الضحك.. سلوك واحد ومشاعر متناقضة

انفعالي إيجابي يسعى الإنسان من خلاله إلى السعادة

شارلي شابلن
شارلي شابلن
TT

الضحك.. سلوك واحد ومشاعر متناقضة

شارلي شابلن
شارلي شابلن

لا يمكن أن نجادل في فائدة الضحك؛ فهو مفتاح الفرح والاستمتاع، لما له من قدرات فائقة في مساعدة الإنسان على مواجهة دراما الحياة. والإنسان يظل في حاجة ماسة إلى الضحك، وبخاصة في الفترات الحالكة التي يمر بها. لهذا؛ فالضحك يزداد بالتوازي مع اشتداد الحروب والأزمات. وبالتالي، فلا عجب أن يصبح الضحك في زمننا، ممارسة علاجية نفسية، تطرد الألم أو تساعد على الحد منه، وأن تنتشر في العالم نوادي الضحك، حيث لم يعد الفرد قادرا على تحمل ضغوط الحياة ورتابتها. لكن الضحك لما نقاربه بصفته موضوعا فلسفيا، فقد لا ننظر إليه بهذه الطريقة الإيجابية؛ لأن الفلسفة حين تقارب الموضوع، فهي تهدف، بالأساس، إلى فهمه بصفته سلوكا وإحساسا ودوافع. وتفعل ذلك، من طريق طرح الأسئلة المحرجة عليه، لاستجلاء معانيه ودوافعه الخفية، بقصد فهمه واستيعابه، حتى نكون جديرين بأن نعيش متعته، ونتجنب خطورته وضرره في الوقت عينه. وبالتالي، يكون الهدف الأخير من المقاربة الفلسفية لموضوع الضحك، ليس الاستمرار فيه، وإنما، أن نضحك بهدوء ووعي وتهذيب، وأن نفكر كثيرا قبل أن نضحك، فيكون ضحكا ممزوجا بتفكير وحكمة، ولا يكون الهدف من ورائه التسلية فقط.
تختلط في الضحك، مشاعر وانفعالات شديدة التناقض والتنوع، ليست كلها بريئة، جوهرها الحب والفرح والتفكه. فقد أورد الدكتور أحمد أبو زيد، في كتابه «الضحك تاريخ وفن»، أن «الناس في ظل حضارة أوغاريت الأولى في شمال سوريا، وفي بلاد النيل والرافدين، وآسيا الصغرى، كانوا يبكون وينوحون بسبب موت الآلهة، ثم يفرحون ويضحكون توقعا منهم لانبعاث هذه الآلهة في النهاية. فقد كان هدف الاحتفالات، تأكيد الوحدة والتناغم وزواج الأضداد أو تآلفها». كما أننا لو نظرنا إلى الضحك من وجهة نظر جسمية وبيولوجية، وجدناه يعمل على حدوث زيادة في ضغط الدم، وضربات القلب، والتقلصات العضلية، وزيادة إفراز هرمون الأدرينالين. وهي التغيرات نفسها التي تحدث حتى في لحظات القلق والعدوان والخوف، على الرغم من الفرق في المدة بطبيعة الحال. وبالتالي، فالتأمل في موضوع الضحك، قد يجعل الحدود الفاصلة بينه وبين الحزن والبكاء، وحتى الاستهزاء والغرور والتحدي، مجرد حدود منهجية غير واقعية. وهذا ما تنبهت له الفلسفة منذ زمن بعيد. فقد قال الدكتور شاكر عبد الحميد، في كتاب فريد بعنوان «الفكاهة والضحك، رؤية جديدة»، في فصل كامل بعنوان «ضحك الفلاسفة»: «إن أفلاطون، حذر من الوقوع في فخ الضحك؛ لأنه لا يأتي إلا نتيجة الحقد اتجاه من هم أكثر قوة منا. بمعنى أننا نتلذذ برؤية من هم أقوى منا في موضع مضحك. إلا أنها لذة ممزوجة بألم، وناتجة من وهم أننا نعرف أنفسنا جيدا، في حين أن العكس هو الصحيح؛ إذ نعتقد بأننا نرتفع فوق من نضحك عليهم في المنزلة الاجتماعية». وقد ضحكنا جميعا من منظر الرئيس الأميركي جورج بوش وهو يتجنب الحذاءين المقذوفين إلى وجهه من طرف صحافي عراقي. وهذا ضحك عربي ممزوج بألم الإهانة الأميركية التي لا تنتهي. كما أن الاستجابات التي يولدها الضحك، غالبا ما تؤدي إلى العنف. فيتحول الإنسان العادي أو المواطن الصالح، إلى واحد من أقل الشخصيات جاذبية وأكثرها إثارة للسخرية والاستهجان. فيهتز الوقار والاحترام. ويتحول المرء إلى عامي مبتذل في سلوكه، يسلك في الشارع سلوك السوقة والدهماء. وهو سلوك لا يليق البتة بمواطني الجمهورية. لهذا؛ «على حراس الجمهورية، أن يواجهوا كل اندفاعات العامة، وأن يراقبوا سلوكهم ويضبطوه ضد العبث والطيش والابتذال». إلا أن أفلاطون، الذي حذر من الضحك، يعود، من خلال سقراط، إلى الضحك الساخر «من أجل عرض أفكاره، وشحذ حججه تجاه خصومه، عن طريق طرح الأسئلة المخادعة». فالضحك السقراطي، هو ضحك بيداغوجي، من أجل تمرير أفكار جديدة بطعم حلو يسهل قبوله، شبيه بأخذ دواء مر ممزوج بغلاف من السكر، يجعله يسرّ ولا يضرّ؛ لأنه ليس عدوانيا، ويستطيع أن يمزج بين اللعب والجدية، ويجد المتهكم من خلاله، تربة خصبة ينمو فيها اتجاهه، مع تزايد مقدار المعرفة والثقافة والفكر لديه وقلته لدى خصومه.
توقف أرسطو بدوره، عند مفهوم الضحك واعترف بأهميته، لكنه دعا مثل أفلاطون، إلى «ضرورة أن يبقى في حدود اللياقة والاعتدال». بمعنى آخر، «في حدود الفضيل، حيث لا إفراط ولا تفريط، حتى لا يصير الضحك أمرا مستهجنا شائنا». لهذا؛ كان التهكم أكثر قربا من الكرماء، لارتباطه بالأخلاق واللياقة والترويح والاسترخاء. وهو انفعال إيجابي، يسعى الإنسان، من خلاله، إلى البحث عن السعادة. كما لم يفت أرسطو أيضا، الإشارة إلى قدرة الضحك على القضاء على جدية الخصوم من خلال الضحك والهزل.
أما في العصر الحديث، فقد تحدث الفيلسوف الفرنسي الشهير، توماس هوبز، في كتابه «اللوفيتان»، عن أنواع المسرات واللذات، واعتبر أن الضحك يرجع إلى تلك الأحاسيس المرتبطة بالفخر أو التباهي، أو التشامخ والعظمة، حيث يحس المرء بوجود قدرة أو قوة خاصة لديه، فيشعر الضاحكون بإعجاب مفاجئ بأنفسهم، لاعتقادهم بأن الآخرين لا يملكون ما يملكونه هم، وفي هذا نوع من الخسة ودناءة الأخلاق. وهو هنا لا يختلف كثيرا عن أفلاطون. أما كانط، فقد أرجع الضحك، إلى ذلك التناقض بين ما كان متوقعا وما أصبح واقعا، بصفته رجاءً خائبا؛ ما يعطي للجسد صدمة شبه كلية. فبعد التوقع المضطرب المتوتر، يسترخي الجسم وينتقل إلى راحة مفاجئة تسبب الضحك، فيتعلق المرء هنا بتلك الدهشة أو العبثية التي يقوم على أساسها الموقف المضحك، الذي يجعل الفهم العقلي في حيرة مؤقتة من أمره. لكنه لا ينهزم بفعل الأمر المضحك؛ لأنه يدرك فجأة أنه أفضى به إلى لا شيء، وأنهى التوتر المصاحب للتوقع