الأميركية فيما يخص كل ما يتعلق بمصادر التمويل، لذا إيران ستزيد من تجنيدها للأفغان. وتقوم إيران بتجنيد اللاجئين الأفغان الموجودين على أراضيها عبر إغراءات منح إقامات لهم ولأسرهم، مستغلة بذلك فقرهم وظروفهم المعيشية الصعبة لتزج بهم في معارك سوريا لحماية نظام بشار الأسد».
وبحسب هيئات حقوقية، فإن ما يسمى «حزب الله» اللبناني الذي يقاتل إلى جانب النظام في سوريا، هو متهم مع النظام السوري جنبًا إلى جنب بارتكاب انتهاكات ترقى لأن تكون جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وذلك في المناطق التي تسيطر وتقاتل فيها، قامت فرق عدة لحقوق الإنسان بتوثيق العشرات منها، تقديم المتورطين كافة بتلك الجرائم إلى المحاكم من أجل القصاص العادل.



وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت بالقول: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة بصورة أدق».

وفي أول حوار تُجريه منذ تولّيها الحقيبة المثخنة بالتحديات، تقول الزوبة إن الحوثيين «ليسوا مجرد أداة بلا مشروع محلي، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل ما أصبحوا عليه عن علاقتهم العميقة والمتراكمة مع إيران».

تمعن الوزيرة في الوصف وتقول إن الجماعة «ليست مجرد ذراع؛ بل كتلة تهديد قائمة بذاتها، تتقاطع مصالحها مع المشروع الإيراني حيثما يخدم ذلك توسيع نفوذها وفرض الأمر الواقع».

وتكمل بالقول: «نحن أمام جماعة إرهابية تحمل مشروعاً آيديولوجياً وسياسياً في الداخل، يقوم على العنف المحض وخرافة الاصطفاء السلالي التمييزي والعنصري تجاه المجتمع اليمني، وتعتقد بأحقّيتها المطلقة في الحكم والثروة، وتسخير قوى الشعب وفئاته لخدمة مشروعها، وإرساء نظام حكم ثيوقراطي شديد الانغلاق والانعزالية ومُعادٍ لقيم المواطنة والحريات والكرامة الإنسانية».

شرح «التخادم»

عند حديثها عن «التخادم» الحوثي الإيراني، تشرح الزوبة قائلة إن «(الحوثي) يستفيد من إيران لتعزيز مشروعه في الداخل، وإيران تستفيد من (الحوثي) وموقع اليمن الاستراتيجي كأداة نفوذ وضغط في الإقليم».

لكن هذا «التخادم»، وفق الوزيرة، «لم يعد مقتصراً على العلاقة مع إيران»، وتعلل ذلك قائلة: «توسعت الحوثية الإرهابية بالتعاون وتبادل المصالح مع عناصر وتنظيمات إرهابية وشبكات تهريب مرتبطة بالساحة اليمنية، ومع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي وجماعات مسلّحة في العراق، بما يعكس تشابكاً متزايداً في المصالح والأدوات ومسارات التهريب، ويضاعف من طبيعة التهديد العابر للحدود».

وتظهر خطورة ذلك، والحديث للزوبة، في محاولات تحويل اليمن وموقعه الجغرافي إلى منصة لتهديد دول الجوار والسفن والموانئ والممرات البحرية، وصولاً إلى استهداف ميناء المخا، وتحويل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن إلى ساحات للضغط والابتزاز.

وترى الوزيرة أن هذا السلوك «يدفع اليمن إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، ويهدد أمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية».

مسار التصعيد

خلال الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة التصعيد الحوثي من استهداف القوات المسلّحة في مأرب وحضرموت إلى مخيّمات النازحين والأعيان المدنية في مأرب والمخا، وامتدت الاعتداءات إلى نجران في المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع تجدد التهديد للسفن والممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما إذا كانت تنظر إلى هذه التطورات بوصفها حوادث متفرقة أم مسار تصعيد واحداً، أجابت: «لا أتعامل معها بوصفها حوادث منفصلة».

