سعيد يقطين: دخول العصر لا يعني تقليد الغرب

الباحث والناقد المغربي الفائز بـ«جائزة الشيخ زايد للكتاب»

غلاف الكتاب  -  سعيد يقطين
غلاف الكتاب - سعيد يقطين
TT

سعيد يقطين: دخول العصر لا يعني تقليد الغرب

غلاف الكتاب  -  سعيد يقطين
غلاف الكتاب - سعيد يقطين

يعتبر الدكتور سعيد يقطين من أهم الأسماء المغربية التي فرضت حضورها وقيمتها على الساحة الأدبية العربية، وقد أغنى المشهد الثقافي العربي بمؤلفات قيّمة كثيرة، تلامس أغلب الحقول والأجناس الأدبية، نذكر منها «تحليل الخطاب الروائي» (1989) و«انفتاح النص الروائي» (1989) و«الرواية والتراث السردي» (1992) و«من النص إلى النص المترابط» (2005)، و«السرديات والتحليل السردي» (2012)، ثم «الفكر الأدبي العربي.. البنيات والأنساق» (2014)، الذي حاز «جائزة الشيخ زايد للكتاب» في مجال «الفنون والدراسات النقدية». هنا حوار معه:
* جعلتم من فوزكم بـ«جائزة الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية» مناسبة للفت الانتباه إلى «أعطاب الممارسة الإعلامية والثقافية والأدبية، في العالم العربي»، وانتقاد «غياب الاختصاص الدقيق في ممارساتنا الإعلامية والثقافية والأدبية»! وهو غياب رأيتم أنه يرجع إلى نوع التكوين الذي نتلقاه في المدرسة والجامعة؛ إذ نحن، إما «موسوعيون» نعرف كل شيء ولا نعرف شيئا، وإما مختصون في مجال محدد، نعرف عنه «كل» شيء، ولا نعرف أي شيء خارج الاختصاص؟
- هذا صحيح إلى حد بعيد، ولقد كان هذا همي منذ أن بدأت الكتابة. إن تناول واقعنا الثقافي والاجتماعي والأكاديمي، من وجهة نظر تقف على أعطابه ومشكلاته يدخل في صلب اهتمامي وهمومي الفكرية. وانتهاز هذه الفرصة كان مهمًا لأهمية الحدث وخصوصيته إعلاميا وثقافيا.
* إلى أي حد ساهمت الجوائز في التقريب بين المثقفين والفاعلين والمسؤولين على مستوى الوطن العربي؟
- يمكن اعتبار الجوائز حدثا ثقافيا. فالكل، بدافع الفضول، أو المتابعة، يهمه التعرف إلى نتائجها. ويكون من آثار ذلك التعرف إلى أسماء جديدة، أو إعادة النظر في بعض الأسماء، تقديرا وإكبارا، واعترافا. أما عن مسألة التقريب بين المثقفين فلا أظن أن الجوائز تلعب ذلك الدور. فالمفروض في المثقفين أنهم يعرفون بعضهم عن طريق القراءة، أو المشاركة في أنشطة ثقافية عامة. لكن بعض الأسماء الجديدة أو التي ليس لها حضور فاعل في الواقع الثقافي العربي، تمكنها الجائزة، أحيانا، من تثبيت حضورها، أو لفت الانتباه إليها.
* بغض النظر عن إيجابيات ونواقص الجوائز التي تسلم في الوطن العربي، كيف يمكن استثمار الجوائز في تنشيط المشهد الثقافي العربي؟
- لا تزال آثار الجوائز محدودة في الوطن العربي؛ وذلك لأسباب كثيرة، من بينها مثلا مصاحبة التشكيك في بعض النتائج من لدن بعض المتنافسين أو الإعلام الثقافي، ومنها ضعف المواكبة الإعلامية على نطاق واسع. فالكثير ممن يكتبون عن الجوائز ليس لهم اطلاع على الأعمال الفائزة، فلا تكون كتاباتهم عنها إلا من خلال ما تقدمه تقارير اللجان. وعندما لا يلعب الإعلام دوره المنوط به، ولا سيما السمعي – البصري (المسموع - المرئي)، في عقد لقاءات وندوات حول الكتب الفائزة، ولا تقوم المكتبات بالعمل نفسه في تقديم هذه الكتب بكيفية ملائمة، على نحو ما نشاهد في البرامج الأجنبية، لا يمكن أن يكون للجوائز سوى دور محدود في التنشيط الثقافي.
