سعيد يقطين: دخول العصر لا يعني تقليد الغرب

الباحث والناقد المغربي الفائز بـ«جائزة الشيخ زايد للكتاب»

غلاف الكتاب  -  سعيد يقطين
غلاف الكتاب - سعيد يقطين
TT

سعيد يقطين: دخول العصر لا يعني تقليد الغرب

غلاف الكتاب  -  سعيد يقطين
غلاف الكتاب - سعيد يقطين

يعتبر الدكتور سعيد يقطين من أهم الأسماء المغربية التي فرضت حضورها وقيمتها على الساحة الأدبية العربية، وقد أغنى المشهد الثقافي العربي بمؤلفات قيّمة كثيرة، تلامس أغلب الحقول والأجناس الأدبية، نذكر منها «تحليل الخطاب الروائي» (1989) و«انفتاح النص الروائي» (1989) و«الرواية والتراث السردي» (1992) و«من النص إلى النص المترابط» (2005)، و«السرديات والتحليل السردي» (2012)، ثم «الفكر الأدبي العربي.. البنيات والأنساق» (2014)، الذي حاز «جائزة الشيخ زايد للكتاب» في مجال «الفنون والدراسات النقدية». هنا حوار معه:
* جعلتم من فوزكم بـ«جائزة الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية» مناسبة للفت الانتباه إلى «أعطاب الممارسة الإعلامية والثقافية والأدبية، في العالم العربي»، وانتقاد «غياب الاختصاص الدقيق في ممارساتنا الإعلامية والثقافية والأدبية»! وهو غياب رأيتم أنه يرجع إلى نوع التكوين الذي نتلقاه في المدرسة والجامعة؛ إذ نحن، إما «موسوعيون» نعرف كل شيء ولا نعرف شيئا، وإما مختصون في مجال محدد، نعرف عنه «كل» شيء، ولا نعرف أي شيء خارج الاختصاص؟
- هذا صحيح إلى حد بعيد، ولقد كان هذا همي منذ أن بدأت الكتابة. إن تناول واقعنا الثقافي والاجتماعي والأكاديمي، من وجهة نظر تقف على أعطابه ومشكلاته يدخل في صلب اهتمامي وهمومي الفكرية. وانتهاز هذه الفرصة كان مهمًا لأهمية الحدث وخصوصيته إعلاميا وثقافيا.
* إلى أي حد ساهمت الجوائز في التقريب بين المثقفين والفاعلين والمسؤولين على مستوى الوطن العربي؟
- يمكن اعتبار الجوائز حدثا ثقافيا. فالكل، بدافع الفضول، أو المتابعة، يهمه التعرف إلى نتائجها. ويكون من آثار ذلك التعرف إلى أسماء جديدة، أو إعادة النظر في بعض الأسماء، تقديرا وإكبارا، واعترافا. أما عن مسألة التقريب بين المثقفين فلا أظن أن الجوائز تلعب ذلك الدور. فالمفروض في المثقفين أنهم يعرفون بعضهم عن طريق القراءة، أو المشاركة في أنشطة ثقافية عامة. لكن بعض الأسماء الجديدة أو التي ليس لها حضور فاعل في الواقع الثقافي العربي، تمكنها الجائزة، أحيانا، من تثبيت حضورها، أو لفت الانتباه إليها.
* بغض النظر عن إيجابيات ونواقص الجوائز التي تسلم في الوطن العربي، كيف يمكن استثمار الجوائز في تنشيط المشهد الثقافي العربي؟
- لا تزال آثار الجوائز محدودة في الوطن العربي؛ وذلك لأسباب كثيرة، من بينها مثلا مصاحبة التشكيك في بعض النتائج من لدن بعض المتنافسين أو الإعلام الثقافي، ومنها ضعف المواكبة الإعلامية على نطاق واسع. فالكثير ممن يكتبون عن الجوائز ليس لهم اطلاع على الأعمال الفائزة، فلا تكون كتاباتهم عنها إلا من خلال ما تقدمه تقارير اللجان. وعندما لا يلعب الإعلام دوره المنوط به، ولا سيما السمعي – البصري (المسموع - المرئي)، في عقد لقاءات وندوات حول الكتب الفائزة، ولا تقوم المكتبات بالعمل نفسه في تقديم هذه الكتب بكيفية ملائمة، على نحو ما نشاهد في البرامج الأجنبية، لا يمكن أن يكون للجوائز سوى دور محدود في التنشيط الثقافي.