وتشرح: «عندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قوات الدولة، ثم تمتد الاعتداءات إلى المدنيين والنازحين، ومنشآت ومرافق مدنية واقتصادية حيوية، وإلى المملكة العربية السعودية، وتتزامن مع تهديد السفن والممرات البحرية، فنحن أمام نمط واحد يتسع جغرافياً ويضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه».

وتلفت الزوبة إلى أن التصعيد جاء في وقت كانت فيه الجهود السياسية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها جهود المملكة العربية السعودية للعودة إلى المسار السياسي.

وتضيف أنه «لا توجد أسباب أو تطورات داخلية تفسر هذا التصعيد»، وعدَّت أن السياق الإقليمي يكشف عن «تصعيد إيراني واضح»، تجلَّى، وفق قولها، في إرسال طائرتين إيرانيتين إلى مطاريْ صنعاء والحديدة، دون موافقة الحكومة اليمنية، ومحاولات إيران المتكررة لتوظيف البحر الأحمر «كساحة للضغط والإضرار بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي».

ومن هنا، ترى وزيرة الخارجية أن الاعتداءات الأخيرة ينبغي أن تُقرأ «في سياقها الأوسع، لا بوصفها أحداثاً منفصلة أو عابرة».

أفراح الزوبة أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية (الشرق الأوسط)

«حق الدولة السيادي»

لكن كيف تتعامل الحكومة مع هذا التصعيد؟ وهل يعني الرد العسكري الذي أعلنته القوات المسلّحة، إلى جانب رفع مجلس الدفاع الوطني الجاهزية، أن الحكومة انتقلت من الاحتواء إلى مسار عسكري جديد؟

تجيب الزوبة بأن «المبدأ السياسي والقانوني واضح: للدولة حق سيادي ومشروع في الدفاع عن مواطنيها وقواتها ومؤسساتها، واتخاذ الإجراءات الضرورية والمتناسبة لردع الاعتداءات».

أما القرار العسكري تحديداً، فتشير الزوبة إلى أن مجلس الدفاع الوطني «في حالة انعقاد مستمر للتعامل مع الموقف»، وأنه وضع استعادة مؤسسات الدولة وحماية السيادة في صدارة الأولويات، ووجّه القوات المسلّحة بالرد على مصادر النيران والتعامل مع اعتداءات الحوثيين.

وتقول إن ذلك «جزء من مسؤولية الدولة في حماية حدودها وموانئها ومواطنيها ومنع تعرضها لابتزاز متكرر».

ومع ذلك تؤكد الزوبة أن موقف الدولة في جوهره لم يتغير، وتُلخصه في «إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والعودة إلى المسار الذي سعت إليه الدولة، وصولاً إلى حل سياسي حقيقي ومستدام».

وترفض الوزيرة وجود تناقض بين الردع والتسوية، قائلة: «لا أرى تناقضاً بين حماية الدولة لنفسها وبين الحل السياسي. على العكس، لا يمكن الوصول إلى حل مستدام من موقع يسمح باستمرار الاعتداءات بلا كلفة. نحن نريد حلاً سياسياً، لكن في ظل دولة قادرة على حماية مواطنيها وسيادتها ومؤسساتها».

السلام والردع

بعد اثنيْ عشر عاماً من التجارب والهُدن والمفاوضات، أما زال الحل السياسي ممكناً؟ وهل شجعت سياسة احتواء الحوثيين الجماعة على مزيد من التصعيد؟

تقول الزوبة إن الأمل سيظل قائماً في إنهاء «هذا الكابوس الذي يعيشه اليمنيون منذ اثني عشر عاماً بطريقةٍ تحقن دماءهم وتحمي مقدّراتهم».

وتستعيد الوزيرة مساراً طويلاً يمتد من الحوار الوطني إلى مفاوضات الكويت واتفاق ستوكهولم ومبادرات التهدئة اللاحقة، وتقول إن الحكومة خاضت هذه المسارات «بحثاً عن مَخرج يعيد البلد إلى الاستقرار».

لكن التجربة مع الحوثيين، وفقاً للزوبة، أظهرت نمطاً متكرراً منذ الحروب الست، «في أكثر من محطة، كلما وجدت الجماعة نفسها تحت الضغط، اندفعت نحو التهدئة، ثم ما لبثت أن أعادت بناء قوتها وعززت قدراتها وعادت إلى الهجوم».

