الضحك.. سلوك واحد ومشاعر متناقضة

انفعالي إيجابي يسعى الإنسان من خلاله إلى السعادة

شارلي شابلن
شارلي شابلن
TT

الضحك.. سلوك واحد ومشاعر متناقضة

شارلي شابلن
شارلي شابلن

لا يمكن أن نجادل في فائدة الضحك؛ فهو مفتاح الفرح والاستمتاع، لما له من قدرات فائقة في مساعدة الإنسان على مواجهة دراما الحياة. والإنسان يظل في حاجة ماسة إلى الضحك، وبخاصة في الفترات الحالكة التي يمر بها. لهذا؛ فالضحك يزداد بالتوازي مع اشتداد الحروب والأزمات. وبالتالي، فلا عجب أن يصبح الضحك في زمننا، ممارسة علاجية نفسية، تطرد الألم أو تساعد على الحد منه، وأن تنتشر في العالم نوادي الضحك، حيث لم يعد الفرد قادرا على تحمل ضغوط الحياة ورتابتها. لكن الضحك لما نقاربه بصفته موضوعا فلسفيا، فقد لا ننظر إليه بهذه الطريقة الإيجابية؛ لأن الفلسفة حين تقارب الموضوع، فهي تهدف، بالأساس، إلى فهمه بصفته سلوكا وإحساسا ودوافع. وتفعل ذلك، من طريق طرح الأسئلة المحرجة عليه، لاستجلاء معانيه ودوافعه الخفية، بقصد فهمه واستيعابه، حتى نكون جديرين بأن نعيش متعته، ونتجنب خطورته وضرره في الوقت عينه. وبالتالي، يكون الهدف الأخير من المقاربة الفلسفية لموضوع الضحك، ليس الاستمرار فيه، وإنما، أن نضحك بهدوء ووعي وتهذيب، وأن نفكر كثيرا قبل أن نضحك، فيكون ضحكا ممزوجا بتفكير وحكمة، ولا يكون الهدف من ورائه التسلية فقط.
تختلط في الضحك، مشاعر وانفعالات شديدة التناقض والتنوع، ليست كلها بريئة، جوهرها الحب والفرح والتفكه. فقد أورد الدكتور أحمد أبو زيد، في كتابه «الضحك تاريخ وفن»، أن «الناس في ظل حضارة أوغاريت الأولى في شمال سوريا، وفي بلاد النيل والرافدين، وآسيا الصغرى، كانوا يبكون وينوحون بسبب موت الآلهة، ثم يفرحون ويضحكون توقعا منهم لانبعاث هذه الآلهة في النهاية. فقد كان هدف الاحتفالات، تأكيد الوحدة والتناغم وزواج الأضداد أو تآلفها». كما أننا لو نظرنا إلى الضحك من وجهة نظر جسمية وبيولوجية، وجدناه يعمل على حدوث زيادة في ضغط الدم، وضربات القلب، والتقلصات العضلية، وزيادة إفراز هرمون الأدرينالين. وهي التغيرات نفسها التي تحدث حتى في لحظات القلق والعدوان والخوف، على الرغم من الفرق في المدة بطبيعة الحال. وبالتالي، فالتأمل في موضوع الضحك، قد يجعل الحدود الفاصلة بينه وبين الحزن والبكاء، وحتى الاستهزاء والغرور والتحدي، مجرد حدود منهجية غير واقعية. وهذا ما تنبهت له الفلسفة منذ زمن بعيد. فقد قال الدكتور شاكر عبد الحميد، في كتاب فريد بعنوان «الفكاهة والضحك، رؤية جديدة»، في فصل كامل بعنوان «ضحك الفلاسفة»: «إن أفلاطون، حذر من الوقوع في فخ الضحك؛ لأنه لا يأتي إلا نتيجة الحقد اتجاه من هم أكثر قوة منا. بمعنى أننا نتلذذ برؤية من هم أقوى منا في موضع مضحك. إلا أنها لذة ممزوجة بألم، وناتجة من وهم أننا نعرف أنفسنا جيدا، في