موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية

مصادر غربية لـ «الشرق الأوسط»: نراقب عمليات إيران لتمويله من الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأفريقيا

موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية
TT

موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية

موازنة «حزب الله» السرية تقارب المليار دولار.. ونظامه المصرفي صناديق كرتونية

يتمتع، ما يسمى بـ«حزب الله» اللبناني، بشبكة تمويل فريدة من نوعها، لكونها تعمل خارج نطاق النظام المصرفي العالمي، لكنه يستفيد أيضا من هذا النظام بطرق مختلفة، ما يجعله معنيا بالدفاع عن نفسه في مواجهة الإجراءات الأميركية والعربية الرامية إلى تجفيف مصادر دخله، التي اعترف نصر الله أنها من إيران فقط، لكن ثمة من يقول إن لديه مصادر أخرى للتمويل تأتي عبر النظام العالمي، وهو ما يحاول الأميركيون إقفال أبوابه عبر قوانين وإجراءات معقدة. ويعتمد النظام المصرفي الخاص بالحزب على الأموال النقدية التي تصل إليه بصناديق الكرتون العادية، والتي تشاهد في كل مرة يكون الحزب فيها مضطرا للدفع لموظفيه، أو كتعويضات، كما جرى ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006.
وتقول مصادر غربية لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة خصصت جهازا لمراقبة عمليات تمويل الحزب التي تبدأ من الولايات المتحدة نفسها، وتنشط بشكل كبير بين أميركا الجنوبية، وأفريقيا، وتحديدا في مناطق الانتشار اللبناني. وتوضح المصادر أن واشنطن مقتنعة تماما بأن الحزب يتلقى تمويلا كبيرا من عمليات تجارية غير مشروعة معقدة، يدخل في نطاقها التهريب (التبغ والبضائع) والمخدرات وتبييض الأموال، وصولا إلى تجارة السيارات المستعملة والبضائع الأميركية المختلفة. وتوضح المصادر أن واشنطن تراقب عن كثب كل العمليات التجارية التي تتضمن تصديرا من أراضيها لا ينتهي بدخول أموال إلى حسابات مصدريها تتلاءم مع حجم البضائع المصدرة، خشية أن يكون مرتبطا بتمويل الإرهاب.
ومن المعروف أن ما يسمى «حزب الله» يتلقى تمويلا منتظما من إيران منذ تأسيسه في العام 1982، حيث صرفت عليه مليارات الدولارات لتحويله إلى «قوة إقليمية» كما وصفها أمين عام الحزب حسن نصر الله في خطابه الأخير. ومن الثابت أيضا أن مصدر التمويل، لا يأتي من الحكومة الإيرانية، بل من مكتب مرشد الجمهورية علي خامنئي الذي يعتمد بدوره على مصادر دخل عدة، من بينها ما يسمى «الأموال الشرعية» التي قال نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم منذ سنوات لـ«الشرق الأوسط» إنها مصدر تمويل الحزب. ومن بين هذه الأموال، هي الأموال التي يجنيها مكتب خامنئي من لبنان أيضا، بوصفه مرجعا شيعيا، حيث تذهب أموال الخمس والزكاة وغيرها إلى مكتب خامنئي الذي يوجد لديه ممثلان في لبنان، هما نصرا لله والشيخ محمد يزبك، حيث تصل إليهما «الأموال الشرعية» التي تعتبر من مصادر التمويل المهمة أيضا.
وفي غياب أي وثيقة صادرة عن الحزب أو النظام الإيراني تتحدث عن حجم الأموال التي تصل إلى الحزب من طهران، تبقى هذه المسألة سرًّا من أسرار الحلقة الضيقة جدًا في قيادة الحزب، إلا أن التوقعات قدّرت موازنته السنوية الثابتة بمائتي مليون دولار سنويًا، فإن مصادر مطلعة أكدت أن «هذا الرقم كان معتمدًا قبل عام 2005، لكنه زاد أضعافًا مضاعفة بعد اغتيال رفيق الحريري (رئيس حكومة لبنان الأسبق) وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006. ليصل إلى 850 مليون دولار». وأوضحت أنه بعد دخول ما يسمى «حزب الله» الحرب السورية باتت ميزانيته مفتوحة، لأنه أصبح جزءًا من مجهود الحرس الثوري الإيراني. أما التسليح، فلا موازنة خاصة له، لأنه يرتبط مباشرة بالحرس الثوري، حيث تصل الأسلحة والذخائر مباشرة للحزب الذي لا يكلف نفسه عناء شراء السلاح والذخائر من الأسواق الدولية السوداء.