ومن هنا، ترى الزوبة أن «سياسة الاحتواء، عندما لا تقترن بعواقب وكلفة واضحة مترتبة على خرق الالتزامات، قد تُفهَم على أنها سماح بالمزيد».

وتضيف أن الحكومة والشعب «يتوقان إلى الخلاص من هذه المعاناة»، مشيرة إلى ما يواجهه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين من الحرمان والقتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، وإلى استهداف المنشآت النفطية ومصادر الدخل في المناطق الخاضعة للحكومة.

وتختصر الزوبة رؤيتها بالقول: «نريد سلاماً حقيقياً تدعمه أدوات ضغط وردع وآليات تنفيذ ومساءلة؛ تهدئة تقود إلى حل، لا فرصة لإعادة التموضع والتسليح».

البحر الأحمر... حماية السفن لا تكفي

وفي ملف البحر الأحمر، ترى وزيرة الخارجية أن موقع اليمن الجغرافي يمنحه مسؤولية كبيرة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مشددة على أن هذه الممرات «ليست شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب؛ بل هي شرايين للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم».

وتنظر الحكومة اليمنية، وفق الزوبة، إلى «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» الذي أطلقته السعودية، بوصفه «خطوة مهمة»؛ لأنه ينقل حماية الملاحة «من ردود متفرقة إلى تعاون مؤسسي» يشمل حماية السفن وتبادل المعلومات ورفع الوعي البحري والتدريب وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات.

لكنها تستدرك: «حماية السفينة في عرض البحر وحدها لا تكفي إلى ما لا نهاية، إذا بقيت مصادر التهديد على اليابسة والسواحل خارج سلطة الدولة».

وبالنسبة إلى الزوبة، فإن «الجزء المستدام من الحل» يكمن في تمكين الحكومة اليمنية من بسط سلطتها على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتعزيز خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ ومكافحة التهريب.

وتضيف: «اليمن تاريخياً كان نقطة عبور وتجارة وتواصل مع العالم، ومن الظلم أن يُختزل موقعه اليوم في صورة مصدر تهديد، بدلاً من أن يعود جسراً للتجارة والاستقرار».

من حوار وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع الزميل بدر القحطاني (الشرق الأوسط)

ماذا يريد اليمن من العالم؟

تقر الزوبة بأن المجتمع الدولي أصبح أكثر فهماً لطبيعة السلوك الحوثي، وتقول إن الحكومة تُقدر المواقف الدولية الأخيرة، بما فيها ما صدر عن مجلس الأمن ودول ومنظمات إقليمية ودولية، خصوصاً ما يتعلق بسيادة اليمن وحق الحكومة في إدارة مجالها الجوي ومنافذها ورفض الاعتداءات على السعودية والسفن التجارية.

لكنها تشدد على أن «قيمة الموقف السياسي تظهر عندما يُترجم إلى تنفيذ».

وتُحدد الوزيرة ما تريده الحكومة عملياً فيما يلي: «تطبيق فعلي لقرارات مجلس الأمن ونظام الجزاءات وحظر السلاح، وإغلاق مسارات تهريب الصواريخ والطائرات المسيّرة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج والخبرات التقنية، ومساءلة الشبكات التي تُموّل أو تُسهّل هذه الأنشطة».

وتضيف إلى ذلك ضرورة بناء قدرات الدولة اليمنية، خصوصاً خفر السواحل والأجهزة المختصة وأمن الموانئ.

وتقول الزوبة: «لا نطلب من العالم أن يقاتل نيابةً عنا»، وإنما ألا يُطلب من الدولة التخلي عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها ومقدَّراتها وسيادتها، «بينما تبقى كلفة الانتهاك شِبه معدومة». وتضيف: «كل تجاوز بلا كلفة يشجع التجاوز الذي يليه».

