سعيد يقطين: دخول العصر لا يعني تقليد الغرب

الباحث والناقد المغربي الفائز بـ«جائزة الشيخ زايد للكتاب»

غلاف الكتاب  -  سعيد يقطين
غلاف الكتاب - سعيد يقطين
TT

سعيد يقطين: دخول العصر لا يعني تقليد الغرب

غلاف الكتاب  -  سعيد يقطين
غلاف الكتاب - سعيد يقطين

يعتبر الدكتور سعيد يقطين من أهم الأسماء المغربية التي فرضت حضورها وقيمتها على الساحة الأدبية العربية، وقد أغنى المشهد الثقافي العربي بمؤلفات قيّمة كثيرة، تلامس أغلب الحقول والأجناس الأدبية، نذكر منها «تحليل الخطاب الروائي» (1989) و«انفتاح النص الروائي» (1989) و«الرواية والتراث السردي» (1992) و«من النص إلى النص المترابط» (2005)، و«السرديات والتحليل السردي» (2012)، ثم «الفكر الأدبي العربي.. البنيات والأنساق» (2014)، الذي حاز «جائزة الشيخ زايد للكتاب» في مجال «الفنون والدراسات النقدية». هنا حوار معه:
* جعلتم من فوزكم بـ«جائزة الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية» مناسبة للفت الانتباه إلى «أعطاب الممارسة الإعلامية والثقافية والأدبية، في العالم العربي»، وانتقاد «غياب الاختصاص الدقيق في ممارساتنا الإعلامية والثقافية والأدبية»! وهو غياب رأيتم أنه يرجع إلى نوع التكوين الذي نتلقاه في المدرسة والجامعة؛ إذ نحن، إما «موسوعيون» نعرف كل شيء ولا نعرف شيئا، وإما مختصون في مجال محدد، نعرف عنه «كل» شيء، ولا نعرف أي شيء خارج الاختصاص؟
- هذا صحيح إلى حد بعيد، ولقد كان هذا همي منذ أن بدأت الكتابة. إن تناول واقعنا الثقافي والاجتماعي والأكاديمي، من وجهة نظر تقف على أعطابه ومشكلاته يدخل في صلب اهتمامي وهمومي الفكرية. وانتهاز هذه الفرصة كان مهمًا لأهمية الحدث وخصوصيته إعلاميا وثقافيا.
* إلى أي حد ساهمت الجوائز في التقريب بين المثقفين والفاعلين والمسؤولين على مستوى الوطن العربي؟
- يمكن اعتبار الجوائز حدثا ثقافيا. فالكل، بدافع الفضول، أو المتابعة، يهمه التعرف إلى نتائجها. ويكون من آثار ذلك التعرف إلى أسماء جديدة، أو إعادة النظر في بعض الأسماء، تقديرا وإكبارا، واعترافا. أما عن مسألة التقريب بين المثقفين فلا أظن أن الجوائز تلعب ذلك الدور. فالمفروض في المثقفين أنهم يعرفون بعضهم عن طريق القراءة، أو المشاركة في أنشطة ثقافية عامة. لكن بعض الأسماء الجديدة أو التي ليس لها حضور فاعل في الواقع الثقافي العربي، تمكنها الجائزة، أحيانا، من تثبيت حضورها، أو لفت الانتباه إليها.
* بغض النظر عن إيجابيات ونواقص الجوائز التي تسلم في الوطن العربي، كيف يمكن استثمار الجوائز في تنشيط المشهد الثقافي العربي؟
- لا تزال آثار الجوائز محدودة في الوطن العربي؛ وذلك لأسباب كثيرة، من بينها مثلا مصاحبة التشكيك في بعض النتائج من لدن بعض المتنافسين أو الإعلام الثقافي، ومنها ضعف المواكبة الإعلامية على نطاق واسع. فالكثير ممن يكتبون عن الجوائز ليس لهم اطلاع على الأعمال الفائزة، فلا تكون كتاباتهم عنها إلا من خلال ما تقدمه تقارير اللجان. وعندما لا يلعب الإعلام دوره المنوط به، ولا سيما السمعي – البصري (المسموع - المرئي)، في عقد لقاءات وندوات حول الكتب الفائزة، ولا تقوم المكتبات بالعمل نفسه في تقديم هذه الكتب بكيفية ملائمة، على نحو ما نشاهد في البرامج الأجنبية، لا يمكن أن يكون للجوائز سوى دور محدود في التنشيط الثقافي.