حين أن العكس هو الصحيح؛ إذ نعتقد بأننا نرتفع فوق من نضحك عليهم في المنزلة الاجتماعية». وقد ضحكنا جميعا من منظر الرئيس الأميركي جورج بوش وهو يتجنب الحذاءين المقذوفين إلى وجهه من طرف صحافي عراقي. وهذا ضحك عربي ممزوج بألم الإهانة الأميركية التي لا تنتهي. كما أن الاستجابات التي يولدها الضحك، غالبا ما تؤدي إلى العنف. فيتحول الإنسان العادي أو المواطن الصالح، إلى واحد من أقل الشخصيات جاذبية وأكثرها إثارة للسخرية والاستهجان. فيهتز الوقار والاحترام. ويتحول المرء إلى عامي مبتذل في سلوكه، يسلك في الشارع سلوك السوقة والدهماء. وهو سلوك لا يليق البتة بمواطني الجمهورية. لهذا؛ «على حراس الجمهورية، أن يواجهوا كل اندفاعات العامة، وأن يراقبوا سلوكهم ويضبطوه ضد العبث والطيش والابتذال». إلا أن أفلاطون، الذي حذر من الضحك، يعود، من خلال سقراط، إلى الضحك الساخر «من أجل عرض أفكاره، وشحذ حججه تجاه خصومه، عن طريق طرح الأسئلة المخادعة». فالضحك السقراطي، هو ضحك بيداغوجي، من أجل تمرير أفكار جديدة بطعم حلو يسهل قبوله، شبيه بأخذ دواء مر ممزوج بغلاف من السكر، يجعله يسرّ ولا يضرّ؛ لأنه ليس عدوانيا، ويستطيع أن يمزج بين اللعب والجدية، ويجد المتهكم من خلاله، تربة خصبة ينمو فيها اتجاهه، مع تزايد مقدار المعرفة والثقافة والفكر لديه وقلته لدى خصومه.
توقف أرسطو بدوره، عند مفهوم الضحك واعترف بأهميته، لكنه دعا مثل أفلاطون، إلى «ضرورة أن يبقى في حدود اللياقة والاعتدال». بمعنى آخر، «في حدود الفضيل، حيث لا إفراط ولا تفريط، حتى لا يصير الضحك أمرا مستهجنا شائنا». لهذا؛ كان التهكم أكثر قربا من الكرماء، لارتباطه بالأخلاق واللياقة والترويح والاسترخاء. وهو انفعال إيجابي، يسعى الإنسان، من خلاله، إلى البحث عن السعادة. كما لم يفت أرسطو أيضا، الإشارة إلى قدرة الضحك على القضاء على جدية الخصوم من خلال الضحك والهزل.
أما في العصر الحديث، فقد تحدث الفيلسوف الفرنسي الشهير، توماس هوبز، في كتابه «اللوفيتان»، عن أنواع المسرات واللذات، واعتبر أن الضحك يرجع إلى تلك الأحاسيس المرتبطة بالفخر أو التباهي، أو التشامخ والعظمة، حيث يحس المرء بوجود قدرة أو قوة خاصة لديه، فيشعر الضاحكون بإعجاب مفاجئ بأنفسهم، لاعتقادهم بأن الآخرين لا يملكون ما يملكونه هم، وفي هذا نوع من الخسة ودناءة الأخلاق. وهو هنا لا يختلف كثيرا عن أفلاطون. أما كانط، فقد أرجع الضحك، إلى ذلك التناقض بين ما كان متوقعا وما أصبح واقعا، بصفته رجاءً خائبا؛ ما يعطي للجسد صدمة شبه كلية. فبعد التوقع المضطرب المتوتر، يسترخي الجسم وينتقل إلى راحة مفاجئة تسبب الضحك، فيتعلق المرء هنا بتلك الدهشة أو العبثية التي يقوم على أساسها الموقف المضحك، الذي يجعل الفهم العقلي في حيرة مؤقتة من أمره. لكنه لا ينهزم بفعل الأمر المضحك؛ لأنه يدرك فجأة أنه أفضى به