الشديد المميز له بالضحك. وهو ما يعبر عنه حتى آرثر شوبنهاور، وإن بصيغة مختلفة، حين اعتبر الضحك يحدث نتيجة الافتقار إلى التجانس، أو حدوث التناقض بين الموجة العقلية المجردة وبين تمثل الإدراك، أي أن الضحك ببساطة، هو محصلة لذلك الصراع أو التفاوت المعرفي الذي لا يمكن اجتنابه بين المتصور العقلي العام، والمدرك الحسي الخاص. والضحك نفسه هو مجرد التعبير عن هذا التناقض، ويشبه ذلك بالقياس المنطقي الذي تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى من خلال الحيلة أو المغالطة. وباختصار تنقسم المواقف المثيرة للضحك في رأي شوبنهاور، إلى الدعابة أو الحماقة، حيث تبرز الأفعال اللامعقولة، مثلا قصة ذلك الملك الذي يضحك من فلاح متباه يلبس ملابس الصيف الخفيفة خلال طقس شتائي، فقال للملك، ستشعر بالدفء لو لبست ما ألبسه. فقال له الملك: وماذا تلبس؟ ألبس خزانتي كاملة. أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، فقد خصص كتابا بأكمله للموضوع بعنوان «الضحك le rire»، (من ترجمة أ.د.علي مقلد)، يتحدث فيه عن نظريته في الضحك متأملا في الكوميديا الفرنسية. فنحن نضحك من تصلب الجسد أو الطبع أو الفكر. ونضحك من أوضاع الجسم الإنساني وحركاته وإشاراته، حيث يذكرنا هذا الجسم بمجرد آلة تتحرك «شارلي شابلن نموذجا». ومن شروط الضحك في نظره، أن يكون الموضوع إنسانيا، فلا ضحك إلا مما يحمل بصمة إنسانية، وإن ضحكنا من قرد أو قبعة أو رسم، فلا نضحك منه إلا بمقدار ما يحمل داخله معاني إنسانية. فالطبيعة مهما كانت جميلة، لا تضحك. والشرط الثاني للضحك، هو غياب الانفعال أو الشعور العاطفي. فالخصم الأعظم للضحك هو الانفعال، فيتوجب أن يتوقف القلب عن الشعور ليحدث الضحك، حيث يجب أن تكون الروح هادئة تماما. كما اعتبر أن الضحك يبعث اللين في كل الجسم الاجتماعي، على الرغم من أنه ليس طيبا في كل الأحوال، فيه حفنة من الشر، والغرور والأنانية والخبث، مع أن وظيفته هي إزالة القيود، وإعادة تكييف كل فرد كي يتلاءم مع الجميع، وإصلاح العيوب الاجتماعية المرتبطة بالجمود والتصلب ونقصان المرونة والانعزال والغرور.
قال فولتير عن الضحك، إنه «شيطاني الطابع، وإنساني في الوقت نفسه»، ما يعني أنه يحمل في طياته معاني الخير والشر، ولغة اجتماعية رمزية حاملة لمعاني ودلالات متنوعة. إنه سلوك تتناقض في داخله كل المعاني والصور والتبريرات. هناك من القدماء من اعتبره حتى أصل العالم، وأن العالم قد نشأ عن ضحكة إلهية، أو ضحكات إلهية متتالية. وبالتالي، كان الضحك عالما إنسانيا لا يشاركه فيه أي كائن آخر، دلالة على حريته، وقدرته على الخلق والصنع، وإضفاء المعنى على الذات والعالم، على الرغم من أنه يقوم بالسلوك نفسه.

*أستاذ فلسفة



اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».


رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.