مدير مركز «أمم للأبحاث والتوثيق» لقمان سليم، المعارض لما يسمّى «حزب الله»، دعا إلى «رفع الالتباس بما خصّ دور الحزب في لبنان وتخطيه الدولة ومؤسساتها الدستورية». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هناك من يتحدث بشكل واضح وصريح (نصر الله) عن دخول أموال وأسلحة ومقاتلين وهو لا يستحي بذلك، ويعلن صراحة أنه يملك البوابات اللبنانية ومفاتيحها، ويقول أيضًا، إن بعض المسؤولين استنسخوا لي مفاتيح بوابات الدولة من مطار ومرفأ وحدود، وأستطيع الدخول والخروج من دون حسيب أو رقيب».
وما دام أن الحزب غير معني بالتصريح عن الجسر الجوي أو البري أو البحري الذي يدخل عبره المال والسلاح الإيراني، يسأل سليم «هل من أسباب لبنانية موجبة دعت نصر الله ليدلي بهكذا تصريح، أم أنه يتحدث لأحد آخر؟». ورأى أن نصر الله أراد القول إن «الهمروجة التي أثيرت حول القانون الأميركي لا تنطبق علينا». وأضاف: «إيران التي تموّل ما يسمى (حزب الله) يتحدث معها العالم، والاتفاق النووي الإيراني مع الدول الست، لا يتضمن أي إشارة لتمويل الإرهاب، ونحن نرى أن الولايات المتحدة تبرم صفقة مع طهران لبيعها طائرات بوينغ».
كل بيئة الحزب تعرف أنه يتقاضى الأموال نقدًا، ويسددها نقدًا أيضًا، وهذا ليس وليد الظروف التي فرضتها العقوبات الأميركية عليه وعلى مؤسساته، إنما تعود إلى سنوات كثيرة، وتحديدًا منذ أن وضعت طهران تحت مجهر العقوبات الدولية بسبب برنامجها النووي، وبالتالي كان يستحيل عليها تحويل موازنة ذراعها العسكرية في لبنان من طهران إلى بيروت عبر المصارف.
وانطلاقًا من التقارب الأميركي الإيراني يعتبر سليم أن نصر الله «يقول بكلامه أنا مطمئن أن لا أحد ضدي»، مستبعدًا أن يكون الأميركيون «جادين بتطبيق القانون، هم يريدون أعلى درجات الحسم لتطبيق القانون في العالم، لكن في لبنان لا يمكن الجمع بين السكوت الأميركي على تدخل ما يسمى (حزب الله) في سوريا والعراق واليمن، وبين تقليم أظافره المالية في لبنان، وهم يعرفون أن الهدف الفعلي للتمويل الإيراني لـما يسمى (حزب الله) هو الاستيلاء على لبنان والهيمنة على سوريا».
وفي غياب الرقم الدقيق للمبالغ التي يتقاضاها الحزب، يوضح مدير «مركز أمم للأبحاث والتوثيق»، أن الأرقام المتداولة عن ميزانية ما يسمى (حزب الله) الإيرانية، مستندة بأغلبها إلى التقارير الأميركية، التي تتحدث عن مائتي مليون دولار تصله سنويًا من إيران، يوزّعه بين رواتب لمقاتليه ومصاريف لقيادته والمساعدات العائدة لعائلات قتلاه وجرحاه من خلال «مؤسسة الشهيد» و«مؤسسة الجريح» التي توزع هذه الأموال بحسب ما هي مرصودة»، كاشفًا أن إيران تستثمر في المعركة الإعلامية مبالغ تقدّر بـ400 مليون دولار، مخصصة لما يسمّى «اتحاد الإذاعات الإسلامية»، التي تضمّ عددًا كبيرًا من التلفزيونات والإذاعات، أبرزها قناة «المنار» الناطقة باسم الحزب، ومحطات فضائية مثل «الميادين» و«العالم» وقناة «القدس» وتلفزيون الأقصى، وكلّها تبث من بيروت.