ولا تقف مطالب الحكومة عند الجانب الأمني، إذ تجدد الزوبة طلباً تقول إن الحكومة ترفعه منذ نصف عقد يتعلق بـ«تصحيح طريقة الدعم الدولي والمساعدات الموجهة للشعب اليمني»، بحيث تنتقل من «دعم دوري لتسكين أعراض الأزمة الإنسانية» إلى معالجة جذورها عبر دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.

اليمنيون ليسوا أوراق تفاوض

وراء ضجيج الصواريخ والسياسة، تلفت وزيرة الخارجية إلى الجانب الإنساني، وتقول إن ملايين اليمنيين يعيشون ظروفاً شديدة القسوة، وإنه «لا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات ضغط أو رهائن بيد الميليشيا الحوثية في حسابات سياسية وعسكرية».

وتضيف: «عندما يُستهدف نازح اضطر أصلاً إلى مغادرة بيته في مدينة مأرب، أو يُحتجز موظف أممي يعمل لخدمة الناس، أو تتعطل لقاحات الأطفال والمساعدات، فنحن أمام كلفة إنسانية تتجاوز المقاربة السياسية».

وتتهم الزوبة الحوثيين بالسيطرة على الموارد وعرقلة العمل الإنساني واحتجاز الموظفين وتعطيل وصول اللقاحات وتحويل هذه الملفات إلى وسائل ضغط على المواطن. وتشدد بالقول إن «الملفات الإنسانية حقوق وليست أوراق تفاوض أو ابتزازاً».

لكنها تربط، في الوقت نفسه، المعالجة المستدامة للأزمة باستعادة الدولة، قائلة إن «المساعدة تستطيع تخفيف الألم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل دولة تؤمّن التعليم والصحة والرواتب وتحمي المواطنين».

ثلاثة اتجاهات لـ«الخارجية»

بعيداً عن ملفات الحرب، سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما تريد أن يلمسه اليمنيون في عمل الخارجية، خلال المرحلة الأولى من تولّيها المنصب.

وتُحدد الزوبة ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها «توفير الإمكانات اللازمة للدبلوماسية اليمنية حتى تقوم بدورها وتواكب الفعل السياسي للدولة».

وتقول: «وزارة الخارجية هي قناة الاتصال الأساسية مع العالم، ولذلك يجب أن تكون طواقمها في الداخل والخارج قادرة على نقل سياسة الدولة والدفاع عن مصالحها».

أما الاتجاه الثاني فهو خدمة اليمنيين في الخارج، إذ تلفت إلى وجود جاليات يمنية كبيرة، وتقول: «هم ليسوا ملفاً قنصلياً فحسب؛ هم جزء من الاقتصاد الوطني، وسفراء يوميون لليمن، وتحويلاتهم بمليارات الدولارات سنوياً تسند ملايين الأُسر».

والاتجاه الثالث يتعلق بـ«تحسين البنية المؤسسية داخل الوزارة واستكمال الإصلاحات التي بدأت في المرحلة السابقة».

في هذا السياق، تُسجل الزوبة تقديرها للدكتور شائع الزنداني، الذي قاد الوزارة في المرحلة السابقة، وتقول إن العمل الدبلوماسي «بطبيعته عمل تراكمي تتكامل فيه جهود مَن تعاقبوا على المسؤولية».

وتوضح رؤيتها للوزارة: «أريد وزارة تعمل كمنظومة واحدة، بكادر مهني، ورسالة موحدة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة، بحيث تعكس السياسةَ الخارجية للدولة لا اجتهادات متفرقة».

رواتب الدبلوماسيين والتعيينات

وعن الملف الحساس المتعلق بتأخر رواتب الدبلوماسيين وأوضاع البعثات والتعيينات، تعبر الزوبة عن اعتزازها بالطاقم الدبلوماسي اليمني الذي عمل، كما تقول، «طوال هذه السنوات في ظروف بالغة الصعوبة، وظلّ إحدى جبهات الدولة في الخارج».

وتضيف: «من غير المنصف أن نتحدث عن دبلوماسية فاعلة دون أن نهتم بالأوضاع المهنية والمعيشية لمن يحملون هذه المسؤولية».

وتكشف أنها تعمل مع رئيس مجلس الوزراء والقيادة السياسية على «حلحلة الإشكالات المتراكمة والبحث عن المعالجات الممكنة لتحسين الوضع المالي للكادر والبعثات».

لكنها تتجنب تقديم موعد محدد للحل: «هذا ملف مرتبط بإمكانات الدولة، لذلك لن أقدم مواعيد أو وعوداً غير مضمونة، لكنني أستطيع أن أؤكد أنه في صدارة اهتمامنا».

أما التعيينات فتصفها بأنها «عملية طبيعية في أي سلك دبلوماسي»، لكنها تحتاج في الظروف الحالية إلى «دراسة وتأنٍّ».

وتُحدد أربعة معايير لهذا الملف: «الكفاءة والحاجة والأداء والمصلحة الوطنية»، مع الالتزام بالقوانين واللوائح وعدم حِرمان المستحقين وربط التعيينات باحتياجات الوزارة والبعثات.

«اليمن فرصة وليس مشكلة»

تريد الزوبة تغيير الطريقة التي يقدم بها اليمن نفسه إلى العالم، وتقول إن الحرب والأزمتين الإنسانية والاقتصادية تمثل تحديات لا يمكن إنكارها، «لكن اليمن يظل فرصة ودولة واعدة للأشقاء والأصدقاء».

وتُعدد ما يمتلكه البلد: «موقع استراتيجي، ومجتمع شاب، وموارد وإمكانات، وممرات بحرية حيوية، وتاريخ طويل من التجارة والتواصل».

وتضيف: «الدبلوماسية ينبغي ألا تذهب إلى العالم فقط لتشرح ماذا نحتاج، بل أيضاً ماذا يمكن أن يقدم اليمن كشريك».

وتطمح الوزيرة إلى نقل العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء «من إدارة الأزمة إلى بناء شراكات في الأمن البحري، والتجارة، والطاقة، والاستثمار، والتعافي وإعادة الإعمار، وبناء القدرات».

وتضع في مقدمة هذه العلاقات الشراكة مع السعودية ودول مجلس التعاون، «بحكم الجغرافيا والمصالح والأمن المشترك»، إلى جانب علاقات متوازنة مع بقية الدول الصديقة.

وتختصر الزوبة الصورة التي تريد للدبلوماسية اليمنية أن تقدمها: «كلما كانت الدولة اليمنية أقوى وأكثر استقراراً، أصبح اليمن قيمة مضافة لأمن المنطقة، لا عبئاً عليها... لا نتحدث عن اليمن كمشكلة دائمة، بل كفرصة ونقطة ارتكاز للاستقرار والتعاون».

«اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»

وعند سؤالها عن رسائل تُوجهها إلى اليمنيين في الداخل والخارج: «اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»، قالت الوزيرة: «نحن دولة عربية عريقة، وشعب عُرف تاريخياً بالتجارة والانفتاح والتواصل واحترام المجتمعات التي يعيش فيها».

أما في الداخل فترى أن الأولوية هي «استعادة فكرة الدولة قبل أي شيء»، وتُحدد ملامحها بأنها دولة «تحمي المواطن، وتحتكر السلاح والقرار السيادي، وتقوم على القانون والمواطنة المتساوية، وتعيد الموارد إلى خدمة الناس».

وتُشدد على أن خلافات اليمنيين السياسية «ينبغي ألا تجعلهم يختلفون على هذه الأسس».

أما رسالتها إلى الخارج فتختصرها بالقول: «نريد أن نستعيد مكان اليمن الطبيعي كدولة ذات سيادة وصاحبة حضارة عريقة، وأن تعكس دبلوماسيتنا صورة شعب قادر على البناء والتواصل والمساهمة في استقرار محيطه، لا أن يبقى اليمن أسيراً لصورة الأزمة وتداعياتها».


انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها الأمنية على مسؤولي المربعات السكنية في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، المعروفين محلياً باسم «عقال الحارات»، وذلك باعتقال أكثر من 30 منهم، وإقصاء نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تنفيذ مهام التجنيد والتعبئة وجمع المعلومات والتبرعات من السكان.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر تابعة لما يُسمَّى جهاز «استخبارات الشرطة» كثفت، خلال الأيام الأخيرة، حملة استدعاءات وتحقيقات طالت مسؤولين محليين ومشرفين ميدانيين في عدد من أحياء مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين، قبل أن تنتهي باحتجاز 30 مسؤولاً وإقصاء 23 آخرين.