* يتناول مؤلفكم الجديد «طريقة تعاملنا مع الأدب والدراسة الأدبية منذ عصر النهضة إلى الآن بهدف الوقوف على ما يَـعـْـتـَـورُ وعينا الأدبي، ويسهم في إعاقة تطوره». ويبدو أنكم اعتمدتم صيغة المحاكمة والنقد لمرحلة حساسة من تاريخنا لها ارتباط بواقع عام، وبدرجة الوعي التي تعوق التطور؟
- إذا كانت دلالة المحاكمة والنقد مؤسسة على قراءة فاحصة وموضوعية فأنا أقبل هذه الصفة. إن مرادي في هذا الكتاب هو التفكير في ممارسة تحققت عبر زمان (نحو قرن، تقريبا). وهذا التفكير ينشد أولا معرفة ما تحقق والعمل على تشخيص الدوافع، والأسباب التي جعلت ممارستنا تعيش واقعا متأزما. كان المنطلق هو ما يعرفه واقعنا الثقافي والأكاديمي حاليا، بهدف الذهاب إلى المستقبل. ولقد استدعى ذلك مني الرجوع إلى بدايات التشكل الأولى في العصر الحديث، فعملت على تتبع أنماط التفكير والممارسة لأنتهي إلى الخلاصات التي وقف عليها الكتاب. لقد كان هدف تلك «المحاكمة»، وهذا «النقد»، هو الفهم الدقيق أولا، بعيدا عن الإكراهات الفكرية والإيديولوجية، وكانت قراءة الآثار في صيرورتها محاولة لتلمس الشروط والملابسات المحيطة بها ثانيا. وثالثا، كانت الرغبة في الإمساك بالخيط الرفيع الذي يربط بين مختلف مكوناتها وهي تتطور حتى آلت إلى ما آلت إليه حاليا، حيث المأزق الذي يسلم به الجميع.
* لا توفرون فرصة انتقاد واقع الدراسة الأدبية في العالم العربي؛ لذلك تتخلل كتاباتكم نبرة محذرة ومنبهة، تدعو إلى الأخذ بأسباب التطور، في النظرة وفي الممارسة؟
- هذه النبرة وليدة موقف فكري - نقدي من التسرع في اتخاذ القرارات وبناء التصورات. إنه الحذر الإبستيمولوجي الذي يدفعنا إلى التفكير في الظواهر بمنأى عن الانطباع، ويعمل على تجنيبنا الانصياع للأهواء والتصورات الجاهزة والمسبقة. لذلك؛ أرى أن إصدار الأحكام، وتأويل الظواهر لا يمكن أن يتأتى لنا إلا بعد الفهم والتفسير، والنظر في البنيات والأنساق. ودون ذلك الكثير من الجهد الذي يستدعي التوقف أمام الوقائع من أجل التثبت منها عبر معاينتها في تطورها، ومقايستها بغيرها، وافتراض ما يمكن أن تكون عليه في ضوء احتمالات متعددة.
* توظفون، في كتاباتكم، عددا من الكلمات «المفاتيح»، التي تركز، في جانب منها، على «ضرورة دخول العصر»؟
- إن إيماني بنسبية الأفكار، والحقائق، وهو جزء من الإيمان بتطور الأفكار يدفعني دائما إلى القول بأن أي تفكير، مواكب وقابل للتطور، لا يمكن أن يتحقق إلا في ضوء «العصر المعرفي» الذي ينجز في نطاقه. فطه حسين مثلا، لأنه كان ابنا شرعيا (فكريا) لنهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، لا يمكنه أن يفكر في الأدب والمجتمع إلا في ضوء ما تحقق فيه. وبعض الذين انتقدوه، وإن كانوا معاصرين له، لم يكونوا أبناء العصر المعرفي الذي عاشه طه حسين بوعي. كانوا أبناء عصور معرفية أخرى. ويمكن قول الشيء نفسه عن المتطرفين حاليا، أيا كانت اتجاههم الطائفي أو الديني أو الآيديولوجي. إنهم ليسوا أبناء «العصر المعرفي» الذي نعيش فيه، حتى وإن كان بعضهم يستثمر التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل. فهم يستعملونها باعتبارها «وسائل» لا «وسائط». فالوسيلة أداة يمكن التعامل معها بأي ذهنية. أما الوسيط فلا يمكن توظيفه إلا بالذهنية التي تتلاءم معه. حين أنادي بـ«دخول العصر»، لا أعني بذلك تقليد الغرب، ولكني أقصد الانخراط فيه من أجل المشاركة فيه، والمساهمة في تطور الوعي الإنساني باستثمار ثقافتنا، وتفاعلنا مع الثقافة الحديثة والمعاصرة.