* يتناول مؤلفكم الجديد «طريقة تعاملنا مع الأدب والدراسة الأدبية منذ عصر النهضة إلى الآن بهدف الوقوف على ما يَـعـْـتـَـورُ وعينا الأدبي، ويسهم في إعاقة تطوره». ويبدو أنكم اعتمدتم صيغة المحاكمة والنقد لمرحلة حساسة من تاريخنا لها ارتباط بواقع عام، وبدرجة الوعي التي تعوق التطور؟
- إذا كانت دلالة المحاكمة والنقد مؤسسة على قراءة فاحصة وموضوعية فأنا أقبل هذه الصفة. إن مرادي في هذا الكتاب هو التفكير في ممارسة تحققت عبر زمان (نحو قرن، تقريبا). وهذا التفكير ينشد أولا معرفة ما تحقق والعمل على تشخيص الدوافع، والأسباب التي جعلت ممارستنا تعيش واقعا متأزما. كان المنطلق هو ما يعرفه واقعنا الثقافي والأكاديمي حاليا، بهدف الذهاب إلى المستقبل. ولقد استدعى ذلك مني الرجوع إلى بدايات التشكل الأولى في العصر الحديث، فعملت على تتبع أنماط التفكير والممارسة لأنتهي إلى الخلاصات التي وقف عليها الكتاب. لقد كان هدف تلك «المحاكمة»، وهذا «النقد»، هو الفهم الدقيق أولا، بعيدا عن الإكراهات الفكرية والإيديولوجية، وكانت قراءة الآثار في صيرورتها محاولة لتلمس الشروط والملابسات المحيطة بها ثانيا. وثالثا، كانت الرغبة في الإمساك بالخيط الرفيع الذي يربط بين مختلف مكوناتها وهي تتطور حتى آلت إلى ما آلت إليه حاليا، حيث المأزق الذي يسلم به الجميع.
* لا توفرون فرصة انتقاد واقع الدراسة الأدبية في العالم العربي؛ لذلك تتخلل كتاباتكم نبرة محذرة ومنبهة، تدعو إلى الأخذ بأسباب التطور، في النظرة وفي الممارسة؟
- هذه النبرة وليدة موقف فكري - نقدي من التسرع في اتخاذ القرارات وبناء التصورات. إنه الحذر الإبستيمولوجي الذي يدفعنا إلى التفكير في الظواهر بمنأى عن الانطباع، ويعمل على تجنيبنا الانصياع للأهواء والتصورات الجاهزة والمسبقة. لذلك؛ أرى أن إصدار الأحكام، وتأويل الظواهر لا يمكن أن يتأتى لنا إلا بعد الفهم والتفسير، والنظر في البنيات والأنساق. ودون ذلك الكثير من الجهد الذي يستدعي التوقف أمام الوقائع من أجل التثبت منها عبر معاينتها في تطورها، ومقايستها بغيرها، وافتراض ما يمكن أن تكون عليه في ضوء احتمالات متعددة.
* توظفون، في كتاباتكم، عددا من الكلمات «المفاتيح»، التي تركز، في جانب منها، على «ضرورة دخول العصر»؟
- إن إيماني بنسبية الأفكار، والحقائق، وهو جزء من الإيمان بتطور الأفكار يدفعني دائما إلى القول بأن أي تفكير، مواكب وقابل للتطور، لا يمكن أن يتحقق إلا في ضوء «العصر المعرفي» الذي ينجز في نطاقه. فطه حسين مثلا، لأنه كان ابنا شرعيا (فكريا) لنهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، لا يمكنه أن يفكر في الأدب والمجتمع إلا في ضوء ما تحقق فيه. وبعض الذين انتقدوه، وإن كانوا معاصرين له، لم يكونوا أبناء العصر المعرفي الذي عاشه طه حسين بوعي. كانوا أبناء عصور معرفية أخرى. ويمكن قول الشيء نفسه عن المتطرفين حاليا، أيا كانت اتجاههم الطائفي أو الديني أو الآيديولوجي. إنهم ليسوا أبناء «العصر المعرفي» الذي نعيش فيه، حتى وإن كان بعضهم يستثمر التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل. فهم يستعملونها باعتبارها «وسائل» لا «وسائط». فالوسيلة أداة يمكن التعامل معها بأي ذهنية. أما الوسيط فلا يمكن توظيفه إلا بالذهنية التي تتلاءم معه. حين أنادي بـ«دخول العصر»، لا أعني بذلك تقليد الغرب، ولكني أقصد الانخراط فيه من أجل المشاركة فيه، والمساهمة في تطور الوعي الإنساني باستثمار ثقافتنا، وتفاعلنا مع الثقافة الحديثة والمعاصرة.