* يتناول مؤلفكم الجديد «طريقة تعاملنا مع الأدب والدراسة الأدبية منذ عصر النهضة إلى الآن بهدف الوقوف على ما يَـعـْـتـَـورُ وعينا الأدبي، ويسهم في إعاقة تطوره». ويبدو أنكم اعتمدتم صيغة المحاكمة والنقد لمرحلة حساسة من تاريخنا لها ارتباط بواقع عام، وبدرجة الوعي التي تعوق التطور؟
- إذا كانت دلالة المحاكمة والنقد مؤسسة على قراءة فاحصة وموضوعية فأنا أقبل هذه الصفة. إن مرادي في هذا الكتاب هو التفكير في ممارسة تحققت عبر زمان (نحو قرن، تقريبا). وهذا التفكير ينشد أولا معرفة ما تحقق والعمل على تشخيص الدوافع، والأسباب التي جعلت ممارستنا تعيش واقعا متأزما. كان المنطلق هو ما يعرفه واقعنا الثقافي والأكاديمي حاليا، بهدف الذهاب إلى المستقبل. ولقد استدعى ذلك مني الرجوع إلى بدايات التشكل الأولى في العصر الحديث، فعملت على تتبع أنماط التفكير والممارسة لأنتهي إلى الخلاصات التي وقف عليها الكتاب. لقد كان هدف تلك «المحاكمة»، وهذا «النقد»، هو الفهم الدقيق أولا، بعيدا عن الإكراهات الفكرية والإيديولوجية، وكانت قراءة الآثار في صيرورتها محاولة لتلمس الشروط والملابسات المحيطة بها ثانيا. وثالثا، كانت الرغبة في الإمساك بالخيط الرفيع الذي يربط بين مختلف مكوناتها وهي تتطور حتى آلت إلى ما آلت إليه حاليا، حيث المأزق الذي يسلم به الجميع.
* لا توفرون فرصة انتقاد واقع الدراسة الأدبية في العالم العربي؛ لذلك تتخلل كتاباتكم نبرة محذرة ومنبهة، تدعو إلى الأخذ بأسباب التطور، في النظرة وفي الممارسة؟
- هذه النبرة وليدة موقف فكري - نقدي من التسرع في اتخاذ القرارات وبناء التصورات. إنه الحذر الإبستيمولوجي الذي يدفعنا إلى التفكير في الظواهر بمنأى عن الانطباع، ويعمل على تجنيبنا الانصياع للأهواء والتصورات الجاهزة والمسبقة. لذلك؛ أرى أن إصدار الأحكام، وتأويل الظواهر لا يمكن أن يتأتى لنا إلا بعد الفهم والتفسير، والنظر في البنيات والأنساق. ودون ذلك الكثير من الجهد الذي يستدعي التوقف أمام الوقائع من أجل التثبت منها عبر معاينتها في تطورها، ومقايستها بغيرها، وافتراض ما يمكن أن تكون عليه في ضوء احتمالات متعددة.
* توظفون، في كتاباتكم، عددا من الكلمات «المفاتيح»، التي تركز، في جانب منها، على «ضرورة دخول العصر»؟
- إن إيماني بنسبية الأفكار، والحقائق، وهو جزء من الإيمان بتطور الأفكار يدفعني دائما إلى القول بأن أي تفكير، مواكب وقابل للتطور، لا يمكن أن يتحقق إلا في ضوء «العصر المعرفي» الذي ينجز في نطاقه. فطه حسين مثلا، لأنه كان ابنا شرعيا (فكريا) لنهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، لا يمكنه أن يفكر في الأدب والمجتمع إلا في ضوء ما تحقق فيه. وبعض الذين انتقدوه، وإن كانوا معاصرين له، لم يكونوا أبناء العصر المعرفي الذي عاشه طه حسين بوعي. كانوا أبناء عصور معرفية أخرى. ويمكن قول الشيء نفسه عن المتطرفين حاليا، أيا كانت اتجاههم الطائفي أو الديني أو الآيديولوجي. إنهم ليسوا أبناء «العصر المعرفي» الذي نعيش فيه، حتى وإن كان بعضهم يستثمر التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل. فهم يستعملونها باعتبارها «وسائل» لا «وسائط». فالوسيلة أداة يمكن التعامل معها بأي ذهنية. أما الوسيط فلا يمكن توظيفه إلا بالذهنية التي تتلاءم معه. حين أنادي بـ«دخول العصر»، لا أعني بذلك تقليد الغرب، ولكني أقصد الانخراط فيه من أجل المشاركة فيه، والمساهمة في تطور الوعي الإنساني باستثمار ثقافتنا، وتفاعلنا مع الثقافة الحديثة والمعاصرة.