* دعوتم إلى تصحيح المسار وتغيير الرؤية واستشراف آفاق جديدة لمستقبل الفكر الأدبي العربي، على أساس «المقايسة» بين دخول العصر في بدايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فدعوتم إلى عدم تكرار أخطاء التجربة الأولى؟
- سؤال دقيق وجيد. إنه يعبر عن جوهر ما أدعو إليه. لقد كانت هناك إكراهات سياسية واقتصادية وثقافية فرضت على تفكيرنا في عصر النهضة ألا يقبل بالدعوات التي انتبهت إلى ضرورة دخول العصر الحديث. إن الدعوات إلى تحرير العقل والمجتمع والمرأة، ومقاومة الاستبداد، وتجديد التعليم والدين والسياسة، كلها فهمت على أنها دعوات إلى «التغريب» والتشبه بالآخر المستعمر. ومن هنا كانت المقاومة الشديدة لهذه الدعوات. حين أعود الآن إلى تأمل فكر النهضة العربية، لا يمكنني سوى إيجاد مبررات لتلك المقاومة: فالمستعمر كان عنيفا في محاولة فرض قيمه وتصوراته. وأنصار تلك الدعوات كانوا بدورهم عنيفين في التصدي للفكر المحافظ (تصورات طه حسين عن الأدب الجاهلي، مثلا). لذلك كان الفكر المحافظ الذي يستمد شرعيته من الوعي السائد المشترك قويا في الرفض والمعارضة. ويمكن أن أضرب مثالا لامتداد هذه الدعوات التجديدية مثلا مع ظهور اليسار العربي في أواسط القرن العشرين: لقد كان عنيفا جدا ضد الدين وضد القيم السائدة. ولذلك لم يفلح في فرض وجوده ثم تراجع نهائيا. وبما أن الصراع تجاذبته قيم التاريخ والعصر، وكأنهما نقيضان، لم يكن بد من التوفيق الذي نعيشه: تاريخ عصري، وعصر تاريخي؟ فلا تاريخ ولا عصر؟ وحين نقارن التجربتين اليابانية والصينية بالعربية - الإسلامية، نجدهما أنهما معا، وكل منهما كانت تنتمي إلى معسكر مناقض للآخر، نجحتا في دخول العصر، دون التفريط في تاريخهما. هذا التوفيق الذي مارسناه منذ عصر النهضة إلى الآن، هو ما أدعو إلى تجاوزه، والوعي به، عبر الاستفادة من التاريخ، والعصر معا، فنفكر في كيفية جديدة ومختلفة في التعامل مع التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل، فنتعامل مع هذا العصر الرقمي الذي نحن بصدد الانخراط فيه، بوعي أو بغير وعي، عن طريق التعامل معه ليس باعتباره عصر وسيلة جديدة، ولكن بصفته عصر وسائط جديدة، أهم سمتها «التفاعل»؟ ولا يمكن دخول هذا العصر من دون تغيير رؤيتنا للتعليم الذي هو بوابة تحول المجتمعات وتغيرها.
* لكن، هل يمكن القول إن «الآمال» التي علقت على الإبداع الرقمي، في العالم العربي، قد تراجعت... في زمن عربي يبدو منتصرًا للورقي والإبداع «التقليدي»؟
- هي لم تبدأ حتى تتراجع، وليس هناك زمن ورقي وآخر رقمي. السؤال الحقيقي هو: كيف نحقق تفاعلا إيجابيا بين الزمنين لدخول زمن آخر، هو زمن الإبداع الحقيقي؟
* كيف تنظرون إلى الدعوات، التي تزايدت في السنوات الأخيرة، والقائلة بضرورة إعادة التفكير في تاريخنا الحديث، ومن ذلك قول محمد جاسم الموسوي، مثلا، بأن «أدب الانحطاط» أسطورة روج لها دعاة «النهضة»، وأن هناك حاجة إلى «تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتج الثقافي، وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص»؟
- لقد قادت طريقة التفكير التي مارسناها منذ عصر النهضة إلى الآن أن ولدنا أساطير لا حصر لها. ويشترك في صنع هذه الأساطير دعاة الأصالة والمعاصرة معا. ولعل أكبر أسطورة في رأيي: الأنا والآخر. الأنا المقدس، والآخر المدنس، عند فئة، ونقيضها عند فئة أخرى. هذه الأسطورة التي ستتولد عنها كل الأساطير. أصحاب الأسطورة الأولى مارسوا «الانغلاق المميت»، والآخرون مارسوا «الانفتاح القاتل». الأوائل رأوا أننا بشر مختلف عن البشرية. والأواخر اعتبرونا تابعين لها. وبدا ذلك في قراءتنا للتاريخ: صرنا نرى التاريخ والفكر في ضوء منجزات الغرب. فصار تقسيمنا للتاريخ حسب العصور كما يقدمها الغربيون. في ملتقى مع المستشرقين السوفيات في موسكو، اعترضت على حديث كوديلين عن عصور الانحطاط في الغرب حين عممها على تاريخ البشرية، فقلت له: لقد كانت عصور ازدهار في التاريخ الإسلامي. فقبل ذلك على مضض لأنه يعتبر التاريخ الأوروبي، وكأنه تاريخ البشرية. والشيء نفسه في الحديث عن الأجناس الأدبية.
* تناولتم في مؤلفكم الجديد بعض الأصوات التي «تنادي بأزمة الأدب وبأنه في خطر»، قبل أن تجد لها بعض الأصداء في الوطن العربي، وشددتم على أن «المشكل ليس في تفشي مثل هذه الأفكار في عصر من العصور، ولكن في كيفية التجاوب معها»؟
- هذا صحيح. فهناك فرق بين الحديث عن الأزمات، وعن الكيفيات التي نتجاوب معها. إن التجاوب مع الأزمات يعني الفهم والتفسير اللذين يؤديان إلى التجاوز. لكن ادعاء الأزمة يعني النهاية التي تستدعي تفكيرا آخر.
* تحدثتم عن المنجزات الفكرية الأدبية الحديثة، في منطلقاتها الغربية، ورأيتم أنها تعكس توجهات وأفكارًا قابلة للنقاش والتحليل، وليست «حقائق» ينبغي التسليم بها؟
- نعم، آن الأوان لتجاوز النظرة التقديسية لما ينتج في الغرب. لقد أدى بي انغماسي في السرديات وتتبع جزئياتها وتفاصيلها في الكتابات الغربية إلى الانتهاء إلى أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وفي هذا تأكيد لما قلته عن نسبيتها وتطورها.
* دعوتم إلى تجاوز أعطاب الفكر العربي، والانتقال من جمع المعلومات ومراكمتها وتنظيمها، إلى إنتاج المعرفة الأدبية؟
- تتطلب هذه الدعوة تصويب المسار الذي نفكر في نطاقه. لقد صارت المعلومات مطروحة في الطريق، تماما كالمعاني، وعلينا الانتقال إلى طرق تنظيم المعلومات وإنتاج المعارف، وإلا سنظل أسارى التلفيق والجمع الذي لا يؤدي إلى التطوير.
* تزايد في السنوات الأخيرة منسوب الجدل بصدد ثنائية زمن الشعر - زمن الرواية.. كيف تنظرون لهذا السجال.. وهل هو مفيد للمشهد الإبداعي، أم أنه يركز على الهامش ويترك جوهر الممارسة الإبداعية؟
- بعض الناس تعجبهم الأساطير الحديثة، والأقوال المتسرعة، وكلٌ يتمسك بها لغايات ومقاصد. أما التفكير في مثل هذه الأساطير فمطلب أساسي للتدقيق والتحقيق.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».