* دعوتم إلى تصحيح المسار وتغيير الرؤية واستشراف آفاق جديدة لمستقبل الفكر الأدبي العربي، على أساس «المقايسة» بين دخول العصر في بدايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فدعوتم إلى عدم تكرار أخطاء التجربة الأولى؟
- سؤال دقيق وجيد. إنه يعبر عن جوهر ما أدعو إليه. لقد كانت هناك إكراهات سياسية واقتصادية وثقافية فرضت على تفكيرنا في عصر النهضة ألا يقبل بالدعوات التي انتبهت إلى ضرورة دخول العصر الحديث. إن الدعوات إلى تحرير العقل والمجتمع والمرأة، ومقاومة الاستبداد، وتجديد التعليم والدين والسياسة، كلها فهمت على أنها دعوات إلى «التغريب» والتشبه بالآخر المستعمر. ومن هنا كانت المقاومة الشديدة لهذه الدعوات. حين أعود الآن إلى تأمل فكر النهضة العربية، لا يمكنني سوى إيجاد مبررات لتلك المقاومة: فالمستعمر كان عنيفا في محاولة فرض قيمه وتصوراته. وأنصار تلك الدعوات كانوا بدورهم عنيفين في التصدي للفكر المحافظ (تصورات طه حسين عن الأدب الجاهلي، مثلا). لذلك كان الفكر المحافظ الذي يستمد شرعيته من الوعي السائد المشترك قويا في الرفض والمعارضة. ويمكن أن أضرب مثالا لامتداد هذه الدعوات التجديدية مثلا مع ظهور اليسار العربي في أواسط القرن العشرين: لقد كان عنيفا جدا ضد الدين وضد القيم السائدة. ولذلك لم يفلح في فرض وجوده ثم تراجع نهائيا. وبما أن الصراع تجاذبته قيم التاريخ والعصر، وكأنهما نقيضان، لم يكن بد من التوفيق الذي نعيشه: تاريخ عصري، وعصر تاريخي؟ فلا تاريخ ولا عصر؟ وحين نقارن التجربتين اليابانية والصينية بالعربية - الإسلامية، نجدهما أنهما معا، وكل منهما كانت تنتمي إلى معسكر مناقض للآخر، نجحتا في دخول العصر، دون التفريط في تاريخهما. هذا التوفيق الذي مارسناه منذ عصر النهضة إلى الآن، هو ما أدعو إلى تجاوزه، والوعي به، عبر الاستفادة من التاريخ، والعصر معا، فنفكر في كيفية جديدة ومختلفة في التعامل مع التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل، فنتعامل مع هذا العصر الرقمي الذي نحن بصدد الانخراط فيه، بوعي أو بغير وعي، عن طريق التعامل معه ليس باعتباره عصر وسيلة جديدة، ولكن بصفته عصر وسائط جديدة، أهم سمتها «التفاعل»؟ ولا يمكن دخول هذا العصر من دون تغيير رؤيتنا للتعليم الذي هو بوابة تحول المجتمعات وتغيرها.