* دعوتم إلى تصحيح المسار وتغيير الرؤية واستشراف آفاق جديدة لمستقبل الفكر الأدبي العربي، على أساس «المقايسة» بين دخول العصر في بدايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فدعوتم إلى عدم تكرار أخطاء التجربة الأولى؟
- سؤال دقيق وجيد. إنه يعبر عن جوهر ما أدعو إليه. لقد كانت هناك إكراهات سياسية واقتصادية وثقافية فرضت على تفكيرنا في عصر النهضة ألا يقبل بالدعوات التي انتبهت إلى ضرورة دخول العصر الحديث. إن الدعوات إلى تحرير العقل والمجتمع والمرأة، ومقاومة الاستبداد، وتجديد التعليم والدين والسياسة، كلها فهمت على أنها دعوات إلى «التغريب» والتشبه بالآخر المستعمر. ومن هنا كانت المقاومة الشديدة لهذه الدعوات. حين أعود الآن إلى تأمل فكر النهضة العربية، لا يمكنني سوى إيجاد مبررات لتلك المقاومة: فالمستعمر كان عنيفا في محاولة فرض قيمه وتصوراته. وأنصار تلك الدعوات كانوا بدورهم عنيفين في التصدي للفكر المحافظ (تصورات طه حسين عن الأدب الجاهلي، مثلا). لذلك كان الفكر المحافظ الذي يستمد شرعيته من الوعي السائد المشترك قويا في الرفض والمعارضة. ويمكن أن أضرب مثالا لامتداد هذه الدعوات التجديدية مثلا مع ظهور اليسار العربي في أواسط القرن العشرين: لقد كان عنيفا جدا ضد الدين وضد القيم السائدة. ولذلك لم يفلح في فرض وجوده ثم تراجع نهائيا. وبما أن الصراع تجاذبته قيم التاريخ والعصر، وكأنهما نقيضان، لم يكن بد من التوفيق الذي نعيشه: تاريخ عصري، وعصر تاريخي؟ فلا تاريخ ولا عصر؟ وحين نقارن التجربتين اليابانية والصينية بالعربية - الإسلامية، نجدهما أنهما معا، وكل منهما كانت تنتمي إلى معسكر مناقض للآخر، نجحتا في دخول العصر، دون التفريط في تاريخهما. هذا التوفيق الذي مارسناه منذ عصر النهضة إلى الآن، هو ما أدعو إلى تجاوزه، والوعي به، عبر الاستفادة من التاريخ، والعصر معا، فنفكر في كيفية جديدة ومختلفة في التعامل مع التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل، فنتعامل مع هذا العصر الرقمي الذي نحن بصدد الانخراط فيه، بوعي أو بغير وعي، عن طريق التعامل معه ليس باعتباره عصر وسيلة جديدة، ولكن بصفته عصر وسائط جديدة، أهم سمتها «التفاعل»؟ ولا يمكن دخول هذا العصر من دون تغيير رؤيتنا للتعليم الذي هو بوابة تحول المجتمعات وتغيرها.