وبحسب المصادر، سبقت الاعتقالات عملية استدعاء لنحو 53 مسؤولَ حيٍّ ومشرفاً ميدانياً، للتحقيق في نتائج ما تسميه الجماعة «التقارير الميدانية»؛ خصوصاً ما يتعلق بمستويات استقطاب مقاتلين جدد، وجمع الأموال والمساعدات العينية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالسكان.

طلبة مدارس جندهم الحوثيون خلال استعراض في صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن الجماعة حمّلت مسؤولي الأحياء مسؤولية التراجع في عمليات الحشد والتجنيد، وعدم تحقيق حصص محددة من المجندين والتبرعات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز الموارد المخصصة لأنشطتها العسكرية.

وقال أحد مسؤولي الأحياء في صنعاء (طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية) إن مشرفي الجماعة كثفوا، خلال الأيام الماضية، ضغوطهم على مسؤولي الأحياء لتحقيق أعداد محددة من المجندين وجمع مبالغ مالية، مشيراً إلى أن الفشل في تنفيذ تلك التوجيهات يعرّض المسؤول للإقصاء أو الاستدعاء والتحقيق والاحتجاز.

وأضاف مصدر محلي آخر أن التحقيقات ركزت على أسباب تراجع عمليات الاستقطاب والتجنيد، ومستوى التحصيل المالي، فضلاً عن مدى تنفيذ مهام مراقبة السكان وجمع المعلومات عنهم.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد حملات جمع التبرعات في أحياء صنعاء؛ حيث كثَّف مشرفو الجماعة زياراتهم إلى الأحياء والأسواق، وحضّوا السكان والتجار على تقديم مساهمات مالية وعينية تحت اسم دعم «المجهود الحربي»، وسط استياء متزايد بين الأهالي.

تضييق أمني على الأحياء

أكدت المصادر أن حملة الاعتقالات والإقصاء في أوساط «عقال الحارات» أثارت مخاوف محلية من اتساع نطاقها لتشمل مسؤولين آخرين في مناطق مختلفة من العاصمة المختطفة، خصوصاً مع استمرار الجماعة في تشديد قبضتها الأمنية والإدارية على السكان.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تشديد الإجراءات بحق مسؤولي الأحياء يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة في ملفَّي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل ممثليها المحليين مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وتعد شبكة مسؤولي الأحياء والوجهاء والمشرفين إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة علاقتها بالسكان، ومراقبة الأحياء، وتنفيذ عمليات الحشد والتجنيد وجمع الأموال.

وبحسب المصادر، يتعرَّض هؤلاء المسؤولون لضغوط متواصلة لاستقطاب السكان، بمن فيهم المراهقون، إلى صفوف الجماعة، فضلاً عن دفعهم للمشاركة في دورات عسكرية وتحصيل الأموال لصالح أنشطتها.

حملة متكررة

لا تُعدّ الإجراءات الحالية الأولى من نوعها؛ إذ سبق للجماعة الحوثية أن أقصت، في منتصف مارس (آذار) من العام الماضي، نحو 52 مسؤول حيّ و«عاقل حارة» في صنعاء، واحتجزت عدداً آخر، بدعوى عدم تنفيذ مهام استقطاب مجندين جدد وجمع التبرعات من السكان، وفق مصادر محلية.

عنصر حوثي يقف بالقرب من مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وتزامنت تلك الحملة مع إخضاع نحو 90 مسؤول حي في صنعاء وضواحيها لدورات ذات طابع عقائدي، ضمن ما سمَّته الجماعة حينها «برنامجاً فكرياً»، بإشراف شخصيات دينية مقربة من زعيمها، عبد الملك الحوثي.

وتشير الإجراءات المتكررة إلى استمرار الجماعة في استخدام مسؤولي الأحياء كحلقة وصل أمنية وتنظيمية بينها وبين السكان، مع تحميلهم بصورة متزايدة مسؤولية تنفيذ أهدافها في التجنيد والتعبئة والجباية ومراقبة المجتمع.


الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
TT

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

تلك الزيارة التي أعلنت عنها وسائل إعلام تركية رسمية، ستدفع، حسب خبراء بمصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، العلاقات بين البلدين نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع.

وسيلتقي فيدان نظيره المصري بمدينة العلمين شمال البلاد، للبحث في التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية، والأوضاع الليبية، والصراع في السودان، وكذلك تطورات قطاع غزة، بحسب وسائل إعلام تركية رسمية.

وتأتي الزيارة بعد حديث فيدان قبل أيام، عن أن مصر قد تنضم مستقبلاً إلى «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، المبرمة الجمعة الماضي، مؤكداً، أنه «لا يوجد ما يمنع القاهرة من المشاركة في الاتفاقية».

اجتماع سابق بين وزيري خارجية مصر وتركيا في أنقرة (الخارجية المصرية)

كما يناقش فيدان وعبد العاطي التطورات في غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب الوضع في الخليج ومضيق هرمز، بحسب ما نقله تلفزيون «تي أرت» التركي الأربعاء، عن مصادر بالخارجية التركية.

ومن المنتظر أن يؤكد فيدان، خلال زيارته التي تستمر الخميس والجمعة، دعم تركيا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن ضرورة وقف الهجمات على غزة، وتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بحسب المصدر التركي.

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في سياق مجموعة من التطورات المهمة، على رأسها استمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى وجود اتفاق مصري تركي على ضرورة دفع هذه المفاوضات، والعمل المشترك لمحاولة إنهاء الحرب الجارية في المنطقة، لما لها من انعكاسات مباشرة على كلا البلدين.

وفيما يخص الشأن الفلسطيني، أكد سعيد، أن الزيارة ستشهد تعزيزاً وتوسيعاً للتنسيق المصري التركي المتعلق بإدارة المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل عودة الاستهداف الإسرائيلي للقطاع وتوسع حركات الاستيطان في الضفة.

ولفت، إلى أن الملف الليبي سيكون حاضراً بقوة في ظل توافق مصري تركي على ضرورة بناء دولة ليبية موحدة، بخلاف التوترات في منطقة البحر الأحمر، بما في ذلك مساعي إسرائيل لإقامة قواعد عسكرية في منطقة «أرض الصومال»، بالإضافة إلى تحركات جماعة الحوثي.

البحر الأحمر

وبرأي المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن الملف الأول على طاولة المباحثات «هو تنسيق الجهود المشتركة لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، ودعم المسار السياسي، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الملف الليبي الذي يشهد تنسيقاً عالي المستوى بين مصر وتركيا تجاه ملفات المنطقة، بخلاف أزمة الملاحة في هرمز وأمن البحر الأحمر».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أفادت مصادر بوزارة الخارجية التركية الأربعاء، أن فيدان وعبد العاطي سيترأسان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر، بمشاركة مسؤولين من الجهات المعنية في البلدين.

ويناقش اللقاء مخرجات الاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة في 4 فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب التحضيرات للاجتماع الثالث للمجلس المقرر عقده في تركيا عام 2028، ومن المقرر أيضاً أن يلتقي فيدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب المصدر التركي.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات سبل تطوير العلاقات التركية المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، ومراجعة الاتفاقيات الجاري التفاوض بشأنها، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة وزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتأسست مجموعة التخطيط المشتركة التركية-المصرية عام 2024 بهدف التحضير لاجتماعات «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق بين البلدين في مختلف مجالات التعاون، بينما عقد اجتماعها الأول في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 برئاسة وزيري خارجية البلدين.

وعلى الصعيد الثنائي، وصف كرم سعيد، الجانب الاقتصادي بأنه «محور مهم وتقليدي في كافة اللقاءات رفيعة المستوى، ويتوقع أن تتجه العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع».

ويتفق أوغلو مع سعيد، ويقول، إن زيارة فيدان إلى القاهرة تتجاوز البعد السياسي لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واضحة جداً، مؤكداً أن الاقتصاد أصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة بين أنقرة والقاهرة.