إلى لا شيء، وأنهى التوتر المصاحب للتوقع الشديد المميز له بالضحك. وهو ما يعبر عنه حتى آرثر شوبنهاور، وإن بصيغة مختلفة، حين اعتبر الضحك يحدث نتيجة الافتقار إلى التجانس، أو حدوث التناقض بين الموجة العقلية المجردة وبين تمثل الإدراك، أي أن الضحك ببساطة، هو محصلة لذلك الصراع أو التفاوت المعرفي الذي لا يمكن اجتنابه بين المتصور العقلي العام، والمدرك الحسي الخاص. والضحك نفسه هو مجرد التعبير عن هذا التناقض، ويشبه ذلك بالقياس المنطقي الذي تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى من خلال الحيلة أو المغالطة. وباختصار تنقسم المواقف المثيرة للضحك في رأي شوبنهاور، إلى الدعابة أو الحماقة، حيث تبرز الأفعال اللامعقولة، مثلا قصة ذلك الملك الذي يضحك من فلاح متباه يلبس ملابس الصيف الخفيفة خلال طقس شتائي، فقال للملك، ستشعر بالدفء لو لبست ما ألبسه. فقال له الملك: وماذا تلبس؟ ألبس خزانتي كاملة. أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، فقد خصص كتابا بأكمله للموضوع بعنوان «الضحك le rire»، (من ترجمة أ.د.علي مقلد)، يتحدث فيه عن نظريته في الضحك متأملا في الكوميديا الفرنسية. فنحن نضحك من تصلب الجسد أو الطبع أو الفكر. ونضحك من أوضاع الجسم الإنساني وحركاته وإشاراته، حيث يذكرنا هذا الجسم بمجرد آلة تتحرك «شارلي شابلن نموذجا». ومن شروط الضحك في نظره، أن يكون الموضوع إنسانيا، فلا ضحك إلا مما يحمل بصمة إنسانية، وإن ضحكنا من قرد أو قبعة أو رسم، فلا نضحك منه إلا بمقدار ما يحمل داخله معاني إنسانية. فالطبيعة مهما كانت جميلة، لا تضحك. والشرط الثاني للضحك، هو غياب الانفعال أو الشعور العاطفي. فالخصم الأعظم للضحك هو الانفعال، فيتوجب أن يتوقف القلب عن الشعور ليحدث الضحك، حيث يجب أن تكون الروح هادئة تماما. كما اعتبر أن الضحك يبعث اللين في كل الجسم الاجتماعي، على الرغم من أنه ليس طيبا في كل الأحوال، فيه حفنة من الشر، والغرور والأنانية والخبث، مع أن وظيفته هي إزالة القيود، وإعادة تكييف كل فرد كي يتلاءم مع الجميع، وإصلاح العيوب الاجتماعية المرتبطة بالجمود والتصلب ونقصان المرونة والانعزال والغرور.
قال فولتير عن الضحك، إنه «شيطاني الطابع، وإنساني في الوقت نفسه»، ما يعني أنه يحمل في طياته معاني الخير والشر، ولغة اجتماعية رمزية حاملة لمعاني ودلالات متنوعة. إنه سلوك تتناقض في داخله كل المعاني والصور والتبريرات. هناك من القدماء من اعتبره حتى أصل العالم، وأن العالم قد نشأ عن ضحكة إلهية، أو ضحكات إلهية متتالية. وبالتالي، كان الضحك عالما إنسانيا لا يشاركه فيه أي كائن آخر، دلالة على حريته، وقدرته على الخلق والصنع، وإضفاء المعنى على الذات والعالم، على الرغم من أنه يقوم بالسلوك نفسه.

*أستاذ فلسفة



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.