* لكن، هل يمكن القول إن «الآمال» التي علقت على الإبداع الرقمي، في العالم العربي، قد تراجعت... في زمن عربي يبدو منتصرًا للورقي والإبداع «التقليدي»؟
- هي لم تبدأ حتى تتراجع، وليس هناك زمن ورقي وآخر رقمي. السؤال الحقيقي هو: كيف نحقق تفاعلا إيجابيا بين الزمنين لدخول زمن آخر، هو زمن الإبداع الحقيقي؟
* كيف تنظرون إلى الدعوات، التي تزايدت في السنوات الأخيرة، والقائلة بضرورة إعادة التفكير في تاريخنا الحديث، ومن ذلك قول محمد جاسم الموسوي، مثلا، بأن «أدب الانحطاط» أسطورة روج لها دعاة «النهضة»، وأن هناك حاجة إلى «تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتج الثقافي، وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص»؟
- لقد قادت طريقة التفكير التي مارسناها منذ عصر النهضة إلى الآن أن ولدنا أساطير لا حصر لها. ويشترك في صنع هذه الأساطير دعاة الأصالة والمعاصرة معا. ولعل أكبر أسطورة في رأيي: الأنا والآخر. الأنا المقدس، والآخر المدنس، عند فئة، ونقيضها عند فئة أخرى. هذه الأسطورة التي ستتولد عنها كل الأساطير. أصحاب الأسطورة الأولى مارسوا «الانغلاق المميت»، والآخرون مارسوا «الانفتاح القاتل». الأوائل رأوا أننا بشر مختلف عن البشرية. والأواخر اعتبرونا تابعين لها. وبدا ذلك في قراءتنا للتاريخ: صرنا نرى التاريخ والفكر في ضوء منجزات الغرب. فصار تقسيمنا للتاريخ حسب العصور كما يقدمها الغربيون. في ملتقى مع المستشرقين السوفيات في موسكو، اعترضت على حديث كوديلين عن عصور الانحطاط في الغرب حين عممها على تاريخ البشرية، فقلت له: لقد كانت عصور ازدهار في التاريخ الإسلامي. فقبل ذلك على مضض لأنه يعتبر التاريخ الأوروبي، وكأنه تاريخ البشرية. والشيء نفسه في الحديث عن الأجناس الأدبية.
* تناولتم في مؤلفكم الجديد بعض الأصوات التي «تنادي بأزمة الأدب وبأنه في خطر»، قبل أن تجد لها بعض الأصداء في الوطن العربي، وشددتم على أن «المشكل ليس في تفشي مثل هذه الأفكار في عصر من العصور، ولكن في كيفية التجاوب معها»؟
- هذا صحيح. فهناك فرق بين الحديث عن الأزمات، وعن الكيفيات التي نتجاوب معها. إن التجاوب مع الأزمات يعني الفهم والتفسير اللذين يؤديان إلى التجاوز. لكن ادعاء الأزمة يعني النهاية التي تستدعي تفكيرا آخر.
* تحدثتم عن المنجزات الفكرية الأدبية الحديثة، في منطلقاتها الغربية، ورأيتم أنها تعكس توجهات وأفكارًا قابلة للنقاش والتحليل، وليست «حقائق» ينبغي التسليم بها؟
- نعم، آن الأوان لتجاوز النظرة التقديسية لما ينتج في الغرب. لقد أدى بي انغماسي في السرديات وتتبع جزئياتها وتفاصيلها في الكتابات الغربية إلى الانتهاء إلى أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وفي هذا تأكيد لما قلته عن نسبيتها وتطورها.
* دعوتم إلى تجاوز أعطاب الفكر العربي، والانتقال من جمع المعلومات ومراكمتها وتنظيمها، إلى إنتاج المعرفة الأدبية؟
- تتطلب هذه الدعوة تصويب المسار الذي نفكر في نطاقه. لقد صارت المعلومات مطروحة في الطريق، تماما كالمعاني، وعلينا الانتقال إلى طرق تنظيم المعلومات وإنتاج المعارف، وإلا سنظل أسارى التلفيق والجمع الذي لا يؤدي إلى التطوير.
* تزايد في السنوات الأخيرة منسوب الجدل بصدد ثنائية زمن الشعر - زمن الرواية.. كيف تنظرون لهذا السجال.. وهل هو مفيد للمشهد الإبداعي، أم أنه يركز على الهامش ويترك جوهر الممارسة الإبداعية؟
- بعض الناس تعجبهم الأساطير الحديثة، والأقوال المتسرعة، وكلٌ يتمسك بها لغايات ومقاصد. أما التفكير في مثل هذه الأساطير فمطلب أساسي للتدقيق والتحقيق.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.