مصدر مطلع على ما تتداوله بيئة الحزب، أوضح أن «ميزانية الأخير من المال الإيراني، كانت قبل العام 2005 تتفاوت ما بين مائتي و250 مليون دولار سنويًا». وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الرقم ارتفع منذ الـ2005، أي بعد اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، لأنه بدأ يستثمر بأطراف لبنانية، وبدأ تطبيق سياسة إلقاء القبض على الطائفة الشيعية»، كاشفًا أن الحزب «تلقى بعد حرب يوليو في عام 2006 ما نسبته 850 مليون دولار من ضمنها التعويضات التي دفعتها إيران للمتضررين من آثار تلك الحرب».
ويبدو أن الحزب لا يتوقف عن السعي إلى مصادر أخرى لتعزيز مداخيله، عبر مصادر جانبية أيضًا، فيقول لقمان سليم: «عندما نتحدث عن الأرقام المرصودة لما يسمى (حزب الله) والإعلام الإيراني في لبنان، يعني أننا نتحدث عن بند صغير، في الميزانية الكبرى للحرس الثوري». ويلفت إلى أن بعض عمليات ما يسمى «حزب الله» الاجتماعية والثقافية تموّل من المال العام اللبناني، سواء عبر البلديات أو مجلس الجنوب أو بعض القنوات الأخرى.
وليس بعيدًا عن هذه القراءة، يؤكد المصدر الذي رفض ذكر اسمه، أن ما يسمى «حزب الله» وبعد حرب يوليو عاش طفرة مالية، حيث بدأت الأموال تتدفق إليه من دون رقيب، خصوصًا أنه بدأ حملة تمويل لعدد من الأحزاب التي ضمّها إلى ما يسمّى «محور الممانعة»، منها التيار العوني (التيار الوطني الحرّ الذي يرأسه النائب ميشال عون) وتيار «المردة» وحزبا البعث والقومي السوري الاجتماعي، مشيرًا إلى أنه «استطاع استمالة عدد كبير السياسيين والإعلاميين بالإغراءات المالية، للتسويق لسياسيته وسياسة إيران في المنطقة والدفاع عنها»، مؤكدًا أن الحزب «يدفع حاليًا لـ80 ألف شخص راتبا شهريًا، وهو ثاني أكبر عملية توظيف بعد الدولة اللبنانية». لكنه أفاد بأن «ميزانية الحزب بعد دخوله الحرب السورية باتت مفتوحة، لأنه أصبح جزءًا من المجهود الحربي الذي تضخّه طهران في سوريا».
أما الناشط الشيعي اللبناني مصطفى فحص، فيرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن كلام نصر الله «فيه نوع من الذكاء، فهو أراد حشر الدولة الإيرانية، وإظهار أنها ملزمة بالدفاع عنه أمام العقوبات الأميركية»، لكنه اعتبر من جهة أخرى أن «هذا الكلام مؤذٍ للحزب أمام المجتمع الدولي، لأنه يثبت تورطه في تبييض الأموال، لأن أي حركة نقل للمال النقدي تدرج في خانة تبييض الأموال».
صحيح أن ما بين 70 و80 في المائة من مالية الحزب مصدرها إيران، لكن الحزب لجأ إلى مصادر تمويل أخرى، وهنا يشير لقمان سليم إلى أن «ذراع الحزب وصلت إلى غرب أفريقيا، حيث العدد الأكبر من رجال الأعمال الشيعة». ويؤكد أن «أي صاحب مؤسسة تظهر عليه علامات النجاح، كان يعرض عليه الحزب أن يدخل شريكًا معه، وهذا ما أدى إلى تلويث الثروة المالية الشيعية»، مؤكدًا أن «البعض دخل كشريك مع الحزب عن حسن نية، وهو ما أدى إلى تلويث الثروة الجوفية الشيعية، سواء في أفريقيا أو أميركا اللاتينية، فكانت هناك عملية توريط للاقتصاد الشيعي الذي بات أسيرا لما يسمى (حزب الله) وأدخله بمشكلة كبيرة».
من جهته، أشار مصطفى فحص إلى أن نصر الله أثار حفيظة الشعب الإيراني الفقير، الذي يعتبر نفسه أحق بهذه الأموال من أي مستضعف بالعالم، وهذه المسألة هي جزء من معركة المحافظين ضدّ الإصلاحيين، أو من يطلق عليهم اسم «عصابة نيويورك»، أي (وزير الخارجية) محمد ظريف وجماعته، الذين يطالبون الولي الفقيه باعتماد المزيد من المرونة للمضي برفع العقوبات الغربية عن إيران.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.