* لكن، هل يمكن القول إن «الآمال» التي علقت على الإبداع الرقمي، في العالم العربي، قد تراجعت... في زمن عربي يبدو منتصرًا للورقي والإبداع «التقليدي»؟
- هي لم تبدأ حتى تتراجع، وليس هناك زمن ورقي وآخر رقمي. السؤال الحقيقي هو: كيف نحقق تفاعلا إيجابيا بين الزمنين لدخول زمن آخر، هو زمن الإبداع الحقيقي؟
* كيف تنظرون إلى الدعوات، التي تزايدت في السنوات الأخيرة، والقائلة بضرورة إعادة التفكير في تاريخنا الحديث، ومن ذلك قول محمد جاسم الموسوي، مثلا، بأن «أدب الانحطاط» أسطورة روج لها دعاة «النهضة»، وأن هناك حاجة إلى «تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتج الثقافي، وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص»؟
- لقد قادت طريقة التفكير التي مارسناها منذ عصر النهضة إلى الآن أن ولدنا أساطير لا حصر لها. ويشترك في صنع هذه الأساطير دعاة الأصالة والمعاصرة معا. ولعل أكبر أسطورة في رأيي: الأنا والآخر. الأنا المقدس، والآخر المدنس، عند فئة، ونقيضها عند فئة أخرى. هذه الأسطورة التي ستتولد عنها كل الأساطير. أصحاب الأسطورة الأولى مارسوا «الانغلاق المميت»، والآخرون مارسوا «الانفتاح القاتل». الأوائل رأوا أننا بشر مختلف عن البشرية. والأواخر اعتبرونا تابعين لها. وبدا ذلك في قراءتنا للتاريخ: صرنا نرى التاريخ والفكر في ضوء منجزات الغرب. فصار تقسيمنا للتاريخ حسب العصور كما يقدمها الغربيون. في ملتقى مع المستشرقين السوفيات في موسكو، اعترضت على حديث كوديلين عن عصور الانحطاط في الغرب حين عممها على تاريخ البشرية، فقلت له: لقد كانت عصور ازدهار في التاريخ الإسلامي. فقبل ذلك على مضض لأنه يعتبر التاريخ الأوروبي، وكأنه تاريخ البشرية. والشيء نفسه في الحديث عن الأجناس الأدبية.
* تناولتم في مؤلفكم الجديد بعض الأصوات التي «تنادي بأزمة الأدب وبأنه في خطر»، قبل أن تجد لها بعض الأصداء في الوطن العربي، وشددتم على أن «المشكل ليس في تفشي مثل هذه الأفكار في عصر من العصور، ولكن في كيفية التجاوب معها»؟
- هذا صحيح. فهناك فرق بين الحديث عن الأزمات، وعن الكيفيات التي نتجاوب معها. إن التجاوب مع الأزمات يعني الفهم والتفسير اللذين يؤديان إلى التجاوز. لكن ادعاء الأزمة يعني النهاية التي تستدعي تفكيرا آخر.
* تحدثتم عن المنجزات الفكرية الأدبية الحديثة، في منطلقاتها الغربية، ورأيتم أنها تعكس توجهات وأفكارًا قابلة للنقاش والتحليل، وليست «حقائق» ينبغي التسليم بها؟
- نعم، آن الأوان لتجاوز النظرة التقديسية لما ينتج في الغرب. لقد أدى بي انغماسي في السرديات وتتبع جزئياتها وتفاصيلها في الكتابات الغربية إلى الانتهاء إلى أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وفي هذا تأكيد لما قلته عن نسبيتها وتطورها.
* دعوتم إلى تجاوز أعطاب الفكر العربي، والانتقال من جمع المعلومات ومراكمتها وتنظيمها، إلى إنتاج المعرفة الأدبية؟
- تتطلب هذه الدعوة تصويب المسار الذي نفكر في نطاقه. لقد صارت المعلومات مطروحة في الطريق، تماما كالمعاني، وعلينا الانتقال إلى طرق تنظيم المعلومات وإنتاج المعارف، وإلا سنظل أسارى التلفيق والجمع الذي لا يؤدي إلى التطوير.
* تزايد في السنوات الأخيرة منسوب الجدل بصدد ثنائية زمن الشعر - زمن الرواية.. كيف تنظرون لهذا السجال.. وهل هو مفيد للمشهد الإبداعي، أم أنه يركز على الهامش ويترك جوهر الممارسة الإبداعية؟
- بعض الناس تعجبهم الأساطير الحديثة، والأقوال المتسرعة، وكلٌ يتمسك بها لغايات ومقاصد. أما التفكير في مثل هذه الأساطير فمطلب أساسي للتدقيق والتحقيق.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي