موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية

مصادر غربية لـ «الشرق الأوسط»: نراقب عمليات إيران لتمويله من الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأفريقيا

موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية
TT

موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية

موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية

يتمتع، ما يسمى بـ«حزب الله» اللبناني، بشبكة تمويل فريدة من نوعها، لكونها تعمل خارج نطاق النظام المصرفي العالمي، لكنه يستفيد أيضا من هذا النظام بطرق مختلفة، ما يجعله معنيا بالدفاع عن نفسه في مواجهة الإجراءات الأميركية والعربية الرامية إلى تجفيف مصادر دخله، التي اعترف نصر الله أنها من إيران فقط، لكن ثمة من يقول إن لديه مصادر أخرى للتمويل تأتي عبر النظام العالمي، وهو ما يحاول الأميركيون إقفال أبوابه عبر قوانين وإجراءات معقدة. ويعتمد النظام المصرفي الخاص بالحزب على الأموال النقدية التي تصل إليه بصناديق الكرتون العادية، والتي تشاهد في كل مرة يكون الحزب فيها مضطرا للدفع لموظفيه، أو كتعويضات، كما جرى ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006.
وتقول مصادر غربية لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة خصصت جهازا لمراقبة عمليات تمويل الحزب التي تبدأ من الولايات المتحدة نفسها، وتنشط بشكل كبير بين أميركا الجنوبية، وأفريقيا، وتحديدا في مناطق الانتشار اللبناني. وتوضح المصادر أن واشنطن مقتنعة تماما بأن الحزب يتلقى تمويلا كبيرا من عمليات تجارية غير مشروعة معقدة، يدخل في نطاقها التهريب (التبغ والبضائع) والمخدرات وتبييض الأموال، وصولا إلى تجارة السيارات المستعملة والبضائع الأميركية المختلفة. وتوضح المصادر أن واشنطن تراقب عن كثب كل العمليات التجارية التي تتضمن تصديرا من أراضيها لا ينتهي بدخول أموال إلى حسابات مصدريها تتلاءم مع حجم البضائع المصدرة، خشية أن يكون مرتبطا بتمويل الإرهاب.
ومن المعروف أن ما يسمى «حزب الله» يتلقى تمويلا منتظما من إيران منذ تأسيسه في العام 1982، حيث صرفت عليه مليارات الدولارات لتحويله إلى «قوة إقليمية» كما وصفها أمين عام الحزب حسن نصر الله في خطابه الأخير. ومن الثابت أيضا أن مصدر التمويل، لا يأتي من الحكومة الإيرانية، بل من مكتب مرشد الجمهورية علي خامنئي الذي يعتمد بدوره على مصادر دخل عدة، من بينها ما يسمى «الأموال الشرعية» التي قال نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم منذ سنوات لـ«الشرق الأوسط» إنها مصدر تمويل الحزب. ومن بين هذه الأموال، هي الأموال التي يجنيها مكتب خامنئي من لبنان أيضا، بوصفه مرجعا شيعيا، حيث تذهب أموال الخمس والزكاة وغيرها إلى مكتب خامنئي الذي يوجد لديه ممثلان في لبنان، هما نصرا لله والشيخ محمد يزبك، حيث تصل إليهما «الأموال الشرعية» التي تعتبر من مصادر التمويل المهمة أيضا.
وفي غياب أي وثيقة صادرة عن الحزب أو النظام الإيراني تتحدث عن حجم الأموال التي تصل إلى الحزب من طهران، تبقى هذه المسألة سرًّا من أسرار الحلقة الضيقة جدًا في قيادة الحزب، إلا أن التوقعات قدّرت موازنته السنوية الثابتة بمائتي مليون دولار سنويًا، فإن مصادر مطلعة أكدت أن «هذا الرقم كان معتمدًا قبل عام 2005، لكنه زاد أضعافًا مضاعفة بعد اغتيال رفيق الحريري (رئيس حكومة لبنان الأسبق) وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006. ليصل إلى 850 مليون دولار». وأوضحت أنه بعد دخول ما يسمى «حزب الله» الحرب السورية باتت ميزانيته مفتوحة، لأنه أصبح جزءًا من مجهود الحرس الثوري الإيراني. أما التسليح، فلا موازنة خاصة له، لأنه يرتبط مباشرة بالحرس الثوري، حيث تصل الأسلحة والذخائر مباشرة للحزب الذي لا يكلف نفسه عناء شراء السلاح والذخائر من الأسواق الدولية السوداء.
مدير مركز «أمم للأبحاث والتوثيق» لقمان سليم، المعارض لما يسمّى «حزب الله»، دعا إلى «رفع الالتباس بما خصّ دور الحزب في لبنان وتخطيه الدولة ومؤسساتها الدستورية». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هناك من يتحدث بشكل واضح وصريح (نصر الله) عن دخول أموال وأسلحة ومقاتلين وهو لا يستحي بذلك، ويعلن صراحة أنه يملك البوابات اللبنانية ومفاتيحها، ويقول أيضًا، إن بعض المسؤولين استنسخوا لي مفاتيح بوابات الدولة من مطار ومرفأ وحدود، وأستطيع الدخول والخروج من دون حسيب أو رقيب».
وما دام أن الحزب غير معني بالتصريح عن الجسر الجوي أو البري أو البحري الذي يدخل عبره المال والسلاح الإيراني، يسأل سليم «هل من أسباب لبنانية موجبة دعت نصر الله ليدلي بهكذا تصريح، أم أنه يتحدث لأحد آخر؟». ورأى أن نصر الله أراد القول إن «الهمروجة التي أثيرت حول القانون الأميركي لا تنطبق علينا». وأضاف: «إيران التي تموّل ما يسمى (حزب الله) يتحدث معها العالم، والاتفاق النووي الإيراني مع الدول الست، لا يتضمن أي إشارة لتمويل الإرهاب، ونحن نرى أن الولايات المتحدة تبرم صفقة مع طهران لبيعها طائرات بوينغ».
كل بيئة الحزب تعرف أنه يتقاضى الأموال نقدًا، ويسددها نقدًا أيضًا، وهذا ليس وليد الظروف التي فرضتها العقوبات الأميركية عليه وعلى مؤسساته، إنما تعود إلى سنوات كثيرة، وتحديدًا منذ أن وضعت طهران تحت مجهر العقوبات الدولية بسبب برنامجها النووي، وبالتالي كان يستحيل عليها تحويل موازنة ذراعها العسكرية في لبنان من طهران إلى بيروت عبر المصارف.
وانطلاقًا من التقارب الأميركي الإيراني يعتبر سليم أن نصر الله «يقول بكلامه أنا مطمئن أن لا أحد ضدي»، مستبعدًا أن يكون الأميركيون «جادين بتطبيق القانون، هم يريدون أعلى درجات الحسم لتطبيق القانون في العالم، لكن في لبنان لا يمكن الجمع بين السكوت الأميركي على تدخل ما يسمى (حزب الله) في سوريا والعراق واليمن، وبين تقليم أظافره المالية في لبنان، وهم يعرفون أن الهدف الفعلي للتمويل الإيراني لـما يسمى (حزب الله) هو الاستيلاء على لبنان والهيمنة على سوريا».
وفي غياب الرقم الدقيق للمبالغ التي يتقاضاها الحزب، يوضح مدير «مركز أمم للأبحاث والتوثيق»، أن الأرقام المتداولة عن ميزانية ما يسمى (حزب الله) الإيرانية، مستندة بأغلبها إلى التقارير الأميركية، التي تتحدث عن مائتي مليون دولار تصله سنويًا من إيران، يوزّعه بين رواتب لمقاتليه ومصاريف لقيادته والمساعدات العائدة لعائلات قتلاه وجرحاه من خلال «مؤسسة الشهيد» و«مؤسسة الجريح» التي توزع هذه الأموال بحسب ما هي مرصودة»، كاشفًا أن إيران تستثمر في المعركة الإعلامية مبالغ تقدّر بـ400 مليون دولار، مخصصة لما يسمّى «اتحاد الإذاعات الإسلامية»، التي تضمّ عددًا كبيرًا من التلفزيونات والإذاعات، أبرزها قناة «المنار» الناطقة باسم الحزب، ومحطات فضائية مثل «الميادين» و«العالم» وقناة «القدس» وتلفزيون الأقصى، وكلّها تبث من بيروت.
مصدر مطلع على ما تتداوله بيئة الحزب، أوضح أن «ميزانية الأخير من المال الإيراني، كانت قبل العام 2005 تتفاوت ما بين مائتي و250 مليون دولار سنويًا». وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الرقم ارتفع منذ الـ2005، أي بعد اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، لأنه بدأ يستثمر بأطراف لبنانية، وبدأ تطبيق سياسة إلقاء القبض على الطائفة الشيعية»، كاشفًا أن الحزب «تلقى بعد حرب يوليو في عام 2006 ما نسبته 850 مليون دولار من ضمنها التعويضات التي دفعتها إيران للمتضررين من آثار تلك الحرب».
ويبدو أن الحزب لا يتوقف عن السعي إلى مصادر أخرى لتعزيز مداخيله، عبر مصادر جانبية أيضًا، فيقول لقمان سليم: «عندما نتحدث عن الأرقام المرصودة لما يسمى (حزب الله) والإعلام الإيراني في لبنان، يعني أننا نتحدث عن بند صغير، في الميزانية الكبرى للحرس الثوري». ويلفت إلى أن بعض عمليات ما يسمى «حزب الله» الاجتماعية والثقافية تموّل من المال العام اللبناني، سواء عبر البلديات أو مجلس الجنوب أو بعض القنوات الأخرى.
وليس بعيدًا عن هذه القراءة، يؤكد المصدر الذي رفض ذكر اسمه، أن ما يسمى «حزب الله» وبعد حرب يوليو عاش طفرة مالية، حيث بدأت الأموال تتدفق إليه من دون رقيب، خصوصًا أنه بدأ حملة تمويل لعدد من الأحزاب التي ضمّها إلى ما يسمّى «محور الممانعة»، منها التيار العوني (التيار الوطني الحرّ الذي يرأسه النائب ميشال عون) وتيار «المردة» وحزبا البعث والقومي السوري الاجتماعي، مشيرًا إلى أنه «استطاع استمالة عدد كبير السياسيين والإعلاميين بالإغراءات المالية، للتسويق لسياسيته وسياسة إيران في المنطقة والدفاع عنها»، مؤكدًا أن الحزب «يدفع حاليًا لـ80 ألف شخص راتبا شهريًا، وهو ثاني أكبر عملية توظيف بعد الدولة اللبنانية». لكنه أفاد بأن «ميزانية الحزب بعد دخوله الحرب السورية باتت مفتوحة، لأنه أصبح جزءًا من المجهود الحربي الذي تضخّه طهران في سوريا».
أما الناشط الشيعي اللبناني مصطفى فحص، فيرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن كلام نصر الله «فيه نوع من الذكاء، فهو أراد حشر الدولة الإيرانية، وإظهار أنها ملزمة بالدفاع عنه أمام العقوبات الأميركية»، لكنه اعتبر من جهة أخرى أن «هذا الكلام مؤذٍ للحزب أمام المجتمع الدولي، لأنه يثبت تورطه في تبييض الأموال، لأن أي حركة نقل للمال النقدي تدرج في خانة تبييض الأموال».
صحيح أن ما بين 70 و80 في المائة من مالية الحزب مصدرها إيران، لكن الحزب لجأ إلى مصادر تمويل أخرى، وهنا يشير لقمان سليم إلى أن «ذراع الحزب وصلت إلى غرب أفريقيا، حيث العدد الأكبر من رجال الأعمال الشيعة». ويؤكد أن «أي صاحب مؤسسة تظهر عليه علامات النجاح، كان يعرض عليه الحزب أن يدخل شريكًا معه، وهذا ما أدى إلى تلويث الثروة المالية الشيعية»، مؤكدًا أن «البعض دخل كشريك مع الحزب عن حسن نية، وهو ما أدى إلى تلويث الثروة الجوفية الشيعية، سواء في أفريقيا أو أميركا اللاتينية، فكانت هناك عملية توريط للاقتصاد الشيعي الذي بات أسيرا لما يسمى (حزب الله) وأدخله بمشكلة كبيرة».
من جهته، أشار مصطفى فحص إلى أن نصر الله أثار حفيظة الشعب الإيراني الفقير، الذي يعتبر نفسه أحق بهذه الأموال من أي مستضعف بالعالم، وهذه المسألة هي جزء من معركة المحافظين ضدّ الإصلاحيين، أو من يطلق عليهم اسم «عصابة نيويورك»، أي (وزير الخارجية) محمد ظريف وجماعته، الذين يطالبون الولي الفقيه باعتماد المزيد من المرونة للمضي برفع العقوبات الغربية عن إيران.



اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.